المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
السودان يذبح جهارا.. يا صبيان: كوركو عليه...
السودان يذبح جهارا.. يا صبيان: كوركو عليه...
07-14-2011 01:09 PM

غرس الوطن
السودان يذبح جهارا.. يا صبيان: كوركو عليه...

أم سلمة الصادق المهدي

النداء في عنوان مقال اليوم، لعبقري من بلادي اختار الشتات وطنا بديلا لوطن صار طاردا منذ اليوم المشئوم الذي بدأ فيه تنفيذ مخطط ذبح السودان من الآذان للاذان قبل 22 سنة خلت وقديما قيل الفقر في الوطن غربة فكيف بالاضطهاد من كل جنس وكيف بالظلم من كل لون. هذا الفنان «الذي سمى نفسه سومي ولم أعرف له اسما» نظم شعرا تم اخراجه «مع آخرين» في شكل مناحات من مناحات غربنا الحبيب، رثاء للوطن.
والنداء نفسه مأخوذ من عمل فني رائع يعكس ما لهذا الشعب من ابداعات وامكانات تبرزها المحن، والعمل من اخراج شركة تدعى «تداعيات» ويمكن البحث عنه كاملا في الشبكة العنكبوتية استعانة بوسائل البحث المتوفرة مثل قوقل تحت مسمى «الا بس الكيزان ..الشيطان». وهو عمل يستنفر شباب السودان وأهله ليبكوه مثلما يفعل أهل الميت حينما يفقدون عزيزا لديهم حيث يرد في بعضه:
يا سودان جايين عليه والفتنة ما دايرنها ليه
غابات وصحرا جنب النيل بترول كتير دفق عليه
يا صبيان كوركو عليه ...كوركو عليه..
ثم يمضي في تعداد ما للسودان من موارد وثروات وما كنا فيه من نعم وما بين مكوناته القبلية المتعددة اثنيا ودينيا وثقافيا من توادد وتآلف وما فيه من وعد وتمني... الا بس... الكيزان، الشيطان.
ونحن هنا نستخدم النداء ليس فقط لاستنفار الناس للبكاء على الوطن وفي البكاء تأمل وتدبر ولكن لاستنهاض الهمم والنفير من أجل الوطن فهذا حال دوامه من المحال ان أردنا وطنا اسمه السودان.
لا شك أن يوم السبت 9 يوليو 2011 كان يوما مفصليا ولحظة انزال علم السودان وابداله بعلم الدولة الجديدة كانت لحظة فارقة في كل تاريخ السودان وقد فرقت السودانيين وقسمت السودان حتى على مستوى المشاعر: فبينما طغى الفرح على البعض قبض الحزن الحارق على قلوب كثيرة. ومثلما ذكر د. حيدر ابراهيم لقناة الجزيرة في ليلة الانفصال: «تكون التهنئة به كانجاز نوع من النفاق»، ليس على من يمثلون شخوصهم تكبده. فبينما تقتضي الدبلوماسية وتفرض المسؤولية على القيادات الربط على الجروح وقول «مبروك عليك» عربونا لصداقة لا غنى عنها بين شطري الوطن المتشظي وأملا في وحدة مستقبلية لم نيأس منها حال توفر ظروفها وزوال موانعها لاعتقاد راسخ أنها من طبائع الأشياء، مثلما لا يمكن للماء الجريان من أسفل لأعلى كذلك لا يستقيم تقسيم السودان وستعود الأمور بمشيئة الرحمن الرحيم وبارادة أهل السودان لمجاريها يوما ما ..
كان من الفرحين أهلنا في دولة جنوب السودان ومنهم من فرح ابتهاجا بانعتاقه من سلطة المؤتمر الوطني القابضة، الجائرة ، الخانقة ولا يلام. ومنهم من فرح لانفصالية أصيلة في خياراته، وأولئك هم الملمون. ومنهم فرحون ليسو في العير ولا في النفير هؤلاء ذنبهم على من ضللهم. أما في الشمال فقد كان الحزن والأسف هو الطابع الغالب لردود الفعل الشمالية، لأن فطرة أهل الشمال الغالبة حتى بعيدا عن السياسة وتعقيداتها أن النقص خيبة كما قال أحد المواطنين الشماليين من الذين استطلعهم تلفزيون الجزيرة عن رأيه في انفصال الجنوب. أما من فرح في الشمال آثما مثلما فعل صاحب الانتباهة ورهطه والمنبر الذي سمي على غير مسمى منبر السلام العادل وقد غاب السلام والعدل عن أهدافه وأقواله وأفعاله كما كان الأجدر بأن تسمى انتباهتهم «الغفلة» لنظرها القصير القاصر، فقد كان فرح من ذكرنا فرحا استثنائيا شاذا ومعزولا في قاعدة الحزن السائدة في بقية الوطن المنكوب. ومن مظاهر ذلك الفرح الذي دمغناه بالاثم مسيرات سيرها المؤتمر الوطني كمعالجات «أمنية» تريد امتصاص الغضب الرافض للانفصال وقد اختار الغافلون لامتصاص الغضب: الاحتفاء بعلم السودان ورفعه !
من أراد تقييم «انجازات» دولة المؤتمر الوطني بمقارنة بين فعلها ومقاصدها وما تحققه في نهاية يومها، يذهله ما يظهر له بوضوح : أن هؤلاء القوم تنتهي أفعالهم دائما الى ما هو عكس المقاصد. وهو ما يطابق بصورة مذهلة ويجسد حرفيا ما قاله العز بن عبدالسلام «كل أمر تنتهي نتائجه الى عكس مقاصده فهو باطل» ويتضح ذلك منذ ما أتى في البيان الأول للانقاذ في 30 يونيو 89 الذي ورد فيه ضمن ادعاءات كثيرة أن «الثورة» قامت للحفاظ على وحدة السودان، مرورا بكل ما حدث منذ ذلك الزمن من مقاصد تنتهي الى نتائج كارثية، حتى هذا الاسستخدام غير الموفق للعلم في يوم انفصال جنوب السودان لامتصاص غضب الانفصال، بينما مجرد رؤية العلم أو ذكره تثير الغضب أضعافا مضاعفة وقد كان رمزا لوحدة الوطن التي ذبحت على رؤوس الأشهاد!
في يوم التاسع من يوليو 2011 تسمرت مثل كثيرين أمام شاشات التلفزة لمراقبة الحدث الذي لم نتمن أن ندركه أحياء أو بكلمات المبدع القدال في رائعته «طواقي الخوف» :«خوفي على البلد الطيب جناها وقمنا في خديرها ـ شاحدك يا كريم:لا تحصل خراب لا أرجى يوم ودّيرا» ولكن لأن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه ، ها نحن ندرك «الخايفين منه» أحياء. لقد مرت دقائق كأنها الدهر تعاورتني فيها أحاسيس مرة بالفشل والغصة وعدم الجدوى وفي لحظة انزال علم السودان وابداله بعلم الدولة الجديدة نسيت بعض ما بي وأشفقت على حكيم الأمة وقد كان حاضرا بجوبا تلك اللحظات المهيبة الرهيبة أشفقت عليه وعلى مثله ممن يمثلون تيارا عريضا يضم حزب الأمة وآخرين هم ورثة السودان العريض الذي عرفناه بأمياله المليون مربع ، القطر الذي يجسد تحدي تلاقح الحضارات، سفير العرب في بلاد أفريقيا وسفير أفريقيا في بلاد عربية، القطر الذي مثلت خلطته العرقية «قهوة كيف» يتراوح تركيز لونها حسب لبنها المضاف، ولكنها تبقى قهوة«كيف» سادة أو بلبن، ويمثل فرصة قديمة جديدة في الانصهار والتمازج وفي ذاكرته الجمعية تجارب ناجحة في الانصهار المتسرب المتناغم وهي تجارب أفلحت بنجاح في بذر الشعور القومي مثلما حدث في ام درمان الأولى وفي الجزيرة أبا الثانية وفي أبيي التي تلتهب الآن. الوطن الذي تجمع أهله رغم تباين الملامح والألوان والعقائد، ميزات لحظها سمبويا الافريقي وقال السودانيون لا يشبهون غيرهم من الأفارقة، هم نسيج وحده. ولحظها الأمير الحسن بن طلال العربي وقال السودانيون لا يشبهون غيرهم من العرب ويمتازون بما أطلق عليه «السودانيات» وهي الخصوصية السودانية التي تحدث عنها كثيرون وفصلها الامام الصادق المهدي وأسماها أخلاق السمتة وهي الكرم والمروءة والكرامة والتسامح والغزل العفيف ..الخ
أشفقت عليه من ذلك المشهد وقد حضره في جوبا رغم الألم العظيم الذي يحسه من كان سعيه العمر كله ليظل السودان واحدا فتعالى على الجراح وذهب ليقول: مبروك وهو الذي قال في حفل ميلاده الأخير في 25 ديسمبر 2010 الحفل الذي سمي نهارية المصير الوطني ولم يتم الاحتفال به كالمعتاد لأن أجراس الانفصال كانت تدق، قال: «كيفن نفرح ونحن في مأتم» ذهب الى جوبا رغم الأذى لأنه يفكر في المستقبل ولأن الاقدام قتال والسياسة هي فن الممكن . أشفقت عليه من ذاك المشهد لأنه مشهد يستدعي من الذاكرة مشهدا آخر حدث في فاتحة يناير 1956 عندما أنزل علم دولة الحكم الثنائي ورفع بدلا عنه علم السودان واعلان السودان دولة حرة مستقلة. المشهد التاريخي أجرى دموع جده الامام عبدالرحمن الصادق فرحا مجهشا بالبكاء قال فيه المحجوب:
أجرى دموعك دون الناس قاطبة سر لغيرك ما باحت به الحقب
بينما أشفقت على الحفيد من دموع الحزن والأسى على وطن روى الشهداء أرضه بدمائهم وعرقهم وقد كان هو وما زال من الساعين الحادبين لتلك الوحدة أو أضعف الايمان حفظ علاقات حميمة بين الدولتين وندعو الله الذي لا يظلم عنده أحدا أن يحقق أمانيه وفيها الخير للسودان بدولتيه..أو السودان الوطن الواحد الحر، يوما ما...
ورد في العمل الفني الذي قدمت به مقال اليوم أن بلدنا كان يرفل في حلل الخير والنعيم قبل يونيو 89 «الا بس الكيزان الشيطان» وليس ذلك كذبا ابتدعه الشعراء، ولا نزعم به عدم وجود مشاكل في السودان لكنها مشاكل كانت قد وضعت في قاطرة الحلول المناسبة لتسير الى نهاياتها المتوقعة ولم تكن في السودان قبل «يونيو الأسود» نبرة اليوم التي تخاطب النعرات العنصرية وتثير الكراهية.
وكذلك الحال بالنسبة لمشكلة جنوب السودان لا يمكن الادعاء بأن الجنوب كان خلوا من المشاكل أو كانت الأمورفيه سمن على عسل قبل يونيو 89 ولكننا نزعم بأن الانقاذ حولت حرب الجنوب من حرب مطلبية لحرب تطالب بتقرير المصير الذي أدى الى انفصال اليوم وحولتها من مشكلة كان حلها منتظرا وقريبا الى عقدة لم يمكن حلها الا بترا والعاقدون همو!
فماذا يخبرنا التاريخ عن مسإلة جنوب السودان؟.
يخبرنا التاريخ عن انتصارات الامام المهدي في 1885«ومعه كل أهل السودان بما فيهم الجنوبيون» على بريطانيا وتمريغ أنفها في وحل وطننا السودان وهو الشيء الذي لم تنسه الذاكرة البريطانية وسياسات فرق تسد سياسة أساتذتها البريطانيون فعملوا على ذلك الوتر بالنسبة للجنوب وقد ساعدتهم طبيعة المنطقة الصعبة التي لم تسمح بالتواصل السهل كما كان هو الحال في أجزاء البلاد الأخرى التي استقبلت المسيحية ثم الاسلام بسماح وسلاسة واستوعبتهما ضمن منظوماتها المحلية في تناغم وانسجام.
مشكلة جنوب السودان والعلاقات السودانية المصرية من الملفات التي عمد الاستعمار البريطاني الى زرعها كقنابل موقوتة قبل مغادرته أرض السودان في يناير 56. سنتناول اليوم موضوع جنوب السودان وربما تناولنا ملف العلاقات المصرية السودانية في وقت لاحق.
خلفية تاريخية لمشكلة جنوب السودان :
كتب أستاذ يونان لبيب في 2004 عن مشكلة جنوب السودان ..قصة الحرب والسلام عن الدور البريطاني في جنوب السودان.
يقول لبيب إن السياسة البريطانية في السودان ارتكزت على ركيزتين:
تقليل الوجود الشمالي في الجنوب.
اضعاف الثقافة العربية والعمل على منع انتشار الاسلام هناك.
وقد تم ذلك عبر ثلاث مراحل:
الأولى: مرحلة تمهيد الأرض 1899ـ1919«ابعاد العربية، تشجيع اللغات المحلية، احلال الانجليزية، شيطنة الشماليين كرعاة لمؤسسة الرق».
الثانية: مرحلة بناء الأسوار 1919ـ1946 «قانون المناطق المقفولة في 1922، سياسة ابعاد اللغة العربية، منع الهجرة الشمالية جنوبا ومنع المسلمين، سياسة تعليمية محددة، واجراءات فصل جنوب السودان التي بدأت منذ 1930.
الثالثة: الحصاد المر 1946ـ1955: منذ 1943 اتضح للبريطانيين أن سياسة الحكومة في جنوب السودان لم تكن مفيدة بل أدت لتخلف الجنوب عن الشمال ولم يمكن ربط الجنوب بشرق أفريقيا كما أريد فأتت اقتراحات باعادة النظر في مصير الجنوب بادماجه مع الشمال أو الى شرق أفريقيا أو تجزئته بحيث يتبع جزء منه الشمال ويتبع الجزء الآخر الى شرق أفريقيا.
أهم أسباب تغيير السياسة البريطانية لصالح وحدة السودان فيما بعد، هي ما وجدوا من عوائق حقيقية في التطبيق مثل عدم امكانية اقامة شبكة مواصلات مع شرق أفريقيا اضافة لارتباطه جغرافيا واقتصاديا مع الشمال.
الوحدة مع الشمال كانت أيضا النتيجة التي خلص لها الجنوبيون في مؤتمر جوبا في 1947 برعاية بريطانية.
الخلفية السابقة للسياسة البريطانية اضافة لما حدث في لجنة السودنة من اشراك قلة من الجنوبيين في دولاب الحكم الوطني عمق مشاعر الاحتجاج وأدى لاحتجاج جنوبي واحساس بالظلم ثم كان تمرد توريت في 1955 عندما تقرر نقل بعض مجموعات الفرقة الاستوائية الى الخرطوم وما صحب هذا من اشاعات اثارت سوء الظن وأدت الى التصعيد والأحداث المؤسفة التي تلت ذلك من قتل الشماليين في الجنوب. ولكن رغم ذلك اختار الجنوبيون التصويت لاستقلال السودان الموحد في 1956.
لكن لم يتم التعامل مع الاحتجاج الجنوبي بالحكمة المطلوبة وأهملت مطالب الفيدرالية عند وضع الدستور لأن الدستور نفسه لم يكتب بسبب انقلاب نوفمبر 1958. تعاملت حكومة نوفمبر مع مسألة الجنوب كملف أمني بينما المشكلة سياسية ثم عند اطلاق سراح قادة التمرد في 1963 لم يربط ذلك بمعالجة سياسية ما جعل القادة الذين أطلق سراحهم وقودا للتمرد وتكوين حركة أنانيا الأولى. اعتماد سياسة التعريب وطرد القساوسة في 64 وفرض العطلة يوم الجمعة بدل الأحد أدى لمزيد من صب النار في الزيت.
مشكلة الجنوب كانت من أسباب ثورة اكتوبر 1964. تم استيعاب للجنوبيين في مؤسسة الرئاسة في حكومة الثورة وبدأ حوار جدي بخصوص مسألة الجنوب «المائدة المستديرة، لجنة الاثني عشر ومؤتمر كل الأحزاب».
قطع انقلاب مايو 1969 الطريق أمام الحلول المرجوة من التفاوض وعاد التعامل مع المشكلة كملف أمني ثم بعد تغير المناخ الاقليمي وأجواء التحالفات في المنطقة بعد أن انقلب نميري على الشيوعيين بعد انقلاب هاشم العطا في 1971، ساعد الامبراطور هيلاسيلاسي في التوصل الى اتفاقية أديس أبابا في 1972 التي استفادت من أدبيات الجهود السابقة «المائدة المستديرة ولجنة الاثني عشر» ثم عادت الى نقض غزلها بيدها في 1882 ما أدى الى تشكيل حركة انانيا 2 بقيادة جون قرنق وقد استمرت الحرب حتى قيام الانتفاضة في 1985 وبقيام الديمقراطية طرحت قضية الجنوب وبدأت مساعي السلام «كوكدام/الميرغني قرنق» وقد توصلت القوى السياسية لتحديد موعد المؤتمر الدستوري في سبتمبر 1989 والذي قطع دربه الانقلاب الانقاذي في يونيو من نفس العام وقد كان المؤتمر المزمع بصدد بحث جميع مشاكل السودان دون تدخل أجنبي ولا تقرير مصير.
بعد يونيو 89 تم التعامل مع الجنوب كحرب جهادية ما ساعد قواد التمرد في العثور على تأييد كبير لنصرة المسيحية ومنذ 1993 طالب الجنوبيون بتقرير المصير بالاجماع لأول مرة في تاريخ المشكلة التي بدأت قبل استقلال السودان، وبعد كر وفر تم فرض السلام على الجانبين في 2005 باتفاقية نيفاشا التي استفادت من توصيات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية الذي ناقشت فيه المعارضة السودانية بقيادة التجمع الوطني واشراك الحركة الشعبية، قضايا الوطن كلها في اسمرا 1995. تقوم نيفاشا على ركيزتين: الحريات وتقرير المصير وقد أجهضت الحريات وأدى تقرير المصير الى الانفصال الى دولتين بينهما من العداء ما صنع النجار بسبب ما كان من مشاكسات بين الشريكين: المؤتمر الوطني والحركة الشعبية. كانت نيفاشا برعاية أجنبية كاملة تضع الجنوب والحركة الشعبية على عينها وتغلظ على طرف الاتفاقية الآخر. من عيوب نيفاشا اقصاؤها للآخرين من أهل السودان وترك الأمر تماما للمؤتمر الوطني عن الشمال والحركة الشعبية عن الجنوب.
هذا الاستعراض السريع لتاريخ مسار مسألة جنوب السودان يوصلنا للنتائج الآتية:
1ـ أن النخب الجنوبية في جميع المحكات قبل يونيو 89 كانت تختار الوحدة ولم تتعد المطالبة بحقوق مطلبية مستحقة.
2ـ أن معالجة مسألة الجنوب عموما تمت بمنظور شمالي يريد تحويل ثقافة الأقلية لثقافة الأكثرية بالتعريب والأسلمة ليكون الانسجام كاملا في كل السودان.
3ـ أن هذه النظرة الضيقة التي بدت واسمة لمعظم منطلقات الحل عند الشماليين كانت تتغير باطراد في العهود الديمقراطية في اتجاه: الاستيعاب لا يكون بتغيير الأقليات وتشكيلهم في قالب واحد بل باتاحة الفرصة لكل الثقافات لتعبر عن نفسها في حرية وفتح أبواب التنوع على مصراعيه والنظر لمشكلة الجنوب كمشكلة سياسية وليست أمنية ضمن مشاكل السودان الأخرى في المؤتمر الدستوري الجامع الذي تبلورت رؤاه في الديمقراطية الثالثة وحدد له برنامج وميقات.
4ـ بينما كانت مشكلة الجنوب على العكس تتعقد في النظم الديكتاتورية وتتم معالجتها كمشكلة أمنية تريد فرض الثقافة السائدة بحيث وصل السوء منتهاه في دكتاتورية الانقاذ الحالية باقصائية نشهد حصادها المر أمام ناظرينا.
5ـ أن درس التاريخ المستعرض للطريق الذي عبرته المسيحية والاسلام يخبرنا بأن الأسلمة والعروبة مثلما حدث في بقية السودان لا يمكن فرضها من عل بل يمكن استيعابها ضمن المنظومات المحلية دون عزل أومواجهات رافضة.
6ـ كذلك يمكننا الخلوص الى أن حل مشاكل السودان وترياقه هو في الديمقراطية وفي الحكم الراشد.
عندما نرجع النظر كرتين لا يمكننا قراءة ملف مصير دولة السودان بمعزل عما قاله وزير الأمن الاسرائيلي آفي ريختر في 4 يوليو 2009 في محاضرة عن الاستراتيجية الاسرائيلية وقد نشرت المحاضرة بواسطة معهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي على الشبكة الدولية، قال ريختر: «لو تركنا السودان لحاله بموارده ومساحته الكبيرة لصار أخطر من مصر والعراق والسعودية، وقال دائما نضع نصب أعيننا سوداناً مجزأ» انتهى. ولكن في تفاصيل حديثه الباقية ما يبين بوضوح لماذا استقبلت دولة جنوب السودان بالأحضان من الدولة العبرية ولماذا فرحت اسرائيل بما اعتبرناه «أول الأحزان».
ولكننا بذات القدر نخطيء ان فاتنا ادراك أن هذا المخطط الشيطاني لم يكن ليجد له موطأ قدم ولا حيز حضور لولا أن ساعدته عيوبنا «الداخلية» التي تبدت فاضحة في هذه الطغمة الحاكمة، التي أرادت اخضاع الجنوب حربا وعندما استعصى عليها كانت خطتها البديلة فصله ما يظهر لنا في نصائح خبيرهم الاستراتيجي الاقتصادي عبد الرحيم حمدي الذي قدم لهم ورقة استراتيجية بخصوص الانتخابات ينصحهم فيها بربط التنمية والاستثمار بمناطق حصد الأصوات وحصر ذلك في محور كردفان سنار دنقلا أو ما عرف بمثلث حمدي في أدبيات السودانيين. ما يعني بوضوح الاستغناء بذلك المثلث عن بقية الوطن. وتلك النتيجة هي ذات ما توصلت اليها مجلة فورين بولسي الأمريكية الواسعة الانتشار في مقال في 8 يوليو الجاري عن الأوضاع في السودان بقلم جيمس تراوب أن: البشير للمحافظة على سلطته مستعد للتخلي عن أي جزء من وطنه!
وهذا عين ما حذر منه القيادي بالحركة الشعبية إدوارد لينو لقناة العربية 10/1/2010 في تغطيتها للاستفتاء: أن البشير تسلم السودان مثل صحن الصيني لكنه فرط فيه وأوقعه فتفتت شظايا صغيرة!
ثم لا بد من ادراك أن «الانتباهة» و«منبر السلام العادل» هي مواطن صنع السياسات الحقيقية للنظام الديكتاتوري الحالي ونبضه الأصدق وأن هذه الأهداف شاءت دولة الانقاذ أم أبت هي ذاتها أهداف الكيان الصهيوني ـ التي تحدثنا عنها، بصورة تدعو للعجب ووجوب البحث في أمر هذا التطابق وان كان من قبيل الصدف العجيبة التي تجمع بين النقائض أم هو من تدابير جهد منسق؟!.
يا أهل السودان ومن يحب السودان: ماذا تبقى من نواقيس الخطر لنحمل هذا الأمر محمل الجد ونوقفه عند حده؟
وسلمتم

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 2 | زيارات 1835

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أم سلمة الصادق
أم سلمة الصادق

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة