المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
سياسة الإنقاذ وفوبيا المحكمة الجنائية
سياسة الإنقاذ وفوبيا المحكمة الجنائية
07-26-2011 11:47 PM

سياسة الإنقاذ وفوبيا المحكمة الجنائية

عمر موسي عمر
[email protected]

زمان مضي علينا كنا في ميعة الصبا ولا نمل من شحذ عقولنا الغضة بالألغاز التي نتفنن في جعل السامعين يعانون من إيجاد حلولها بعد أن يعملوا كل تفكيرهم وتنفذ لديهم كل الخيارات في العثور علي الإجابة الصحيحة فنقول للحاضرين أن رجل شرطة قد مرّ من خلف حائط وسمع من الجهة المقابلة صوتاً يصرخ \" قتله اسامة \" فيهرع الشرطي ليجد قتيلاً مضرجاً في دمائه وحوله جمهرة من الناس فينظر نظرة واثقة إلي أحدهم ويقول له في ثبات : \" أنت أسامة وقد قتلت هذا القتيل \" ليأتي سؤال اللغز ..كيف عرف الشرطي أسامة بين الحشود فيتباري السامعين في إيجاد الحل أو الشفرة الصحيحة لهذا اللغز فيقول أحدهم كان في يده السكين ويقول آخر كانت الدماء تغطي ملابسه وينبري أحدهم بالقول وجده جاثماً علي الجثة حتي إذا نفذت منا كل الإجابات والإحتمالات ننظر إلي صاحب اللغز في دهشة وإعجاب وتلهف لمعرفة الحل ويفاجئنا أن الحل كان أبسط مما نتصور حينما يقول منتصراً :\" كان كل الحضور من النساء ماعدا أسامة كان رجلاً \" وقبل أن تفارقنا الدهشة والإنبهار يطرح آخر لغزاً أن تلميذاً رفع يده في الفصل وقال للمعلم أنه يطلب إذناً للتغيب غداً ويسأله المعلم مستفسراً \" لماذا؟؟\" فيجيبه التلميذ في حزن \" إن والدي سيموت غداً\" ويأتي سؤال اللغز الذي يحير عقولنا \" كيف علم التلميذ أن أباه سيموت غداً ؟؟\" ويتباري الحاضرون في الإجابات ..إنه مريض جداً ..سيحارب ويقتل .. قال الطبيب للتلميذ أنه سيموت .. ولما تعجز عقولنا عن الوصول إلي حل اللغز ننظر في يأس إلي صاحبه لتأتي إجابته مثيرة للدهشة \" لقد حكم علي والده بالإعدام وغداً يوم التنفيذ \" وهكذا دواليك حتي نتفرق وقد ملئت عقولنا نشاطاً ونفوسنا دهشة وإعجاباً مما سمعنا .
تروادني هذه الذكريات والكثيرين من أبناء هذا الشعب الطيب يجدون في سياسة الإنقاذ ألغازاً غير مفهومة لديهم ويتبارون في إيجاد الشفرة لهذه السياسة والحل الصحيح لها ..لماذا سكت النظام عن الإعتداءات علي أرض الوطن ولماذا قسمت البلاد أصلاً ؟؟ لماذا تدعي الحكومة أنها ديمقراطية وجاءت عن طريق صناديق الإنتخاب ويضيق صدرها ذرعاً بأي بادرة من الشعب للتعبير عن إرادته فيسارع إلي مد ذراعه المدججة بالسلاح ليخمد كل صوت للحرية ؟؟ لماذا تهمل الحكومة المجاعة التي تهدد جنوب طوكر حتي ينبري أبناء المنطقة لتقديم الغوث لأبناءهم ولا تستحي من التبرع بخمسة آلاف رأس من الأبقار للحكومة المصرية .. لماذا تسعي الدولة للتأسيس للجمهورية الثانية علي أنقاض الجمهورية الأولي التي فشلت بكل المقاييس كانها أدمنت الفشل وحسبته لجة من النجاح حتي كشفت عن ساقيها ؟؟ ولماذا لم يمل هذا النظام من شن الحروب ضد مواطنيه وشعبه فشن حرباً في الجنوب وفي دارفور وفي شرق السودان وختم حروبه بجنوب كردفان ولماذا يسعي هذا النظام دائماً لإنهاء كل حرب تخوضها بإتفاقيات مع الخارجين علي النظام تراقبها أطراف دولية حتي عجزت عن توفير الأمن داخل حدودها وأصبحت حماها مرتعاً لعشرات الآلاف من القوات الأممية وهي تأنف وتأخذها العزة بالإثم وتأبي دعوة أبناء الوطن جميعاً إلي كلمة سواء بينهم للخروج بالبلاد من دائرة الفشل إلي دولة التوافق والإنسجام ؟؟
غير أن المتتبع لهذه السياسات لا يدور في خلده أن الإجابة الصحيحة لأسباب هذه السياسات هي أبسط مما يتصور وتخلو من الإحتمالات ذلك أن هذه السياسات الطائشة وغير المتزنة تصب دائماً في خانة واحدة لا ثاني لها وهي البقاء في سدة الحكم مدة تطول ستباعد المسافات بينهم وبين المحكمة الجنائية التي تسعي خلف رئيس الدولة وهي الحل الصحيح لألغاز هذه السياسة فرموز النظام لا يجدون مخرجاً للمطلوبين للعدالة الدولية سوي البقاء في السلطة لأن الثورة ضد النظام تعني ببساطة شديدة حكومة وطنية أو سلطة إنتقالية لن تجد غضاضة في تسليم كل المطلوبين للعدالة الدولية من أجل إستقرار الوضع الأمني والسياسي في البلاد وسيكون تسليمهم ثمناً زهيداً تدفعه الإرادة الوطنية لغايات أسمي .
سؤال آخر يتبادر للذهن وهو لماذا رفض هذا النظام كل إتفاقيات السلام التي عقدت وأخرها إتفاقية \" كوكدام\" والتي كانت منصفة للوطن وتحفظ البلاد موحدة ثم عادت وعقدت إتفاقية إعتبرتها سابقاً خيانة للوطن ودماء الشهداء ؟؟ ولم تمانع في تقسيم الوطن ؟؟ والكثيرون يعلموا السبب بعد أن وقع \" كولن باول\" وزير الخارجية الأمريكية كأحد شهود الإتفاقية ..وسؤال آخر ماذا كان يرجو هذا النظام من دولة تعادي الإسلام وتجعل من العدو الصهيوني صديقها الأوحد ؟؟ ولماذا تخلت هذه الدولة عن النصوص القرآنية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها والتي تحذر من مصادقة اليهود والنصاري وإنهم لن يرضوا عن مسلم حتي يتبع ملتهم ؟؟ ورمت بقوس واحدة كل أثقالها علي الإدارة الأمريكية ؟؟ وكل هذه التساؤلات تحيلنا إلي الإجابة اليتيمة ..المحكمة الجنائية ويبدوا أن هذه السياسة ناجحة حتي الآن رغم تأخر الجائزة من الإدارة الأمريكية والتي لم يجد رئيس الجمهورية حرجاً في أن يطلبها جهرة في خطابه الذي ألقاه في إحتفال دولة الجنوب بإستقلالها حينما طلب من \" أوباما \" الوفاء بوعوده لحكومة الشمال ... والجميع يعلم وعد الإدارة الأمريكية لدولة الشمال إذا إعترفت بدولة جنوب السودان والتي شملت رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد محاولة إغتيال الرئيس المصري السابق \" حسني مبارك \" في العام 1995م ورفع العقوبات الإقتصادية وإعفاء ديون الدولة الخارجية التي تتجاوز الأربعين مليار دولار وتتضمنت الوعود تجميد مذكرة القبض بتدخل النفوذ الأمريكي في هذا الشأن وما يبدوا واضحاً أن حكومة الإنقاذ أوفت بوعودها وأخلفت الإدارة الأمريكية وعودها ولن تفيها رغم أن هذه الحكومة علقت عليها آمالاً عراضاً وما كان واضحاً للعيان أن أهم الوعود التي كان يأمل عليها هذا النظام هو تجميد مذكرة القبض وكان النظام علي إستعداد للتضحية بالبلاد ووحدتها لتحقيق هذا الهدف وما يبدو أنها قبضت الريح .
في تقديري المتواضع يبدو أن هذا النظام قد فقد بوصلة السياسة الرشيدة منذ العام 2008م وهو عام الحزن لهذا النظام إن صح هذا التعبير بعد صدور مذكرة جلب لرأس الدولة لإتهامه بإرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفي ذات العام أصبح هم الدولة ورموزها ومنظريها إيجاد أي وسيلة أوأخري لتحدي قرار المحكمة الجنائية حتي اصبحت سياساتها الخارجية تدور في فلك المحكمة الجنائية ولا أدري ماذا وجدت الدول التي إستقبلت رئيس الجمهورية أو ستجد من هذا النظام بعد تحدي قرار المحكمة الجنائية حتي صرح المدعي العام عند سؤاله عن جدوي القبض علي العقيد القذافي إذا عجزت المحكمة عن تنفيذ قراراتها السابقة في حق الرئيس السوداني \" أن المحكمة تجد صعوبات في تنفيذ الأمر فيما يتعلق بالرئيس السوداني \" .
محصلة هذه السياسات وألغازها كانت هباءاً منثوراً بعد أن فرطت في وحدة البلاد ولم تقبض ثمنها كما وعدت الإدارة الأمريكية وفي ظني أن مذكرة الإعتقال هي الورقة الرابحة التي تمسك الإدارة الأمريكية عن طريقها بتلابيب هذا النظام وما هو واضح فإن هذا النظام وحتي يجد مخرجاً ولن يجد فيما يتعلق بأمر المحكمة الجنائية فستظل هذه المحكمة هي الحل لأي لغز في السياسة لهذا النظام وعلي هذا الشعب أن لايجتهد في إحتمالات أخري للحلول إلا إذا رغب في تنشيط عقله وتضييع الوقت في التخمين إذ سياتيه زماناً ينظر في ترقب ودهشة للنظام ليتفضل عليه بحل اللغزحول سياساته وستكون الإجابة أبسط مما تصور .

عمر موسي عمر - المحامي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1048

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عمر موسي عمر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة