من اليأس إلى البأس
08-07-2011 02:05 PM

حروف ونقاط
من اليأس إلى البأس

النور أحمد النور

لقد هالني الأمر واستهوتني أحزان عندما استمعت قبل يومين إلى إذاعة محلية كانت تستطلع عمالا يحرسون مصانع متوقفة في الخرطوم بحري والباقير، كانوا يتحدثون بـ «حرقة ومرارة» عن الأوضاع في المنطقتين الصناعيتين الأكبر في البلاد، وكيف أن البوم ينعق في المرافق الصناعية التي تحول بعضها إلى مخازن وأخرى خاوية على عروشها إلا من «خردة» هي بقايا مصانع كانت تدور ليل نهار، ويذهب خراجها إلى خارج السودان صادرا مدرا للعملة الحرة وتعيش عليها آلاف الأيدي العمالة تنعش الاقتصاد الوطني.
كان السودان منذ الستينيات سباقا ورائدا في الصناعة متفوقا على غالب دول المنطقة وما تعرف بالنمور الأسيوية وكوريا التي تغزو صناعاتها أسواقنا وغيرها تقف خلفه، ساعده في ذلك الميزات التي يحظى بها فتطورت الصناعات التحويلية والتي تعتمد على المنتجات الزراعية من صناعة النسيج والسكر والزيوت والصناعات الغذائية.
ولكن الصناعة خلال العقود الأخيرة ظلت تتقدم إلى الخلف بسبب التغير المناخي، إذ تراجع الإنتاج الزراعي خصوصا الحبوب الزيتية والقطن وغابت الارادة الوطنية الرسمية التي استسلمت لذلك ولم تفكر في الاستفادة من مصادر المياه المتعددة،ولم تواكب الصناعة التقدم التكنولوجي، ولم تكن السياسات الحكومية مرنة بل طاردة تلاحق المصنعين بالجبايات والرسوم فصارت صناعتنا لا تنافس خارجيا لارتفاع تكلفة التشغيل والطاقة، واتجه بعض رواد الصناعة وكبار المستثمرين إلى دول الجوار هربا من جحيم الأجواء الطاردة للصناعة في البلاد، وأقاموا هناك مشاريع صناعية مقدرة في إثيوبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وغيرها.
وزير الصناعة الدكتور عوض الجاز دعا مجموعة من رؤساء التحرير الأسبوع الماضي للتفاكر في مستقبل الصناعة، وكان متفائلا بأن إمكانات السودان وبيئته الاستثمارية وهمة مواطنيه كافية للانتقال به خلال عقود إلى مصاف الدول الصناعية الكبيرى،لكن ذلك لا يأتي بالتمني وإنما عبر إرادة غلابة وسياسات مرنة ومشجعة. نعم السودان يمكنه أن يحقق طفرات ولكن كيف.؟!
نحن في حاجة إلى مراجعة سريعة للقوانين المنظمة للاستثمار وإزالة التقاطعات في الاختصاصات بين الاتحادي والولائي المحلي، وإقرار سياسة مالية ونقدية مستقرة ومحفزة، وبنية تحتية في الولايات حتى لا تتركز الصناعة في العاصمة حيث البيئة والبنيات الأفضل نسبيا،مع التركيز على الصناعات الصغيرة في الولايات لتحقيق الاكتفاء من بعض السلع وتشغيل العمالة وتصدير الفائض إلى دول مجاورة ستكون سوقا واعدة لو استطعنا غزوها بإنتاجنا، فتجربة الهند وتركيا خير شاهد على نجاح الصناعة الصغيرة،ولم يغب عن المخططين في بلادنا منذ نحو أربعة عقود تنويع الصناعة وتوزيعها في الإقليم حسب ما تحظى به من إنتاج، فكانت مصانع تعليب الفاكهة في كريمة وكسلا، والأسماك في حلفا القديمة،وتجفيف الألبان في بابنوسة،كما انتشرت صناعة الغزل والنسيج في الجزيرة وكادقلي ونيالا،ولكن ...!!
نحن في حاجة إلى خطوات متسارعة في الصناعة تستند على الميزات التفضيلية المتوفرة وتطوير الصناعات التحويلية؛ لأن صناعاتنا الحالية أكثر من 70 % منها هي للمشروبات والصناعات الغذائية، على أن يواكب ذلك توسيع الإنتاج الزراعي والاهتمام بالثروة الحيوانية لأنه من غير الممكن أن نتحدث عن صناعة بمعزل عن الإنتاج والمواد الخام التي تعتمد عليها، وأيضا استدامة السياسات وتطويرها، ويبدو أن ما أصاب صناعة الاسمنت خلال الشهرين الماضيين يعكس هشاشة البنية الصناعية واضطرابها، بعد ان اكتفينا من الاسمنت وتراجعت أسعاره إلى حد معقول للمستهلك، وفي عهد العوالم المفتوحة والتجارة العالمية والاتفاقيات الإقليمية من الصعب فرض حماية على الصناعة الوطنية إلا عبر تخفيض تكلفة الإنتاج وتجويد الصناعة لتعزيز فرص المنافسة، وإلا سنجد بلادنا سوقا كبيرا مستهلكا تغرقها السلع الغازية من وراء البحار

الصحافة


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1105

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#191631 [أبومحمد]
0.00/5 (0 صوت)

08-07-2011 04:03 PM
الصناعة تحتاج لتخطيط سليم وقويم، وقبل الإمكانات المادية يجب توفر الإمكانات البشرية، وأعنى الكادر البشرى المؤهل الذى يدرك العملية الصناعية المحددة ويستطيع قيادة عملية التطوير التحديث، وهذا العنصر البشرى المؤهل لا ينزل من السما بل تتعهده سياسة تعليمية وتدريبية ناضجة تقوم على دراسة الواقع السودانى ومتطلبات التصنيع، وأن تكون واقعية مرسومة ودروسة، لا تتخطى الآمال كأن تبنى لنا مصنعاً للطائرات ونحن لا نحسن صناعة الطباشير والكراسات. نفتقد للتخطيط السليم ونعجز عن توفير الموارد كلها. توقفت المصانع بعدة أسباب ولكن أهمها تخلف العملية الصناعية وعجز قادة الصناعة فى البلاد عن التطوير والإبداع فتخلفت أصولهم وأصبحت عاجزة عن توليد إنتاج يدر الأرباح اللازمة للإستمرار، ولقد كان لسياسات الدولة تجاه الصناعة دور مؤثر فى تخلف الصناعة وتوقفها حيث صارت الرسوم والجبايات والفساد الإدارى سبباً فى إرتفاع التكلفة، فى زمن صارت الأفضلية لمن يحدد سعر بيع أقل وبناء على ذلك تتحدد التكلفة. النهضة الصناعية لا تطلب الأمانى من وزير الصناعة، بل تريد خطة برؤية واضحة وأهدافاً محددة وفق معطيات مضمونة ومعلومة حتى تؤدى الصناعة رسالتها المرجوة من محاربة الفقر ودعم الإقتصاد الوطنى.


النور أحمد النور
النور أحمد النور

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة