كيف انتحرت
08-17-2011 11:48 AM

ساخر سبيل
(كيف انتحرت)

الفاتح يوسف جبرا

(للكاتب التركي الساخر : عزيز نيسين)
بالرغم من أن نشر أخبار الانتحار في الجرائد شيء ممنوع، وبما أن الخبر خاص بانتحاري أنا ، فأتوقع أن تفرح الأوساط الرسمية والجدية جداً ، لانتحار
إنسان غير جدّي.
في أحد الأيام كنت مصاباً بمرض الانتحار، حيث كان الانتحار يخطر ببالي دائماً. انتحاري الأول كان هكذا. قلت لنفسي أيها العاشق اختر نوعاً من أنواع الموت ، بالمسدس ، بالسكين؟
الموت واحد ... وحتى يكون الموت مميزاً قررت أن أنتحر بالسم كالملوك القدماء. أخذت سماً مدهشاً. حبست نفسي في الغرفة ، ثم كتبت رسالة طويلة رومانسية قلت في نهايتها : « الوداع أيتها الدنيا الفانية ، الوداع أيها الزمن
الملعون ، الوداع أيها الصدر الأعظم ...» بعد أن قلت هكذا ، شربت كأس السم دفعة واحدة , ثم تمددت على الأرض . وانتظرت ، الآن سيجف دمي وبعد قليل ستشل يدايّ ورجلايّ ، ولكن لم يحدث شيء لي ، شربت كأساً آخر من السم ، ومرة أخرى لم يحدث شيء , و أخيراً علمت أن المواد المغشوشة في هذا البلد ليست الحليب و الزيت والجبن فقط، بل السم مغشوش أيضاً.وهكذا فإن الانسان هنا لا يستطيع الانتحار حتى, كما يريد. في المساء زارني صديق لي فأخبرته أمر (السم المغشوش) وشروعي فى الإنتحار ضحك صديقى ثم سألنى
- هل تريد أن تنتحر حقاً؟
- طبعاً.
- أرغب في مساعدتك .
وبعد ذلك طلب مني أن أذهب إلى محل السكاكين وأشتري سكيناً من نوع بورصا ، ونصحني بأن أغمد السكين في بطني وأخرج أمعائي بيدي كالأبطال اليابانيين. شكرت صديقي لمساعدته، وذهبت مباشرة واشتريت سكين بورصا متينة، في الحقيقة إنه أمر غير جميل أن يمسك الانسان سكيناً و يمزق أمعاءه، لأن الأطباء الذين سيفحصون جثتي في المشفى ، لن يجدوا أي نوع من أنواع الغذاء في أمعائي وهذا بالطبع أمر محرج بالنسبة لي، ولكن فليكن ما يكن، وضعت السكين في جيبي و بينما أنا عائد إلى البيت مسروراً هجم علي شرطيان ، و بدأت أعرفهما عن نفسي:
- يا سادة ، توقفوا ، استمعوا إلي للحظة ، أنا أدفع الضريبة بشكل منتظم، ولا أتكلم أي شيء بحق حكومتنا، رجل شريف مثلي.. و لكنهما قطعا حديثي في منتصفه ، عندما وجدوا السكين في جيبي وصاحا:
- ما هذه ؟
إذاً ، أنا تورطت مع دورية من دوريات قسم مكافحة الجرائم، قلت لنفسي:
- يا ربي ، نتيجة القرارات الصائبة في هذا البلد ، فإننا لا نستطيع أن نعيش ، ولا نستطيع أن نموت أيضاً؟ هل سنبقى نتعذب دائماً هكذا؟ و لكن صاحب الإرادة والعزم يجب أن يكون مثلي ، فإذا قلت أنني سأموت فهذا يعني أنني سأموت حتماً.
أخذت من الدكان حبلاً ثخيناً ، ولوح صابون ، صوبنت الحبل جيداً و ربطته في الحلقة الموجودة في السقف و أدخلت عنقي في عقدة المشنقة الزلاقة كمن يدخل إلى مصلحة الضرائب وأوقعت الكرسي من تحت قدمي ولكني سقطت أرضاً قبل أن أتأرجح مرة واحدة. الحبال أيضاً كانت تالفة ، وإيجاد حبال سليمة أمر غير ممكن ، قال لي صاحب المحل:
- وهل يعقل أن تكون البضاعة سليمة ويبيعونها, لقد فهمت تماماً، أنه لا يوجد إمكانية للموت ، و قلت لأعيش إذاً على الأقل . و كما تعلمون ، فالحياة تبدأ من المعدة أولاً و هكذا أكلت بسطرما بالبيض و بعض المعلبات و المحاشي الكاذبة ، و بالإضافة لذلك أكلت المعكرونة وبعد ذلك ذهبت إلى محل حلويات وأكلت 5 ، 6 قطع من المعمول. و دخل إلى المحل بائع جرائد وبدأ يصرخ:
- 16 صفحة ، إذا لم تقرأها غلف بها. لم يكن من عادتي قراءة الصحف المؤيدة للحزب الحاكم، قلت : لأقرأها و بينما أقرأ العناوين وجدت نفسي نائماً، شعرت بألم في بطني ، كطعنة السكين، ولكن كيف ... ألم لا يوصف ... لم أستطع التحمل أكثر من ذلك فبدأت أصرخ و أولول ، و بالكاد أخذوني في سيارة الاسعاف إلى المشفى مغمياً عليّ. لما فتحت عيني وجدت الطبيب فوق رأسي يسألني:
- أنت مصاب بالتسمم ، لا يخفى شيء على الطبيب ، هل انتحرت؟
- أين تلك الأيام السعيدة يا دكتور ؟ أين هي؟
- أنا أقول أنك مصاب بالتسمم ، ماذا أكلت؟
- بسطرما.
صرخ الطبيب:
- ماذا ؟ هل أكلت بسطرما؟ أنت مجنون؟ و هل تؤكل البسطرما؟ ألم تقرأ الجرائد؟ إنها مليئة بأخبار المتسممين من البسطرما... ولكن هذا لا يشبه تسمم البسطرما،
ماذا أكلت غير ذلك؟
- ذهبت إلى المطعم.
- أنت مخبول.
- في المطعم أكلت معلبات.
- هكذا إذاً؟ و ماذا أكلت بعد؟
- معكرونة وزبادي ...
- طبعاً سوف تتسمم . معلبات، معكرونة ،زبادي و ماذا أيضاً؟
- و الله لم آكل شيئاً آخر ، بينما كنت أقرأ الجريدة المؤيدة للحكومة ... صرخ الطبيب مقاطعاً :
- ماذا؟ توجه بالدعاء إلى الله لأنك لم تمت , لقد مرت هذه المشكلة
ببساطة هذه المرة.
عندما خرجت من المشفى كنت أفكر : طيب نحن ماذا سنفعل ، لا
يتركوننا نموت ولا يتركوننا نعيش... ولكن بإمكاننا أن نزحف بكل سهولة إلى القبر.
كسرة : أشك في أن يكون عزيز نيسين (تركياً) ده لازم يكون (من عندياتنا) !



تعليقات 6 | إهداء 1 | زيارات 6774

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#197124 [بكري ]
0.00/5 (0 صوت)

08-19-2011 01:26 PM
والله كما اخاف الكضب الزول ده يكون سوداني ساكن القريه الجغيس بتعرفا يا استاز


#196356 [عبد الملك]
0.00/5 (0 صوت)

08-17-2011 07:32 PM
بسطرمة بالبيض .. معلبات .. معكرونة .. قطع حلويات .. معمول ...بالله عليك لماذا تنتحر !!!!
وهذا الصدر الاعظم الذى قمت بتوديعه من يكون ! هل هو مقتدر الصدر ...


#196325 [سمارة]
0.00/5 (0 صوت)

08-17-2011 06:06 PM
يامبدع
يديك العافية


#196293 [kamal]
0.00/5 (0 صوت)

08-17-2011 05:02 PM
انت ماعارف يا جبرا بانو المات مات والمامات الموت ذاتو كمل فى زمن الانقاذ ودولة البدريين كل حاجة بح


#196248 [asabangi]
0.00/5 (0 صوت)

08-17-2011 03:36 PM
من زمان ما تقول أنا عايز أموت !! بسيطة ..أنا بضمن ليك موتة كريمة وتاريخية بس بتاخد معاك يومين تلاتة لحدى ما روحك تطلع .. ولازم تتحمل شوية لأنة فى فترة بتاعت تعذيب وإستجواب (سين وجيم وطاخ وآآآخ ) .. المهم خلال الفترة دى لازم تكون عنيد وتكثر من السباب والبصق على الوجوه القذرة .. وما تجاوب على أى سؤال حتى تضمن سيرك فى الطريق الصحيح نحو النهاية المطلوبة ... المسألة بسيطة ..عشان تدخل الحلقة دى ممكن تقوم بأى من الأدوار التالية:
- أطلع مظاهرة لوحدك وأهتف ضد الفساد.
- وزع منشورات فى السوق العربى تلعن الإنقاذ واليوم الجات فيه الإنقاذ وكذابين الإنقاذ ولصوص الإنقاذ وماتنسى زبانية الإنقاذ ..ديل لازم تديهم من التقيل حتى يتحقق هدفك الجليل فى الرحيل عن هذا العالم الغير جميل
- ممكن برضو تتسلل لداخل المجلس الوطنى وتمسك الميكرفون فجاةً وتقول ليهم أيها القوم غير الوطنيين ..يا حرامية يا أولاد الكلب ..( صدقنى ما حتحتاج كلام أثر من كدة)
- الأفضل من ده كلو تهجم لينا على نافع على نافع ده تريحنا منو ..فإما أن تريح الشعب السودانى منه أو تريح نفسك بعد المحاولة الفاشلة ( حاول ما تفشل)


ردود على asabangi
Saudi Arabia [كارهـ للنظلم] 08-17-2011 05:14 PM
سلام حبيبنا جبره ما البعدوك


#196165 [l120]
0.00/5 (0 صوت)

08-17-2011 01:31 PM
انت الكباري دي ما شايفها . ولا الابراج برضو ما شايفها . يعني بسيطة تطلع في برج عالي ولا كبري من الكباري وتقع . وبعدين الجرايد بتجيب المغص عديل كدا . وكما قال المثل ان كبر اخوك غير رزقك ما بتحوش .


الفاتح يوسف جبرا
الفاتح يوسف جبرا

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة