المقالات
السياسة
السودان في مفترق طرق
السودان في مفترق طرق
02-07-2016 01:33 PM



أصبح في منطقتنا العربية والأفريقية الانزلاق في الفوضى الخلاقة والموت والدمار محيطاً وقريباً من كل دولة غير متماسكة، وفي وحدة وطنية وتسامح نبيل، والنبل هو الترفع والسمو فوق المرارات الشخصية والأحقاد المتوارثة والمتراكمة وهو التحليق فوق الصغائر وإعلاء مصلحة السودان ومواطنيه الأبرياء المترابطين، في عقد أسري نضيد، انقطع في كل دول العالم خاصة القريبة منا.. لا يوجد في كل هذه الدول تراحم وتكامل ومحبة مثل ما يوجد في السودان.. السودان الآن في مفترق الطرق طريق يؤدي الى جسر التماسك والمصالحة والأمن والأمان والرفاهية،

وطريق يؤدي الى جسر الحروب وموت الأبرياء ودمار السودان.. وقديما قال الفيلسوف ديفيد رسل أصعب شيء يمكن تعلمه في الحياة هو «أي جسر تعبر وأي جسر تحرق» -(The hardest thing to tearn in life is which bridge to cross and which to burn)
وقال الفيلسوف الكاريكاتيرست جيمس ثيربر:
(Let us not look back in anger nor forward in fear but rather around in awarenes)
«دعنا لا ننظر الى الماضي بغضب ولا المستقبل بخوف ولكن ننظر حولنا بوعي»
هذه مقدمة ضرورية لما سنطرحه من رأي ورؤى للماضي والحاضر والمستقبل في السودان.. النظرة الى الماضي مليئة بمرارات وأحقاد الكثيرين، ممن تأثروا بالتشريد وفقدان الوظائف والإعتقال العنيف والملاحقة في الأرزاق، تحت سياسات التمكين في السنوات العشر الأولى للإنقاذ، وامتدت المرارات والأحقاد من الأفراد الى أسرهم الكبيرة والصغيرة وأصدقائهم وأهليهم حتى فاقت أعدادهم جميعاً الملايين من المتأثرين بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
النظرة الى الحاضر تكشف تزايد أعداد الجالسين على الرصيف وهم يعانون من شظف العيش وصعوبة مقابلة المتطلبات الضرورية لأسرهم، في المأكل والمشرب والعلاج وتعليم أبنائهم، والخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والاتصالات والمواصلات، بسبب ارتفاع أسعارها فوق قدرتهم ودخولهم، وهم في رصيفهم هذا يقرأون في التواصل الاجتماعي، ويتحدثون ويسمعون في المناسبات الاجتماعية عن الفساد وتنامي الثراء الفاحش، حتى ذابت الطبقة الوسطى في المجتمع، واتسعت الفجوة بين طبقتين فقط واحدة تملك كل شيء، والأخرى لا تملك أي شيء، مما أورث الحقد والسخط وأضافت ملايين آخرين للمعارضة الصامتة المشرئبة الى أي تغيير جذري، يبعث فيهم الأمل والتطلع لحياة كريمة متوازنة بين أفراد المجتمع.
والنظرة الى الحاضر أيضاً تكشف عن تدني الخدمة المدنية، وغلاء المعاملات الحكومية، وانهيار المشاريع الزراعية بشقيها النباتي والحيواني، وتكشف تدني الصادرات بعد توقف عائدات البترول، وتدني أسعارها عالمياً، حتى انخفض سعر الجنيه الى أقل من ست مرات عن سعره قبل خمس سنوات، وكذلك تكشف النظرة الى الحاضر تعاظم هجرة العقول والعمالة الماهرة بصورة غير مسبوقة، أدت الى إضعاف النسيج الاجتماعي والترابط الأسري، وأدى ضيق العيش الى فقدان أرباب الأسر للرقابة اللصيقة على أبنائهم وبناتهم، الذين يخرجون في الصباح الباكر ويعودون آخر الليل، دون أن يعرف رب الأسرة أين كانوا وماذا فعلوا.. الهجرة والضيق في العيش أصاب الأسر بالتفكك وانعدام الرقابة والتوجيه السليم، وتنامت ظاهرة تعاطي المخدرات بين الشباب في جلسات وخلوات غير شرعية، ولا يكاد يمر يوم إلا ونقرأ عن مداهمة أمن المجتمع لأوكار مختلطة بين الشباب من الجنسين تمارس فيها كل أنواع الرذائل.. قديماً كانت تجلس الأسر على مائدة غداء واحدة عند الظهر تناقش فيها كل مشاكل أفراد الأسرة في وئام ومراقبة غير مرئية من الآباء والأمهات، وكانت هذه الجلسة اليومية هي الحاكمة لسلوك وانضباط كل أفراد الأسرة.. الآن زالت هذه الجلسة اليومية تماماً وأصبح أفراد الأسر يعودون الى المنازل فرادى في أوقات متباعدة حتى منتصف الليل، حيث يكون الآباء والأمهات في نوم عميق من الرهق والمعاناة أثناء اليوم في سبيل كسب العيش.
هل يعود ذا الزمن!! نعم.. يمكن أن يعود لأن التماسك الأسري والسلوك القويم هو الأصل في المجتمع السوداني والاستثناء ما يحدث اليوم.
يعود ذلك الزمن الجميل بالنظرة الى المستقبل، واستقراء الواقع الاقليمي والدولي حولنا.. الواقع الاقليمي تشظي دول مجاورة ووقوعها في موت أبرياء ودمار ونزوح لاجئين، وتفكك كامل في الأسر، وزوال الأمن والأمان والاستقرار.. الواقع الدولي تآمر وخطط جهنمية لمزيد من تفكك وانهيار دول وليس انهيار أنظمة، وقديماً كانت الأنظمة هي المستهدفة بالتآمر، الآن الشعوب والإسلام هما المستهدفان.
الآن الفرصة في السودان ذهبية لتفادي هذا الانزلاق الخطير الوشيك في مستنقع الفوضى الخلاقة المصنوعة بعناية، وذلك باختيار الجسر الصحيح، وما لم ننسَ مرارات الماضي، ونرتفع الى مستوى التحديات، وننظر حولنا بوعي مسؤول لن نعبر الجسر السليم.. الإنقاذ الآن في مرحلة مراجعة شاملة صادقة يقودها الرئيس بشجاعة نادرة ووطنية خالصة، وهو في آخر دورة رئاسية له، لا يريد أن يغادرها تاركاً السودان في خضم الفوضى الخلاقة، لأن التاريخ لا يرحم، ودعاء الطيبين لا يحتمل.. المراجعة الشاملة التي يقودها الرئيس- وهو في مركز قوة- جاءت في دعوته الى الحوار الوطني والحوار المجتمعي، وتكرار التزامه الكامل بتنفيذ مخرجات الحوارين، لذلك يجب أن يفضي الحواران الى:
أولاً: تشكيل حكومة قوية قومية قليلة العدد من كفاءات رفيعة علماً وسلوكاً ونزاهة بعيداً عن الانتماء والتوازن الحزبي، يكون فيها وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ويجب أن تكون برئاسة الأخ البشير الذي دعا الى كل هذا الزخم الإيجابي لمصالحة وطنية عبر الحوارين السياسي والمجتمعي، ويجب الصبر على المعارضة الخارجية المدنية والعسكرية قبل صدور مخرجات الحوار الوطني، لأن الحكومة تملك من المنطق والجدية والمصداقية بما يمكِّن هذه المعارضة من الاقتناع والرجوع الى صوت العقل حفاظاً على السودان.
ثانياً: تأجيل استفتاء دارفور، ثم إعادة هيكلة الحكم الفدرالي في السودان في ثمانية أقاليم هي دارفور، وكردفان، والأوسط، والشمالي، والشرقي، والخرطوم، والنيل الأزرق، وجنوب كردفان.. بهذا القرار من الرئيس سوف تنتفي أية ذريعة أو منطق للمعارضة المسلحة لمواصلة الحروب، والبقاء في الخارج، وسوف يأتون مشاركين في الحوار الوطني والمصالحة الشاملة داخل السودان..
التمترس في الوضع الولائي الحالي أثبت عدم جدواه والمتمسكين به هم من ذوي النظرة الضيقة لمصالحهم الأضيق المدمرة للسودان.. عليه وقف الحروب والتفلتات في دارفور عبر المرونة من صاحب اليد العليا- وهو الرئيس- هي أهم مخرجات الحوار، لأن المخاطر أكبر من المجازفة بالتوقف في ثوابت لم تعد ثوابت الآن.
ثالثاً: الاستمرار القوي في السياسة الخارجية الحالية في الوقوف مع الحلف العربي الذي تقوده السعودية مع خلق علاقة متميزة مع كل من مصر واثيوبيا.
رابعاً: تطبيع العلاقات مع أمريكا والاتحاد الأوربي وبريطانيا حتى يزول الحصار الاقتصادي الذي استحكمت حلقاته بصورة مخيفة وهي الرامية الى إثارة الشعب وادخاله في الحالة النفسية الخطيرة (لا شيء أفقده) المفضية مباشرة الى الفوضى والدمار والتشظي.
خامساً: إعادة تأهيل مشاريع الزراعة في برنامج طارئ اسعافي وقصير الأجل، خاصة مشروع الجزيرة وإعادة زراعة القطن، ووقف زراعة القمح تماماً، وفي ذلك إعادة لكل الصناعات التحويلية للقطن مثل المحالج، والغزل والنسيج ومعاصر الزيوت.
سادساً: بسط هيمنة وسيادة الدولة على الثروات القومية خاصة التعدين والصمغ العربي.
سابعاً: العمل الإيجابي الصادق القوي في إعادة الاستقرار لدولة الجنوب، تمهيداً لإعادة الوحدة الكنفدرالية بين البلدين، والتي لن تؤثر على خصوصية كل دولة في شتى المناحي الاجتماعية، والدينية، والسياسية.. تشترك الدولة الموحدة فقط في السيادة الواحدة، والجيش الواحد، والاقتصاد القومي الواحد.
والله الموفق.

اخر لحظة


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 3486

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1411590 [شمس العلا]
0.00/5 (0 صوت)

02-07-2016 09:25 PM
الفرقرشنو بينك وبين طبالي وعازفي المؤتمر الوطني الذي غطس حجرنا وتسبب في كل ما ذكرته في مقال هذا
سيدك الرئيس عمر البشير مش هو نفسه قائد هذه الجوقة منذ 1989 ولا واحد غيروا!!!!!؟؟؟؟

[شمس العلا]

#1411575 [كندمر]
5.00/5 (4 صوت)

02-07-2016 08:42 PM
عيب عليك يا رجل .إستغفر..يدلا من أن تدعوا الى إستعادة النقابات ضمير الشعب لتقود كدأبها الانتفاضة القادمة لا محالة فقد.كنت نقابيا سابقا..أرجو ان تسأل نفسك متى كان البشير والانقاذيون صادقين او حسنوا النية؟...ولتعلم أنالسياسة هى التى تدير البلدان ،وهى ليست مؤسسة ليديرهاالتكنوقراط..والحالة التى أوصل لها الهولاء السودان تحتاج الى ساسة ثوريين يكنسون كل الموسسات ويعيدون هيكلة الدولة ..لتعود الى الطابع المدنى وبجيش محايد خارج المدن وشرطة مدنية تحت قضاء مستقل..وحل ومحاسبة اجهزة القمع والامن..وتحويلهم الى زراع ورعاة ..وفتح مظلة العمل للانتاج ..بشعار حواشة أو زريبة لكل سودانى ،وبناء اقتصاد (الانتاج )بدلا من ()الجباية..غفر الله لك بدات بمنطق سلس وفقدت الرؤية بإعتمادك رأس (نظام) بدأ بالكذب وانتهى بتدمير الحياة لشعبناالابى وتشريد ابناءه بل سفح دماءه وإنتهاكات أدت به الى الجنائية الدولية..وانشاء الله الى الجحيم وزمرته من العسكر والاسلاميين والطائفين وكل من شارك ونافق الانقاذ..نحن رفاق الشهداء ..الصلبرون نحن..المبشرون نحن

[كندمر]

عمر البكري أبو حراز
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة