المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. الواثق كمير
قطاع الشمال للحركة الشعبية: تمثيلٌ مؤسَّسي أم إشراكٌ مظهري؟ا
قطاع الشمال للحركة الشعبية: تمثيلٌ مؤسَّسي أم إشراكٌ مظهري؟ا
07-13-2010 10:36 PM

قطاع الشمال للحركة الشعبية: تمثيلٌ مؤسَّسي أم إشراكٌ مظهري؟

د. الواثق كمير
[email protected]



مقدمة



1. كتبتُ خلال السنوات الثلاث الماضية سلسلة من المقالات تطرَّقتُ فيها إلى رؤية الحركة الشعبية للسودان الجديد، ودعوتها لبناء دولة المواطنة السودانية، وإستراتيجياتها لتطبيق هذا المفهوم، وترجمته على أرض الواقع، سواء على المستوى الاتحادي أو في نطاق جنوب السودان. خلصتُ في هذا المساهمات إلى أن الممارسة السياسية الفعلية للحركة بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل، خاصة بعد رحيل زعيمها التاريخي في أواخر يوليو 2005، حملت العديد من المؤشرات الدالة على تراجُع الحركة عن مشروعها الذي ظلت تبشِّر به لأكثر من عقدين من الزمان، بل وتخليها عن النضال من أجل هدفها الرئيس لتحقيق وحدة البلاد على أسُسٍ جديدة، وتفضيلها للانفصال وإقامة دولة الجنوب المستقلة. وشدَّدتُ في هذه الكتابات على خيبة ظن الشماليين من أعضاء الحركة، وكافة مناصريها في الشمال، الذين علقوا آمالهم في قيادة الحركة لعملية التغيير والدفع بالأوضاع الناجمة عن اتفاقية السلام (التي وصفها الزعيم الراحل، جون قرنق، بـ\"السودان الجديد في حده الأدنى\")، إلى الأمام لتحقيق الوحدة الطوعية. خلاصة الأمر، فإن الحركة تبدو وكأنها استبدلت رؤية \"السودان الجديد\" باتفاقية السلام الشامل، بدلاً عن اتخاذها كمنصَّة انطلاق، وهذا في الحقيقة كل ما تعنيه الاتفاقية، لإنجاز هدفها المعلن في بناء دولة المواطنة السودانية، فاختارت الانكفاء على، والتقوقع في الجنوب مكتفية بانتظار الاستفتاء على تقرير المصير بغرض الانفصال. وجوهر القضية أن قيادة الحركة ملزمة، وواجب عليها سياسياً وأخلاقياً إخضاع أمر التوفيق بين هدفي حق تقرير المصير وبناء السودان الجديد لحوارٍ صريح، ونقاش جاد داخل مؤسَّساتها، لمزيج من الأسباب الموضوعية والذاتية (دعوة للحوار مع النفس: الحركة الشعبية والعودة لمنصة التأسيس، الرأي العام، الأحداث، الأخبار، 20-22 ديسمبر 2009).



2. بينما سأتعرَّض في هذه المداخلة المقتضبة للجوانب التنظيمية والمؤسَّسية للحركة الشعبية، خاصة وضع \"قطاع الشمال\" في الهيكل التنظيمي لها، وتمثيل الشماليين في قيادة الحركة والجهاز التنفيذي، الذي يقف هو الآخر كشاهد على النيَّة المُسبَّقة لقيادة الحركة لإقامة دولة الجنوب المُستقلَّة. دفعني للتطرُّق لهذا الموضوع ما رشح من أخبارٍ عن غضبٍ وبلبلة واستياء وسط بعض قيادات الحركة الشعبية، خاصة في \"قطاع الشمال\"، إثر قيام المؤتمر الوطني برفض تولى مرشَّحة الحركة من القطاع تولى منصب وزير دولة بوزارة العمل (الأحداث، 16 يونيو 2010). ساعتها أدركتُ أن هذه القيادات لم تلحظ أو تدقق في الكتابة الواضحة على الجُدران منذ انعقاد فعاليات المؤتمر العام الثاني للحركة الشعبية في مايو 2008. فالشماليون في نظر قيادة الحركة لم يشتركوا بفعالية في نسخة النضال العسكري من عملية التحرير، عدا قلة تعد على أصابع اليد، حتى يكتسبوا مواقع متقدِّمة في المؤسَّسات القيادية للحركة، أو في الجهاز التنفيذي. فلولا مشاركة قواعد القيادات من جبال النوبة والأنقسنا في الكفاح المُسلَّح لما تمَّ تمثيلهم في قيادة الحركة وفى الجهاز التنفيذي، ولما دعمتهم هذه القيادة في تحقيق السقف الأدنى من طموحاتهم في الحصول على حق \"المشورة الشعبية\" لمنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. وإذ لاحت الفرصة للشماليين لتحقيق نصر في الانتخابات يفرض وجودهم في قيادة الحركة، ويضمن مقاعدهم على المستويين التشريعي والتنفيذي، قاطعت قياداتهم الانتخابات (لأسباب عميقة لا يمثل ما أفصح عنه إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد، بينما ظلت الدوافع الحقيقية حبيسة في صدور قيادة \"القطاع\") فأضحوا كمن \"يعرض برَّه الزفة\"، فلا سلاح حملوا ولا أصوات حصدوا!



المؤتمر الثاني للحركة الشعبية: فرصة تحوّل مهدرة!



3. على الجانب التنظيمي والمؤسسي للحركة الشعبية، فقد تدفقت مياه كثيرة تحت الجسر منذ التوقيع على اتفاقية السلام الشامل، لعل أهمَّها يتمثل في اكتساب الحركة لأعداد هائلة من الأعضاء والمناصرين في مختلف ولايات شمال السودان، بما في ذلك دارفور، تعلقت عقولهم وقلوبهم بمشروع السودان الجديد، ويقف الاستقبال غير المسبوق للزعيم الراحل في 8 يوليو 200 كخير شاهد لهذا التدافُع نحو الحركة. ومن جهة أخرى، شرعت في تطوير هياكلها التنظيمية والمؤسَّسية في سياق تحوُلها من حركة عسكرية وإقليمية الطابع إلى تنظيم سياسي قومي في إطار الانتقال من الحرب للسلام. وجاء انعقاد المؤتمر القومي الثاني في مايو 2008، بعد 14 عاما من المؤتمر الأول، حيث فتحت الأبواب مشرعة لمشاركة أعضاء الحركة من بقية أقاليم السودان - قطاع الشمال- بما يقارب ثلث مجموع أعضاء المؤتمر البالغ عددهم حوالي 1500 مندوبا.ً



4. شكل المؤتمر فرصة طال انتظارها وظلت قواعد الحركة، خاصة الوحدويون من شماليين وجنوبيين، تهفو إليها للمشاركة في حوار جاد وشفاف حول القضايا المصيرية المرتبطة بتطور الحركة وانتقالها من حركة مسلحة إلى حزب سياسي، يتولى قيادة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتحقيق وحدة البلاد على أسُسٍ جديدة، في ظل ما يسود من شعور عام بالإحباط بسبب الغموض في موقف قيادة الحركة من وحدة السودان!



5. تمثل الهدف النهائي والنتائج المتوقعة للمؤتمر العام في: الخروج بحركة شعبية قوية وموحدة ومتجددة، وبرؤية واضحة تحدد المسار والاتجاه الصحيح، وتفصيل الاستراتيجيات والبرامج والسياسات الضرورية واللازمة لتحقيق هذه الرؤية. وباختصار، بناء حركة قادرة على المنافسة والفوز في الانتخابات العامة( المقبلة). هذه هي القضايا التي تشكل المهام والتحديات الأساسية التي تواجه الحركة خلال الفترة الانتقالية، والتي كان من المفترض أن تتصدر جدول أعمال المؤتمر.



6. لكن خاب ظن المؤتمرين في أجندة المؤتمر ونتائجه. فبرغم نجاحه في حسم مسألة قيادة الحركة بصورة ودية وديمقراطية، والحفاظ على وحدة الحركة وتماسك قيادتها، وإجازة الدستور والمانفيستو، وبالرغم من المصادقة على رؤية السودان الجديد، إلا أن هذه الرؤية لم يتم تفصيلها في أي إستراتيجيات أو سياسات أو برامج يسترشد بها العمل السياسي اليومي، ويقوم عليها المانيفستو أو البرنامج الانتخابي للحركة. فلم تعرض على المؤتمرين أي أوراق أو وثائق لمناقشتها والحوار حولها، فيما عدا مسودتي الدستور والمانيفستو، كما أن هذه البرامج والسياسات المنتظرة لم تطرح للتداول حتى لحظة كتابة هذه الورقة.



7. من ناحية أخرى، فإن عملية تطوير البرامج والسياسات الملائمة ستكون ممارسة عقيمة دون الاهتمام، على قدم المساواة، بـ \"التجديد التنظيمي\" من حيث تعزيز هياكل الحركة الشعبية ومؤسساتها بما يتناسب مع الواقع السياسي الجديد في مرحلة ما بعد اتفاق السلام الشامل. وهذا أيضا ما أخفق فيه المؤتمر العام، كما لم يجد ما يستحق من اهتمام ومعالجة حتى بعد انفضاض المؤتمر. فالإبقاء على الهيكل التنظيمي القطاعي (قطاع الجنوب وقطاع الشمال)، في ضوء الثغرات التنظيمية وأوجه القصور الملحوظة، خاصة مشاكل التنسيق وتحديد اختصاصات كل من القطاعين، والعلاقات مع \"السكرتارية القومية\" (التي أنشئت حديثا)، بما في ذلك التمثيل غير المتكافئ لقطاع الشمال في هياكل القيادة، كان يستوجب الاهتمام الفوري والقرار بشأنها.



8. وحتى بعد مرور أكثر من عامين على انعقاد المؤتمر العام الثاني، فإن السمة الرئيسة للممارسة السياسية للحركة هي غياب المؤسَّسية في عملية اتخاذ القرار، بما في ذلك خرق الدستور، الذي أجازه المؤتمر، وكأنه لا يعنى غير مجرَّد هيكل للسلطة على حساب القضايا الجوهرية والبناء التنظيمي وتحديات التحول. ولعل تعيين السكرتير العام للحركة ونائبته لقطاع الجنوبي كوزراء في الحكومة الإقليمية، في خرق سافر للمادة (4)، الفصل التاسع، من دستور الحركة، يقف شاهدا على سيادة الجهاز التنفيذي (فالمادة تنص صراحة على أن \"يكون الأمين العام، نواب الأمين العام، الأمناء القوميون، وكل الأمناء على المستويات الأخرى، ضباطا متفرغين تماما للعمل في الحركة الشعبية لتحرير السودان). هكذا، كان على الأمين العام أن يستقيل من موقعه كوزير لمجلس شؤون الوزراء الاتحادي عندما تم تعيينه على رأس السكرتارية العامة للحركة. ولكن، من المُلاحظ أن نفوذ الحركة كتنظيم سياسي بدأ يتقلص تدريجيا في سياق تحول الحركة الشعبية من حركة تحرير إلى حزب سياسي حاكم. هذا التطور، بدوره، قاد إلى نبذ قيادات الحركة للعمل التنظيمي وتفضيلهم \"الهجرة\" إلى مقاعد الحكومة التي تملك مفاتيح السلطة والثروة.



9. في هذا السياق، فإن الوحدويين من الجنوبيين والشماليين (إثنياً وجغرافياً)، تدور في رؤوسهم العديد من الأسئلة تبحث عن إجابات، وتعوزهم الحيلة في التصدي لأسئلة الأصدقاء والأعداء، على حد سواء، والتي لا ينقطع سيلها حول مواضيع الوحدة والانفصال وتقرير المصير والاستفتاء، مما جعل جلهم يتشكك ويرتاب، بل وبات مقتنعا، في سعى بعض قيادات الحركة نحو انفصال الجنوب والتدبير له من وراء ظهورهم وخارج أطر المؤسسات الدستورية للحركة، ودون أدنى واعز سياسي أو أخلاقي. ولعلَّ عدم انعقاد مجلس التحرير القومي (لأكثر من عامين بعد انقضاء أعمال المؤتمر العام الثاني في مايو 2008)، والذي يمثل برلمان الحركة المناط به إجازة إستراتيجياتها وبرامجها وسياساتها، لدليل ساطع على هذا التوجه! (وللمفارقة، فإن بعض القيادات تبرر السعي للانفصال وتعزيه لفشل المؤتمر الوطني لجعل الوحدة \"جاذبة\" وكأن الحركة لم تكن منذ البداية تشك في الأجندة الخفية والنوايا الانفصالية للحزب الحاكم. فهل هذا الاشتباه هو السبب في تغيير مسار الحركة وموقفها من وحدة البلاد؟ إن كان الحال كذلك، فلماذا الآن وليس من الوهلة الأولى؟). وما زاد \"الطين بلة\" وعمل على ترسيخ هواجس وتوجُّسات \"الشماليين\" بالحركة هو طبيعة تمثيلهم في قيادة الحركة وفى الجهاز التنفيذي، خاصة في الحكومة الاتحادية. فعقب المؤتمر العام الثاني مباشرة (يونيو 2008) كتبت مذكرة ضافية في هذا الخصوص لم تجد أي صدى أو استجابة من القيادة!



قطاع الشمال: تمثيل حقيقي أم تمثيلية؟



10. لا يتطابق تعريف \"قطاع الشمال\" بالحركة الشعبية مع المفهوم الجغرافي لشمال السودان، إذ يضُمُ القطاع الولايات الثلاث عشرة الشمالية، فيما عدا النيل الأزرق وجنوب كردفان وأبيى، والتي تتبع تنظيميا لقطاع الجنوب. تم تمثيل القطاع (بالأحرى الشماليون) بنسبة 1 إلى 2، أي ما يعادل ثلث العضوية، في المؤتمر العام للحركة (الهيئة السياسية العُليا للتنظيم). كما هُم ممثلون بنفس النسبة في مجلس التحرير القومي، دون الالتزام بهذه النسبة في تشكيلة \"المكتب السياسي\" (الهيئة القيادية) للحركة، إذ تمَّ تمثيلهم بأربعة أعضاء فقط من جملة 27 عضوا. ويبدو أن التفسير الوحيد لهذه المفارقة هو عدم وجود قواعد مقاتلة يُعتد بها للشماليين في صفوف الجيش الشعبي، أو أرض \"محرَّرة\"، كما لرفاقهم في جبال النوبة والأنقسنا، مما يؤهلهم لتبوُء مواقع قيادية، رغما عن الزعم بتحوُل الحركة من كيان عسكري إلى تنظيم سياسي. ومع تفهُّم هذا المنطق، إلاَّ أن تطبيق نفس الصيغة على الشماليين لعضوية المكتب القيادي، تحليا بروح التمثيل العادل لكل المكونات في كافة مؤسَّسات الحركة، لأعطى رسالة قوية بشمول وتماسُك ووحدة الحركة.



11. ولكن، التدقيق في هذا الأمر يظهر بجلاء توجُهاً مقصوداً وسط قيادة الحركة لإضعاف التمثيل المؤسَّسي للشماليين والتقليل من مساهمتهم في الحوار حول القضايا المصيرية والتحديات الجسام التي تواجه الحركة، خاصة فيما يتصل بموضوع تقرير المصير ومعادلة الوحدة والانفصال. فقد كان هناك اقتراح بتقسيم قطاع الشمال إلى أربعة قطاعات فرعية (شمال، وسط، شرق، وغرب) خلال مناقشة \"المجلس القومي الانتقالي\" للحركة لمسودة الدستور قبل تقديمه للمؤتمر العام. وتمَّ رفض هذا المقترح لمرَّتين متتاليتين من غالبية عضوية المجلس لتناقُضه مع الدستور، ولو بطريقة غير مباشرة، بحكم نص المادة 1.2.2 والتي تعرِّف بصورة واضحة الحركة الشعبية كحزب سياسي بقطاعين في الشمال والجنوب بدون أدنى إشارة إلى قطاعات فرعية أو أي موجِّهات لتحديد هكذا قطاعات. وبالتالي فإن اعتماد تمثيل الشماليين على أساس \"مناطق\" غير محدَّدة وذات قواعد متداخلة قد يُفضي إلى زرع الانقسامات داخل قطاع الشمال (وهو ما حدث بالفعل)، وهو السبب الرئيس لرفض المقترح. وحتى إن سلَّمنا بوجاهة مبدأ التمثيل على هذه الشاكلة، فكان لابد من الاتفاق على 1) المعايير الموضوعية لتقسيم القطاع وتحديد \"المناطق\" المؤهَّلة للتمثيل، و2) القدرات القيادية والمساهمة التاريخية في نضال الحركة الشعبية قبل الشروع في ترشيح الأسماء، فإنك لا تضع العربة أمام الحصان! فما هي القيمة المضافة لمثل هذا التمثيل إن افتقر الممثلون للقدرات والمهارات المطلوبة؟



12. صحيح أن الواقع السياسي، خاصة في جنوب السودان، يملي التمثيل والتوازن على أسُسٍ قبلية أو إقليمية، ولكن يجب أن لا يكون مثل هذا التمثيل على حساب أهداف وكفاءة وأداء الحركة الشعبية، خصوصا على مستوى القيادة العُليا. وهكذا، فقد كانت قيادات الحركة دوماً تملك صفات قيادية ملموسة، ولو بدرجات متفاوتة، فيما كانت تمثل في نفس الوقت المجموعات القبلية أو الاثنية التي تنتمي لها. والمهم أن نؤكد هنا أن جميع هؤلاء القادة اكتسبوا مواقعهم القيادية، ليس بسبب انتماءاتهم القبلية فحسب، بل لتقدير قدراتهم القيادية وتضحيتهم خلال مرحلة الكفاح المسلح في سياق تطور الحركة الشعبية. إذن، فالمعيار الرئيس للصعود للمراكز القيادية لا يكمن في الجماعة الاثنية أو المنطقة الجغرافية التي يأتي منها الفرد، بل في الالتزام طويل الأمد، والمساهمة المشهودة للحركة الشعبية. وإلا لكان من الأجدى أن يتم تقسيم قطاع الجنوب إلى مناطق ومجموعات قبلية، ومن ثمَّ الطلب من كل منها ترشيح ممثلهم للمكتب السياسي أمام كل عضوية مجلس التحرير القومي، وذلك بمثل الطريقة التي اتبعت لاختيار \"ممثلي الشمال\"! فلماذا التحامُل على قطاع الشمال والشماليين باللجوء لاستخدام المعايير المزدوجة؟



13. وعلى نفس المنوال، كان من المتوقع إتباع ذات المنطق وتطبيق نفس معايير اختيار القيادات الجنوبية على القيادات الشمالية. فالحركة الشعبية لا تفتقر إلى قدامى المحاربين الذين ساهموا في مسيرة الحركة، على الصعيدين العسكري والسياسي خلال مرحلة الكفاح المسلح، ويجدون قبولا وسط شرائح واسعة في مجتمع شمال السودان. فليس هناك من مانع يحول دون تصعيد من حمل السلاح من الشماليين للمكتب السياسي إلا الأقدمية والرتبة في الجيش، مما ينم عن تسيّد \"العقلية العسكرية\" حتى مع تحول الحركة إلى تنظيم سياسي! إذن، لما العجلة في تعيين قيادات شمالية حديثة الإعداد والالتحاق بالحركة، والتي لم يجف بعد حبر توقيعاتهم على طلبات الانضمام لعضويتها؟ فهل يعنى هذا أن وجود الشماليين في قيادة الحركة ما هو إلا مجرَّد زينة وديكور، في شكل تمثيل رمزي وغير فعال؟ حقا، يتساءل المرء إن كان مثل هذا التمثيل بمثابة بادرة حميدة أم ترتيب مقصود بنية شريرة! إن قواعد الحركة في الشمال متحدون في التزامهم برؤية السودان الجديد، وهذا هو ما دفعهم أساساً للانضمام إلى الحركة. فلماذا نفرِّق بينهم على أسُسٍ \"إقليمية\" والقطاع ما زال في طور البناء ودون مراعاة لقدراتهم ومقدراتهم القيادية؟ وهكذا، فقد لمستُ من خلال الحوارات والمناقشات التي تمَّت على هامش المؤتمر شعوراً قوياً وسط الشماليين بالهجمة الشرسة ضد القطاع. فيعتقد معظم المندوبين، بما في ذلك كوادر الحركة بسكرتارية القطاع، أن محاولة إضعاف القطاع بدأت بعملية إقصاء كوادر قطاع الشمال التي ناضلت في صفوف الحركة والجيش الشعبي منذ الثمانينات، وذلك باعتماد \"الولاية\" كـ \"كلية انتخابية\".



14. يكمن المدخل الصحيح لتمثيل الشماليين في المواقع القيادية للحركة في إعطاء الفرصة لهذه القيادات الجديدة لإثبات أنفسهم وإظهار قدراتهم التي من شأنها أن تؤهِّلهم لتحمُّل المسؤوليات القيادية في الجهاز التنفيذي الرئيس للحركة. فمجلس التحرير القومي، في هذا الخصوص، يوفر الفرصة والمنبر معاً لاكتساب الصفات القيادية والمهارات اللازمة. فالمجلس يشكل الأرضية المناسبة لتدريب واختبار القيادات الشابة وتأهيلها للترقي في سلم القيادة ولتبؤ ولتبوُّء المواقع في الهيئة السياسية العُليا للحركة والمكلفة بصياغة اهتمامات قواعد الحركة في كافة أنحاء البلاد في برامج وسياسات قومية، مع مراعاة خصوصية كل منطقة. وإلا فإن النتيجة الحتمية هي أن يتحوَّل المكتب السياسي إلى منبر للصراع حول السلطة ولتمرير أجندة المجموعة المسيطرة على زمام الأمور بالجنوب على حساب الأهداف العُليا المُضمَّنة في دستور ومانيفستو الحركة. وهذا ما حدث في واقع الأمر تحت ستار التمثيل \"المظهري\" لقطاع الشمال وقياداته، الذين اقتصر دورهم على مباركة القرارات وفرضها من أعلى إلى أسفل على القواعد، وكأنها \"تعليمات\"، بدون أي حوارات عميقة أو نقاشات جادة!



15. فمن جهة، لابد من الاعتراف بالثغرات وأوجُه القصور التي شابت تنظيم القطاع الشمالي (وكذلك في القطاع الجنوبي)، ولكن في نفس الوقت لا ينبغي أن يعاقب فيه القطاع بمفرده أوالمثابرة على إضعافه من خلال السماح بتقسيمه إلى مناطق ومراكز للقوى بحجة أن ذلك يعود عليه بوضع إداري وتنظيمي أفضل. وبنفس القدر فإنه يجب الإطراء على، وتقدير الجهود الهائلة التي بُذلت من أجل إعادة هيكلة وتنظيم قطاع الشمال. بينما من جهة أخرى، لا يعفى كل هذا قيادة القطاع من الفشل في الوصول إلى، والتواصُل مع شرائح هامة في المجتمع الشمالي، خاصة في أوساط المهنيين والموظفين والعمال والمزارعين ومجموعات المثقفين وقدامى المؤيِّدين والمناصرين للحركة الشعبية، ومن العشاق والمأخوذين برؤية السودان الجديد. فهكذا، أخفقت قيادة القطاع في توسيع قاعدة العضوية ويناء التنظيمات الشعبية والفئوية المساندة للجسم السياسي للحركة في شمال السودان. كما أن القطاع لم يقبل على الانتخابات العامة بجدية، الآلية الوحيدة للتغيير التي وفرتها اتفاقية السلام الشامل، أو يضعها في صدارة أولوياته من ناحية الاستعداد والتحضير اللازمين لها منذ انطلاقة الفترة الانتقالية في عام 2005، فقاطعها على بعد أيام بحجج تعوزها المصداقية. وقد كان الزعيم الراحل، د. جون قرنق، يعول عليها كثيرا، فعلى حد قوله فإن للحركة: \"طاقات كامنة تؤهلها لأن تصبح حزب الأغلبية في الانتخابات القومية القادمة وعلى كافة المستويات المحلية والولائية والقومية\"! إضافة إلى أن قرار المقاطعة الذي تم سبكه خارج الأطر المؤسَّسية للحركة، بما في ذلك مؤسَّسات قطاع الشمال، قد أحدث ربكة وارتباك مما أفضى في نهاية الأمر إلى عزل القيادات عن قواعدها، وإلى خلق وضع شاذ انعكس في وجود قطاع الجنوب بالحركة داخل المؤسَّسات التشريعية والتنفيذية للدولة، بينما أضحى قطاع الشمال خارج هذه المؤسَّسات! فما هو دور القطاع في هذه المرحلة التاريخيَّة الحرجة التي تسبق الاستفتاء على حق تقرير المصير، وما هي أهدافه؟ وهل سيتحوَّل إلى حزب معارض قائم بذاته؟ وما هو موقف القطاع من التصريحات حادة اللهجة التي باتت تطلقها بعض قيادات ووزراء ومنسوبي الحركة على مختلف المستويات، داخل وخارج السودان، لصالح الانفصال واستقلال الجنوب؟ أم هل أصبحنا على شفير الانقسام إلى حركتين، إحداهما \"جنوبية\" والأخرى \"شمالية\"؟



16. وقد ذكرت في ورقة سابقة كتبتها قبل عامين من قيام الانتخابات (جون قرنق ينادى: لنسمو فوق ما يفرقنا، جريدة الصحافة، أغسطس 2007)، وظللت أردد القول منذ ذلك الحين بأن \"نتيجة هذه الانتخابات ستكون مشئومة ومخيِّبة للآمال بالنسبة للحركة الشعبية فيما إذا قرَّرت الحركة أن تهجُر شمال السودان وترحل عنه\". فمقاطعة الانتخابات، في حقيقة الأمر، تشكل بُعداً إضافياً للميول الانفصاليَّة، إذ توفِّر حجَّة قويَّة للانفصاليين ولسان حالهم يقول \"أفلم نقل لكم بأن الحركة لا تملك قاعدة يعتد بها في الشمال، وأن التصريحات التي تصدر من القطاع بتسجيله لأكثر من مليوني عضو لا تعكس الحقيقة، إذ كيف يجرؤ تنظيم يحظى بهذا القدر من التأييد، مقاطعة الانتخابات سواء كانت نزيهة أم مزورة\"؟ فلماذا نبقى في الشمال ونحن نفتقد السند الجماهيرى والتفويض الشعبي الضروري؟\". وحتى ولو فسَّرنا المقاطعة بعدم توفير قيادة الحركة للدعم اللازم والاحتياجات الضرورية، فهذا في حد ذاته ُيعبِّر عن فتور حماسة هذه القيادة تجاه قطاع الشمال وتتويجاً لمحاولات إضعافه التي أفصحت عنها مداولات وملابسات المؤتمر العام الثاني! ويعنى هذا أن قطاع الشمال، والشمال نفسه، لم يعُد في قائمة أولويات قيادة الحركة، بل وخارج دائرة اهتمامها تماماً. ولعلَّ ما يؤكد هذا التوجُّه هو سحب القيادة لمُرشَّحها من السباق الانتخابي لرئاسة الجمهورية، والذي جاء صادماً ومحبطاً ومخيِّباً للظن، خاصة وأن الأسباب المعلنة للقرار لم تكن مقنعة أو شافية، مما يرجِّح رواية \"الصفقة\" التي كثر تداوُلها بين الناس. ذلك رغماً عن الزخم الذي وفرته حملته الانتخابية التي خلقت حراكاً واسعاً، وتجاوبت معها قطاعات واسعة من الشماليين، حتى أولئك ممَّن فقدوا الأمل في قيادة الحركة لعملية التغيير التي ظلت تبشر بها بعد التوقيع على الاتفاقية، خاصة بعد الرحيل المفاجئ والمفجع لزعيمها. وأيضا، ربما يكون التلكؤ في الدعوة لانعقاد مجلس التحرير القومي مقصودا ليكرِّس خفوت صوت الشماليين، والوحدويين عموما، بحرمانهم من فرصة إبداء رأيهم وتوضيح موقفهم من معادلة الوحدة والانفصال، وكذلك موقف الحركة من الاستفتاء على حق تقرير المصير، وتقديم مساهماتهم حول مستقبل الحركة، في حوار صريح وشفاف.



17. وإلحاقاً للإساءة بالأذى، جاء تمثيل الشماليين في \"حكومة الوحدة الوطنية\" ضعيفاً وهامشياً (وزير دولة في وزارة خدميَّة ومستشار بدون أعباء)، بحجَّة أن بروتوكول تقاسُم السُلطة لاتفاقية السلام الشامل لم يفرد لهم سوى ربع نصيب الحركة البالغ 28% من جملة مقاعد السلطة. ولكن، إن كان قلب قيادة الحركة على الوحدة، لما وقف هذا النص عائقاً لإشراك الشماليين في الحكومة بتمثيل لائق. خاصة أن هذه النسبة لم تقيد التمثيل في لجان المجلس الوطني الانتقالي، حيث كان تمثيل الشمال بنسبة 40% من جملة تمثيل الحركة في البرلمان. وإن تغاضينا عن ذلك، فما هي الحجَّة لاستبعادهم تماماً من الحكومة الاتحادية التي تشكلت عقب الانتخابات العامة؟ هل هي مقاطعة قطاع الشمال للانتخابات؟ أم هو عقابٌ جماعي وذريعة للتخلص من أعباء الوحدة والوحدويين بسبب رفض قيادة القطاع الانصياع لقرار المكتب السياسي؟ أفلم تعط قيادة الحركة، ولو بشكل غير مؤسَّسي، الضوء الأخضر لقرار المقاطعة والذي أعلنه على الملأ السكرتير العام للحركة؟ ثم إن كان الذنب يرجع للانتخابات، فألا يشارك في الحكومة الاتحادية وحكومة الجنوب ممَّن فشل في ذات الانتخابات أو لم يشارك فيها أصلا؟ لاشك، إن توزيع الحقائب الوزارية التابعة للحركة في الحكومة الاتحادية يخضع للتوازنات القائمة على الانتماءات القبلية والإقليمية التي تدعو إلى إشراك قطاع الشمال بما يتناسب مع وزنه في المؤتمر العام ومجلس التحرير القومي. وإلا فان عدم تمثيلهم، أو إشراكهم بصورة رمزية، يُذكِّر بتمثيل الجنوبيين في الحكومات المركزية المتعاقبة التي هيمن عليها الشماليون، وهو النهج الذي استهجنه الجنوبيون أنفسهم بشدة وساقوه كدليل لا يقبل التأويل للتهميش والاضطهاد! إنها حقا لمُفارقة أن يُشرك المؤتمر الوطني، الموسوم من قبل قيادة الحركة بنقض العهود وخيانة المواثيق، الجنوبيين من عضويته وحلفائه في الحكومة بينما تلفظ الحركة الشعبية (قومية الطابع والعضوية) من ظلَّ يقف معها وخلف قيادتها في كل مراحل النضال المسلح والسياسي!



خاتمة



18. انفعل السودانيون من كافة أنحاء شمال السودان برؤية السودان الجديد، أو المُوحَّد على أسُسٍ جديدة، ويشهد على هذا التجاوب الاستقبال غبر المسبوق لزعيم الحركة الراحل بالخرطوم في الثامن من يوليو 2005، فتدافعت أعداد هائلة منهم للانضمام للحركة عقب التوقيع على اتفاقية السلام الشامل. ولكن، افتقارهم للقاعدة في صفوف الجيش الشعبي، كرفاقهم من جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، أفقدهم التأثير على عملية اتخاذ القرار في داخل الحركة، خاصة مع تنامي النزعة الانفصالية وسط قيادات الحركة بعد الرحيل المُفاجئ والمُفجع لزعيمها. وبعد إكمال البناء التنظيمي لقطاع الشمال، في مرحلته الأولى، كان من المأمول أن يتيح المؤتمر العام الثاني للحركة الفرصة للقطاع وللشماليين تمثيلا حقيقيا في المؤسَّسات القيادية ومشاركة فاعلة في صياغة استراتيجيات وبرامج وسياسات الحركة، خاصة فيما يتصل بالتوفيق بين هدفي الوحدة وحق تقرير المصير. ولكن، تحول المؤتمر إلى مظاهرة سياسية إذ لم تتجاوز أعماله إجازة وثيقتي المانيفستو والدستور، ولم يحظ الشماليون إلا بتمثيل باهت في ظل هجمة ملحوظة ضد قطاع الشمال، فاستحق المؤتمر بجدارة وصف \"مؤتمر الفرصة المُهدرة\". ولم يخيِّب القطاع ظن المناوئين له، فأخفقت قيادته في الاستفادة من الفرصة التي وفرتها الانتخابات العامة في التسلح بأصوات الناخبين، طالما لم يتسنَّ للشماليين التسلح بالذخائر الحيَّة، فأضحوا خارج مؤسَّسات الدولة التشريعية والتنفيذية، مما أضعف وضع القطاع في منظومة الحركة وحجم نفوذه تماماً، فأصبح كـ\"أعشاب النيل\" يطفو على السطح بدون جذور ضاربة!



19. إن قيادات قطاع الشمال مسئولون أمام عضويتهم، ومناصري الحركة عموماً، بإجراء مراجعة شاملة لتجربة عمل القطاع السياسية والتنظيمية، وتحديد السلبيات والمعوِّقات، والبناء على الايجابيات والانجازات. كما أنهم مطالبين باتخاذ خطوتين هامتين، 1) الدعوة إلى مؤتمر عام على مستوى القطاع للحوار حول، ومناقشة معادلة الوحدة والانفصال وموقف الحركة من خياري الاستفتاء على حق تقرير المصير. ذلك، إضافة إلى التفاكر بعيد النظر حول مصير القطاع في حالة انفصال الجنوب، الذي يطرق على الأبواب بشدة.. و2) المثابرة على المطالبة بانعقاد مجلس التحرير القومي للحوار الجاد والصريح حول موقف الحركة من الاستفتاء على حق تقرير المصير، ومن وحدة البلاد. فإن كان العصف الفكري قد طال آفاق المستقبل لجنوب السودان في مرحلة ما بعد 2011 وتنظيم العديد من الندوات والمنتديات لهذا الغرض في أكثر من منبر داخل وخارج البلاد، فمن المُجدي أيضاً الشروع في حوار عميق ونقاش صريح حول حاضر الحركة الشعبية وسيناريوهات المستقبل. فالحركة الشعبية، التي انطلقت من جنوب السودان، كما عرفناها هي جسم واحد يجمع بين ثناياه مختلف القوميات والتيارات السياسية المؤمنة برؤية السودان الجديد، فإن هجرها كيانها المؤسِّس، أو أي من كياناتها، سينفرط عقدها كيفما انشطرت البلاد إلى جزئيين أو انزلقت نحو التمزق والتفتت. فتحقيق رؤية السودان الجديد على أرض الواقع مرهون بالمحافظة على البلاد موحَّدة، ولو على أسُسٍ جديدة، وحالمٌ من يظن أن الحركة الشعبية قابلة للحياة في \"سودانات\" متعدِّدة!





الكويت - يوليو 2010



واثق كمير





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2159

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. الواثق كمير
 د. الواثق كمير

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة