المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.عبد الوهاب الأفندي
ميردوخ وسقوط الجبابرة
ميردوخ وسقوط الجبابرة
07-15-2011 01:21 PM

ميردوخ وسقوط الجبابرة

د. عبدالوهاب الأفندي


(1) خلال أقل من أسبوعين تحول أحد أكبر القادة في العالم إلى شخص منبوذ يتحاشاه من كانوا يتزاحمون على بلاطه حتى الأمس القريب تحاشي البعير الأجرب، وتتصاعد المطالبات بمحاكمته هو وابنه وأفراد أسرته. ولعل هذه أقوى وأسرع انتفاضة تطيح بزعيم مهيب كان البعض يعتقد أنه بمنأى عن كل معارض.

(2)
لا ليس المقصود الرئيس بن علي ولا صديقه حسني مبارك، ولا الزعيم الأوحد بشار الذي ينتظر أن يلحق بهما عن قريب بإذن الله. المقصود هنا هو أكبر أباطرة الإعلام الأطلسييين، الزعيم المحترم المحبوب روبرت ميردوخ، صاحب مؤسسات \'نيوز انترناشيونال\' و\'نيوز كورب\'، ومالك فضائيات سكاي وفوكس، وصاحب صحيفة \'التايمز\' و\'وول ستريت جورنال\' وعشرات الصحف الأخرى والقنوات الفضائية في بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا وطنه الأم. وقد كان حتى قبل أيام ملء السمع والبصر، حتى إنه شكا مرة من أنه أصبح يعزف عن زيارة بريطانيا بسبب تنافس توني بلير وغريمه براون على رؤيته رغم مشغولياته الكثيرة. أما اليوم فإنه لا يكاد يجد من يشرب معه فنجان قهوة.

(3)
الامبراطور ميردوخ جسد روح عصره، حيث ركب موجتين متلازمتين، أولاهما هي موجة الثورة التقنية في مجال الاتصالات والإعلام، وثانيتهما الليبرالية الجديدة التي ارتفع مداها مع الثاتشرية في بريطانيا وعصر رونالد ريغان في أمريكا، ووصلت أوجها بسقوط المعسكر الشرقي وتراجع الفكر الاشتراكي عموماً.

(4)
تفهم ميردوخ أهمية الثورات التقنية الجديدة، وأصبح من روادها. فقد أدرك أهمية ثورة المعلومات والاتصالات، وخاصة دور البث الفضائي والإمكانيات الضخمة التي وفرها، ونجح قبل غيره في استغلالها اقتصادياً، حيث غامر بالاستثمار في هذا المجال وحقق قصب السبق فيه. أدرك ميردوخ كذلك أهمية تقنية الحواسيب للانتاج الصحافي، وكان من المبادرين بإدخال التقنيات الحديثة في هذا المجال.
(5)
ولكن مساهمة ميردوخ الأبرز كانت هي المزاوجة بين الثورات التقنية والليبرالية الجديدة، حيث بنى امبراطوريته على أنقاض سطوة النقابات العمالية التي وجه لها ضربات قاضية بتخلصه من آلاف العمال والفنيين في الصحف التي كان يملكها. وقد أسس هذا لدور ميردوخ الملتبس، حيث اعتبر من رواد تطوير وتحديث الصحافة والإعلام في بريطانيا، ولكنه كان في نفس الوقت عدو الطبقة العاملة الأول.
(6)
في عام 1992 نسبت صحيفة ميردوخ الشعبية اليومية الأوسع انتشاراً \'ذي صن\' إلى نفسها الفضل في خسارة حزب العمال الانتخابات العامة البريطانية التي كان الكل يتوقع أن يخسرها المحافظون لأسباب عدة. ومنذ تلك اللحظة تعمقت أسطورة أن ميردوخ هو \'صانع السلاطين\'، وأدى هذا بدوره إلى ثورة داخل حزب العمال واليسار البريطاني تحت عنوان \'الطريق الثالث\'، الذي قبل بكثير من طروحات الليبرالية الجديدة، وسلم بأهمية الإعلام لأي حزب سياسي. وقد تعزز هذا المنهج عندما أعلنت صحف امبراطورية ميردوخ انحيازها لهذا التيار الجديد بقيادة توني بلير، وتوافق هذا مع كسب الحزب لانتخابات عام 1997.
(7)
ما أعقب ذلك كانت فترة هيمنة شبه مطلقة لرؤى الليبرالية الجديدة، وعهد حواة الإعلام بامتياز، وكان ميردوخ هو امبراطور هذه الحقبة غير المتوج. المفارقة هي أن ميردوخ ملك المجد من طرفيه. فمن جهة، كانت وسائل إعلامه مثل \'التايمز\' وفوكس نيوز، لا تخفي انحيازها الفاضح للمحافظين في بريطانيا والمحافظين الجدد في أمريكا. ومن جهة أخرى تعتبر صحفه الأكثر مبيعاً مثل \'ذي صن\' و\'نيوز أوف ذي وورلد\' المفضلة عند الطبقة العاملة في بريطانيا.
(8)
وقد جاء مقتله أخيراً من تلقاء \'نيوز أوف ذي وورلد\'، صحيفة الفضائح الأسبوعية وأكثر الصحف مبيعاً في بريطانيا. فقد تجاوزت هذه الصحيفة الفضائحية كل الحدود القانونية والضوابط الأخلاقية حين اعتمدت أساليب تجسس على المشاهير تم التغاضي عنها بسبب الخوف من سطوة ميردوخ. ولكنها وقعت في شر أعمالها حين اتضح أن مخبريها تعمدوا التجسس على ضحايا الخطف والقتل، وأسر قتلى الحرب في أفغانستان، وحتى أسر ضحايا هجمات السابع من تموز/يوليو الإرهابية في لندن.
(9)
أثار الكشف عن هذه الخروقات امتعاضاً واسعاً بين كل قطاعات الرأي العام. فقد يتجاوز المرء عن التجسس على النجوم وعلية القوم، لأن الغالبية تعتبر أن هؤلاء يطلبون الشهرة على كل حال، وترى في فضح خباياهم فضحاً لنفاق الطبقات المترفة وإفلاسها الأخلاقي. ولكن التجسس على الضحايا أمر مختلف تماماً.

(10)
كما هو الحال في حادثة البوعزيزي التي فجرت انتفاضة تونس ومن ورائها الثورات العربية، فإن \'انتفاضة ميلي داولر\' (وهي الفتاة التي خطفت وقتلت قبل بضع سنوات وتجسس مخبرو ميردوخ على هاتفها) فجرت غضباً مكتوماً ضد امبراطورية ميردوخ، وضد هيمنة الطبقات الثرية المتحالفة مع المحافظين الجدد على مقدرات الإعلام الغربي. وهذه الانتفاضة سيكون لها ما بعدها، لأنها تمثل بداية ثورة على نهج سياسي - اقتصادي ظل هو المهيمن منذ نهاية الحرب الباردة.

(11)
قد لا تكون كل آثار هذه الانتفاضة إيجابية على المدى القصير. فالصحافة المطبوعة تواجه أزمة عميقة في الغرب منذ عقود. وكان من إنجازات ميردوخ إنه أنقذ صحفاً عريقة مثل \'التايمز\' من إفلاس محتوم في الثمانينات، ونجح في تمويلها من أرباح امبراطوريته مترامية الأطراف. وقد زادت أزمة الصحافة عمقاً في الآونة الأخيرة مع منافسة الانترنت والوسائط الأخرى. وإذا قرر ميردوخ الخروج نهائياً من هذه السوق فقد تتعرض صحافة فليت ستريت (سابقاً) إلى انهيار لا سابقة له.

القدس العربي


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2920

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#178845 [TIGER SHARK]
0.00/5 (0 صوت)

07-15-2011 08:41 PM


I would have a cub of coffee with hem..!! if he insist on


#178821 [Nagi]
0.00/5 (0 صوت)

07-15-2011 06:57 PM
خليك فى مردوخ احسن مرضتنا مرض


#178819 [hajabbakar]
0.00/5 (0 صوت)

07-15-2011 06:55 PM
وايضا يهودى متعصب لاسرائيل


#178770 [واحد]
0.00/5 (0 صوت)

07-15-2011 04:15 PM
ود الافندى والغي القديم ، بشار وعرفناه البشير كيف . التنظيم الاسلامي العالمي وبعد ان استحلي مال ودم شعب السودان خطط لاقتطاع ليبيا القذافي وسوريا الاسد وستكون الخلافة من تركيا ومن طنجه الي تطوان ومن المحيط الهادي الي الخليج الهادر ;( ;( ;( ;( ;(


د.عبدالوهاب الأفندي
د.عبدالوهاب الأفندي

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة