المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
ظاهره الاتجار بالدين من منظور نقدي إسلامي
ظاهره الاتجار بالدين من منظور نقدي إسلامي
07-12-2011 09:29 AM


ظاهره الاتجار بالدين من منظور نقدي إسلامي

د. صبرى محمد خليل *
[email protected]

تمهيد: ظاهره الاتجار بالدين هي أفه تصيب التدين ككسب بشرى فتقضى عليه او تكاد ، ولا صله لها بالدين كوضع الهي ، بل مرفوضة منه كما سنوضح ، و إلغاء هذه الظاهرة السالبة إنما يتم من خلال تقديم الفهم الصحيح للدين ، وليس بإلغاء الدين ذاته او فصله عن المجتمع ونشاطاته السياسية والاقتصادية والتعليمية... كما ترى تيارات التغريب ، والتي لا تميز في تناولها لهذه الظاهرة بين الدين والتدين .
النهى عن الاتجار بالدين:
أولا: في القران الكريم:
قال تعالى:
(ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون..) (المائدة:44).
(فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً ) (البقرة:79).
(إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الاخره ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم) (آل عمران ).
(فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون(.
(ان الذين يكتمون ما انزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم).
(وإذا اخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون).
(وان من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما انزل إليكم وما انزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم ان الله سريع الحساب).
(اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله أنهم ساء ما كانوا يعملون).
ثانيا: في التفاسير:
يقول ابن كثير في تفسير الايه95 من سوره النحل ( \" وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّه ثَمَنًا قَلِيلًا \" أَيْ لَا تَعْتَاضُوا عَنْ الْإِيمَان بِاَللَّهِ عَرَض الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزِينَتهَا فَإِنَّهَا قَلِيلَة لَوْ حِيزَتْ لِابْنِ آدَم الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَكَانَ مَا عِنْد اللَّه هُوَ خَيْر لَهُ ; أَيْ جَزَاء اللَّه وَثَوَابه خَيْر لِمَنْ رَجَاهُ وَآمَنَ بِهِ وَطَلَبَهُ وَحَفِظَ عَهْده رَجَاء مَوْعُوده وَلِهَذَا قَالَ \" إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ \" )
ويقول الطبري في تفسير الايه(: { وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّه ثَمَنًا قَلِيلًا ...} يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَا تَنْقُضُوا عُهُودكُمْ أَيّهَا النَّاس وَعُقُودكُمْ الَّتِي عَاقَدُّتمُوهَا مِنْ عَاقَدْتُمْ مُؤَكِّدِيهَا بِأَيْمَانِكُمْ , تَطْلُبُونَ بِنَقْضِكُمْ ذَلِكَ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا قَلِيلًا ; وَلَكِنْ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّه الَّذِي أَمَرَكُمْ بِالْوَفَاءِ بِهِ يَثِبكُمْ اللَّه عَلَى الْوَفَاء بِهِ ...)
ويقول في تفسير الايه 44 من سوره المائدة ( : { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } يَقُول : وَلَا تَأْخُذُوا بِتَرْكِ الْحُكْم بِآيَاتِ كِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْته عَلَى مُوسَى أَيّهَا الْأَحْبَار عِوَضًا خَسِيسًا , وَذَلِكَ هُوَ الثَّمَن الْقَلِيل . وَإِنَّمَا أَرَادَ تَعَالَى ذِكْره نَهْيهمْ عَنْ أَكْل السُّحْت عَلَى تَحْرِيفهمْ كِتَاب اللَّه وَتَغْيِيرهمْ حُكْمه عَمَّا حَكَمَ بِهِ فِي الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَام الَّتِي بَدَّلُوهَا , طَلَبًا مِنْهُمْ لِلرُّشَا... )
ثالثا:في السنة النبوية:
عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تعلم علماً لغير الله، أو أراد به غير الله، فليتبوأ مقعده من النار) ( رواه الترمذي).
وأخرج ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق [57 /5] بسنده عن عطية بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تبارك وتعالى { وعلم آدم الأسماء كلها } (قال علمه منها أسامي ألف حرفة من الحرف، قال يا آدم قل لولدك إن لم تصبروا عن الدنيا ،فاطلبوها بهذه الحرف ولا تطلبوها بالدين )،الديلمي في مسند الفردوس (3/42)، وذكره المتقي الهندي في كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال [10 /206رقم29091]، وعزاه للحاكم في تاريخه)
رابعا: في أقوال السلف:
قال عليّ رضي الله عنه(الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق... ثم تنفس الصعداء وقال: هاه، إن هاهنا علماً جماً، لو وجدتُ له حملة، بل أجدُ طالباً غير مأمون، يستعمل آلة الدين في طلب الدنيا، ويستطيل بنعم الله على أوليائه، ويستظهر بحجته على خلقه...).
وقال ابن مسعود رضي الله عنه(سيأتي على الناس زمان تملح فيه عذوبة القلوب، فلا ينفع بالعلم يومئذ عالمه ولا متعلمة... وذلك إذا مالت قلوب العلماء إلى حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، فعند ذلك يسلبها الله تعالى ينابيع الحكمة، ويطفئ مصابيح الهدى من قلوبهم، فيخبرك عالمهم حتى تلقاه أنه يخشى الله بلسانه، والفجور ظاهر في عمله...).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما (علماء هذه الأمة رجلان: رجل آتاه علماً فبذله للناس، ولم يأخذ عليه طمعاً، ولم يشتر به ثمناً، فذلك يصلي عليه طير السماء، وحيتان الماء، ودواب الأرض، والكرام الكاتبون... ورجل آتاه الله علماً في الدنيا فضنَّ به على عباد الله، وأخذ عليه طمعاً، واشترى به ثمناً، فذلك يأتي يوم القيامة ملجماً بلجام من نار).
وعن جعفر عن محمد عن أبيه (إن الله تبارك وتعالى أنزل كتاباً من كتبه على نبي من أنبيائه وفيه أنه يكون خلق من خلقي يلحسون الدنيا بالدين، يلبسون مسوك الضأن على قلوب كقلوب الذئاب أشد مرارة من الصبر وألسنتهم أحلى من العسل، وأعمالهم الباطنة أنتن من الجيف، أفبي يغترون أم إياي يخادعون، أم عليّ يجترئون فبعزتي حلفت لأتيحن لهم فتنة تطأ في خطامها حتى تبلغ أطراف الأرض تترك الحليم منهم حيراناً).
وقال الحسن البصري رحمه الله(عقوبة العلماء موت القلب، وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة).
وقال الحافظ الذهبي (... فقد كان السلف يطلبون العلم لله فنبُلوا، وصاروا أئمة يُقتدى بهم.... وقوم طلبوه بنية فاسدة لأجل الدنيا، وليُثنى عليهم، فلهم ما نووا ...).
من أشكال الاتجار بالدين:
الاستغلال السياسي للدين : ومن أشكال الاتجار بالدين الاستغلال السياسي للدين،والذي يتمثل في جعل الغاية من النشاط السياسي هي الدولة – السلطة، والوسيلة هي الدين. ولا يلزم من رفض ذلك الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة والسياسة كما في الليبرالية ، بل الدعوة إلى جعل الدين هو الأصل والسياسة هي الفرع، اى ان يكون الدين بالنسبة للنشاط السياسي بمثابة الكل للجزء يحده فيكمله ولكن لا يلغيه . كما يتمثل في تحول بعض الأحزاب الاسلاميه إلى أحزاب ذات شكل ليبرالي، و التي هي المعادل السياسي للنظام الرأسمالي القائم على المنافسة الحرة من اجل الربح، ولا يلزم من رفض ذلك الدعوة إلى الاستبداد، بل الدعوة إلى تخليص الديمقراطية من حيث هي نظام فني لضمان سلطة الشعب ضد استبداد الحكام من الليبرالية ذاتها(أي من الرأسمالية والفردية والعلمانية....) وذلك بالديمقراطية ذاتها لا بإلغاء الديمقراطية.
الاستغلال الاقتصادي للدين: وأيضا من أشكال الاتجار بالدين الاستغلال الاقتصادي للدين، والذي يتمثل في جعل الغاية من النشاط الاقتصادي هو الربح والوسيلة هي الدين، ولا يلزم من رفض ذلك الدعوة إلى فصل الدين عن الاقتصاد ، بل الدعوة إلى جعل الدين هو الأصل ، والاقتصاد هو الفرع،اى ان يكون الدين بالنسبة للنشاط الاقتصادي بمثابة الكل للجزء يحده فيكمله ولكن لا يلغيه. وقد ساهم في شيوع هذا الاستغلال الاقتصادي للدين في المجتمعات المسلمة ان هذه المجتمعات قد طبقت النظام الرأسمالي القائم على المنافسة الحرة من اجل الربح ،بدرجات متفاوتة،وتحت مسميات عده منها الإصلاح الاقتصادي والانفتاح والخصخصة وتطوير القطاع العام... بالاضافه إلى ما سبق فان النظام الراسمالى بحكم طبيعته نظام استغلالي، ولا يمكن لاى إنسان في ظل الراسماليه إلا إن يكون طرفا في علاقة استغلالية مستغلا أو ضحية استغلال بشكل مباشر أو غير مباشر ،إزاء هذا لا تجدي النصائح والوعظ المثالي وحسن النية، بل أن حسنى النية هم ضحايا جاهزة للاستغلال، وهنا يشيع استخدام الدين كاداه للاستغلال. غير ان الأمر لا يتوقف هنا عند حد الدين، حيث ان إن علاقات الإنتاج في ظل هذا النظام الاقتصادي تصبح مصدر للفردية(الانانيه)، التي تتحول من خلال أطرادها إلى قيمه اجتماعيه، تفسد عن طريق عن العدوى بالتفاعل باقي القيم الحضارية للشخصية المسلمة، في كافه مناحي الحياة، فيتحول العلم والفكر والتعليم والصحة... إلى تجاره.ولا يمكن إلغاء هذه القيم السلبية ، والتي توفر تمهد الطريق أمام الاتجار بالدين وغيره ، إلا باتخاذ موقف نقدي من هذا النظام الاقتصادي الذى يفرزهذه القيم السلبية، والعمل على اقامه نظام اقتصادي يعبر عن القيم الحضارية للشخصية المسلمة، و يهدف إلى تحقيق مصلحه المجتمع ككل.
الكهنوتية: ومن أشكال الاتجار بالدين الكهنوتية او فئة رجال الدين، ومضمونها إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى فرد أو فئة، تنفرد بها دون الجماعة. وهى مرفوضة في الإسلام، قال تعالى(واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله )، الأكثرون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم ،بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم، وإذا كان رفض الليبرالية للكهنوتية وفئة رجال الدين أدى بها إلى الدعوة إلى فصل السلطة الدينية (الروحية) عن السلطة السياسية، فان رفض الإسلام للكنهوتيه أدى به إلى إسناده لكل من السلطتين للشعب – الجماعة بموجب مفهوم الاستخلاف، فالسلطة الدينية (الروحية) (التي عبر عنها القران بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) مخوله بموجب الاستخلاف العام للجماعة﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾،لذا فان في الإسلام علماء بالدين وليس به رجال دين،والفارق بين المصطلحين ان المصطلح الاول يفيد التخصص، بينما الثانى يفيد الانفراد، ،وليس هناك وسيط بين الإنسان وخالفه (وإذا ساْلك عبادي عنى فاني قريب أجيب دعوه الداعي إذا دعاني).والسلطة السياسية التي عبر عنها القران بمفهوم الأمر مخوله بموجب الاستخلاف العام أيضا للجماعة(وأمرهم شورى بينهم) ، أما الحاكم فنائب ووكيل عنها لها حق تعيينه ومراقبته وعزله ، يعرف الماوردي البيعة بأنها ( عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار)(الأحكام السلطانية، ص 7 ).ويقول أبو يعلي أن الخليفة ( وكيل للمسلمين ).
كما ان التصور الإسلامي الصحيح للعلاقة بين السلطتين يقوم على أنها علاقة وحدة (لا خلط)، بالتالي يقوم على القول بدينيه التشريع وليس السلطة كما في الثيوقراطيه. وتمييز (لا فصل)، وبالتالي يقوم على القول بمدنيه السلطة وليس التشريع كما في العلمانية.
قضيه اباحه أخذ الأجر على العلاج بالقران الكريم بين الإطلاق والتقييد: الطب الاسلامى هو شكل من أشكال الطب الشامل comprehensive Medicine الذي يجمع بين العلاج المادي الذي يقدمه علم الطب،والعلاج الروحي الذي يقدمه القران،وان الأخير هو شكل من أشكال الطب المكمل Medicine Complementary اى الذي يُستخدم مع علم الطب أي يكمله وليس شكل من أشكال الطب البديل Alternative Medicine اى الذي يستخدم مكان علم الطب أي كبديل عنه.
.وهناك مذهب يقول بالاباحه المطلقة لأخذ الأجر على العلاج بالقران الكريم استنادا إلى الحديث (إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ). غير ان هذا المذهب فيما نرى قد بفتح الباب أمام شكل آخر من أشكال الاتجار بالدين، هذا فضلا عن أن الحديث لا يدل على الاباحه المطلقة، بل الاباحه المقيدة بضوابط تشير إليها نصوص أخرى،وهو الأمر الذي أشار له كثير من العلماء منها:
• أن تكون الأجرة بشرط الشفاء، يقول ابن تيميـة ( وكان الْجُعْل على عافيةِ مريض القوم لا على التلاوة ) (مجموع الفتاوى 18 / 128 ) ، وقـال - أيضاً - : ( فإن الْجُعل كان على الشفاء لا على القراءة ) ( مجموع الفتاوى 20 / 507
• عدم اتخاذ العلاج بالقران كحرفه ، إذ لم يعرف ذلك عن السلف ،وحديث أبي سعيد ألخدري وقع في الروايات الصحيحة الثابتة الدلالة على أن الذي رقى هو أبو سعيد الخدري إما تصريحا وإما بالتورية . لم يصبح أبو سعيد رضي الله عنه يرقى الناس بعد ذلك واتخذ ذلك خاصا به يقصده الناس لأجله ولا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
• يترتب على ما سبق عدم جواز تحديد اجر مسبق و ثابت ، وان كان من الجائز اخذ ما يدفعه المعالج برضاه وحسب سعته.
- للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة العنوان http://drsabrikhalil.wordpress.com) )

-
أستاذ الفلسفة بجامعه الخرطوم


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 8672

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#177022 [عبدالحق]
0.00/5 (0 صوت)

07-12-2011 03:24 PM
اوردت جريدة الصحافه مقالا حول عربات المشاهير وذكرت المحرره ان نائب الرئيس اهدى عبالحى عربه برادو .. لم ينف الشيخ هذه التهمه .. هذه العربه اهداها من لا يملك لمن لا يستحق وهى من مال الشعب السودانى البائس ... هذه العربه رشوه .. ولعن الله الراشى والمرتشى .. اعوذ بالله ..


#176827 [abu ali]
0.00/5 (0 صوت)

07-12-2011 10:45 AM
thank yuo very much. this is what we want it. exatly


#176799 [أبو علوه ]
0.00/5 (0 صوت)

07-12-2011 10:02 AM
جميل يا د/ أن يتم تعرية هذه التجارة البائسة والتى أري أن يعمل الجميع لتعريتها وأسمح لي بهذه الإضافة :
حول علاقة الدين الإسلامي بالدولة بين تيارين يتناوبان الإتهام ، فجماعة الإسلام السياسي تتهم من يخالفها الرأي بالعلمانية وهي كلمة رديفة حسب قاموسهم بالكفر ، بينما يتهم المتهمون بالعلمانية حركة الإسلام السياسي بالمتاجرة بالدين .
نزل هذا الصراع أرض الواقع في كثير من الدول الإسلامية وبينها السودان ليجد المسلم الغلبان مطحونا بين الحوافر .
وبالرغم من أنني أحد هؤلاء المطحونين الغلابا سأتبنى فى هذة السطور وجهة نظر العلمانيون الكفار في وجه المتاجرون بالدين فإليكم .
أول من بدأ التجارة بالدين اليهود والنصاري بتحريفهم لكتاب الله الذى انزله الله عليهم ( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75)
( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ( 13 )
عن البراء بن عازب. قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما مجلودا. فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال ( هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ ) قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم. فقال ( أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ ) قال: لا. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك. نجده الرجم. ولكنه كثر في أشرافنا. فكنا، إذا أخذنا الشريف تركناه. وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع. فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اللهم! إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه ). فأمر به فرجم
ليس بعد كلام الله كلام وليس بعد حديث الرسول صلى الله علية وسلم حديث وأحفظ للقارئ وقته وأتركه ليستحضر ما شاء وهو كثير في الكتاب والسنة لهذا التحريف ولأسباب هذا التحريف والذي لا يمكن أن نطلق عليه بمصطلحات هذا الزمان الا التجارة بالدين .
تم نسخ الرسالات السابقة برسالة الإسلام وبمبعث الرسول محمد ( ص ) وتم إرجاع عقيدة التوحيد إلى أصوله الحقيقية ( الحنيفية السمحة ) وإزالة كل ما ألصقة به تجار الدين من اليهود والنصارى من تزوير وتضليل وبهتان . أراد الله سبحانة وتعالى أن يكون النبي محمد خاتم النبيين والرسالة الاسلامية خاتمة الرسالات وتكفل سبحانه بحفظها إلى يوم الدين ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ، فلا مجال لأحد بالإتجار بنصوصه بعد اليوم فليؤمن من يؤمن وليكفر من يكفر ( قل يا أيها الكافرون # لا أعبد ما تعبدون # ولا أنتم عابدون ما أعبد # ولا انا عابد ما عبدتم # ولا أنتم عابدون ما اعبد # لكم دينكم ولي دين ) .
كان الوحي يتوالى على الرسول محمد ( ص ) ويتسابق الصحابة لسماعة وحفظة والتفقه فيه على يد النبي الكريم إلى أن ختمت الرسالة واكتمل الدين ( اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) .
فكيف ظهر تجار الدين في ظل هذه الرسالة المحفوظة .
من المتفق عليه أن التشريع الأسلامي يقوم على كتاب الله وسنة نبيه وقد إلتزم بذلك صحابه رسول الله صلي الله علية وسلم ومن بعدهم التابعين وعلماء الأمة حتى ظهور المتنطعين والمتشددين في الدين من طائفتي السنة والشيعة ومنذ حادثة التحكيم الشهيرة بين سيدنا على وسيدنا معاوية رضي الله عنهما والأحداث التي تلت ذلك وما ترتب على ذلك من إنقسامات أوجدت مناخا مناسبا لظهور طوائف وجماعات عمدت إلى دعم موقفها عن طريق التقول على النبي الكريم فظهرت الأحاديث الموضوعة المرفوعة إلى مقام النبي الكريم وإليكم نماذج منها :
حديث ( إن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن )
حديث ( عليكم بالوجوه الملاح والحدق السود فإن الله يستحيي أن يُعذب وجهاً مليحاً بالنار )
حديث ( أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من فضلة طينة آدم وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران فأطعموا نساءكم الوُلّد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر
حديث أسماء بنت عميس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي، ولم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: أصليت ؟! قال : لا. قال رسول الله: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس، قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت )
فما هو مقصد وهدف من وضع هذه الأحاديث الموضوعة إن لم يكن لغرض تحقيق مكاسب دنيوية .
كما ظهر بعض المتشددين الذين إستحسنوا بعض الأقوال فرفعوها إلى النبي الكريم وادخلوا الوهن بين المسلمين نتيجه ذلك . ولله الحمد أنبرى لهم من أجهض مشروعهم .
وفي العصر الحديث وظهور جماعات الإسلام السياسي لم يكن لهم مجال لوضع نصوص كمن سبق فعمدوا إلى أقوال يستحسنها الناس وفيها السم الزعاف كمقولة .
الإسلام هو الحل ، والإسلام يصلح لكل مكان وزمان ، الإسلام دين ودولة ، وغيرها من الشعارات التى لا تسمح لأي كان بمناقشتها ناهيك على الإعتراض عليها .
كما أوجدوا تفريعات بطريقة أو بأخرى نسبوها إلى الإسلام مثل – الطب النبوي – الإقتصاد الإسلامي – العمارة الإسلامية – العلماء المسلمون هم أساس علم الفلك – العلماء المسلمون هم أساس علم الرياضيات – ثم ذهبوا بعيدا في تأويل الأيات للإستدلال بها والإثبات بأن القرآن فيه كل شيء وعملت بحوث ومنحت درجات علمية حول هذه المواضيع .
دعونا نرجع إلى منبع الإسلام في مكة والمدينة وفي عهدها الأول حيث بدأت الدعوة وأكتملت في ثلاثة وعشرون عاما خلت .
البئية التى بعث فيها النبي كانت ، شرك وعبادة أصنام ، ظلم ورق ومهانة ، فسوق وفجور ووأد للبنات ، سيادة القوى على الضعيف ، قتال وتناحر بين القبائل ، ثارات وتربص وقتل ، جاهلية ضاربه بأطنابها في جميع مناحي الحياة .
أرسل الله رسوله في هذه البيئة ليخرج الناس من الظلمات إلى النور وميدان جهاده الإنسان ، ثلاثا وعشرون عاما بين مكة والمدينة ، جهاد وصبر وتضحية ، بكاء وتذلل وتضرع إلى الله ، دعوة متواصلة بالحجة والمنطق والبراهين ، توجيه وتعليم وتفقيه ، مواساه وترغيب بموعود الله ، يا أيها المدثر قم فأنذر ، يا أيها المزمل قم الليل الا قليلا ، اللهم اليك أشكو ضعف قوتي وقله حيلتي وهواني على الناس ياارحم الراحمين الى من تكلني ؟الى بعيد يتجهمني ؟ام الى عدو ملكته امري ؟ان لم يكن بك علي غضب فلا ابالي ولكن عافيتك اوسع لي اعوذ بنور وجهك الذي اشرقت له الظلمات وصلح عليه امر الدنيا والاخره من ان تنزل بي غضبك .او يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولاقوة الابك ، وكانت سورة الفاتحة وكانت سورة الفتح وكانت الخاتمة النصر ، نعم ، كانت سورة النصر، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ، وتمت النعمة ولله الحمد ، دخل الناس فى دين الله أفواجا ، وحدوا الله وعبدوه واخلصوا له العبادة ، فرضت عليهم فرائض وعبادات أدوها بخشوع وتضرع ، حرمت عليهم أعمال تركوها بتجرد وزهد وخشية ، طهرت نفوسهم من أوزار الجاهلية وصفت ، فباهى بهم الله ملائكته في السموات ، يمشون في الأرض وقلوبهم عالقة بالسماء ، رضي الله عنهم وأرضاهم ، تحت الشجرة وفي بدر وأحد ، ويوم حنين جاء العتاب ثم العفو والرضوان .
يأتون إلى النبي يشكون أمراض أبدانهم ، فيرقى أرواحهم ، يرقيهم برقى تربطهم بخالقهم ، أن الأمراض من الله وأن الشافي هو الله ، إن كان الشفاء فهو من عند الله ، وإن كانت الأخرى مات على الإسلام .
يجلس النبي بين يدي عمة أبو طالب وهو يصارع المرض والموت ، لم يكن همه أن يشفى بدن عمه وهو يحب له الشفاء ، إنما كان يخاطبه بعطف وشفقة ليموت على لا أله إلا الله ,
توفى أولاده وهم في ريعان الصبا وبناته وهم في عز الشباب ، يبكى إبنه إبراهيم ويقول إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا لفراقك يا أبراهيم لمحزونون ، ثم يرد الناس للعقيدة التى جاهد من أجلها ، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت احدهم أو حياتة ، لم نسمع بأنه عمل خلطة طبية يتناولها الناس عند الإصابة بمرض من الأمراض ، فإن وردت بعض الأحاديث في الحبة السوداء وغيرها من الأعشاب فقد تداوى بها الناس قبل الإسلام ، وإن ذكر العسل وبه شفاء فذلك لأن الله قد ذكره في القرآن ، كان النبي طبيبا للأبدان ، نقول لكم عنكم ، لم نسمع بأن النبي قد فتح عيادة أو صيدلية يعالج فيها الناس ، كان النبي طبيبا للأرواح ، نقول لكم عنكم – كان رسولا نبيا فلا تصفوه بما لم يصف به نفسه ، فدعونا من هذا الغلو ، كتب ألفها تجار الأعشاب والصيدلانية ونسبوها للأسلام ليتكسبوا ربحا من ورائها .
الأسلام رسالته واضحة ربط الناس بخالقهم وتوحيده وإفراده بالعبودية . أما الطب فقد برعت فيه شعوب أخرى أكثر من براعة العرب . إنتقل الطب من تلك البلاد بعد الفتوحات الإسلامية بتبادل الثقافات والعلوم بين الشعوب فكما برع علماء مسلمون فيه برع فيه غيرهم فلا تنسبوه للإسلام حتى لا نجد الإسلام متخلفا فيما تدعون انه قد حواه من جوانبه .
وقال تجار الدين : الإقتصاد الإسلامي ، البنوك الإسلامية ، الصرافات الإسلامية وغيرها ذلك مما نسبوه للأسلام
نرجع مرة أخرى إلى العهد النبوي الشريف . الإسلام أقر العدل وحرم الظلم وفي سبيل محاربة الظلم والظالمين ، حرم الإعتداء على النفس ، حرم الإعتداء على المال ، حرم الإعتداء على العرض ، فتناول بالتحريم قتل النفس وبين جزاء ذلك في الدنيا وفى الآخرة ، حتى جزاء حبس الهرة وفضيلة الإحياء للكلب يلهث من العطش . تناول بالتحريم هتك العرض حتى إدامة النظر . تناول بالتحريم الإعتداء على المال بكل وسائل الإعتداء ، الرباء ، الغش ، والسرقة ، وكل ذلك لمنع الظلم وإقامة العدل وحفظ الحياة ، لم يتناولها كنظرية إقتصادية عالمية كانت أو محلية كما يدعى هؤلاء الغلاة وينسبوها للإسلام . ويسرفوا في نظريتهم ليقودوا المسلمين إلى أهدافهم الخاصة ، لم نسمع بالإقتصاد المسيحي ولم نسمع بالاقتصاد اليهودى ومل نسمع بالإقتصاد الهندوسي فلماذا نذج بكلمة إسلام فيما لم ينزل لإجله . فإن حدث خطأ كان العيب في الإسلام وإن كان صوابا يعاب أنه جهد بشري ألصق برسالة سماوية .
ثم أتحفونا بفن العمارة الإسـلامية ، أي عمران هذا الذي يدعون وقد بني المسجد النبوى باللبن وبيد الرسول الشريفة .
لقد بنت شعوبا أخرى سور الصين العظيم والإهرامات وحدائق بابل المعلقة قبل الإسلام وبرعوا في ذلك . لماذا نريد أن نجعل الرسول معماريا يا هؤلاء وقد كرمة الله ليكون رسولا نبيا – لماذا لم نقل فن العمارة الأموية وقد كان لهم فضل في السبق في البناء والزخرفة بعد أن تعلموا هذا الفن من البلاد التى فتحوها ، بنو قصورا وبنو مساجد وزخرفوها بما يتوافق مع معتقداتهم . فهل ننسب ذلك للأمويين أو ننسبه للأسلام . مرجع تحريم الإسلام بناء المجسمات الحية عقائديا بحتا وليس لغرضا معماريا. لماذا لا نقول فن العمارة العباسية أو فن العمارة الأندلسية أو حتى فن العمارة العربية إن لزم الأمر ونحن نعلم أن العرب بنت قصورا في الجزيرة العربية قبل الإسلام . لم ينسب فن العمارة الرومانية إلى الديانة المسيحية كما لم تنسب معابد البوذيين ليقال فن العمارة البوذية . فلماذا نحشر الإسلام فيما لم يرسل لأجله . قد إختارت الشعوب تصاميمها حسب المناخ والطقس ونوعية المواد المتوفرة لديهم والتصاميم أرث وثقافات تناقلت عبر الأجيال والشعوب منذ أن سكن الإنسان الكهوف فلا علاقة للأسلام به الا المنفعة التى يجنيها هؤلاء التجار .
ثم ذهبنا لنقول أن العلماء المسلمون قد برعوا في علم الطب وعلم الفلك وعلم الرياضيات وأطلنا القائمة وأن أوربا لم تصل إلى هذا التقدم إلى بفضل العلماء المسلمون ، وذكرنا الرازي وإبن سيناء وإبن حيان وإبن بطوطة ، جميل ان نذكر تاريخ الرجال وجميل أن نحفظ حق العلماء في العلم والبحث ، وكل شعوب الأرض تفخر برجالها . ولكن لماذا نستحضر هذا التاريخ وبهذه القوه في هذا الزمان . لأننا أقحمنا الإسلام في ميدان غير ميدانه الذى نزل لأجله ( الإنسان ) , فتخلفنا كمسلمين رجعنا نستنجد بالتاريخ .
ثم ننسب هؤلاء العلماء إلى الإسلام ، ونفاخر بأن الإسلام دين علم ، فهل الإسلام يحتاج إلى هذا النسب ليفاخر به ، الا يكفى الإسلام أن يقوم بذاته كدين رباني إن كنا نؤمن به . تحدى العرب في لغتهم وهم أهل البلاغة والفصاحة . وعاتب القرآن النبي ( عبس وتولى ، أن جاءه الأعمى ) فتفضيل الناس بمنظور القرآن الإيمان والتقوى فقط .


د. صبرى محمد خليل
د. صبرى محمد خليل

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة