المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.عبد الوهاب الأفندي
الطريق إلى إنقاذ مسار الدوحة لسلام دارفور
الطريق إلى إنقاذ مسار الدوحة لسلام دارفور
07-20-2010 05:12 PM

الطريق إلى إنقاذ مسار الدوحة لسلام دارفور

عبد الوهاب الأفندي

كما أسلفنا في مقال الأسبوع الماضي، فإنّ مسار الدوحة يواجه أزمة عصيبة، ليست كلها ناتجة من تقصير القائمين عليه. فهناك عقبات نشأت من الحالة الدارفورية نفسها، وما اعترى الحركات من تشرذم وانقسامات أميبية. وهناك مواقف الحكومة السودانية وتشددها في بعض الأمور. وهناك مواقف الأطراف الإقليمية ذات الأجندات المتضاربة. وأخيراً هناك المجتمع الدولي ومواقفه المليئة بالتناقضات. وكل عقبة من هذه العقبات كفيلة بأن تجعل موقف الوسيط، أي وسيط، غاية في الصعوبة. مهمة الوسيط في أي عملية سلمية تتلخص في العمل على تقريب وجهات النظر، وبناء الثقة بين الأطراف وتقديم أفكار خلاقة تجسر الفجوة بين المواقف. ولتحقيق هذه الأهداف، لا بد أن يكون الوسيط مرتضًى من قبل الأطراف المعنية، كما ينبغي أن يكون صاحب نفوذ عليها. وقد كان هذا هو الحال في مفاوضات دول الإيغاد حول الجنوب، حيث كان للدول المعنية درجات متفاوتة من النفوذ على الطرفين، ولكنها في نهاية الأمر لم تفلح إلا بعد الاستعانة بدول كبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا والنرويج، لها نفوذ أكبر. في حالة قطر فإن الحكومة السودانية تثق فيها، كما أن الحركات قبلت دورها وترى أنها ستكون عاملاً إيجابياً في عملية إعادة إعمار دارفور. ولكن الإشكالية بدأت من كون معظم الحركات المتمردة ذات الوزن ترفض مبدأ الوساطة والجهد السلمي من أساسه، ولهذا رفضت منذ البداية مجرد المشاركة في المشاورات حول قيام منبر الدوحة. وعلى رأس هذه الحركات حركة تحرير السودان جناح عبدالواحد نور، وهي حركة تعاني بدورها من انقسامات متراكبة، ويقيم زعيمها في فرنسا حيث يتحكم في أتباعه من على البعد. وكانت حركة العدل والمساواة أول من قبل المشاركة في مسار الدوحة، وكانت مشاركتها قد أكسبت المنبر أهميته في إطار غياب الحركات الأخرى. ولكن هذه الحركة اشترطت لاستمرار مشاركتها أن تكون هي الممثل الوحيد لأهل دارفور في الحوار مع الحكومة، وهو مطلب رفضته الحكومة والوساطة وبقية الحركات ومعظم القوى الدولية والإقليمية. وقد انسحبت الحركة من منبر الدوحة أخيراً احتجاجاً على الخطوات التي اتخذت ضد قيادتها من قبل تشاد وأطراف أخرى، وشنت الحكومة حرباً ضارية ضد مواقعها في دارفور. من هنا فإن المنبر بدأ من نقطة إشكالية، لأنه حتى لو حقق النجاح وأدى إلى اتفاق ووفاق بين حركة العدل والمساواة والحكومة السودانية فإنه لن يؤدي إلى سلام في دارفور، لأن معضلة اتفاقية أبوجا ستتكرر حتماً، حيث لم يؤدِ الاتفاق مع أقوى الحركات عسكرياً إلى سلام، بل بالعكس، أدى إلى مزيد من الصراع في أوساط الحركات من جهة، وبينها وبين الحكومة والحركات والميليشيات المتحالفة معها من جهة أخرى. ويمكن أن نضيف هنا أنه حتى لو تم الاتفاق بين الحكومة وجميع حركات التمرد، فإن هذا لن يؤدي إلى سلام في الإقليم ما لم تشمل العملية الميليشيات العربية المتحالفة مع النظام، وهو ما أخفقت كل عمليات السلام حتى اليوم في استيعابه. الافتراض عند كل الوسطاء هو أنه لا حاجة إلى إدخال الميليشيات العربية في عملية السلام، لأن هذه الميليشيات هي في يد الحكومة من جهة، وهي مشكلتها لا مشكلة الوسطاء من جهة أخرى. وقد دأبت قرارات مجلس الأمن وبقية المطالب الدولية على المطالبة بنزع سلاح هذه الميليشيات وتفكيكها ومحاكمة قادتها المتهمين بارتكاب أبشع الفظائع. ولكن مثل هذه المطالب غير واقعية، لأن هذه الميليشيات رغم أنها بالقطع متحالفة مع الحكومة وارتضت أن تكون إحدى أدواتها، إلا أنها ليست في يد الحكومة مائة بالمائة. فهي كيانات لها أجندتها ومطالبها التي لا بد أن توضع في الاعتبار. وليس بإمكان الحكومة، حتى لو شاءت، تفكيك هذه الميليشيات ونزع سلاحها بالقوة، لأن إشكالية الحكومة هي بالأساس أنها لا تملك الإمكانيات الكافية لمواجهة الحركات المسلحة في دارفور. ولو كان الأمر كذلك لما احتاجت الحكومة أصلاً إلى تجنيد وحشد الميليشيات والاستعانة بها. نقطة البداية لأي وساطة سلام ناجحة لا بد أن تكون إعادة النظر في الصيغة المتبعة حالياً بهدف الوصول إلى صيغة تتصف بالشمول والنظرة المستقبلية. صحيح أن كل عملية سلام تكون لها أهداف قصيرة النظر، تتلخص في إقناع الفصائل المقاتلة بالانخراط في عملية السلام ووقف القتال. ولكن الاستقرار المستدام يستدعي أن تكون هناك أهداف أبعد من وقف القتال، إذ لا بد كذلك من مخاطبة مظالم جميع الأطراف. وهذا بدوره يعني إدخال كل الأطراف المهمة في العملية السلمية في مرحلة ما. ولكن هذا يطرح معضلة أخرى: ما هي معايير تحديد الأهمية هنا؟ فجزء كبير من وجه اعتراض حركة العدل والمساواة على مسار الدوحة يتلخص في زعمها بأن أهل الدوحة دأبوا على دعوة كل من هب ودب إلى مائدة التفاوض، مما سيخلق فوضى تنافسية وينتهي إلى تمييع القضايا وإعطاء الحكومة الفرصة للعب على تناقضات الحركات. وهناك وجاهة في هذا الاعتراض، لأن التفاوض مع جهة واحدة أدعى إلى التوصل إلى توافق من التفاوض متعدد الأطراف والمسارات. وقد ثارت قضية مماثلة أثناء المفاوضات مع الحركة الشعبية في التسعينات، حيث طالبت المعارضة بتمثلها على طاولة المفاوضات، ولكن هذا الطلب رفض من قبل طرفي النزاع والوساطة معاً. وقد برر مؤيدو هذا الرفض موقفهم بأن الطرفين كانا وقتها يمثلان طرفي نقيض الساحة السياسية السودانية، وعليه فإن ما سيتفق عليه الطرفان لن يتعرض إلى مزايدات، وسيكون مقبولاً عند الباقين. هذا لا يمنع إدخال الأطراف الأخرى في مفاوضات جديدة في وقت لاحق. وقد صدقت التطورات اللاحقة صحة هذه الرؤية. هناك معضلة أخرى تتفرع من هذه كنا قد تطرقنا إليها في مداخلة سابقة، ألا وهي: إذا كان التفاوض مع حركة واحدة قوية هو الطريق الأقصر إلى السلام، ولم تكن مثل هذه الحركة موجودة وقائمة، ماذا يجب أن يكون موقف الوسطاء وسعاة السلام في هذه الحال؟ هل يكون هو الصبر والانتظار حتى تظهر حركة مثل هذه، أم هل القيام باتخاذ خطوات عملية باتجاه تحقيق هذا الهدف؟ وفي الحالين كيف تتحمل الجهات المعنية المسؤولية الأخلاقية في الأمر، علماً بأن النتيجة المطلوبة لن تتأتي إلا بحروب داخلية والمزيد من سفك الدماء بين الحركات، وما يتبعه ذلك من مصائب تقع على المدنيين؟ هناك بعض الجهات، وتشمل هذه الولايات المتحدة وعدداً من القوى الإقليمية، اختارت الخطوة الثانية، وبذلت جهوداً لتوحيد الحركات وتغيير قياداتها، وارتضت في سبيل ذلك ما نتج من عنف وصراعات. ولكن من جهة أخرى فإن معيار القوة العسكرية الميدانية لن يكون الوحيد في تحديد الحركات ذات الموقع على طاولة المفاوضات، وذلك لأن قضية دارفور توقفت منذ أشهرها الأولى عن كونها قضية صراع داخلي بين الحركات أو بينها وبين الحكومة. فالمجتمع الدولي تدخل بقوة عسكرياً وإنسانياً، وأصبح له وجود لا يقل أهمية عن وجود الأطراف الأخرى، بما فيها الحكومة والحركات. وعليه أصبحت هناك مقاييس أخرى توضع في الاعتبار، منها تمثيل الحركات المعنية لطوائف معينة من أهل دارفور. على سبيل المثال نجد حركة عبدالواحد نور تعتبر حركة مهمة لا يمكن تجاوزها، رغم أنها تفتقد الوجود الميداني العسكري الفعال، وذلك باعتبار أنها تمثل قبيلة الفور، خاصة الموجودين في معسكرات النزوح. ومن نفس هذا المنطلق اجتهدت بعض القوى الإقليمية والدولية في إنشاء حركة بديلة، هي حركة التحرير والعدالة بقيادة ابراهيم السيسي حاكم دارفور السابق، حتى تمثل الفور على طاولة المفاوضات نسبة لعزوف عبدالواحد المستمر عن المشاركة. ومن هذا المنطلق يمكن فهم تواطؤ جهات إقليمية ودولية مع جهود الحكومة لتحجيم حركة العدل والمساواة عسكرياً، حتى لا يزيد نفوذها عن الحد المتوافق مع صفتها التمثيلية. ومن هذا المنطلق نجد أن كل من الحكومة والحركات في موقف حرج، لأنها تطالب بالتدخل الأجنبي في الشأن الدارفوري، ولكنها تتذمر حينما لا يأتي هذا التدخل لصالحها. ولكن الحقيقة التي لا مهرب منها هي أن تدويل قضية دارفور قد أصبح حقيقة ماثلة، وأن على كل الأطراف ان تتعايش مع هذا الواقع، بما في ذلك الوساطة. فالاهتمام الدولي المكثف بقضية دارفور هو الذي ساعد على تشرذم الحركات، لأنه يعطي بالضرورة أصغر الحركات وزناً يفوق وزنها العسكري أو واقعها التمثيلي. كل هذا يضع الوسطاء في موقف صعب، لأن تعقيدات القضية تتحدى طريقة التعامل التقليدي مع الصراعات المماثلة. فلا بد من إعادة النظر بصورة جذرية في المنهج القائم حالياً، والقائم على تجميع الحركات للحوار مع الحكومة، لأن طبيعة الصراع لا تسمح لمثل النهج التقليدي بأن يؤتي نتائجه المرجوة. فلا بد إذن من تطوير نهج وساطة جديد يأخذ في الاعتبار كل تعقيدات القضية وجوانبها، بما في ذلك الأبعاد الدولية والإقليمية وضرورة تمثيل كل أطراف الصراع الدارفوري، بمن في ذلك الميليشيات العربية وقياداتها. هناك إذن حاجة إلى تغيير راديكالي في النظرة والمنهج من قبل الوسطاء والفاعلين الدوليين، إذ لن يكفي إدخال مجرد تعديلات طفيفة على المنهج الحالي الذي ظل متبعاً منذ مفاوضات أبشي وأنجامينا عام 2005، وكان قبل ذلك هوالمنهج الذي اتبع في مفاوضات سلام الجنوب. فطبيعة الصراع هنا تختلف عن أي نزاع آخر في افريقيا أو خارجها، وقد أكسبته التدخلات الدولية المكثفة طابعاً فريداً يحتاج بدوره إلى منهج متفرد وجديد كلياً في التعامل.

التيار


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1022

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد الوهاب الأفندي
عبد الوهاب الأفندي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة