خاطرة
08-12-2011 12:42 AM

خاطرة ..

شوقى بدرى
[email protected]

قرأت وسمعت ، واستمعت الى من عاشوا مع من شاركوا في معركة شيكان . جدتي الرسالة بت احمد رحمة الله عليها كانت تحكي عن والدها الانصاري احمد ود ادريس ، الذي كان من اول من هاجر مع المهدي ، وحارب معه . وكان إبنه إدريس ود احمد يسكن معنا ويحكي عن حروبات المهدية. وعاش الى يوم الجمعة 30 نوفمبر 1961 . وكان قد إنضم الى والده وهو شاب يافع . وفي احدى المعارك اتت طلقة وحطمت الكنتوش الذي كان يضعه على النار لصنع البليلة. وكان وقتها ينفخ في النار فتطايرت البليلة في وجهه. فركض مذعورا. فوبخه والده واشبعه ضربا ، لأن الانصاري لا يخاف ولا يهرب من الموت.

وبعد وفاته حضر شقيقه الحاج ود احمد الذي كان تاجرا في الجنينة ، لكي يعزي شقيقته. وكان قد تجاوز ال 90 من عمره. وكان الكلام عن حروب المهدية والقواد وشكلهم . جدنا الحاج ود أحمد شاهد لورى فى الجنينة متجها الى أمدرمان (فامتطاه) بدون أن يخبر أهل بيته . وظهر فى أمدرمان فى منزلنا يرتدى سكينا طويلة ويحمل قرجة ضخمة . واتصلت ابنته العمة حليمة الحاج تلفونيا وعرفت أنه قد وصل أمدرمان . وكان يسكن معنا اثنين من أحفاده ، معتصم أحمد الحاج وبدرالدين أحمد الحاج . وربما كان لا يزال يحسب أن غوردون لا يزال يسكن فى الخرطوم . فجدودنا وآباؤهم هجموا على الخرطوم وأحالوها الى خرائب .

أنا منذ أن بلغت الخامسة عشر كنت ألبس سكين فى أمدرمان واحمل عكازا . والسكين تأثير أخى وشركينا فى السكن عبدالمجيد محمد سعيد العباسى . والعكاز والسكين كانت مكملة للتراث فى الشمال السودانى . والفرّار لقطع الشجر . وياليتها كانت الطورية والكدنكة لكى نزرع . وياليت أن كل سودانى يتعهد بزرع خمسة أشجار قبل مماته . ولتكن نخلة ، شجرة منقة ، نيمة ، لبخة أو جميزة . ولقد كانت البلديات فى بداية الستينات توصل الشتول الى باب المواطن مجانا فى أمدرمان، بعد حملة فى الصحف والتلفزيون والراديو ، و لا حياة لمن تنادى . ولم تستفد أمدرمان التى تحتاج الى تشجير من ذلك .

اهلنا ساروا مع ود النجومي ومات بعضهم بالعطش والجوع ، ومات البعض بالجلة ، واسر البعض نساءا ورجالا. وذاقوا الذل والاسر والجوع . ثم عاد اغلبهم مشيا الى امدرمان. جدتي كانت تتحدث عن النور عنقرة وبعض القواد. وكانت تقول انه عندما كان يحمل الدرقة ، كانت تلاحظ ان بعض اصابع يده اليسرى مقطوعة. وكانت تتحدث عن الامير ود نوباوي لأنهم كانوا يسكنون في ود نوباوي في ايام المهدية. وهنالك ولد ابنها ابراهيم بدري. كما كانت تتحدث عن جدنا شكاك الرباطابى الذي كان مسؤولا عن الطابية فى أمدرمان.

كنت اسمع عن هكس باشا وعن غروره. وان الله عمى بصيرته. وكان مقتنعا بأنه سيسترجع الابيض. وانه كان يحمل معه كثيرا من الشتول ، التي سيزرعها في عاصمة مديريته الجديدة. ولكنه لاقى حتفه ، وهذا ما يستحقه عدو الله والكافر.؟

قبل فترة وانا استرجع تلك الذكريات تذكرت أن حمدان ابوعنجة كان يقول للمهدي قبل ليلة من المعركة (سيدي الخير قرب) . والمهدي كان معسكرا في بركة المصارين ولم يشارك في المعركة. وصدقت نبؤة حمدان ابوعنجة. لقد انهزم الجيش . ولأول مرة في التاريخ ينتهي جيش نظامي كامل في ساعات. وغنم المهدي المال ، والعتاد والرصاص والحمير والخيل والجمال والخيام والمعدات .

ما الذي حدث للشتول التي ارهقت الجمال؟. وبالرغم من العطش وقلة الماء كانت تجد العناية. لماذ لم يزرع الانصار تلك الشتول في العاصمة الابيض ؟ .. ويرعوها ويسمحوا لها بأن تتكاثر وتغطي كل السودان ..كما حدث في عهد الإنجليز.. !

اللبخ والنيم الذي يتواجد في كل مدينة في السودان الآن ، اتى به الانجليز من الهند. كما ذكر الدكتور ابو سليم في كتابه الخرطوم . إن زراعة اشجار اللبخ والنيم وجدت مشاكل كثيرة في السودان في البداية بسبب الاغنام وعدم التجربة. الا انها بعد محاولات وجهد كبير صارت منتشرة في كل شوارع الخرطوم وكل مدن السودان.

اللبخ كان يغطي شارع ابوروف وعرف بلبخ بوليس ، العم بولس المسيحي اشتهر لأنه كانت له خلوة بجانب منزله لتعليم ابناء المسلمين القرآن الكريم والدين الإسلامي.

لقد حصرت كل الاموال والمعدات وجردت وسلمت لبيت المال . لماذا اهملت الشتول؟. لقد كان شارع النيل في الخرطوم الى كبري امدرمان مغطى بأشجار اللبخ الى ان قام المحافظ قلندر بجزها.

الماركسية تقول ان الثورة الاشتراكية ليست حدث . وانما هي عملية تفاعلية طويلة . ولهذا ترفض الماركسية والاشتراكية الانقلابات (كو دي تا ) او ما عرف بالبوش . ولكن السيد عبدالخالق محجوب الذي ليس من المفروض ان يكون طالب سلطة ، قد وافق على الانقلاب الناصري في 25 مايو. وحتى اذا اخذنا في الاعتبار بأن حزب الامة ، والوطني الاتحادي قد خرقوا الدستور وصنعوا ما يمكن ان يقال عليه دكتاتورية مدنية ، لماذا سعى عبدالخالق محجوب لإصلاح خطأ الانقلاب الاول بإنقلاب ثاني؟. ولماذا قال عبدالخالق انحنا قاعدين نقرأ ونخطط وننظر ..اتاري السلطة ساهلة كدا ؟ . وحتى اذا كان هذا الزعم غير صحيح وانه نسب الى عبدالخالق..هل كان عبدالخالق محجوب طالب سلطة ؟..وهل كان عبدالخالق محجوب الرجل الذكي وصاحب الحسابات الدقيقة يمكن ان يظن ان انقلاب هاشم العطا كان يمكن ان يحكم السودان ، بدون كبت او قهر او اسالة دماء؟.

انا لا اظن ان القوى السياسية التي قاومت نميري بشراسة كانت ستقبل بنظام هاشم العطا ، الذي يعتمد على شريحة اصغر ودعم شعبي اضيق. من المؤكد ان كثير من القادة الشيوعيين لم يكونوا على دراية بإنقلاب هاشم العطا ، والا لما وافقوا..واولهم الشفيع.

لماذا لم يفكر عبدالخالق محجوب في إرجاع السلطة الى الحكومة القديمة او يدعو مباشرة الى رجوع الديمقراطية ؟..اذا لكان بطلا ولخلده التاريخ ، بدلا عن سوار الذهب الذي لا نزال نسمع ، خاصة من العرب ، بأنه إنسان ملاك ، لأنه تخلى عن السلطة. ولا يعرفون انه لم يتسلم ابدا السلطة. بل كان رمزا فقط . هل اسكرت السلطة عبدالخالق ومن معه؟. ولماذا خرجت الاعلام الحمراء والشعارات الشيوعية في بلد اسلامي تطحن شعبه الطائفية..

اذكر انه مباشرة بعد اكتوبر ، و عندما كان الناس يتدافعون للإنضمام للحزب الشيوعي السوداني ، اتت فكرة الحزب الجديد والابتعاد عن اسم الشيوعية. وكانت هنالك إقتراحات بأسماء. وكان الغرض تكوين جبهة اعرض تكون كوادر الحزب هي المركز الذي يدفع بالحزب العريض حتى يحفذ هذا بعض اليساريين والديمقراطيين والليبراليين الذين ينفرون من اسم الشيوعية. ولكن الشيوعيون قديما والآن تسيطر عليهم الناستالجيا . ولا يريدون تغيير الإسم . وكل الاحزاب الشيوعية في اوروبا قد غيرت اسمها ، الا ان الشيوعيين السودانيين يصرون على هذا الإسم بالرغم من ان ابسط دراسة جدوى تؤكد أن هذا الإسم ليس بمجد.

السؤال؟...

لماذا لم يستفد الانصار من شتول هكس باشا ؟. ولماذا لم يفكر عبدالخالق محجوب في تسليم السلطة وارجاع الديمقراطية ؟.. بالرغم من أن كل الدلائل تدل على انه كان من المستحيل الاحتفاظ بالسلطة..

التحية...

ع . س شوقي بدري


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 3336

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#193788 [سامى]
0.00/5 (0 صوت)

08-12-2011 07:02 AM
عمنا شوقى تحياتى ،
مشكلتنا يا عمنا شوقى نحنا ناس على نياتنا ، بنفترض حسن النية فى أى شئ ، وهذا مع الأسف سببه جهلنا \"أى عدم المعرفة\" . الحزب الشيوعى ظل ولوقت طويل ينكر علاقته بالإنقلابين ، مايو وهاشم العطا ، ولمن زنقوه شديد ، قال نميرى ما شيوعى وهاشم العطا تصرف دون مشورة الحزب ، كدا هسة عليك الله لو فى عسكرى ساكت عايز يعمل إنقلاب لو ما كان عندو غطا سياسى أو أى مفاهمات سياسية سابقة يستطيع عمل إنقلاب أو حتى يجروء ؟ أو أين ذلك العسكرى الملتزم حزبياً الذى يستطيع تجاوز حزبه ؟ عمنا مافى واحد من العفن الموجود فى الساحة السياسة يجى يقول ليك أنا مختلف ،أبداً ، الحال من بعضه ، استهبال فى إستهبال ، وقليل من كان يجرّب . لو كان هناك إختلاف لحدث التغيير . وعبد الخالق الذكى دا لماذا لم عجز عن الوصول لحقيقة أن البيئة السودانية ليست جاهزة لكلمة \" شيوعى \" ؟ وإن هو إستطاع تطويع الماركسية لتناسب بيئتنا السودانية ، لماذا لم يستطع تسمية ذلك المولود بإسم يناسبه ؟ ولا دا فقه الضرورة الماركسى كمان ؟ كدى شوف بعض قياداتهم أين إنتهى بهم المطاف وماذا حدث للبعض الآخر وللمدسوس الما إنكشف لحدى هسع ؟ وعشان ما نكون ظالمين نختم بأن لكل قاعدة ناس حالمين .


شوقى بدرى
شوقى بدرى

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة