المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
نظام الخرطوم.. والمعارك الجانبية المستدامة
نظام الخرطوم.. والمعارك الجانبية المستدامة
07-15-2011 07:57 PM

نظام الخرطوم.. والمعارك الجانبية المستدامة


الفاضل عباس محمد علي - أبو ظبي
[email protected]

أفي كل يوم تحت ضِبني شويعرٌ
ضعيفٌ يقاويني.. قصيرُ يطاول !


من أسرار بقاء نظام البشير كل هذه السنوات الطوال العجاف.... مقدرته على صرف الأنظار عن اللّب والإنشغال بالقشور...... و الإبتعاد بخصومه عن القضية الجوهرية، أي أزمة الحكم و ضرورة التغيير الجذري... نظاماً و دستوراً و قوانين... إلى مسألة إقتسام الكيكة: من يكون نائب الرئيس، و كم بورتفوليو بمجلس الوزراء، ومن يكون والياً، و شتى ضروب المحاصصة (العراقية)!؟.
و من أسرار البقاء كذلك زرع الفتن داخل و بين الفصائل المعارضة، و استخدام الرشوة في استقطاب المعارضين كما أعلن ذلك علي كرتي مؤخراً في نيويورك... و الدكتور نافع في السفارة بلندن، و غيرهم كثيرون، بالإضافة لممارسات إغتيال الشخصية، أولاً بتسريب المعلومات الخاصة بتلك الرشاوي، و نشر الأكاذيب و التلفيق حول رموز المعارضة بشتى الأساليب الأمنية الخبيثة، و عن طريق إعلام مأجور مضروب و عملاء مبثوثين هنا و هناك، خاصة بين الجاليات السودانية الضخمة ببعض المهاجر التي يتركز فيها السودانيون.
و من هنا نقرأ إتفاق الدوحة الذي وقّعه د. غازي العتباني (و هو أصلاً غير سوداني).. و د. التيجاني سيسي، و هو الذي تنطبق عليه جميع الأوصاف المضمّنة عاليه، بالإضافة لكونه لا يمثل شيئاً له علاقة بدافور سوى سحنته (المحسّنة بفضل الإقامة بفندق 7 نجوم منذ ثلاثين شهراً)، و لسانه و كميات الأخطاء الإملائية و النحوية التي يقع فيها، (وليس في ذلك عيب على كل حال إذ أن لغة أمه ليست العربية)؛ و الإتفاق فاشل بكل المقاييس و خاوٍ على عروشه (mere sham) :-
1) فالتجاني سيسي لا يمثل أي فصيل بالميدان، حاملاً أو غير حامل للسلاح ، ولا يمثل إلا نفسه، و هو في حقيقة الأمر ناشط بحزب الأمة القومي حتى وقت قريب، و كان حاكماً لدارفور بإسم حزب الأمة في الديمقراطية الأخيرة، عندما كان رئيس حزب الأمة السيد الصادق المهدي رئيساً للوزراء - 1986/1989. و عندما كان سيسي أستاذاً بجامعة الخرطوم قبل ذلك لم يشارك في أي نشاط سياسي أو اجتماعي، إنما كان غارقاً في الأكاديميات و في تدبير لقمة العيش.... و ربما بناء جسور مع علية القوم.
2) نظام البشير أساساً غير جاد في وضع حدٍ لمشكلة دارفور، و لا لغيرها من الأزمات الإقليمية: أبيي، جنوب دار فور، جنوب النيل الأزرق؛ هذه هي عين القضايا الجانبية التي يريد أن يشغل بها الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي، في محاولة دؤوبة لصرف الأنظار عن المحور الأساسي - السلطة المأزومة في المركز...الغارقة في مشروع التمكين والنهب لثروات وأراضى البلاد لمصلحة الرهط والمحاسيب والحلفاء الأجانب العرب والعجم، قبل أن تنقشع الغمامة و يفيق الشعب و يثور على هؤلاء اللصوص كما فعل أشقاؤه المصاروة و التوانسة.
3) كان لا بد أن يتم أي إتفاق، مهما كان تافهاً و مضلّلاً و بلا قيمة من أي نوع، بعد ثلاثين شهراً من الإقامة الفاخرة بالعاصمة العربية المضيافة - الدوحة - و كان لا بد من إيجاد مخرج لجميع من يهمهم الأمر، و لن تعجز الجالية السودانية المكتنزة بقطر عن إفراز بعض الرجال الذين يحضرون حفل التوقيع - لزوم الرازماتاز و التصفيق، و معهم بعض النسوة اللائي يزغردن بسبب و بلا سبب.
4) يعطي هذا الاتفاق نظام البشير فرصةً (فَرَقَة) لأخذ نفس، على طريقة أحد جدودنا الذي أجلسه الباشبزوك الأتراك (قوم غازي و عبدالرحيم حمدي) على خازوق و هو مكتوفاً، و بعد أن سرى الخازوق باتجاه أحشائه بدءاً بدبره، قال لهم: ممكن أطلب شيئاً واحداً قبل أن أفارق الحياة؟ قالوا: نعم. قال: خذوني من هذا الخازوق و ضعوني في خازوق آخر. قالوا: حسناً سنفعل ذلك، و لكن بربّك، ما الفرق بينهما؟ قال: بين الخازوقين (فرقة).

فحكومة البشير التي تلاعب البيضة و الحجر، و تجيد القفزات البهلوانية من موقف لآخر مناقض له، استنفدت كل أحابيلها و كل أمور اللف و الدوران؛ و لقد جاءت لحظة المساءلة الشعبية على نطاق المنطقة كلها، فلا أقل من أن تسعى لتأجيل تلك اللحظة لبعض الوقت، بإيهام الناس أنها راعية الحوار و الحلول التوفيقية و السلمية، و هي تعلم أن ذلك ليس صحيحاً، ولكن نسبة لخوفها مما يمكن أن تفعله أجهزة الإعلام إذا تسلطت علي أي نظام ووضعته نصب عينها، خاصة قناة الجزيرة، فقد هرعت لهذه الاتفاقية لأنها تتمّ برعاية أرابيب القناة، و ذلك ضمان لتحييدها و إسكاتها إلى أن يجعل الله أمراً كان مفعولاً.
و لكن تظلّ الأزمة السودانية الرئيسية في مكانها:-
أولاً: فيما يختص بدارفور نفسها، فإن قادة الحركات الحاملة للسلاح - العدل و المساواة و الحركة الشعبية و غيرها، بزعامة الدكتور خليل إبراهيم و عبد الواحد محمد نور و مني أركو مناوي وإبراهيم أحمد إبراهيم و معه أبو البشر و كل ممثلي الزغاوة و الفور و المساكيت ، الذين يمثلون 65% من سكان دارفور -.... كل هؤلاء الزعماء و القادة الميدانيين موجودون الآن بجنوب السودان، حيث حضروا احتفالات التاسع من يوليو، ثم عكفوا على مفاوضات التوحيد بين هذه الفصائل، و بينها بين الفعاليات الشمالية الجادة في معارضتها لنظام المؤتمر الوطني... و قد حملت آخر الأنباء من جوبا بشائر التفاهمات الإيجابية التي تم التوصل إليها، بمباركة حكومة الجنوب التي أعلنت موقفها في خطاب سلفاكير، حينما قال لسكان دارفور و جبال النوبة و النيل الأزرق: (إننا لن ننساكم، و لن نتخلى عنكم، و إذا نزفتم ستسيل دماؤنا معكم)، أي إننا حلفاؤكم العسكريون بلا تردد.
ثانياً: إن حكومة البشير تفتعل المعارك الجانبية بسرعة خاطفة، و تأخذ الجميع على حين غِرّة، بيد أنها فجأة تنقلب مائة و ثمانين درجة، وتولّي الأدبار كأن شيئاً لم يكن، و تبحث عن بؤرة أخرى تنفث فيها سمومها القاتلة و تشرد المدنيين الآمنين بها، على طريقة (الشباب) في الصومال... و على هذا الأساس نقرأ تصرفاتها في أبيي و جبال النوبة بجنوب كردفان.
و من التقلّبات الأخيرة التي حيّرت المراقبين ما حدث في منطقة جبال النوبة بالذات، فقد أغار جيش البشير على معظم المدن و القرى بطائرات الانتنوف و الميج، مشفوعة بالمدفعية و الدبابات وجندرمة الحرق والإغتصاب والقتل عن كثب... و بعد أن حمي الوطيس تماماً.... خفّ الرجل الثاني بالنظام، د.نافع، إلى إثيوبيا لإبرام اتفاقية سلام مع عبد العزيز الحلو زعيم الحركة الشعبية بمنطقة جبال النوبة.. و في اليوم التالي أعلن الرئيس البشير أمام برلمانه (المجلس الوطني) أن الإتفاق لاغي و أن عبد العزيز الحلو مجرم و لا بد أن يمثل أمام العدالة، و أمر الجيش من ذلك المنبر بمواصلة ضرب منطقة جبال النوبة.
كيف، و الحال هكذا، نضمن أي سريان لإتفاقية الدوحة الأخيرة؟ و بالطبع هذا سؤال لا داعي له، فمعروف سلفاً أنهم لن يعبأوا بهذه الاتفاقية، تنفيذاً أو تجاهلاً، فهي جواب بلا عنوان أو حبال بدون بقر....(مجرد ضنب ككّو).
لهذه الأسباب ستظل بُؤر الصراع المذكورة متأجّجة و لن تستطيع الحكومة أن تتمدّد فوقها كلها و تواصل البطش بالسكان في تلك المناطق المتعددة و المتباعدة عن بعضها البعض، خاصة تحت الظروف الاقتصادية الجديدة و شح الموارد بعد ذهاب الجنوب بنفطه. و تلك إحدى الثغرات في جسم النظام التي ستؤدي لنهايته في القريب العاجل، خاصة إذا تم توحيد الفصائل الحاملة للسلاح، و تم التنسيق بينها و بين حركات الشباب الشمالية الجاهزة للإنتفاضة الشعبية، مثل جبهة التغيير و قرفنا و غيرها.
ثالثاً:-
لا يمانع نظام الخرطوم من الإذعان لأي شروط والوصول لأي إتفاق يشتم فيه رائحة الوصاية الإقليمية أو الدولية ورائحة الدولار، لأنه يحسب أن هنالك مردود سيدخل في حسابه بالعملة الصعبة ثمناً لتنازلاته و موقفه الجانح للسلم. و في هذا الإطار استمرت مفاوضات اتفاقية السلام الشامل لثلاث سنوات كاملة في مشاكوس و نيفاشا و أبوجا،كان المجتمعون يتلقّون خلالها يومياً مظاريف محشوة بالدولارات (بدل تعب و صرف كلام)، و جاءت الاتفاقية مشفوعة بالعديد من الوعود التي التزمت بها الدول الراعية (أصدقاء الإيقاد)، و على رأسها الولايات المتحدة، لدعم التنمية في الشمال و الجنوب. و هذه الوعود معروفة بكونها (مواعيد عرقوب أخاه يثرب)، كما حدث في أفغانستان التي ما زالت تكابد الفقر و التخلّف بعد سبع سنوات من دخول جيوش الحلفاء بزعامة أمريكا، و بعد التعهد ببلايين الدولارات لزوم التنمية، بينما لم يتحقق منها على أرض الواقع أكثر من عشرة بالمائة.
و تحركت قرون استشعار تماسيح المؤتمر الوطني لما سمعوا ببنك استثمار تنمية دارفور الذي تبنّته قطر ووعدته ببلايين الدولارات لبناء القرى و إرجاع المهجّرين و خلق مصادر عيش لهم بمقراتهم الجديدة... و لكنهم نسوا في غمرة هذه النشوة الكاذبة أن البنوك لا تتعامل مع الزبائن المشكوك في أمرهم و أصحاب السوابق... و أن هذه الاستثمارات الضخمة تحتاج لبيئة مفعمة بالشفافية و حرية النقد و المحاسبة و التنظيم و التعبير، و هي الأدوات الوحيدة التي ستكشف للمانحين أين ذهبت تلك الموارد، و هي أدوات غير متوفرة في السودان حالياً، خاصة في شماله، و لن يدخل دولار واحد من الدول المناحة قبل أن تعرف مصير الاستثمارات السابقة، طوال العقدين المنصرمين... التي عادة تنتهي في جيوب قلة من أهل التمكين... صفوة المؤتمر الوطني.
ختاماً:-
ليس أمام شعب السودان إلا خيارين: أما أن ينتفض على هذا النظام المدمر على وجه السرعة، وإما أن ينتظر التقسيم الذى حل بيوغسلافيا؛ لا سيما ونحن متهمون بلعب دور الصرب القميئين العنصريين في إفريقيا......فتك الصرب بالمسلمين والكوات والألبان....وتستروا على قادتهم المطلوبين لدى محكمة الجنايات الدولية....فعاقبهم الله بتمزيق دولتهم، ومن غرائب الصدف أن آخر دولة انضمت للأمم المتحدة هي مونتنيقرو من يوغسلافيا السابقة....وبعدها جنوب السودان..................: فانظر ياصاح لوحدة الوجود وخذ العبر.
لقد سئم السودانيون الحروب، و لقد استطال أمرها بلا مبرّر يذكر... و لكن بكل أسف، فإن حكومة البشير تستخدم هذه الحروب ليس لتوسيع الرقعة أو نشر الإسلام جهاداً، أو لتسوية النزاعات الحدودية مع الجيران.. و لكنها تمعن في إشعال هذه النيران لصرف الأنظار المحلية و الدولية عن الأزمة الحقيقية... أزمة نظام شائه و متكلّس و متحجّر، عفا عليه الزمن، و كذلك لإيجاد المبرّر الثابت و السرمدي لإظهار العضلات و البطش بالعباد و الاستمرار في فرض القوانين الاستثنائية القمعية و حالة الطوارئ التي ظلت ماثلة منذ 30 يونيو 1989، منذ أن أناخ هذا النظام الفاشستي على السودان المسكين.
إن الحلول التبعيضية مثل اتفاقية دارفور، لا تجدي فتيلاً، و لا زال السودان، كما ظل منذ نيف و عشرين سنة، يحتاج للعودة لمنصّة التأسيس بكل مكوناته الإثنية و الأيدولوجية والسياسية والاجتماعية، لصياغة دستور و نظام ديمقراطي علماني فدرالي جديد.... و لكن، بكل أسف، لن يكون الجنوب حاضراً (too late)... رغم أن الأمل معقود على عودته لو تحقق هذا الإجماع... و أهل السودان جديرون بمثل هذا الحل. و السلام.


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1020

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#178925 [د. طه بامكار]
0.00/5 (0 صوت)

07-16-2011 01:24 AM
هذه الاتفاقية ولدت ميتة.... وهي عبارة عن شدة علوق لحفظ كرامة قطر التي يئست من النجاح في هذا الجانب


#178885 [الجعلى البعدى يومو خنق]
0.00/5 (0 صوت)

07-15-2011 11:11 PM
يا الفاضل أخوى كلامك فى (الجماعه) ماعندنا فيهو رأى دى وجهة نظر محل تقدير واحترام ولكن أن تتجلس وتقتعد لتعطِ (زيد) و(عُبيد) جنسيه وأن تسخر من فلان وعِلان فهذا مما لانتقبله ولا نحترمه فى رجل محترم مثلك (فالجنسيه) من الامور (السياديه) التى لا يجب التهكم والسخريه فى حاملها شاء من شاء أن يحملها ومن يسقطها لاعتبارت قد لا نقتنع بمبرراتها وحاملها . ولستُ ممن يملكون القدره للدفاع عن (غازى)ولا (سيسى) ولستُ جديراً بهذا العمل ولكن دعنا نتحاور فى وقائع ومدونات ماتم الاتفاق عليه بالدوحه وبحضوره المميز اللى شاهدناه أفيعقل أن كل هؤلاء شهود زور يافاضل؟ نص الاتفاق ليس بنص (قرآنى) هو مجهود ملتقيات وتجمعات وحقوق يتفق ويختلف الناس فيها المهم أن تكون خطوه اطفائيه للحرائق ولعوده أهلنا ومن هجروا وتهجروا وغادروا قراهم وتعويضهم اليوم قبل الغد الباكر بمجموعة محفزات تساهم فيها قطر الحبيبه والمجتمع الدولى ليبدأ الاستقرار فى دارفور نحنا فى حاجا لاى خطوه تعمل على حلحلة مربع التأزيم والتعذيب وأهلنا فى معسكرات أللجؤ يعانون الامرين . أتمنى أن ننظر للاتفاق نظره ايجابيه داعمه للمجهود (القطرى) والاخ التجانى السيسى حكم أقليم دارفور لما كان قاره تتجاوز مساحة فرنسا دعك من الاقطاعيات الحاليه ومنصب النائب منصب شرفى تتشرف به ولايات دارفور وليس منةً من أحد فهم يستحقون سُدة الحكم دعك من منصب مُفرغ وأجوف و(منزوع الدسم) تكفى تجربة الدكتور (على الحاج محمد) بعد (وفاة)الزبير محمد صالح وكواليس المجالس تتحدث بالمثير والكثير ....


الفاضل عباس محمد علي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة