المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
محمد علي صالح
تأملات امريكي سوداني (1): اسوأ يوم في حياتي..اا
تأملات امريكي سوداني (1): اسوأ يوم في حياتي..اا
07-13-2011 09:18 PM

تأملات امريكي سوداني (1): اسوأ يوم في حياتي

واشنطن: محمد علي صالح
[email protected]

كان يوم السبت الماضي، يوم اعلان تقسيم السودان رسميا، اسوأ يوم في حياتي. لانه جمع بين حزني وغضبي.
------------------------------------
خلال نصف قرن في العمل الصحافي المتفرغ، حزنت في ايام كثيرة، وغضبت في ايام كثيرة.
حزنت يوم انهزم العرب امام اسرائيل (سنة 1967). ويوم انقلاب جعفر نميري ضد حكومة ديمقراطية في السودان (سنة 1969). ويوم توفى الرئيس المصري جمال عبد الناصر (سنة 1970). ويوم انقلاب عمر البشير ضد حكومة ديمقراطية في السودان (سنة 1989). ويوم هجوم 11 سبتمبر في نيويورك (سنة 2001). ويوم غزو امريكا لافغانستان (سنة 2001). ويوم غزو امريكا للعراق (سنة 2003).
لكن، بعد سنوات قليلة من غزو العراق، اقتنعت بان ما سماها الرئيس الامريكي السابق بوش الابن \"الحرب ضد الارهاب\" ليست الا حربا غير مباشرة ضد المسلمين (ان لم تكن ضد الاسلام). غزت امريكا دولتين مسلمتين (افغانستان والعراق). وضربت دولتين مسلمتين (الصومال وباكستان). وهددت بضرب ثلاث دول مسلمة (ايران وسوريا والسودان). وقتلت مسلمين، وجرحتهم، ودمرت منازلهم، واعتقلتهم، وطاردتهم، وتجسست عليهم، واحرجتهم، واساءت اليهم، في شرق العالم وغربه. ولا تزال تفعل ذلك.
جعلني هذا اجمع بين الحزن والغضب. الحزن على ما يحدث للمسلمين، والغضب على الحكومة الامريكية التي تفعل ذلك.
-----------------------------------
لهذا، في سنة 2008 (آخر سنة للرئيس بوش في البيت الابيض)، بدأت جهادا صامتا فرديا امام البيت الابيض. ارفع لافتة عملاقة عليها سؤالان فقط: في جانب: \"ما هو الارهاب؟\" وفي الجانب الآخر:\"ما هو الاسلام؟\" وتحت السؤالين بحروف اصغر: \"30 سنة صحافي في واشنطن. لا اثق في السياسيين. اناشد ضمير الشعب الاميركي. سأكون هنا حتى اموت..\"
ليست مظاهرتي مثل بقية المظاهرات. اقف وحيدا، وصامتا. لا اناقش، ولا اهتف، ولا اعتكف، ولا اصوم، ولا اقيد نفسي بحائط البيت الابيض، ولا البس بنطلون \"جينز\"، ولا قميص\"تي شيرت\". البس بدلة كاملة غامقة اللون. لاني اؤمن بان مظهري وسلوكي جزءان من هدفي.
وليست مظاهرتي منتظمة. ساعات قليلة في عطلة نهاية الاسبوع، وحسب ظروفي. ليست في ايام البرد الشديد، والحر الشديد، وتوترات داخلية (مثل مظاهرات امام البيت الابيض)، وتوترات خارجية (مثل المظاهرات الحالية في الدول العربية).
وليست مظاهرتي ضد الرئيس اوباما، او معه. وليست ضد اي حكوم عربية او معها. ليست مع الاسلاميين، او الشيوعيين، او الحداثيين، او ما بعد الحداثيين. ليست مع اي شئ. وليست ضد اي شئ. مجرد سؤالان للشعب الاميركي ليستيقظ على ما يفعل السياسيون باسمه.
----------------------------------
بعد ثلاث سنوات، احس ان وقوفي امام البيت الابيض صار مثل \"عيادة نفسية\". احس براحة نفسية، ويخف حزني، ويخف غضبي.
لكن، كان يوم السبت الماضي يوم الحزن والغضب الاكبرين:
حزن لان وطني الاول، السودان، تقسم.
وغضب لان وطني الثاني، امريكا، لعب دورا كبيرا في تقسيمه.
ابدأ بالشكر للرئيس السابق بوش الابن، وكنائس مسيحية، ومنظمات يهودية، و \"بلاك كوكس\" (تكتل النواب السود في الكونقرس) لانهم ضغطوا على حكومة الرئيس البشير الاسلامية لوقف سياستين خطأتين:
اولا: ما سمي \"المشروع الحضاري الاسلامي\": لنشر الاسلام في الدول الافريقية المجاورة.
ثانيا: ما سمي \"الجهاد\": لضرب المتمردين في الجنوب، ونشر الاسلام بالقوة هناك.
لو كنت مسيحيا امريكيا، ما ترددت في مساعدة المسيحيين في جنوب السودان الذين كانوا يواجهون ما سمي \"الجهاد.\"
لكن، خلال السنوات التي اعقبت اتفاقية السلام، بدا بوش، وقادة كنائس، ويهود، وسود في الكونقرس يميلون نحو تقسيم السودان. وكان من اسباب ذلك هجوم 11 سبتمبر، واعلان ما تسمى \"الحرب ضد الارهاب\"، وظهور \"اسلاموفوبيا\" (الخوف من الاسلام والمسلمين) التي يبدو، اسفا، انها ستبقى في امريكا لفترة طويلة.
وتطورت الاحداث كألاتي:
اولا: طلب فرانكلين قراهام، من اهم المسيحيين في امريكا، من الرئيس بوش \"يجب ان تتذكر السودان دائما\". والد فرانكلين، بيلي قراهام، هو الذي الهم بوش بان \"يعود الى المسيحية\" بعد سنوات الطيش والسكر والعربدة.
ثانيا: ارسل عشرون من قادة الكنائس خطابا الى بوش باهمية \"وقف مذبحة واسترقاق المسيحيين في جنوب السودان.\"
ثالثا: ارسل قسيس بوش الخاص، قسيس كنيسة ميدلاند (ولاية تكساس) خطابا الى الرئيس البشير حذره فيه من \"ان تتحدانا، وتتحدى الحكومة الامريكية.\"
رابعا: كتب السناتور جون دانفورث، مبعوث الرئيس بوش الى السودان، بان الجنوب يجب ان ينفصل عن الشمال لحماية المسيحيين، وهو نفسه قسيس.
---------------------------------
والأن، هذه هي اسئلتي عن دور امريكا في تقسيم السودان:
اولا: لماذا لم تحرص الحكومة الامريكية على وحدة السودان مثلما حرصت على وحدة اراضيها عندما انتقلت من تجارة الرقيق الى دولة التعددية. لماذا خاضت حربا اهلية لمنع ولايات الجنوب من الانفصال؟ لماذا لم تضغط على السياسيين السودانيين، شماليين وجنوبيين، لتكون العلاقة بينهم مثل العلاقة بين البيض والسود؟
ثانيا: لماذا اهملت الحكومة الامريكية الفقرة في اتفاقية السلام التي تقول الآتي: \"يعمل الطرفان معا لتكون وحدة السودان جاذبة\"؟
ثالثا: لماذا لم تساعد الحكومة الامريكية السودانيين ليكونوا مثالا اخلاقيا: ليتعايشوا رغم اختلاف اديانهم، وليكونوا جسرا حقيقيا بين العالم الاسلامي وافريقيا؟
رابعا: لماذا لم يترك القادة الامريكيون المسيحيون جنوب السودان ليكون مفتوحا للمبشرين المسيحيين وللدعاة المسلمين، لينشر كل صاحب دين دينه؟
خامسا: يقول مثل امريكي: \"خطأن لا يساويان صوابا\". لماذا هبطت الحكومة الامريكية، الحرة والديمقراطية، الى مستوى الحكومة العسكرية الاسلامية في السودان؟
--------------------------------------
هذه هي اسباب حزني وغضبي. ولهذا، كان يوم السبت الماضي اسوأ يوم في حياتي: يوم حزنى لان وطني الاول تقسم، ويوم غضبي لان وطني الثاني شجع التقسيم.
ساعود الى \"عيادتي النفسية\" امام البيت الابيض، وربما سيقل حزني وغضبي. لكنهما لن يزولا.
(يتبع)
---------------------------------------
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 3016

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#178682 [ سودانى طافش ]
0.00/5 (0 صوت)

07-15-2011 08:45 AM
لماذا تلوم ( أمريكا ) .. وهل السودانيين لم يبلغوا سن ( الرشد ) لكى تقول لهم أمريكا أفعلوا ولاتفعلوا ! واضح أنك تعرف تاريخ ( وطنك ) الجديد جيداً ولاتعرف من يحكم السودان ولا أساليبهم فى إدارته ولا حتى كيف إسيلائهم على الحكم ! أحمد ربك أنك فى بلد تستطيع أن تحمل لوحة وتقف على سور ( البيت الأبيض ) وتقول ماتشاء وأنت فى كامل ( أناقتك ) ! ياسيدى السودانيين محرومون من أن يقولوا ( لاء ) ولابد أن يقولوا ( نعم ) ونعم ثم نعم وإلا فالويل له فى رزقه وعمله وكرامته ! صدقنى فى كثير من الأحايين لولاأمريكا لكنا أسوأ من ذلك بكثير !


#178056 [Omer Mohamed]
0.00/5 (0 صوت)

07-14-2011 03:42 AM
من قسم السودان هو الجبهة القومية الاسلامية وهذا هو برنامجها الاساسى منذ القدم وهو فصل جنوب السودان واقامة دولة عربية اسلامية فى الشمال اذا فشلت خطة اسلمته بالقوة. ويكفى أن الجنوب فقد قرابة الـ 2 مليون مواطن فى هذه الحرب القذرة ولم يكن امام الجنوبيين خيار سوى التصويت للانفصال عندما سنحت لهم الفرصة للانعتاق من هذه الهيمنة والدمار الذى فرض عليهم وعلى اسرهم وعلى مناطقهم فى الجنوب التى كانت مسرح القتال..
لك ان تحزن او تغضب لكن تحميل امريكا والمسيحين مسؤولية فصل جنوب السودان تحليل ظالم ومسك للعصاية من النصف والبحث عن شماعة لتعليق ضبابية المواقف المهزوزة عليها.





#178052 [واحد]
0.00/5 (0 صوت)

07-14-2011 03:30 AM
منذ الانتخابات السودانيه ارسلت emails لم تصل لى اوباما اناشده عدم تقسيم السودان فقد كان واضحأ لدي ان البشير رئيسأ يعني السودان مقسمأ اما لماذا لم يعطي السودان فرصة كما في الحرب الاهليه في امريكا فالسبب يكمن في ان الرق في امريكا مرتبط بالاقتصاد اما في السودان فمرتبط بالدين


#178033 [محمد مصطفي مجذوب]
0.00/5 (0 صوت)

07-14-2011 01:33 AM
ٌقرأت
واعدت قراءة ما كتبت مرتين
و في كل مرة اصل لقخلاصة ان ما كتبت لم يتعد إ....لا ان يكون آذانا في مالطا.......
لك الله يا رجل
قد اسمعت إذا نادت حيا
ههيات ...ثم ههيات
فهذا زمن خزي وعار
هذا زمان دثار فرعون


محمد علي صالح
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة