المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
إكرامية النواب .. دعم اجتماعي أم رشوة سياسية؟ا
إكرامية النواب .. دعم اجتماعي أم رشوة سياسية؟ا
08-07-2011 02:15 PM

إكرامية النواب .. دعم اجتماعي أم رشوة سياسية؟

أ.د.الطيب زين العابدين

ورد في صحف الأربعاء الماضي خبرُ مفاده أن رئيس الجمهورية صدق بدعم اجتماعي لنواب البرلمان قدره 5.7 مليار جنيه (قديم) يتم صرفه قبل حلول عيد الفطر المبارك، بواقع 15 مليون جنيه لكل نائب. وبدأت قيادات في المجلس الوطني سلسلة اتصالات لتحريك دفع المبلغ قبل العيد. ولا شك عندي أن هذه القيادات البرلمانية ستنجح في جهودها في تحريك المبلغ المصدق به ودفعه للنواب خاصة إذا ما دعمها رئيس المجلس الوطني الذي لا يرد له طلب ببعض الاتصالات التلفونية، وذلك رغم التعثر المالي الذي تعاني منه وزارة المالية حتى منعها أن تدفع منذ سنوات مستحقات التذاكر والبديل النقدي وفئة الترحيل للعاملين بالجامعات من دون كل فئات العاملين في أجهزة الدولة الأخرى، اعتمادا على أنها تستطيع أن تدفع ذلك من مواردها الذاتية التي بالكاد تغطي تسيير العملية التعليمية التي لا تصرف عليها وزارة المالية أكثر من 10% من تكلفتها. ونسأل ببراءة: هل نواب البرلمان الذين يعملون ساعات في الأسبوع هي أقل من أي عامل في أجهزة الدولة، ويمارس معظمهم أعمالاً أخرى حكومية وغير حكومية تدر لهم رزقاً إضافياً، ويستفيدون من علاقاتهم السياسية في تسهيل الكثير من أعمالهم وأعمال عشيرتهم الأقربين، وهم أصلاً ليسوا من طبقة الفقراء المعدمين فالسياسة ليست مهنة المعدمين من الناس! هل هؤلاء النواب أولى بالدعم الاجتماعي الرئاسي من فئات المجتمع الأخرى مثل المرضى الذين لا يجدون حق العلاج في المستشفيات الحكومية، وآباء التلاميذ الذين لا يجدون حق الفطور لأبنائهم ولا يستطيعون دفع الرسوم التي تطالبهم بها المدرسة، والمعاشيين الذين يقبض معظمهم أقل من 200 جنيه في الشهر لا تكفي لمقابلة قيمة الكهرباء والماء، وبقية الفقراء والمساكين الذين قدرهم مركز الإحصاء المركزي بـ 46% من أهل السودان (يقدر الأكاديميون والمؤسسات الدولية نسبة الفقراء في السودان بأعلى من ذلك بكثير). لو كان المقصود هو الدعم الاجتماعي لكان ينبغي أن تكون الأولوية للفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع ولن يكون نواب البرلمان بحال من الأحوال ضمن هذه الفئات.
يتقاضى نائب البرلمان حوالي 4000 جنيهاً في الشهر وهي تعتبر أعلى قليلاً من قيادات الخدمة المدنية وأساتذة الجامعات (باستثناء موظفي البنوك والمؤسسات الاقتصادية)، وهو ليس مبلغاً كبيراً مقارنة بتكاليف المعيشة وغلاء الأسعار التي تزداد يوما بعد يوم، ويتقاضى رئيس اللجنة في البرلمان 14000 جنيها ( المجلس به 17 لجنة) وقد وعدت قيادة المجلس بعد خروج الأعضاء الجنوبيين بتقليصها إلى 12 لجنة ولكن النواب المغاوير وقفوا سداً منيعاً فقد ظلوا ينتظرون خروج أعضاء الحركة الشعبية بفارغ الصبر حتى يرثوا مواقعهم)، ويتقاضى رئيس البرلمان حوالي 31000 جنيهاً (أي مليون جنيه في صباح كل يوم، ألا يحق له أن يدافع عن الحكومة بمناسبة وبدون مناسبة؟). ويبدو أن الفوارق كبيرة بين فئات البرلمانيين المختلفة وتعطي مبرراً للنواب من الدرجة الثالثة أن يتذمروا ويطالبوا بتحسين أوضاعهم ولو عن طريق الدعم الاجتماعي، ولكن الدعم الاجتماعي الرئاسي سيعم الجميع ويناله رئيس المجلس ورؤساء اللجان فهم أيضاً نواب منتخبون. ولكن هل تحتمل موازنة الدولة المتعبة بعد خروج عائدات بترول الجنوب مثل هذه القرارات الاستثنائية (وما أكثرها) التي لا أصل لها في الميزانية المجازة؟
والحقيقة أن الحزب الحاكم يراعي منسوبيه والداعمين له والأجهزة الحارسة له بصورة غير مسبوقة في تاريخ السودان، يتجلى ذلك في التعيينات للوظائف العليا والترقيات والمخصصات الرسمية (خارج الدعم الاجتماعي) والتغاضي عن التجاوزات المالية. وما عادت سياسة الأجور في الدولة واضحة أو مفهومة، فقد كانت في وقت مضى أجور ضباط القوات النظامية وأساتذة الجامعات والقضاة هي الأعلى في الدولة ومتساوية تقريباً بين الفئات الثلاث، ولكنها اليوم لا رابط بينها فقد خرجت أجور القوات النظامية من اختصاص المجلس الأعلى للأجور الذي ينظر في أجور كل العاملين بالدولة، ولا علم لنا عن الجهة التي تحدد مخصصات منسوبي القوات النظامية ولكن مظاهر الحال تدل على أنهم يتنعمون بمرتبات عالية وبمعاشات أعلى (بارك الله لهم في رزقهم)، أما القضاة والمستشارون القانونيون فيتقاضون مرتبات أعلى من الأساتذة الذين درسوهم في الجامعات. والظلم الاجتماعي والتفاوت الطبقي وصل أعلى درجاته في عهد هذه الحكومة، ولا يكاد يمر أسبوع دون أن يتسرب للإعلام معاملة تميزية أو استثنائية لفرد أو جهة من منسوبي الحكومة أو التغاضي عن فساد زكمت رائحته الأنوف. وتظن الحكومة أنها بذلك تكسب تأييداً لسلطتها من الجهات والأفراد الذين تختصهم بريعها الحلوب، وبما أن الحكومة لا تستطيع أن تمنح رشاويها السياسية لقطاع كبير من الشعب السوداني فإن النتيجة الحتمية لمثل هذا السلوك غير العادل أن يشيع التذمر في أوساط الناس ويضعف مكانة الحكومة الأخلاقية في نفوس الناس، ويجعلهم يسخرون من دعاويها في إقامة المشروع الحضاري أو تطبيق الشريعة الإسلامية. ويغذي ذلك الاحتقان الشعبي ضد الحكومة خاصة بين الشباب وجحافل البطالة الجامعية وبروليتاريا المدن وفقراء الريف، وسيأتي اليوم الذي ينفجر فيه ذلك الاحتقان بسبب صغير لا يخطر على بال مثل انتحار محمد بوعزيزي في تونس أو موت معتقل في مخفر الشرطة المصرية. وفي كل مرة يدور نقاش سياسي بين مؤيدين للحكومة ومعارضين لها يبرز الحديث عن الرشوة والفساد والشركات المنهوبة والصرف السياسي البذخي والمعاملات المالية التفضيلية أياً كانت القضية المطروحة للنقاش، ولا يستطيع مناصرو الحكومة مهما طال لسانهم أن يردوا تهم الرشوة والفساد عن الحكومة بل قد يخوضون في نقدها حتى لا تطالهم التهمة.
إن العدل الاجتماعي والسياسي هو أساس بناء الدول القوية، وقد أدركت الدول الغربية هذا المعنى بصورة واضحة منذ تأسيس النظام الديمقراطي في تلك البلاد لذلك جعلت أهم ركائز الحكم تقوم على: تعزيز حكم القانون فلا يفلت منه أحد مهما كان منصبه، مبدأ الضبط والتوازن( check & balance) لكل سلطة حتى لا تطغى أو تنفلت، المحاسبة السياسية والقانونية لكل من يرتكب مخالفة، حرية التعبير التي تكشف خبايا الأخطاء والمخالفات، التداول السلمي للسلطة الذي يعطي المواطن حق الإطاحة بالحكومة الفاسدة أو الظالمة أو الضعيفة. وهي مبادئ يقرها الإسلام ويدعو لها ولكن حظها في التطبيق ضعيف في دول العالم الإسلامي التي أصبحت في مؤخرة الدول بميزان العدالة والحرية، ولكني أحسب أن ربيع الديمقراطية العربي الذي بدأ من تونس إلى مصر واليمن وليبيا والبحرين وسوريا لا بد سيواصل مداه في بقية الدول الاستبدادية لأنها حركة تسير في اتجاه العدالة والحرية وتلك مسيرة التاريخ التي لا رجوع عنها.

الصحافة


تعليقات 6 | إهداء 3 | زيارات 2798

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#192283 [Nagi]
0.00/5 (0 صوت)

08-09-2011 12:05 AM
إن العدل الاجتماعي والسياسي هو أساس بناء الدول القوية، وقد أدركت الدول الغربية هذا المعنى بصورة واضحة منذ تأسيس النظام الديمقراطي في تلك البلاد لذلك جعلت أهم ركائز الحكم تقوم على: تعزيز حكم القانون فلا يفلت منه أحد مهما كان منصبه، مبدأ الضبط والتوازن( check & balance) لكل سلطة حتى لا تطغى أو تنفلت، المحاسبة السياسية والقانونية لكل من يرتكب مخالفة، حرية التعبير التي تكشف خبايا الأخطاء والمخالفات، التداول السلمي للسلطة الذي يعطي المواطن حق الإطاحة بالحكومة الفاسدة أو الظالمة أو الضعيفة. وهي مبادئ يقرها الإسلام ويدعو لها ولكن حظها في التطبيق ضعيف في دول العالم الإسلامي التي أصبحت في مؤخرة الدول بميزان العدالة والحرية،



طيب جبتو مبدا القوى الامين من وين

خليتوهم ينهبو فى مال البلد


#192083 [مستاء]
0.00/5 (0 صوت)

08-08-2011 03:11 PM
ازمة الامة السودانية تكمن فيكم انتم الاسلميون يابروف

رغم تفهمنا لما تكتب وابتعادك عن امور العصابة

لكن التاريخ لن يعفيكم من المسالة

بانقلابكم على نظام ديمقراطى منتخب

لماذا يابروف فعلتم بنا كذا

الديمقراطية كانت ستاتى بكم ياسلاميون لكنكم تعجلتم

وهذا من صالح الشعب الذى عرفكم على حقيقتكم

ورطونا جنس ورطة وقعدتو تبكو معانا


#191752 [احمد بابكر]
0.00/5 (0 صوت)

08-07-2011 08:24 PM
حقيقة الدعم مفترض يكون للشرائح الفقيرة بس لا حياة لمن تنادى اما بانسبة للربيع العربى فنحنا ما عرب ولو اتن عربى امشى للعرب ونتمنى انوا يقبلوك انحنا كافارفة ارض و لون ما بنتفاعل مع العرب منتظريين الربيع الافريفى الاسود و جاى جاى .


#191686 [طشاش]
0.00/5 (0 صوت)

08-07-2011 05:44 PM
هذا السلوك غير العادل أن يشيع التذمر في أوساط الناس ويضعف مكانة الحكومة الأخلاقية في نفوس الناس، ويجعلهم يسخرون من دعاويها في إقامة المشروع الحضاري أو تطبيق الشريعة الإسلامية. ويغذي ذلك الاحتقان الشعبي ضد الحكومة خاصة بين الشباب وجحافل البطالة الجامعية


#191683 [طشاش]
0.00/5 (0 صوت)

08-07-2011 05:41 PM
ولكني أحسب أن


ردود على طشاش
United Arab Emirates [وليد] 08-08-2011 03:29 PM
في الدول الغربية تقوم ركائز الحكم على الـ check & balance وفي السودان يحكمنا Jack Palance


#191637 [كاكوم]
0.00/5 (0 صوت)

08-07-2011 04:14 PM
يا الطيب يا اخوى انت جادّ ى ؛ ؟ الربيع البتتكلم عنو دا ربيع عبد العاطى ام ربيع حسن احمد ؛ ما قالو الربيع بدا ب89 يونيو . لا يظهر فى الافق شئ ، ولو انت شايف حاجة ورينا عشان نجهز البدل والقمصان ، الله يستر من الجرى ، القدامك يجرى قبل ما يسالك من الحاصل ، الجاى علينا يا بروف كتاحة وعصار بى حصحاصة . البرجاه منو ؟


الطيب زين العابدين
الطيب زين العابدين

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة