المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
جمهورية الإنقاذ الثانية ومحاولات القفز فوق الواقع والحقائق
جمهورية الإنقاذ الثانية ومحاولات القفز فوق الواقع والحقائق
08-14-2011 12:53 PM

رأي
جمهورية الإنقاذ الثانية ومحاولات القفز فوق الواقع والحقائق

أ.د.الخضر على موسى فرح:

مضى الآن شهر كامل على انفصال الجنوب وإعلان دولته وهو بالتأكيد أكبر حدث فى تاريخ السودان الحديث وسوف يكون له مابعده.وقد توقع كل ذى عقل وبصيرة أن تجلس كل من المعارضة والحكومة لجرد حساب فى ضوء هذا الحدث الكبير واستلهام العبر والدروس لتكون نبراسا وهاديا للحفاظ على ماتبقى من السودان والخروج بالبلاد من النفق المظلم والمأزق الحرج الذى أدخلتها فيه سياسات الإنقاذ طوال العقدين الماضيين.ولكن بدلا من ذلك سارت الحكومة-وهى المسؤولة بدرجة كبيرة عن مآلات الأوضاع بالبلاد-سيرتها الأولى وأصبح حوار الحكومة مع المعارضة كحوار الطرشان لايفضى الى شىء بسبب تشبث الحكومة بالسلطة والانفراد بها.والأسوأ من ذلك أن الحكومة تعتقد أن ذهاب الجنوب سيزيدها قوة كما ذكر سعادة النائب الأول فى إحدى لقاءاته الجماهيرية.ولا أدرى كيف ستزداد الحكومة قوة بذهاب أكثر من 80% من إيرادات الخزينة العامة كانت تأتيها من عائدات البترول الذي يستخرج معظمه من الجنوب.بل واضح أن الحكومة لم تتحسب لاحتمال انفصال الجنوب بدليل أن استجابتها لتداعيات الانفصال أقرب إلى ردود الفعل منها لخطط إستراتيجية.ففى خلال الفترة الانتقالية لم تفترض الحكومة احتمال انفصال الجنوب ولم تستثمر عائدات البترول فى بناء احتياطى من النقد الأجنبي وتحريك قطاعات الاقتصاد الأخرى وبالذات الصناعة والزراعة.على العكس من ذلك كان انفصال الجنوب مفاجأة للحكومة حتى أنها وضعت ثلاث موازنات تقديرية للدولة فى ظرف ستة أشهر فقط!!
كما أن ذهاب الجنوب له مشاكل و تبعات أمنية لابد من وضع حلول سياسية لها ومن ذلك وضع الحركة الشعبية قطاع الشمال والتي فكت ارتباطها بالحركة الأم فى حين بقيت بكامل عدتها وعتادها فى ولايات جنوب كردفان والنيل الأزرق.وبالتالي فان اعتقاد الحكومة أن بذهاب الجنوب سيخلو لها الجو فتحكم إلى ما شاء الله إلى أن تسلم الحكم للمسيح كما زعم بعض مسؤولى الحزب الحاكم،قد جانبه التوفيق.وهذا التفكير سوف يقود إلى تدوير أزمة الحكم من جديد ويهدد بانفجار حروب أهلية فى العديد من أطراف السودان وبالذات فى جنوبه الجديد والذى يمتد من دارفور غربا مرورا بجنوب كردفان وانتهاء بجنوب النيل الأزرق.
وبدلا من ذلك أطلت علينا الحكومة بتسمية رنانة هي الجمهورية الثانية وبشرت الشعب السوداني بهذا العهد الجديد والذي سوف يشهد-حسب زعمها-تطبيق الشريعة الإسلامية ورفع المعاناة عن كاهل الجماهير وتحريك عجلة الإنتاج والاقتصاد...الخ الشعارات المعروفة والتي رفعتها الإنقاذ منذ استيلائها على السلطة ليلة 30 يونيو 1989 وفشلت فى تحقيقها طيلة أكثر من إثنين وعشرين عاما بالتمام والكمال.وسرعان ماتلقف لفظ الجمهورية الثانية كثير من المسؤولين ووسائل الإعلام حتى أن المرء يحسب أن عهدا جديدا قد أطل بالفعل.وحتى لاتختلط علينا الأمور أو نصدق هذه الألفاظ الرنانة التى تفلح الإنقاذ فى استحداثها بين الفينة والأخرى،فعلينا أن نرجع الى استخدام لفظ الجمهورية الثانية فى التاريخ الحديث.فقد أطلق لفظ الجمهورية الثانية فى التاريخ الحديث لأول مرة عقب قيام الثورة الفرنسية المعروفة والتى قضت على حكم الإقطاع والفساد والاستبداد وتحولت فرنسا بعدها للديموقراطية وسيادة حكم القانون ومن ثم لدولة كبرى وحديثة.والحال كذلك لاأدرى ماهو وجه الشبه بين ماحدث فى فرنسا واستوجب لفظ الجمهورية الثانية وماحدث عندنا فى السودان عقب انفصال الجنوب؟ففى تقديرى ليست هناك ثمة مقارنة فالإنقاذ هى الإنقاذ لم تغير من نهجها وسياساتها التى أوصلت البلاد الى ماهى عليه الآن.فهى لاتزال ترفض التعددية الديموقراطية وتهدد بقطع رؤوس كل من يتطاول على سياساتها وتكتفى فقط باصلاحات ديكورية تشرك فيها أحزاب ارتضت أن تجلس فى مقطورة المؤتمر الوطنى لايهام الرأى العام والعالمى بجديتها فى التحول الديموقراطى.كما أن الإنقاذ لاتزال لاتعترف بالتنوع العرقى الذى حبا الله به هذه البلاد والذى لم يكن فى يوم من الأيام سببا للاحتراب بين أهلها.كما أن الإنقاذ لاتزال تصر على سياساتها فى مجال الحكم الفدرالي دون تحول حقيقي فى توزيع السلطة والثروة فى أقاليم البلاد المختلفة وتستمر بذلك هيمنة المركز وشعور الأقاليم بالتهميش ومن ثم اللجوء لحمل السلاح والاحتراب.
وبالتالي يتضح مما تقدم أن ليس هناك تغيرا فى الأوضاع فى السودان يستلزم إطلاق لفظ الجمهورية الثانية كما حدث فى فرنسا عقب الثورة الفرنسية المشهورة.ولكن استخدامه من قبل منظري الإنقاذ ومسئوليها يعتبر محاولة للقفز فوق الواقع والحقائق بهدف امتصاص صدمة انفصال الجنوب والهروب من الوضع الاقتصادى المتأزم واستباقا لأية إنتفاضة شعبية تطيح بالنظام ضمن ماعرف بالربيع العربى.وبالعكس تماما نجد صورة قاتمة للأوضاع فى السودان على النحو التالي:
1- الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد والتي سوف تزداد تعقيدا وسوءا بسبب فقدان أايرادات العملات الصعبة من تصدير بترول الجنوب.هذه الأزمة الاقتصادية الطاحنة أدت إلى غلاء فاحش أحال حياة المواطن السوداني إلى جحيم لايطاق وتهدد بتمزق ماتبقى من نسيج أاجتماعى علاوة على قيام المزيد من الحركات الجهوية والطرفية للمطالبة باعادة توزيع الثروة.
2- تعثر العلاقة مع دولة الجنوب الوليدة فى ظل الفشل فى ايجاد حلول للقضايا العالقة مثل قضايا الحدود فى أبيى ونقل بترول الجنوب والعملة.والملاحظ هنا استمرار الخطاب العشوائى للمسئولين حول هذه القضايا الشائكة والتي كان من المؤمل حلحلتها بشكل يحفظ علاقة متينة ومستدامة أساسها المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.وبخلاف ذلك لاتستطيع الحكومة تأمين حدود طولها ألفى كيلو متر مهما كانت قوتها.
3-أزمة الحكم و قضية التحول الديموقراطى فيما تبقى من السودان.وهى قضية لازمت السودان منذ استقلاله والى يومنا هذا.وقد تمثلت هذه الأزمة فى استمرار الدورة الخبيثة من حكم ديموقراطى قصير الأمد يتبعه حكم عسكرى شمولى يستمر لفترة طويلة يعمل خلالها على الحفاظ على استمراره فى دست الحكم بالقوة وتفتيت الأحزاب التقليدية.وبالطبع فان الإنقاذ نفسها تمثل إحدى هذه الحلقات حيث سيطرت على السلطة فى انقلاب عسكرى صبيحة 30 يونيو 1989 أعقب الديموقراطية والتى لم تستمر أكثر من ثلاث سنوات فقط.
4-ثم أن هناك أزمة دارفور والتى لاتزال تراوح مكانها بالرغم من توقيع اتفاقية الدوحة والزخم الكبير الذي صاحبها ومباركتها من قبل الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي.ولكن تشير كل الدلائل أنها لن تكون بأحسن من سابقتها أبوجا فى ظل غياب حركات دارفورية مسلحة مثل العدل والمساواة وحركة تحرير السودان بأجنحتها المختلفة.
ولكن كيف ستكون الجمهورية الثانية الحقيقية؟
ومما تقدم يتضح أن ليس هناك مايدعو للتفاؤل عقب فصل الجنوب وبالتالى فان اطلاق لفظ الجمهورية الثانية على المرحلة الحالية هو مجرد محاولات للقفز فوق الواقع والحقائق وعدم مواجهة قضايا البلاد الشائكة آنفة الذكر.وحتى نؤسس لجمهورية ثانية حقيقية يجب على الحكومة والمعارضة التوافق على خارطة طريق تنقذ مايمكن إنقاذه مما تبقى من السودان.وأساس خارطة الطريق هذه هو تشكيل حكومة قومية من الأحزاب الرئيسية الثلاثة(الأمة القومي والاتحادى الديموقراطى والجبهة الإسلامية والتي يمثلها حاليا المؤتمر الوطني والشعبي) وبقية أحزاب المعارضة.أما الحديث عن حكومة موسعة بقيادة المؤتمر الوطني وأحزاب الديكور فلن يجدي نفعا فى مواجهة التحديات الماثلة التي تواجهها البلاد فى هذه المرحلة الحرجة من تاريخها.
وتشكل هذه الحكومة لفترة انتقالية محددة يتم الاتفاق عليها وتعمل بشكل أساسي على إنجاز برنامج وطني أهم أهدافه:
1-العمل على معالجة الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد حاليا ومعالجة إفرازاتها السالبة على معيشة الشعب السوداني وذلك بإتباع سياسات خارجية متوازنة تزيل حالة العداء الراهنة مع الدول الغربية والتي دفع السودان ثمنها غاليا تمثل فى التدخل فى شؤون البلاد والحصار الاقتصادى وحرمها من تدفق الاستثمار الأجنبى.كذلك بالعمل على إزالة التشوهات فى سياسات التحرير الاقتصادى بما يحرك النمو الاقتصادى ويوفر مناخ الاستثمار للقطاع الخاص الوطنى والأجنبى.ومن ذلك أيضا ضغط الانفاق الحكومى لأقصى حد ممكن من خلال تقليص أجهزة الحكم الاتحادى والأجهزة السيادية الأخرى مثل المجلس الوطنى والمجالس القومية العديدة التى أنشأتها الإنقاذ فى ظل سياسة التمكين لمؤيديها.كذلك لابد من ترشيد الانفاق على الدفاع والأمن بشكل يؤدى الى تحديث أسلحة ومعدات الجيش وأجهزة الشرطة ويؤهلها للدفاع عن أمن وحدود البلاد بدلا من إنشاء الأبراج فى المواقع العسكرية بوسط الخرطوم.كما ان هذا الترشيد من شأنه أن يوفر موارد مالية لدعم خدمات التعليم العام والعالى والصحة والبحث العلمى وتطوير وتنمية الموارد البشرية والتى هى عماد كل تنمية اقتصادية واجتماعية.
2- تسريع حل أزمة دارفور والعمل على إلحاق الحركات الأخرى باتفاقية الدوحة وإزالة آثار الأزمة الإنسانية التى نتجت عنها بأعجل مايكون بشكل يحفظ لإنسان دارفور كرامته ويوقف نزيف الدم والموارد ويبعد البلاد عن شبح التدخل الأجنبى.
3- صياغة دستور دائم للبلاد يؤسس لديمقراطية تعددية فى ظل الشريعة الإسلامية السمحة دون مزايدة أو استغلال لها من أية جهة كانت ودون المساس بالحريات الدينية للمعتقدات الأخرى.وبالتالي يؤسس الدستور لدولة مدنية تتساوى فيها حقوق كل السودانيين بعيدا عن الجهورية والقبلية.
4- إعادة صياغة قانون تنظيم الأحزاب بشكل يؤسس لأحزاب ديمقراطية ووطنية وقومية بعيدا عن نفوذ الأسر والطائفية والقبلية البغيضة التى أقعدت بالأحزاب التقليدية وأثرت سلبا على استدامة الديمقراطية فى البلاد.على ان تعمل الحكومة القومية على دعم وتقوية هذه الأحزاب بعد أن عملت الإنقاذ كل مافى وسعها لتفتيتها.
5-العمل على حل القضايا العالقة مع دولة جنوب السودان بأعجل مايمكن بشكل يؤسس لعلاقات جوار جيدة بين الدولتين يكون أساسها المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.كما تعمل الحكومة القومية على نزع فتيل الأزمة فى أبيى و جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق.
6- الاشراف على انتخابات حرة ونزيهة فى نهاية الفترة الأنتقالية تشرف عليها مفوضية قومية تقود البلاد لحكم ديموقراطى ومدني مستدام و يؤسس لتداول السلطة بشكل سلمى وينهى مسلسل الانقلابات العسكرية التى أوصلت البلاد الى التشرذم والأزمات التى تعانى منها حاليا.
هذه هى خارطة الطريق التى نتمنى أن تتوافق عليها الحكومة والمعارضة وبتنفيذها يمكن أن نتفاءل بجمهورية ثانية بعد أكثر من خمسة عقود ونصف من الاستقلال.أما الحديث عن جمهورية ثانية على طريقة الإنقاذ فهو محاولة للقفز فوق الواقع والحقائق وسيؤدى الى تدوير أزمة البلاد وتفتيت ماتبقى من السودان.
* تريا-ألمانيا

الصحافة


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1137

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#195152 [Ali Algarabndi]
0.00/5 (0 صوت)

08-15-2011 11:02 AM
نسال الله ان يمد في ايامنا وندرك الجمهورية الخامسة بعد انفصال دارفور وجبال النوبة والنيل الازرق لانو الجمهورية الثانية الفيها اتعرفت.


#194725 [abohani]
0.00/5 (0 صوت)

08-14-2011 01:42 PM
البروفيسر استاذنا خضر على موسى

ونضيف لكلامك القيم .. هو ابتعاد الخبراء الاقتصاديين من امثالك .. وترك الامور الاقتصادية في البلاد بين يدي المتعافي والجاز ونافع .. وهم لايمتلكون اي مقدرات لادارة ازمة اقتصادية ولا يستشيرون خبرات من امثالكم لكن سيظلوا يعكوا ويعوسوا حتى يدخلوا بنا في الحيطة .


أ.د.الخضر على موسى فرح
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة