المطاليق
08-24-2011 02:31 AM

ثلاثية البلاد الكبيرة:
المطاليق

(الجزء الأول)

رواية
في شأن الرُّحَلْ والشايب جقندي

أحمد ضحية
[email protected]


(1)
تمددا على سطح الماء.. تمددا فوق بعضهما, تخفيهما \"عشبة معونة النيل\", عن أنظار الشايب جقندي, الذي كان يتابعهما من \"قيف النهر\" بقلق .. كانا عاريان إلا من عذابهما.. وحدتهما, وإحساسهما القاسي بالفقد.. رويدا, رويدا.. كانت عشبة مياه النيل تدنو, وبلطف تداعب ساقي\"ست البنات\" العاريين.. مويجة صغيرة تتجشأ زبدها في مكامن الألم والبوح والإلتياع.. كانت العشبة تحفر عميقا.. عميقا تحفر العشبة.. عابثة, شقية.. تحمل في رغوتها الإحساس البطيء.. العميق بالغرق.. إنزلقت شفتا ست البنات على شفتي عاشميق, تتحسس لزوجة الماء.. كانت رائحة عشبة معونة النيل النّدية, لحظتها تتسرب خياشيمهما, وتبعث فيهما إحساسا مالحا بالخدر..
وعلى\"القيف\".. هناك.. ألقى \"الشايب جقندي\" برأسه إلى الخلف, يستعيد وقائع ما جرى, وصوت \"ودالتويم\" يدوي في فراغ ذاكرته المنهوبة:
يقولون أنهم جربوا كل السبل, ولم يعد لديهم خيار سوى الإنفصال..
ثم بلع أنفاسه اللاهثة وهو يضيف:
ماذا نفعل؟
كانت أزقة \"وادي الذهب\" المعتمة, تقذف لحظتها من أحشائها, كل الروائح الحادة. العطنة. والهواء الممزوج برماد القلق والتوتر, ورائحة الرّوث الدبغة, وأنفاس النهر المضمخة في رائحة السمك و\"عشبة معونة النيل\" و\"أمبانقيقة\", وثرثرة الضفادع المختلطة بإيقاعات \"الواز\" الحزينة, يتخلل أغنيات أسيانة تأتي من بعيد, لا أحد يعلم مصدرها .. حينها كان السلطان يتربع على عرشه, لا ليناقش هموم الناس والوادي المهدد بالعصف.. الوادي الآخذ في التآكل والتشظي!.. كان متربعا لتقديم عروسته الجديدة لاعضاء مجلسه من \"المطاليق\" القدامى والجدد, الذين كانوا يصورون له عن الوادي, صورة ليست موجودة سوى في أذهانهم المختلّة..
كانوا يخططون لمزيد من الإجراءات, التي تهدف للحفاظ على سلطة السلطان. فقد كانت سلطتهم رهينة بإستمراره, وهو نفسه كان يعلم,أن زوال أحدهما يعني زوال الآخر.. وهكذا أختاروا لحل مشكلة بقاءهم, وإستمرارهم في السلطة: القمع والإغراء.. فمضوا يغرّون بعض الأهالي للعمل معهم, بعد أن نجحوا في كسب كثيرون منهم, مثل: \"ميجاوي الزّبال\" و\"بليمي الراعي\" و \"بنت ود أب عوا الحنّانة\", وآخرون وآخريات كثر, من أهالي \"وادي الذهب\".. كما أخذ \"أبوشوتال\" زعيم المطاليق, يذلل للمطاليق كافة العوائق والعقبات, بتصريح مباشر من السلطان, فأصبحت سلطتهم وسلطانهم على الناس,أكبر من ذي قبل, وهكذا لم يكن ثمة ما يشغل بال السلطان سوى التفرغ التام لزوجاته العديدات..
\"المطاليق\" الذين تكاثروا كالنبات الطفيلي, هم في الأصل تلك النّواة, التي قبل عشرات السنوات, أنشأها \"بادي\" الشقيق الأكبر للسلطان, وتعهدها بالرِّعاية. في ذلك الزمان البعيد, عندما كان يخطط للإستيلاء على السلطنة. لكن بمرور الوقت كان لإبنه \"الدود أبو حجل\" رأي مختلف. فهو على عكس والده \"بادي\", كان يرى في بقاء عمه السلطان فائدة أكثر, إذا ما أستطاع التحكم فيه, فلاحاجة له بأن يكون سلطانا \"رسميا\" طالما أنه سلطانا فعليا, فيجني \"هو\" الثمرات ويتحمل \"عمه\" التبعات!. وبالفعل تمكن من نيل ثقة عمه الذي كان معجبا بمواهبه, فأطلق يده في البلاد والعباد .
و بعد عشرات السنوات ورِّث \"أبوشوتال\" عن أسلافه البائدين, هذه \"النواة\", التي أسسها جده الأكبر \"بادي\" وتعهدها من بعده إبنه \"الدود أبوحجل\" بالرعاية. إلى أن طورت على عهد \"أبي شوتال\" لتصبح قوة ضاربة وبموافقة السلطان. وفي الوقت ذاته الذي كان مجلس السلطان يحتفي بالعروس الجديدة, كان أبوشوتال يجتمع بكبار قادة المطاليق, بينما كانت سوميت والمشردون وقتها, يراجعون خططهم الخاصة بالخطابة في جموع الأهالي, الذين كان قد فاض بهم الكيل .
لم يكن السلطان ولامطاليقه يأبهون لتعاليم الروح العظيمة, ولم تجد كل تلك المحاولات الدؤوبة, التي بذلها جقندي بمساعدة \"ودالتويم\" لإقناع السلطان بتغيير سياساته, وكف يد المطاليق عن الأهالي. لكن السلطان أبدا لم يُعِر \"الشايب جقندي\" أذنا صاغية, وهو لا يفتأ يكرر على مسامعه, تعاليم الروح العظيمة: \"لقد أطلعتكم على حقوقكم وواجباتكم, فإذا أردتم ان تكونوا (عيالي) فعليكم ألا تستغلوا معرفتكم من أجل القتل والتدمير (...) محظور عليكم أن تستغلوا ما وهبتكم لأغراض شريرة, وإذا لم تتقيدوا بهذه القوانين, فسوف لن تكونوا (عيالي)...\" وكان السلطان الذي أستولى أبوشوتال على عقله تماما, لا يخشى شيئا في التنكيل بجقندي, سوى خشيته قومه \"الرُّحَلْ\" لذلك إستجاب لنصح أبوشوتال, بتأجيل النّظر في أمر جقندي, إلى حين إستقرار أوضاع السلطنة, التي كانت حواضرها في \"الصعيد\" و\"دار الريح\" و\"السافل الأقصى\" و\"دار صباح\" قد بدأت تتململ وتضطرب..
لذا في تلك الصبيحة التي تفجرت فيها الشمس من وراء جدر التاريخ, لتلقي بنفسها على الوادي البائس, الملتف على نفسه كشرنقّة مجهضة .. إرتخت الأعصاب التي تشد الدروب الضيقة, فأخذت تضيق, بينما هتافات المشردون تتعالى .. والناس يتضايرون داخلها ليفسحوا لجموعهم الهادرة, المدفوعة بآلاف الحسرات ..
لقد فات الوقت على فعل أي شيء يجنبنا ما سيحدث, ولكن لنحاول حتى اللحظة الأخيرة, فقد تحدث المعجزة..
ألقى جقندي بعبارته الجازمة بوجه ود التويم, والتي لا تخلو من أمل ضئيل, وهو يستعيد وقائع الحروبات المفتعلة, التي ظل\"المطاليق\" يشنونها على \"دار الريح\" وأقصى \"السافل\" و\"الصعيد\" و\"دار صباح البعيدة\", حيث أصبحت الشمس تشرق من هناك كل صباح منهكة.. زاوية وأكثر حزنا من حمامات \"قطع الشك\".. كان المطاليق يشنون هجماتهم بدعوى أنهم \"أولاد بلد يقوموا ويقعدوا على كيفم .. فوق رقاب الناس مجرب سيفم\", إذ أنهم أعادوا إحياء الأشعار القديمة البائسة, التي كتبها \"بادي\" قبل عشرات السنوات, وتم العثور عليها مدّونة في الكهف المقدس لجبل \"كارناسي\" المهيب, عندما إكتشفه مصادفة ذات صبيحة نديانة صياد مغرم بصيد\"الجقور\".. لم تسترع إهتمام \"أبوشوتال\" أيٌّ من الأحفورات, على جدران الكهف.. كل ما إسترعى إهتمامه فقط, كان هو بقايا القصائد الركيكة لجدّه الأكبر\"بادي\",التي كان قد قرر فيها عراقة أصلهم وفصلهم, دونا عن خلق أهالي الوادي الآخرين ..
وهكذا بدأت بطون الوادي وأفخاذه وعشائره تتململ, فما كان يشغلهم ليس قضية الأصل والفصل بحد ذاتها, ولكن إستغلال مثل هذا الأمر كرأسمال معنوي, لجنِّي مكاسب مادية, على حساب العشائر والبطون والأفخاذ الأخرى...
لنجتمع بعقلاء الوادي, فلربما نجد عندهم حلاً سريعا..
لا حل سوى إزالة السلطان والمطاليق.. ثم أن العقلاء خائفون.. لقد روعهم المطاليق, خصوصا أن الشائعات تفيد, أن الفتيات اللائي يتم إختطافهن, جميعهن من بنات الذين يشك \"أبوشوتال\" ومطاليقه في أنهم من المعارضين!..
ماذا نفعل إذن؟
على أية حال \"سوميت والمشردون\" يقومون بعمل جيد, نأمل أن يحقق ما نتمناه من نتائج..
قبل أن يتخذ جقندي قراره النهائي بالعمل على إسقاط السلطان, مضى يرافقه \"ود التويم\" ليقابله للمرّة الأخيرة. وجده متربعا على العرش, كنّمر, كان ثلاثتهم يعلمون أنه نمر من ورق.
وكان المطاليق حوله يخدمون الضيوف, الذين لم يكونوا سوى أعضاء مجلس السلطان, وقادة المطاليق أنفسهم. تحدث جقندي إلى السلطان في كل شيء:الفقر والظلم.. تهريب ثروات الوادي من قبل بطانته .. العذراوات اللأئي يختفين في غموض تام.. المعتقلات والتعذيب.. الجفاف والتصّحر والقلاقل في حواضر دار الريح والصعيد وأقصى السافل ودار صباح البعيدة, التي أصبحت شمسها تشرق منهكة. مكتئبة. وكئيبة.. شاحبة, كرمل الوادي المعلّول..غزو تجار \"القِبَلْ الأربعة\" لأسواق الوادي بالبضائع, التي لا يحتاجها الأهالي, ولا تفيدهم في حياتهم اليومية.. الحرّية والعدل.. لم يترك جقندي \"فرضا ناقصا\", وكان المطاليق يقاطعونه يدحضون كل شيء, ويعتبرون أن ما قاله لا يخرج عن دعاية المعارضين, والخارجين المدفوعين بالحقد والغبائن والأوهام المقيتة, وكان السلطان يتوارى خلف إبتسامة صفراء,لزجة. غضب جقندي, وحاول أن تكتم كلماته ما يشعر به من غيظ:
جلالتك المطاليق يغتصبون نساء دار الريح ؟
كان جقندي يظن أن السلطان سيغضب :
المطاليق دمنا ولحمنا,وناس دار الريح \"فروخ\" و\"فرخات\", وده شرف ليهن, فليه عايز تعملوا سُبّة ؟ \"كسر\" البكر عندهم ما عيب, بل أنهم يكرمون الضيوف بنسائهم!.. ودحين لما المطاليق يحسنوا ليهم نسلهم يقولو أغتصبونا!
أسقط في يد جقندي الذي أدرك تماما أن لا أمل. دارت الدنيا.. كل الدنيا برأسه.. همّ بقول شيء ما, قطعه عليه دخول أحد المطاليق, الذي مضى يهمس في أذن أبي شوتال, الذي سارع بدوره للهمس في أذن السلطان, الذي أنفرجت أساريره وهو يتوجه بالحديث إلى جقندي:
سنحتفي بك الليلة. لدينا حفل راقص على شرفك..
أمعن فيه جقندي النظر طويلا دون أن ينطق بحرف, وكان ود التويم لحظتها يتصبب عرقا, فالرجل الذي يعتبره المطاليق رجلهم المقرب من جقندي, كان يحمل روحه على كفه, ويعيش توازنا دقيقا, ويخشى أن ينكشف أمره في أي لحظة.. لذا أفترقا عند بوابة الخروج وأتجها في طريقين متعاكسين..
توجه جقندي بعد سلسلة من المناورات التضليلية, إلى جبل \"كارناسي\" عبر دروب المدينة الضيقة والمتشابكة.وهناك وجد \"سوميت\" و\"عاشميق\" و\"ست البنات\" مجتمعون ببقية المشردين.أرادوا أن يقفوا لتحيته, فمنعهم بإشارة من يده, وجلس منشغل البال في أحد الأركان يراقب نقاشاتهم,التي كانت تحتد وتهدأ وتهدا وتحتد..
طريق بعيد جدا في نفق الماضي المظلم, تقطعه ذاكرته المنهوبة دون هوادة.. طريق محفوف بصرخات الألم والدماء والخراب والدمار.
كانت سوميت بين فينة وأخرى تختلس إليه النظر, بينما هو يخطط بأصبعه على الأرض طرقا متقاطعة ومتوازية, تعكس أفكاره في هذه اللحظة المشبعة بالمخاوف والغموض. وكان المشردون حول سوميت لا يزالون في نقاشاتهم. إنتبه للنظرات المختلسة, التي كان عاشميق وست البنات يتبادلانها..
كان الكهف هادئا, والشمس خارجة تتسحب بإتجاه دار الريح, وصوت عاشميق في أذن ست البنات يتناهى سرِّيا.. لكن هامسا.. ربما كانا يتناقلان الشعارات الجديدة, التي يجب أن ترسمهما مجموعتيهما, على جدر بندر الوادي.. بعد أن يغفل المطاليق قليلا!..
أنهت سوميت إجتماعها بالمشردين, وهي توميء لجقندي برأسها أن يتقدم. زحف جقندي نحوهم. أطرق لبرهة ثم قال:\"أننا هنا للتعبد والتكفير عن ذنوبنا , ولشكر الروح العظيمة على نعمها الكثيرة علينا (..) لقد بدأتم الآن في تغيير الوادي, ولهذا ستتعرضون لقمع مؤلم, وبإمكانكم تحمل هذا القمع, فتحمل الألم يتعلق بالدماغ وليس الجسد, لكن ذلك يعتمد على مدى إيمانكم بما تقومون به, وإستعدادكم للتضحية في سبيله(...) تذكروا أن الألم يجب أن يزرع فينا حب الخير للآخرين, فالروح العظيمة دعانا للتسامح والإبتسام في وجوه الناس, وإلقاء التحية عليهم, فقد يخفف ذلك عنهم الكثير مما يحملونه من أحزان.. يجب ألا نحقد على أحد, فقد غفر لنا الروح العظيمة الكثير من ذنوبنا, فلماذا لا نغفر لبعضنا البعض, القليل من الذنوب ..\" ومضى جقندي في خطبته المؤثرة يحدثهم عن الإيمان والتطهر وتحمل الألم والشعور بآلام الناس.. ثم أبتسم وهو ينهي خطابه وقد خطرت على ذاكرته لحظة مشابهة, عاشها جده الأكبر \"الجنزير\" التقيل قبيل الدمار الثاني بقليل.. وقتها كان الروح العظيمة, قد أنهى خلق كائنات دمار العالم, من ألوان الطيف السبعة التي كان قد مزجها في الحكمة والقوة, بماء الأخلاق والإيمان. وعجنها في طين الرّحمة قبل أن يعرضها لنار الصبر,و يغسلها بعد ذلك بأمطار الصدق والحزن والإخلاص ثم يطلقها على العالم, تحمل بين كتفيها عناصر لطبيعة الأربعة.. تساءل جقندي : ترى ماذا يعد الروح العظيمة الآن لدمار هذا العالم؟ .. دمار هذا الوادي الكئيب الغارق في البؤس والعذاب؟!.. أسر جقندي لنفسه, وهو يمعن النّظر في وجه سوميت البيضاوي النحيل, حاد الملامح :\"أنها تشبه جدتها حجب النورتماما!\"..
كانت تقاطيع وجه سوميت, كالمرسومة بعناية فائقة.. كالمنحوتة بإزميل عاشميق..
سوميت حفيدة حجب النور.. أول فتاة تقع عليها عينا جقندي ويحبها من أول نظرة في مراهقته الباكرة. كانت حجب النور إبنة هذا الوادي, أحبت أحد \"الرُّحَلْ\" فغادرت معه, وظلّت طوال ترحالهم, تحن إلى العودة والبقاء في موطنها.. هذا الحنين الذي أرضعته لإبنتها \"كاكا\", والتي عندما سنحت لها الفرصة هربت.. عادت إلى هنا.. إلى وادي الذهب, مسقط رأس والدتها حجب النور.. تزوجت كاكا وعاشت حياة هادئة مع زوجها وطفلتها أم كوراك التي أنجبت سوميت, التي حملت ملامح وقسمات حجب النور وكاكا الخالق الناطق..
لم تكن حجب النور جدة سوميت, هي الوحيدة التي هربت من حياة \"الرُّحَلْ\" بتنقلهم المستمر, فكثيرات غيرها عبر تاريخ الوادي, ظللن إما يهربن ليتزوجن من \"الرُّحَلْ\", أو يهربن من \"الرُّحَلْ\" ليتزوجن من أهالي الوادي..
عندما أخبر جقندي سوميت أول مرة أن لها ذات ملامح نساء قومه \"كاكا\" و والدتها \"حجب النور\", ضحكت سوميت كثيرا وأخبرته أنهن جداتها, فقد حكت لها أمها أم \"كوراك\" الكثير..
فأخذ جقندي يروي لها تاريخ القرابة بين قومه \"الرُّحَلْ\" وأهل الوادي.. حكى لها عن كيف هربت جدتها حجب النور, في تلك الليلة البعيدة, عندما حطّ قومه \"الرُّحَلْ\" برحلهم على وادي الذهب, فاشترى والد حجب النور, سبعة بقرات من أحد \"الرُّحَلْ\" ونقده ثمنها كاملا, وفي منتصف الليل جاء ذلك الرجل. وقف قبالة الزريبة, وأطلق عدة أسماء بتنغيم محدد, فقفزت البقرات خارج السور, وتبعته إلى حيث لا يدري أحد. كان الرجل قد إختفى والرُّحَلْ قد إختفوا وحجب النور قد إختفت. لم يكن ثمّة أثر لها أو للبقرات أو للرُّحَلْ..
(2)
لم تمض سوى أيام قليلة, حتى انجزت سوميت والمشردون مهمتهم بنجاح تام .. جن جنون المطاليق وأخذوا يجدون في البحث عن راسمي الشعارات .. لأول مرة يرون المطاليق مزعورين وهم يفتشون بيوت النااس عند الفجر .. كانت شعارات بسيطة ,ثائرة ومعبرة تمكنت من النفاذ إلى قلوب الأهالي الذين كانت دواخلهم تمور بالغضب ..
يتذكر الشايب جقندي الآن وقائع كل ما جرى, وهو يرى سنوات عمره تتبدد كزبد الماء الذي يغطي جسدي ست البنات وعاشميق خلف عشبة معونة النيل, الطافية في دعة وحبور على سطح النّهر..
كان الألم لا يزال يعتصره إعتصارا لا يحتمل, حتى أنه عندما يفكر في الكلمات, التي تعبر عن الألم, يجدها تتقاصر دون أن تقوى على وصف هذا العذاب المقيم, الذي يحاصره من الجهات الأربعة. للحد الذي يشعر بنفسه ضعيفا, إلى أقصى حد وبحاجة للمواساة و\"الطبطبة\".
يود لو أن كل مواساة الدنيا تتجمع الآن لإختراق آلامه, لتخفف عنه شعوره القاتل بالوحدة والبؤس, الذي يحاصره ويهد كيانه, الذي أصبح كالقلاع القديمة..
لكنه يخشى فكرة اللجوء لأي شخص كي يواسيه, أو يخفف عنه, فمجرد نظرة عابرة في هذه اللحظة, التي تتملكه بحزنها المقيم من عاشميق أو ست البنات, تكفي لتحظيم أسطورته تماما.. أسطورة\"الرُّحَلْ\" وتعاليم الروح العظيمة و .. و كان إحساسا مزمنا ما يتنامى داخله: أن من قتل سوميت ليس المطاليق بل هو!!..
عدّل من وضع رأسه على \"قيف النّهر\" وذاكرته تبتعد أكثر, ترحل إلى ذلك اليوم المطير..
كان المطر قد بدأ يهطل في الخارج. \"ضُبانة\" خضراء كبيرة \"رّكت\"على ساقه\", التي أنحسر عنها جلبابه الفضفاض. إقشعّر جسمه وهو يشعر بخطاها بين الشعيرات المتفرقة, تشعل ذلك النداء القديم..
النداء ذاته الذي دفع به إلى المجيء إلى وادي الذهب والبقاء فيه.. يسمعه في حفيف خطى الذبابة على ساقه النحيل.. في زفيف الريح \"القبلي والخماسين والهبباي والبرق العبادي\".. في هتاف الحنين الخفي في أفق حياته الغائمة, التي لا يفتأ يغوِّيها الرِّهاب.. رِّهاب الأيام, ربما.. رِّهاب العمر, ربما ..رِّهاب وجه كاكا التي لطالما حاول نسيانها.. تجاهل وجودها في مكان ما من هذا العالم.. لكنه الرِّهاب اللعوب يدفعه دفعا إليها.. يمضي يتبع وجهها المتلفع بالرِّهاب.. تتلاشى فيه ,وتتوغل بعيدا, بعيدا ..
أحب كاكا بجنون, وعندما أراد مصارحتها, كانت قد غادرت المضارب إلى مكان لا تعلمه سوى أمها حجب النور, وظلت لسنوات طوال تطارده بطيفها, تتحكم في أحلامه, وكثيرا ما أنتزعته من طقوس الروح العظيمة, ليكتشف نفسه بشكل مباغت يصلي لها وحدها..حاضرا بين يديها هي, يتآكله القلق والتوق.. وهكذا إستجاب.. قرر البقاء في وادي الذهب..
و في تلك الصبيحة النعسانة مضى منحدرا إلى الوادي.. عندما خرجت سوميت من بين سيقان الدخن, كانت كاكا ذاتها الخالق الناطق, تخرج من بين القناديل مخلفة وراءها الرِّهاب, الذي بدأ يتراجع بعيدا, بعيدا.. من بين شقوق الأرض برزت فجأة. وقفت قبالته.. إبتسما بوجه بعضهما.. تماسك, وسألها عن ود التويم..
لحظتها كانت عصافير الوادي تغني غناء اللهفة والأشواق, فأخذ يرتعش وفي رأسه يدوي ألف خاطر.. هل كان كل ذلك وهما أم حقيقة؟.. هل عرف بالفعل يوما مراهقة بدوية جميلة بلون الكاكاو تدعى كاكا.. وهل أحبها حقا.. وهل غادرت مضارب الرُّحَلْ بليل, وأختفت كالفقاعة مخلفة وراءها طيفها الغامض, في قلب الرِّهاب؟!!..
طيفها الذي يطارده الرُّحَلْ في كل مكان.. إذن لماذا لم يصارح سوميت بهذا الحب من قبل؟.. هذا الحب الذي وئد قبل أن ينمو ويكبر, عندما قررت جدتها كاكا الهرب!.. لماذا لم يصارحها قبل أن تمضي في اللانهاية تلحق بجداتها؟!..
كان جقندي مهزوما ومنسحقا إلى أقصى حد, وعينا ست البنات وعاشميق المترعتان بالشك والأحزان, وكل مخاوف الوادي وآلامه الضّارية والضاربة في تاريخه عريق الهواجس والظنون, تفيض بأمواج هادرة تقمع داخله أي رغبة لطلب المواساة, التي أيضا كانا بحاجة ماسة إليها, ربما أكثر منه.. إذ كانا وقتها يتحسسان جرحيهما, دون أن يريا هذه الطعنة التي أصابته في القلب تماما.. هذا الجرح الغائر المميت الذي يحمله ككفن يتغطى به ويندفن..
في تلك السنوات البعيدة كان خارجا من خيمة جدته المدببة. كان أطفال الرُّحَلْ شبه العُراة بأجسامهم الناحلة, وملامحهم الغبشاء, يلعبون بين الخيام لعبة السهم والرّمية, يحاولون إصابة أهداف متحركة ,ربما تكون رجلاً أو إمرأة عابرين من الرحل.. طفل, بقرة, بعيرأو أي شيء.. في تلك اللحظة رأى كاكا وهي تتهادى في مشيتها:عينان شقيتان موغلتان في الأسى تضجان بالفقد.. أي فقد كانت تعانيه؟ أنه الحنين.. فقد الوادي.. الحنين إلى الوادي الوادع, الذي رسمته حجب النور في خيالها, بكل ملامحه وقسماته وحياته.. بطيوره ووديانه ونهره وجبل كارناسي المهيب..
أشعلت فيها تلك الصّور المختزنة في ذاكرة حجب النور, حنينا لا يوصف, ورغبة سرِّية عميقة للحياة هناك, حيث طيور الغارنوق وأشجار القمبيل وغناء الوازا النّدي..
وهكذا أصبح يتعمد رؤيتها كل يوم \"من بعيد لبعيد\".. يتأمل بشرتها الكاكاوية.. جسمها الناحل.. شفتيها الغليظتين وملامحها الحادة التي تبدو (غالبا) كالمنقطعة عن الدنيا: لا مبالية. لا تحفل بالألم. لا تتأثر بهموم الرُّحَلْ.. تتألق في نور النِّداء الخفي لعينيها الواسعتين, وهما ترِّفان في الظلام, الذي يكلكل قوافل الرُّحَلْ منذ مئات السنوات.. تتثبتان كجوهرتين, فيتزاحم القمر والشمس والنجوم, وترتخي قبة السماء لتلامس قمم القمبيل, وجبل كارناسي وماء النّهر.. تصبح الأرض أقرب من حبل الوريد!..
وهناك خلف قمة كارناسي, خلف السراب المتبدد, تزرع الألق والحنين الجارف.. فيتبعها جقندي خفية في كل مكان: وهي تضجع على الرمل تعبث فيه بأناملها.. وهي في الخيمة مع أمها, حيث فتح \"شقا\" صغيرا يسمح لعينيه يمراقبتها خلسة, آمنا دون رقيب.. دون مواجهة مباشرة.. دون .. ومع ذلك كانت ملامح وجهها تنطوي على شيء من الحزن الغامض, الذي لا حدود له!..
لم يقترب منها أبدا أو يحاول تسرِّيب عواطفه المكبوتة.. المرّة الوحيدة التي ضبطته يسترق النظر إليها, تمعنت وجهه طويلا دون أن ترمش.. كانت كاكا لا ترمش!.. زرعت داخله قلقا رهيبا.. كل لوعة الترحال وأساه.. كل قلق الرُّحَلْ وأحزانهم لحظتها كانت ترمش في قلبه, الذي كان يخفق بشدة وينتفض..
ترى هل أحب حفيدتها سوميت حقا؟ أم أحب فكرة كونها حفيدتها.. فكرة الحب القديم.. بقدر ما كانت عينا كاكا مترعتان بذلك الأسى الغامض, كانت عينا حفيدتها سوميت حانية, شقية كعالم المشردين الذى أدمنته, وهكذا في لحظة منهكة بسنوات الترحال والعذاب قرر البقاء. رحل القوم. تركوه خلفهم يواجه قدرا غامضا. يواجه وحده مأساته ومأساة الوادي الوجودية الكبرى, في غنتظار نهايات وشيكة!..
ما أن توقف المطر حتى خرج ثلاثتهم من الكهف, توجهوا إلى المقابر. كانوا يشعرون بأنها نظرة الوداع الأخيرة.. تراءى جبل كارناسي لحظتها بعيدا, وقمته غارقة في الغسق الحزين الوسنان.. غيمة عابرة حطت قبالة قبر سوميت بكت فلطمت أوراق القمبيل بكفها أرض الوادي, الذي بدا مهتزا وغارقا في المأساة ..
قبلها بساعات كان الظلام قد خيم على الوادي المسكون بالقلق والتوتر, ثم غيم كل شيء كعين\"قطع الشك\" وهي تغالب دموعها, وجاء صوت الوازا من بعيد كئيبا, مهلهلا كنشيج الوادي الغارق في الكآبة والعتمة والأحزان..
الآن فقط أصبحت رؤية وسماع كل شيء أكثر وضوحا, من أي وقت مضى.. زحف جقندي داخل خيمته. تأمل جسد سوميت المتمدد على تراب الخيمة. كانت نصف عارية والدماء تغطي كل شبر فيها, ومع ذلك كانت بإبتسامتها الملائكية تبدو كنائمة وليست ميتة.. كانت تبدو كالغارقة في نوم عميق, تحلم أحلاما يانعة لطالما طمحت لتحقيقها..
أشعل جقندي حبات القضيم السبعة, الراقدة في قاع كدوسه الأبنوسي الطويل, وترك فمه مفتوحا يتسرب منه الدُّخان حاملا صلواته المجيدة, وسوميت تتراءى له من بين التموجات الدائرية, وغير المنتظمة للدُّخان كأنها تفتح عينيها بين آن وآخر, تنظر إليه في محبة, وربما تضحك ضحكتها المميزة, تلك التي كهمس ممزوج في أنغام \"أم كيكي\" المحبة الودودة في حزنها النقي..
كانت تتراءى له تحاول شد ثوبها الممزق, لتغطي جسمها نصف العاري دون جدوى, فدائما ثمّة نصف عارٍ, مكشوف.. تخلل باصابعه النحيلة شعرها الأجعد , وهمس وهو ينفث الدخان:
رحلت إذن؟
رحلت؟
ألقت ست البنات الزاحفة عند مدخل الخيمة بسؤالها الدهش الموجوع, وهي تكرر بشكل آلي:
إغتصبها المجرمون. عذبوها. وفي القلب تماما غرسوا شوتالاتهم.. كانت جائعة وعطشى ومنهكة إلى حد فظيع.. لم يعطوها حتى جرعة ماء!..
ثم ألتفتت إلى جقندي بصورة مباغتة:
أولم يكن في مقدورك إنقاذها؟
فرد بألم مرير:
هوهل استطعت إنقاذ الوادي لأنقذها ؟
على الرغم من أنه لم يشعر يوما بأنه تقدم في السن, إلا أنه لحظتها شعر بنفسه كم هو طاعن, ومنهك ومنتهك إلى اقصى حد. الآن فقط يشعر بأن كل شيء وشيك النهاية.. كان كئيبا ومتعبا.. محاصرا بالكوابيس ومشاعر الغضب والقلق والتوتر. وكان كل شيء للمرة الأولى في حياته يتجمع دفعة واحدة ليحاصره, ويجعل كل حواسه متحفزة.. مرهفة فيرى بعيدا خلف الأفق, ويسمع حتى طرقعة \"طرقة\" القمبيل على الأرض الرطبة, فيهمهم في دخيلته \"دائما هناك مكان.. ودائما هناك دمار لهذا المكان\"..
في تلك الصبيحة بعد أن تركته سوميت ومضت, شعر بخوف مفاجيء. حاول اللحاق بها, لكنها كانت قد إختفت.. مضى يحاول العثور عليها. إجتاز دروب وشوارع البندر المكتظة بالأهالي الثائرين, الذين كانوا يصطدمون ببعضهم البعض في الزحام, دون إعتذار.. دون إبتسامة, مدفوعين بغضب هادر..
كان يتفرس في كل الملامح.. ولم تكن سوميت هناك.. كان المطاليق قد إعتقلوها حتى قبل أن تصل, لتختلط بالجموع الثائرة..
لم يفهم طوال ما مضى من وقت, حقيقة ما تعنيه له سوميت بالضبط إلا الآن فقط, يكتشفها تسكن داخله كشيء من السرمدية والأبدية, كالسِّر الطفولي الذي لا يعرفه أحد.. كان ينظر إلى جثمانها الممدد الهاديء, كملاك حزين على أرض الخيمة المتلفعة بدخان القضيم,والمتلهفة لطقوس الإنتقال الأخيرة..
غابت ست البنات وعاشميق في صلاة طويلة أمام مقبرة سوميت المتمددة بهدوء تحت شجرة القمبيل العجوز.. التي نثر جقندي تحتها حبات القضيم ووعشبات \"السناسنا\" و\"المحريب\"..
إنكفأت ست البنات على القبر بعينيها اللتان وسمتهما المأساة بحزن مقيم, وحاولت في إستماتة تجنب عينا جقندي الداكنتان الحزينتان, وهي تغالب نفسها للتملص من مشاهد تلك الليلة المظلمة, التي أبطل فيها المطاليق مفعول كل شيء يمكن أن يهدد بقائهم. كانتا وحدهما هي وسوميت فقط.. حاولت أن تصمد لكن لم تستطع أن تتمالك نفسها.. فأعترفت بكل شيء.. قبلها كانت تجهش بالبكاء على أحضان سوميت المجروحة.. بدا جفنها المتسع في إنكفاءته كأنه يحتوي القبر, متغلغلا في طبقات الأرض كلها, وفي الفضاء الحزين الواسع الذي لا حدود له.. حيث تتناهى من كل مكان فيه أصوات كرابيج المطاليق, وهي تلهب ظهر سوميت التي سال دمها سخيا يوشح أرض الكهف الصلدة..
إنكفأ جقندي على قبر سوميت, وأخذ ينتحب بشدة كطفل صغير فقد أمه.. لقد ماتت أمام عينيه دون أن يتمكن من فعل شيء.. لحظتها كان طيف سوميت يخرج من القبر ينتصب أمامه وديعا, مبتسما و محاطا بهالة من الضوء الشفاف. أخذت تمسح دموعه بحنو دون أن تنطق بكلمة, ثم أختفت فجأة كما إنبثقت من القبر فجأة, فالتفت بسرعة إلى ست البنات وعاشميق:
هل رأيتماها؟
تبادلا النظرات بينهما ولم ينطق أحدهما بحرف, فسأل بصوت حاول أن يجعله هادئا, خاليا من التوتر:
كيف كانت نهايتها؟
أطرقت ست البنات برأسها وعيناها تسافران بعيدا, مع تلك السحابة الصغيرة, التي ظهرت بمحاذاة الشمس, فبدأت القبور كلها تزهر زهورا ملوّنة, مغمورة في ضوء شفيف يغسل كل شيء حولهم..
ستمر على الوادي آلاف الغيمات الأخرى, التي تنبع من مصدر الزوبعة داخلهم, دون أن تغمر أرواحهم بالسلام.. دون أن تطوف إبتسامة سوميت الغامضة, التي تفتش في أعماق الوادي عن البلدة المدفونة بالحكايا والأحجيات التي داخلهم..
إنتفض عاشميق إنتفاضة مبهمة, كأنه يتحسس النار التي تتقد داخل جقندي, وتسآل في نفسه:\"ترى لو لم يظهر جقندي في أفق حياتهم هل كانت سوميت ستعيش؟.. وترى لو كانت سوميت عائشة هل سيحدث ذلك فرقا في الوادي أو في حياتهم؟.. وهل كان من الممكن أن تجنب حياتها الوادي نهايته الوشيكة, التي لطالما تحدث عنها جقندي محذرا؟\"..
كانوا جميعهم مشوشين لهول الصدمة.. وكان عاشميق وست البنات.. كلاهما يدرك أن فقدههما لسوميت يتم ليس بعده يتم.. يتم لهو أشد وأقسى من ذلك الضياع الذي كانا يحسانه, عند فقدهما لأبويهما في غارات السلطان على دار الريح..
حدق عاشميق في عيني ست البنات كأنه يعزي نفسه:
رحلت لكنها تركتك لي.
فأبتسمت ست البنات في حزن:
وتركتك لي أيضا.
للمرّة الأولى يشعران بأنهما وحيدان في هذا الكون الواسع, ليس لهما سوى بعضهما البعض.
قبل أن يغادرا المقبرة إنتحت به ست البنات بعيدا عن جقندي, وأخبرته رغبتها في مغادرة الوادي.
وأنا؟
يجب أن تغادر معي.
إلى أين؟
بلاد الروح العظيمة واسعة.
لكننا هكذا نبيع دماء سوميت.. دماء إخوتنا المشردين ودماء الأهالي الذين قضوا!! .
أخشى أن نلحق بهم إن لم نغادر. لن يتغير شيء في هذا الوادي الملعون.
وهكذا عند السحرغادرا الوادي, وهما يمسكان بيدي بعضهما.. مشيا عبر طريق متعرج, يفضي إلى عوالم غامضة مجهولة, سيقبلان عليها بكل ما يحملانه من مخاوف وهواجس وظنون.
وقبيل مغادرتهما حدود الوادي,عرجا نحو النّهر يلقيان عليه نظرة الوداع الأخيرة. بدا لهما النّهر رقراقا ومستأنسا لا يزال على شاطئه ما رسمه الأهالي بأقدامهم الحافية من حكاياغير مكتملة, لبشر يحاولون أن يجدوا موطيء قدم في حياة الوادي الموحش. يحاولون مقاومة الموت على طريقتهم, بالنسيان ودفن القصص والحكايا في الرمال, التي تناثرت عليها قطع المحار السوداء والقراقير الصغيرة, التي يرمي بها الموج أثناء تدفق المد في طريقه إلى المجاري المتفرعة, التي تربط الجروف ببعضها البعض..
تفتت التراب الهش تحت قدميهما. كانا يمشيان على حافة القيف المنسرح إلى جرف النهر, حيث تنعكس الشمس على صفحة الماء, كشعلة المعرفة, وهي تذوي في أتونها الأزلي..
على صفحة الماء الذي بدا كمرآة محفوفة الحواف, كانا يريان وجهيهما مظللين غامضين.. فيتدفق البريق الخابئ الحبيس في عينيهما في توتر قلق.. إستنشقا الهواء المكحل برماد فجر زاو.. وتجردا من ثيابهما.. تقدما يضعان قدميهما على الماء, وهما يمسكان بيدي بعضهما, ثم ألقيا بنفسيهما في المياه ببطء, وعاشميق يتملى في عينيها, اللتان كانتا لا تزالان تتقدان بنيران ما جرى لسوميت, على مرأى ومسمع منها.. كانتا لا تزالان مجروحتان نازفتان بغضب مكتوم وأسى لا حدود له. كان حزنه على سوميت أيضا كبيرا, يتراءى له طيفها الآن فتسيطر عليه مشاعر متضاربة, أشد من أن توصف بمجرد كلمة واحدة :\"الحزن!\".. مشاعر تفجر كل المخزون الأزلي لأسى الوادي ولوعته وعذابه.. كان كل ما يمور بداخله من مشاعر متضاربة متفجرة, ينعكس على عيني ست البنات, فتبدو قلقة متعبة وجسمها المتتليء يبدو ضئيلاوحزينا في الماء.. ووجهها أغبشا رغم القطرات التي بللته علاه شحوب لا نهائي.. كانت كمأساة متدفقة يسعى الماء للإمتزاج بها, وغسلها فتتدفق, مع الموج على رمل الشاطيء بقوة, وتمضي إلى مجاري الجروف لتغمرها..
فيما مضى(قبل الإعتقال), نعم سيبدأ عاشميق منذ الآن يؤرخ بالإعتقال لمرحلتين في حياته وست البنات.. فيما مضى كانا دائما يقضيان أوقاتا ممتعة. رائعة ورائقة, خلسة بعيدا عن عيون سوميت والمشردين والشايب جقندي.. كانا يتدفقان فيها على بعضهما دون هوادة.. يمنحان بعضهما ما حرموه من حنان ومحبة,وينسيان في غمرّة أحاسيسهما الفياضة, كل ماضي الحرمان. الذي ظلا يقتاتان منذ الطفولة على ذكرياته..
لم يعودان يعيشان في الماضي. كانت أحزانهما قد أخذت تتراجع شيئا فشيئا بفعل طاقة الحب الفياضة.. الآن كل ما حاولا نسيانه من عذاب تنبشه مشاعر الحزن من أعماق الذاكرة, كلعنة تضع مشاعرهما وأفكارهما تجاه كل شيء, على مفترق الطريق..
كانت ست البنات من ركنها المنزوي في كهف جبل كارناسي.. الركن الذي لطالما عشقت من زاويته مراقبة عاشميق, أثناء إنهماكه بحرص شديد على إزالة النتؤات البارزة على جدران الكهف. كان يريد لصفحة الجدار أن تكون ملساء. خالية من النتؤات أو الثقوب أو الشقوق, التي كان عندما يكتشقها يملؤها بالطين الصلصال.. كان يفعل ذلك بمحبة شديدة, كأنه ينحت جسد محبوبته ست البنات, التي كان يشعر بها في ركنها المنزوي, تتابع بعينيها كل ضرباته على الإزميل الصغير, وكانت هي تتخيل ضربات إزميله كالطير الكاسر, الذي ينقض على الطيور المرتاعة أسفل \"جنقل السلطان\". لطالما حلمت ست البنات بمغادرة وحشة التشرد وكآبته إلى بيت يجمعهما وحدهما: هي وعاشميق. يعيشان فيه حياتهما الطبيعية, دون إحساس بالحرمان أو الغبن أو الخوف أو الجوع.. تلك الظهيرة الغائظة, كانت هي المرّة الأولى التي يختلي فيها بست البنات.. كان قد ذهب إلى الكهف مبكرا لينهي ما بدأه من تدوينات أُحفورية على الجدار. في تلك اللحظة جاءت ست البنات تحمل صُرّة من القضيم, عندما وقعت عيناها على عينيه.. إرتبكت وتعثرت قدميها بقدمه في الفضاء الواسع للكهف..
كان الكهف فجأة قد بدا ضيقا كحضن.. لكن حميما ودافئا وحنون.. سحبت قدمها بسرعة ووجهها يعلوه شبح إبتسامة خجول, ثم استدارت لتفلت خارجة.. في اليوم التالي جاءا في التوقيت نفسه, دون إتفاق مسبق.
كانا وحيدين. خائفين. حالمين, وثعبان أبو الدّفان الذي بداخلهما يزحف على قلبيهما, كالزاحف على الرمضاء, لكن ببطء شديد.. يعاني لهفة الزحف الأزلية, على جسد مزغب عار.. وهكذا بدا لهما الوادي لأول مرة: جميلا ومكانا يصلح للحياة.. فقد عثر كلاهما على ما يريد في هذا المنفى, الذي صار وطنا حميما..
لم يشعرا بالارض تحتهما, ولا بالمياه التي كانت دافئة كالدمع.. دفء غريب.. كما لو أنهما ليسا هما.. خفيفين كنباتات المعونة الطافية في دعة وحبور.. إستلقيا على سطح الماء كالمعونة.. كأنهما يستلقيان على أرض الكهف الصلبة. الجافة, وغابا في إغفاءة هادئة, غير آبهين للمويجات الصّغيرة, التي تداعب جسديهما في شقاوة ولطف.. إختبأا خلف عشبة المعونة.. كانت الوحدة التي ظلت تحاصرهما منذ مقتل سوميت, قد بدأت تغرق, والمياه تغسل أحزانهما بحنو, دون أن يلحظا عينا جقندي, التي كانت تراقبهما من بعيد..
كانت أعصاب جقندي المشدودة في موضعه على قيف الشاطيء, لحظتها قد بدأت تخفف من إنقباضاتها.. إنتظمت أنفاسه وبدأت أطرافه تسترخى, وكل جسمه يرتخي, في أفق الشاطيء الذي بدت تلوح على مداه, أشباح الحوريات, فتبدو أشجار القمبيل على الضفة الأخرى, كالرُّحَلْ وهم داخل خيامهم المدببة, يقيمون طقوسهم الروحانية الغامضة.. لحظتها كان حنينه إلى قومه يشتد.. بالأحرى حنينه إلى الرحيل والتنقل, الذي أصبح هدفا بحد ذاته, دون رسالة يحملونها هنا أو هناك.
لوّح لهما جقندي بيديه, قبل أن يتواريا خلف عشبة معونة النيل, عاريان إلا من حبهما لبعضهما.. إنتظرهما جقندي طويلا بقلق, ورعشة مباغتة تهز كيانه هزا.. هو الذي منذ قتل المطاليق سوميت فارق النوم عينيه..
كان مجهدا وحزينا, وكانت شمس الصباح قد بدأت تلسع فيه الوجه والقفا.. وأصوات الأسلاف المتداخلة داخله, تتراجع شيئا فشيئا, فتتركه يعاني وحدة وغربة هذا الوادي شديد البؤس واللوعة..توغلت عشبة معونة النيل قد بعيدا.. طافية وحدها على سطح الماء, ولم يكن عاشميق وست البنات هناك.. حيث أختبأا خلفها!..
(3)
توجه \"الشايب جقندي\" نحو الخيمة الصغيرة, التي لا يتجاوز قطرها ثلاث أمتار, وإرتفاعها متر ونصف.. زحف على الأرض عند مدخلها الضيق, عاريا إلا من مئزره القصير. إتخذ موقع جلوسه على تراب الخيمة, بينما كان آخرون من \"الرُّحلْ\", قد أنهوا لحظتها صنع الدائرة الترابية الكبيرة, أمام مدخل الخيمة, ووضعوا عليها رأس الجاموس و\"الكدوس\" والسهم الطويل, الذي ربطت أطرافه \"بصرتين\" من \"القُضِيْمْ\".
وبعيدا قليلا من الخيمة الصغيرة المدببة, وضع أحد \"الرُّحَلْ\" على النار\"المشعللة\", أحجارا صغيرة ملساء, ومن ثم بدأ أفراد \"الرُّحَلْ\" يزحفون إلى داخل الخيمة, عراة إلا من مئازرهم القصيرة, ليتخذوا مواقعهم في شكل دائري, بحيث لم يبق فراغ, سوى دائرة صغيرة في الوسط, الذي وضعوا فيه أربعة إحجاراً صغيرة بإتجاه\"القِبَلْ الأربعة\", ثم أخذوا يتمتمون بصلوات طويلة. بعدها أخذوا يشمون ثمار \"القُضِيْمْ\", قبل أن يعبئوا بها \"الكدوس\", الذي أخذوا يتبادلون تدخينه, ويرسلون مع تموجات دخانه, صلواتهم إلى \"الروح العظيمة\" , وهم يهزّون \"نشاشيبهم\" وسهامهم بخشوع, ومن ثم أخذ الأربعة الذين بإتجاهات\"القِبَلْ الأربعة\", يتحدثون في وقت واحد عن العدل والخير والإحساس بآلام الآخرين, وعندما أنهوا أحاديثهم, رفع \"الشايب جقندي \" عقيرته بغناء حزين, تجاوبت معه طبول \"الرُّحَلْ\", التي بدأت ضرباتها القوية, حالما سمعت صوت غناء جقندي الحزين, تتبعها \"الوازا\", لتزيد من أحزان السهل الفسيح المنسرح, خارج وادي الذهب, و الذي حط عليه\"الرُّحَلْ\" رحالهم.. ومن ثم تبع الجميع \"الشايب جقندي\" زاحفين إلى خارج الخيمة, ليتوسطوا حلقة الغناء والرقص, التي تكونت أثناء أداءهم طقوسهم المقدسة.
شعب الرُّحَلْ\" الذي أقام دائما في مساكن مدببة. مؤقتة. بعيدا عن عيون الناس, في الأماكن غير المطروقة. ظلت حياته على الدوام, تكتنفها الكثير من الأسرار والقصص المبهرة, التي تناقلها المغنون والرواة, عبر الأجيال, من أقاصي الدنيا ودوانيها, وحيث تنشغل الحكايات في جنوحها بحثا عن أصل و\"فصل\" \"الرُّحَلْ\", ترتد راجعة مرة أخرى, إلى نقطة بدايتها.. في الغموض الذي يلفها, عندما قرر \"الرُّحَلْ\" نهائيا إثر الدمار الثالث, أن يتحولوا من شعب مقيم إلى شعب مرتحل.. كل بلاد الدنيا بلاده!..
كانت نساء الرُّحَلْ الجميلات \"بالشلوخ\" التي رسمت على وجناتهم و \"شلاليفهم\" السفلى \"المدقوقة\", يكاد لا يحس بوجودهن أحد, فقد كن يتشابهن, حتى لكأنهن إمرأة واحدة, مستنسخة.. بعباءاتهن التي تغطي أجسامهن الفارعة, بحيث لا يبين منهن سوى عيونهن الواسعة, كعيون المها. وربما ذاك هو ما دفع أمهات قطع (الشك وسوميت و الدود أبو حجل وأبو شوتال) وآخريات كثر, يهربن من مضارب \"الرُّحَلْ\" عبر مختلف الأجيال, جانحات لحياة البندر والإستقرار, يحلمن بحب متجدد في مكان ثابت, مألوف وأليف.
وعلى عكسهن تماما كان الرجال \"الرُّحَلْ\" بوجوههم الموشومة وثيابهم المزركشة, عديدة الألوان , التي زينت بقطع المرايا والخرز و\"الترتر\" وقصاصات الجلد الصقيل الصغيرة, الملأى بالأوشام والنقوش, التي تشكل الخرتيت والعنقاء والتنين. فتزيد أشكالهم غموضا ورهبة .
شعب \"الرُّحَلْ\" على الرغم من كونه ليس شعبا من المحاربين, إلا أنهم كانوا يجيدون إستخدام\"النشاب\", الذي يصيدون به الحيوانات في مهارة فائقة, حتى لو كانت متحركة, ودون أن ينظروا إليها, وربما أن ذلك يعود إلى براعتهم المدهشة في تقدير المسافات, التي تضاهي براعتهم في قراءة الطالع وسبر أغوار النفس.
منذ الدمار الثالث و\"الرُّحَلْ\" لا يمكثون في مكان واحد , فعندما قرر\"الروح العظيمة\" قبل مئات السنوات إغراق وطن الرُّحَلْ, بسبب طغيانهم وإستبدادهم وتجبرهم, وإستخدامهم ل\"شعلة المعرفة\" التي منحهم إياها في أعمال الشر والقتل والخراب والدمار. أختفى من الوجود عالمهم الذي لطالما ألفوه, وأبدعوا فيه كل ما هو ضروري لحياتهم, بل كانوا وقتها قد تمكنوا من الوصول إلى النجوم القريبة, بعد أن عرفوا المغناطيس والمعادن, وجنح بهم الخيال فأخترعوا وسائل التعذيب وأدوات الدمار,كانوا قد بدأو يقتربون كثيرا من أسرار الروح العظيمة, وهكذا لم يتركوا له أي خيار سوى إهلاكهم, وإغراقهم بمياه البحر الملون, التي فاضت إلى أن إلتحمت بمياه النهر, وشكلّت مع الأمطار الغزيرة, فيضانا غطت مياهه كل شيء.
قبلها كان بعض العقلاء والصالحين, قد هربوا على متن الدروع الطائرة, وأجنحة العنقاء, والقوارب.. وعندما أنحسر الماء ووطأت أقدامهم اليابسة, أخذوا يتنقلون من مكان لآخر, دون أن يقيموا فيه.
وكانوا في حلهم وترحالهم, يقيمون مع نساء البلدان التي يمرون بها علاقات غامضة, لكنها تتمخض على أية حال, عن أطفال شديدي الذكاء والجمال, ف\"حبوبات\" سوميت وقطع الشك والدود أبوحجل وأبو شوتال وغيرهن, كن ثمرة مثل هذه العلاقات الغامضة, التي زرعت فيهن حنينا غامضا لمواطنهن, التي هجرنها منذ تركن ديارهن وتبعن الرُّحَلْ, فأرضعن هذا الحنين أطفالهن, الذين تمكنوا من الهروب بعد ذلك, ليبدأوا حياة جديدة في وادي الذهب, الذي كان يشعر الرُّحَلْ بإنتماء غامض له.. هذا الشعور الذي وقف خلف قرار الشايب جقندي للبقاء.
منذ خطى الرُّحَلْ على اليابسة , كانت قد إستقرت في نفوسهم قناعة أن يستمروا في التنقل عبر واحات الصحراء والوديان, لينقلوا أخبار الكارثة التي حلت بشعبهم, إلى الأجيال المختلفة في كل مكان, وهكذا مضوا يقطعون الفيافي والغفار, دون أن يقيموا هنا أو هناك, إلا قليلا ريثما يواصلون الرحيل مرة أخرى.
الآن حيث يقيمون في السهول, التي عند أطراف حاضرة الوادي, يشعرون.. جميعهم يشعرون بنزر الكارثة الوشيكة التي ستعصف به, والتي يعتقدون أنها مقدمة للدمار الرابع. بحيث لا يتبقى للبشر.. كل البشر سوى ثلاث مراحل أخرى, لينتهى العالم بعدها تماما, وتطوى صفحته إلى الأبد, فلا ناجون يعمرون الأرض بعدها.
على تراب الخيمة وضع جقندي سبعة دمي صغيرة, تمثل الأسلاف الذين قضوا في دمار العوالم الثلاث, والأحفاد الذين لم يأتوا بعد في العوالم الثلاثة المقبلة.. كانوا أحياء في هذه الدمي الصغيرة الملوّنة.. غاب جقندي في صلاة عميقة .
إنشقت الدمي عن طيوف ساكنيها, الذين تحلقوا في دائرة حول الخيمة, توسطتهم قطع الشك ترقص عارية, وعينيها اللتين كبحيرتين واسعتين, إستحالتا لبحرين من الغضب والنار!.. رقصت على أنغام الوازا والطبول التي تناهت من الخارج كأنها تأتي من البعيد.. من أعماق الأسرار الخفية والغامضة للرُّحَلْ.. رقصت كحوريات وادي الغزلان, والطيوف السبعة تغوص عميقا.. عميقا في فضاء الخيمة الدائري, تحلق في الفضاء المتمدد, إذ أخذت الخيمة لحظتها تتسع وتطول. ثم تبددت قطع الشك في الفراغ, وعادت الخيمة إلى حجمها الصغير وسكن كل شيء, فلم يعد جقندي يسمع سوى زفيف ريح الخماسين في الخارج, ممزوجة في أنفاسها اللاهثة, التي خلفتها وراءها ..
تنحنحت الطيوف السبعة, تنتزع جقندي من إسغراقته العميقة. أخبرهم جقندي برغبته في المكوث بوادي الذهب.. إبتسموا وهم يديرون رؤوسهم نحو بعضهم البعض, وهزوا رؤوسهم وتلاشوا في فراغ الخيمة الصّغيرة يتبعون طيف قطع الشك الذي تبدد.
وعلى \"هدب الدَّغَشْ\" عندما شد \"الرُّحَلْ\" رحالهم, ودعهم جقندي ومضى متوجها إلى بندر الوادي, عبر \"حواشات\" الذّرة والدُّخن, حيث رأى \"البِنَيَّة\" الجميلة سوميت فخفق قلبه بشدة وأنتفض.
بعد أن هيأ جقندي في كهف جبل كارناسي سكنا له, مضى يلتقي السلطان. فشلت مفاوضات جقندي مع السلطان الذي رفض كل ما أسداه جقندي من نصح. ولم تمض سوى أيام قليلة, حتى بدأت علاقته تتوطد بسوميت التي جمعت المشردون ليبنوا له دارا, في أطراف \"دبة أم قنيطير\", التي تتوسط \"فجيجة ودالتويم\". فبعد أن فشلت مفاوضات جقندي مع السلطان, وفشل السلطان في إغراء جقندي بالإقامة في أي دار من الدور السلطانية, تمكن ود التويم من إقناع جقندي بإقامة دار له في \"الفجيجة\" التي يملكها, بل وأهداه هذه \"الفجيجة\" التي تتجاوز مساحتها الألف عود. وفي الحقيقة أن ود التويم لم يتمكن من إقناع جقندي, فهذا ما كان جقندي يريده بالضبط!..
أنهى المشردون تشييد دار جقندي, الذي حرص تساعده سوميت وعمسيب وعاشميق, أن ينصب بنفسه في الطرف الشرقي منها.. قبالة \"وادي الغزلان\", خيمة مدببة كخيام قومه الرُّحَلْ.
(4)
موجة شقية تنتشر على قيف الشاطيء, ترش وجهه بالرزاز, تهدد وسنه الأسيان . ينكفيء بوجهه بعيدا حيث تلوح سوميت غارقة في خدر ست البنات وعاشميق. وقطع الشك قبالتهما تلوح بيديها وهي تتماهى في زبد الموج المتبدد خلف عشبة معونة النيل, وترحل.
إختفت قطع الشك.. إختفت وما عادت تظهر إلا في الليالي شديدة الحلكة, تعترض السابلة وتخيفهم, وتستدرج المطاليق, برقصها الساحر على أنغام مزامير خفية, لا يدري أحد مصدرها. يشعرون بالخدر لدى سماعها, ويصبحون كالمنومين مغناطيسيا, فلا يفيقون إلا بعد أن يشعروا بآلام حادة في أنوفهم المدماة! .
ولدت \"قطع الشك\" لأبوين مجهولين!لا أحد يعرف عن نسبهما وحسبهما أي شيء. فقد وجدهم الناس هكذا.. فجأة.. يسكنون بينهم في منتهى الزقاق المفضي إلى الساحة, التي تتوسط بندر وادي الذهب. كانا مألوفان بشكل غامض, ويبدوان كجزء من الذاكرة المنهوبة للوادي!.
حين ولدت \"قطع الشك\" في البدء لم يشعر بوجودها أحد.. وعندما شعروا بوجودها, كانت سطوة عيناها الواسعتان, قد ملأت \"قِبَل\" الأرض الأربعة. فقد كانت دائما مغطاة بعباءة لا تكشف منها شيئا سوى عينيها الدعجاوين. وكان الآخرون يشعرون بوجودها بمجرد سماعهم وقع خطواتها الهامسة, ونكهة \"المحريب\" التي تسبق الرّنات المميزة لحجولها, التي تعلن عن مرور طاغ لسحر لا يقاوم!.
كانت \"قطع الشك\" بقوامها اللدن, تتثنى في مشيتها الهادئة كالهفيف, وأنفاسها المبثوثة في نكهة المحريب, تكاد تحرق كل من تمر بقربه, مخلفة وراءها \"هبود\" الدنف والإثارة القاتلين!.. كانت أشبه بلعنة خالصة, لا تحتك بها إلا وتملؤك رهبة تدك أعتى القلاع المشيدة من أحجار جبل كارناسي المقدس.
في ذلك المساء البعيد.. قبل عشرات السنوات , سد عليها \"المطلوق الدود أبوحجل\" الزقاق الضيق, مستعينا بمطاليق الصحراء.. حاول أخذها عنوة. تمنعت. قاومته.. تمكنوا منها. قيدوها. وأخذ الدود يعريها وهي تبكي, والمطاليق قد تسمروا أمام سطوة جسمها العاري.. كانوا كالذين صعقهم تيار \"البرق العبادي\", وصواعقه الرهيبة في \"سنة نجع الناس لديار سافل\" .
تملصت قطع الشك من زراعي الدود, وأخذت تركض عارية, وعيناها اللتان كبحيرتان واسعتان, إستحالتا لبحيرتين من الغضب والنار.. لحظتها كان الدود قد لحق بها. إرتميا على الأرض يتصارعان, تحاول الإفلات, ويحاول السيطرة. كانت روحها وقتها تحلق بعيدا نحو السماوات البعيدة, لتعود مرة أخرى بعد عشرات السنوات, لتولد في البنية الجميلة \"سوميت\", التي ستغادر في لحظة كارثية, وتترك \"الشايب جقندي\" متمددا على الأرض القردود, أوقيف شاطيء الوادي الحزين.. تركته لوحدته المجيدة, بعد أن أخبرها عن مداولاته مع ود التويم حول كل شيء في وادي الذهب, الذي كان \"المطاليق\" يوشكون على فصل حاضرة صعيده.
تركت\"سوميت\" \"جقندي\" في عزلته البديعة, يتمدد على الأرض \"القردود\" المخددة \"بالشقوق\", دون أن تدري لحظتها أنها تمضي إلى قدرها المحتوم! فوقتها كان \"المطاليق\" يقودهم\"أبوشوتال\" قد إحتلوا دارها. قيدوا والدتها أم كوراك إلى \"شِعَب التُكُلْ\", وربطوا والدها في \"الراكوبة\" الملحقة.. بينما الشايب جقندي, لا يزال متمددا على الأرض الطينية الجافة.
أغمض جقندي عينيه, يستعيد أنفاسه اللاهثة. لم يكن قد نام لعدة أيام, وعلى الرغم من التعب الذي سكن مفاصله, كان عقله يتقد كأتون أزلي, وخواطره تلتهب. تنفث شررها أفكارا وامضة, حول عالم وادي الذهب المأساوي الرهيب, ولا تلبث أن تنطفيء \"كالهباب\"!.
فمنذ عقود طويلة لم تعد سماء وادي الذهب, ذاتها تلك السماء الصافية, التي تلمع فيها النجوم البراقة.. هناك في الأفق الرحيب, حيث تتقاطع حزمات الضوء الهاديء, تشعل مواجد المحبين, وتعين سُرّاة الليل على رؤية الصّوى وعلامات الطريق, في ترحالهم الأبدي, لإشعال نار المعرفة المقدسة, في كل المدن النائية البعيدة, التي يمرون بها.
إذن كان الشايب جقندي يحاول بأفكاره, إختراق عوالم من الماضي السحيق, الذي تراكمت عليه أغبرة الزمن, لقرون من فوضى الرمضاء و\"القبلي\" و\"عجاج الهبباي\" ورياح الخماسين العاتية. فمنذ قرر البقاء قليلا بوادي الذهب.. في حاضرة أجداده العتيقة, أخذت مخاوفه تمضي إلى نهاياتها الدائرية, مسحوبة بالنداءات العميقة, غائرة الجرح. هذه النداءات التي تباغته كموجة هادرة, تحاول أن تسحبه إلى لجتها. وإزاء إصراره العنيد, لا تلبث أن تتبدد, كزبد على رمل الساحل الأبدي للوادي المأساوي.. الموحش. الذي تزيده تأملاته وحشة ورهبة.
نهض الشايب جقندي وجلس على ركبتيه. مدّ كلتا يديه, أسفل جدار الكوخ الحجرِّي. سحب حجرا\"مخلخلا\", بان خلفه صندوق أبنوسي قديم, تزينت جنباته بنقوش ملوّنة.. رسوم للعنقاء والخرتيت والتنين. وهو يسحب الصندوق الأبنوسي , الذي ورثه عن أسلافه, الذين توارثوه بدورهم لعشرات السنوات, إلى أن وصل إليه, خرج أبو الدفان من قاع الفتحة, التي كان يخبيء فيها الصندوق, وزحف تجاهه. فبصق فيه جقندي \"فيبس\" أبو الدفان في الحال, وجاء صوت \"الجنزير التقيل\" متناهيا من بعيد في صرختين متقطعتين:
جقند..ييي .. جقند .. ييي...
مع صيحة الجنزير الأولى كان جقندي قد عبر دار صباح, وفي الصيحة الثانية كان يقف بين يدي الجنزير, الذي تبسم بوجهه في حنو وهو يمسح على رأسه, ثم تبدد في الفراغ, والسماء خلفه \"تهرج\" وتقول: كع كرع كع ككع ... ..
فتح جقندي الصندوق الأبنوسي الصغير بحرص. أخرج الأيقونات الملونة, ذات النقوش والرسوم البديعة. إنتقى إحداها.. كانت نقشا لخريطة توضح موضع المعبد العتيق, في جبل \"كارناسي\" الذي شيده الشايب\"الجنزير التقيل\"والمشردون من دموعهم و أحزانهم على \"قطع الشك\" الجميلة. كانت رسوم الخريطة ونقوشها الدقيقة, التي على الأيقونة, تنطوي على شيء غريب يصعب تحديده!.. شيء غامض يلِّح عليه \"كنقحي\" الجرح !...
أحس ببرد مفاجيء, وشعر بقشعريرة تجتاح كيانه كله. أعاد الأيقونة إلى الصندوق, وأعادالصندوق إلى مكانه الخفي, أسفل الجدار,وحمل معه جثة أبو الدفان الهامد, وخرج لا يلوي على شيء!...
إبتعد. توغل بعيدا في أطراف حاضرة وادي الذهب. وصل إلى جرف صخري, فجلس القرفصاء على أرضه\"القردود\", ومضى في تأمل عميق, لم تنتزعه منه سوى موجة البرد, التي دهمته مرة أخرى على نحو مفاجيء.
كوّم حجارة صغيرة أمامه, وضع بينها بعض\"عيدان الأندراب\" و\"القش\" وأعشاب \"النّال\", وأوقدها بقدح حجرين من أحجار جبل \"كارناسي\" المقدس, المتناثرة في كل مكان, لتدفئه من رعشات المخاوف وقشعريرات الهواجس والظنون, التي إنتابته, وهيجت فيه الأشجان القديمة. وشيئا فشيئا مع الدفء الذي سربته النار, أخذ نوع من الخدر الغامض يتسلل عظامه.. يهدءه قليلا ويغيبه في \"غيبوبة\" مضطرِّبة.
في غيبوبته كان يسمع الوديان والنهر و\"الحفاير\" و\"الترع\" و\"الرهود\" يصرخون.. الشجر وعشبة \"معونة النيل\".. السماء.. وكل شيء حتى صخور جبل كارناسي.. كانوا يصرخون.. هذه الصرخات التي ستظل داوية في الوادي لمئات السنوات القادمة!..
طوال مراحل إزدهاره وإنهياره المتكرر, كان وادي الذهب يعج\"بالمطاليق\", الذين يستعين بهم السلطان ومجلسه لإلجام العوام وغير العوام عن الإعتراض أوالكلام !.. فالمطاليق أتباع \"الدود أبوحجل\" الذين تسببوا في الخراب والدمار الأول, أحفادهم هم من تسبب في الدمار الثاني, وأحفاد هؤلاء تسببوا في الخراب والدمار الثالث, و.. وهكذا.. المطاليق الذين يقودهم \"أبوشوتال\"و يعاصرهم الآن الشايب \"جقندي\", سيتسببون في دمار الوادي مرة أخرى, وربما نهائيا وإلى الأبد هذه المرة. فالأمر نفسه الذي كان يحدث في المرات الثلاث الماضية, يحدث الآن: إحتكار السلطان ومطاليقه للسلطة المطلقة, بحيث لا يستطيع أحد أن يقول أن\"إبنة السلطان عزباء أو تلت التلاتة كم؟!\" وإلا تم قتله في الحال وقطعه المطاليق إلى أوصال!..
على حين غرّة بدأ المطر يهطل بغزارة, في السهول الطينية الواسعة. إنطفأت النار الصغيرة, التي أوقدها جقندي, الذي كان يشعر لحظتها بدفء أكبر, فوقف \"على حيلّه\" يتأمل العالم.. عالم وادي الذهب.. لكن بشعور ومذاق مختلف.. ليس كما أعتاد في الماضي: تأمل كل شيء في إنتشاء ولذة كبيرين!.
تأمل السماء وهي تغسل وجهه, وشرب من ماء المطر. إلتقط سبع قطع من الحجارة الصغيرة, ذات الإحتراق المنطفيء.. دسها في \"مخلاته القوقو\", ومضى بإتجاه الساحة الكبيرة, التي تتوسط حاضرة وادي الذهب. نادى في الناس.. كل الناس, الذين جاءوا مهرولين.. إلتفوا حوله.. خطب فيهم ..
كانت كل الوقائع والأحداث, التي مرّت على وادي الذهب, منذ أنشأه \"الروح العظيمة\" تتدفق من فمه, كالمطر الذي يغسله الآن, ويغرِّق أهالي الوادي في الأسئلة, التي لا أول ولا آخر لها..
كان واضحا أن زمنا آخر سيبدأ بعد توقف المطر...
الآن وكل شيء ينصرم, تتزاحم الصور والأخيلة والوقائع والأحداث على رأسه المنهك, الذي هيمنت على فضاء ذاكرته \"سوميت\" الجميلة, التي ترقد هناك في قبرها الصخري, المحلّى بالنقوش وأيقونات الحياة الأخرى, التي حفر عليها الأطفال المشردون, رسومات تمثل: التنين, العنقاء والخرتيت.. فوق إسمها, الذي منحوه لونا مبهرا.
تراءت له \"سوميت\" مقيدة في العتمة. تتململ. تحاول الإفلات, وقد علقت من معصميها, إلى سقف الكهف الضيق. فلم يعد يتبق من حضورها الطاغ الآن, سوى هذه المقبرة المقدسة, التي ستحفظ أرماثها لآلاف السنوات القادمة..
تراءت له سوميت في ذلك اليوم البعيد, وهي تمضي مع عاشميق وست البنات لجمع المشردين, وتوزيع الشعارات التي تنقش على الجدران عليهم.. كان ثلاثتهم يتراقصون ويتمايلون كالسكارى, عندما إنبرى عاشميق:
أنت من ينقل لجقندي أخبار كل شيء, فيتحدث كأنه كاشف لم يخبره أحد!..
لحظتها غضبت سوميت وغضبتست البنات لغضبها.. وعندما أنهوا مهمتهم ومضوا للقاء جقندي, ما أن رآهم عند مدخل داره حتى هتف في سوميت:
ترقصي وتغني وست البنات وعاشميق يبرجو فوقك والمطاليق يتجسسوا على مفاتنك وعاشميق يقولك \"كأنه كاشف\".. جقندي ما بيخبر شيء؟!..
فاسقط في أيديهم جميعا وأنقطع عنهم كل شك ..
أنهى الشايب جقندي خطبته الطويلة ومضى. وعند الفجر تماما غادر وعشيرته, التي كانت قوافلها قد وصلت من مالحة للتو.. غادروا بندر الوادي, يتبعهم المشردون وبعض الأهالي الذين سيصبحون منذ الآن\"رُّحَلْ\".. غادروا إلى حضن كارناسي, حيث المعبد العتيق. وقتها كان وادي الذهب خلفهم يحترق, وندى الفجر فيه يتحول إلى كتلة من البلور الملتهب.. كان الحريق يأتي على الناس, والأشياء والشجر والحجر والمطر!.. كان يأتي على كل شيء!..
(5)
في تلك الأمسية حالكة السواد, التي غاب فيها القمر, خلف سحب السماء البعيدة, حيث شفق المغيب يبدو كالضوء المنعدم, في إنعكاسه على صفحة مياه الرهود والوديان, بحيث يستحيل كل شيء على سطح الماء, إلى محض ظلال شبحية متمايلة, كأنها تعاكس بعضها بعضا في مكان مهجور لا أنيس ولا جليس فيه. فقط أطلال لا يسكنها أحد..
في تلك الأمسية التي غاب عنها القمر نهائيا, وإلى غير رجعة, وحجب الظلام كل شيء, كمن \"الدود أبو حجل\" والمطاليق ل\"قطع الشك\" الجميلة, التي كانت قد غادرت للتو, بعد أن ألقت نظرة أخيرة على حمائمها, كأنها تودعها الوداع الأخير.
شعور خفي, ذاك الذي جعل نظرتها تنطوي على كل ذلك الغموض, الذي أخترق نعاس الحمائم, الغارقة في وسن \"المِغِيْرِّب\".
مضت \"قطع الشك\" بخطى حذرة في الزقاق الضيق, الذي يفضي إلى الساحة الكبيرة, لبندر وادي الذهب, ورغم خطواتها الحذرة ومخاوفها العميقة, لم تلحظ خطى المطاليق الخفيفة, التي كانت تتبعها بحذر الفهود.
سمعت فجأة \"طقطقة\" مكتومة \"لعود\" يتكسر تحت وطء أقدام ثقيلة, فالتفتت وإذا ب\"الدود أبوحجل\" ومطاليقه يحاصرونها. بدوا لها ككائنات غريبة, تلوح في عتمّة السواد الحالك, الذي يغلف المكان, فأرتعش كيانها كله, وتسمرت قدميها على الأرض \"القردود المشققة\", التي كانت لا تزال تنفث \"بوخ\" ظهيرة الصيف \"القيطوني\" الحارقة..
حاولت\"قطع الشك\" أن تستدير لتفر راجعة, لكن كانت الحلقة التي كوّنها \"الدود أبوحجل\" ومطاليقه, تضيق أكثر فأكثر.. غنّاها الدود مواجده وتوجداته. حاولت أن تتماسك.. صدته.. وكانت الحلقة تزداد ضيقا, وظلمة الليل توغل في السواد الحالك, الذي لم يكن ثمة أي نور, بقادر على تبديده أو الإنعكاس فيه, سوى نورعينيها الواسعتين كبحيرتين لا غرار لهما..
في هذه الظلمة الحالكة رأى الدود أهداب \"قطع الشك\" المرتعشة, وجفونها التي أخذت تنبض, كقلب متعب لطفل صغير. لحظتها كان على بعد خطوة واحدة منها.. مدّ والمطاليق أياديهم المرتعشة.. عرّوها تماما.. و..
وفي مثل هذا الوقت قبل عشرات السنوات, كان \"الشايب جنزير تقيل\" يختبيء خلف إحدى أشجار القمبيل, التي سكنت حركته خلفها تماما. كان كالمسمّر على الأرض, وكانت رئته تضيق, وهو يحاول ببطء وصمت, \"شفط\" الهواء المشبع برماد حرائق مرتقبة.. تسلل \"جنزير تقيل\" ببصره الأغصان المتشابكة حوله. رآهم يقتربون منها. كان يفكر أن عليه فعل شيء قبل فوات الآوان. وكانت لحظتها أصوات المطاليق العنيفة, والدود الذي كان يحاول بذل أقصى جهد ليجعل صوته هامسا.. كانت كل هذه الأصوات المتداخلة, تثير في أوصاله قشعريرة كصعق البرق العبادي.
تقدم الدود أبوحجل يحاول أغواء \"قطع الشك\", بصوته الذي كان كفحيح \"أبو الدرق\".. وبعينين مفتوحتين على آخرهما كان \"الشايب الجنزير التقيل\" يراقب الموقف بفرائص ترتعد في أعشاب \"النّال\", التي تسلل بعضها جلابيته, وأخذ يداعب ساقيه العاريتين مباشرة.
جلس جنزير تقيل القرفصاء, وكل جسمه المرتعد يتحول إلى عيون مشدوهة. لحظتها كان\"الدود أبو حجل\" ينكفيء على قطع الشك كشبح.. كان كما لو أنه يمتطي صهوة حمار \"مكِّادِّي\". وكان صوت قطع الشك يأتي خافتا. مهدودا ومنهدا في العتمة. آسيا وباردا, وحزينا.. كان بكل مأساويته يتسرب مفاصل الجنزير التقيل مباشرة, فينكتم فيه كل شيء.
رأى الشايب الجنزير التقيل وسمع كل شيء, فاختل كيانه ولم يعد يشعر بشيء, سوى هذا المشهد الماثل أمامه, والذي سيظل مطبوعا في ذاكرته ووجدانه, ومحفورا بالنقوش والرسوم, على جدران المعبد المقدس لجبل كارناسي العظيم, الذي سيوثق فيه وقائع ماجرى.
بعد وقت ليس قصير, تماسك الجنزير التقيل, وأخذ يتسحب خلسة \"كالكديس\". لم يكن يعلم إلى أين ستقوده قدماه. كان فقط يتبع الضوء السرمدي داخله, الذي كان يقوده عبر دهاليز ماضي غابر, يتداخل في حاضر مرير, يقتفي أثره ليرمي به إلى حياة جديدة قادمة, بعيدا عن هذا المكان الملعون, الذي لا محالة سينفجر ويتبدد كفقاعات شرار الأندراب.
و.. وفي ثمرة الفؤاد تماما كان \"المطلوق أبو حجل\" قد طعن قطع الشك.. غرس \"شوتاله\" الطويل دون رحمة. ومن الدّم الذي سال من أقصى أعماق قطع الشك, تشكلت حمائمها وحلّقت فوق رؤوسهم. تشكل كائنا عجيبا مرعبا كثيف السواد.. تراجع أبو حجل والمطاليق في رعب, والكائن المرعب يتشكل أكثر فأكثر, يغذي فيهم المخاوف والمشاعر المضطربة. وكانت قطع الشك قد إختفت, مخلفة أثرها على الأرض القردود: قبة من الحجر الكارناسي الأسود وحمائما كارناسية متحجرة, تجسد الحزن والأسى واللوعة, ومرارات الوادي الضّال..
في اللحظة التي غرّس فيها الدود \"شوتاله\", في ثمرة فؤاد قطع الشك, وقع طائر العنقاء من قلب شجرة القمبيل.. إشتعلت فيه النار وأحترق, ومن رماده خرجت دودة بيضاء كاللّبن, تحولت إلى شرّنقة, خرجت منها عنقاء جديدة, حلّقت في الفضاء الرحيب, تشق بجناحيها بحر الهواء نحو السماوات البعيدة, حيث يقيم \"الروح العظيمة\" في هدوء بديع, لا يعكِّر صفوه شيء سوى ضلالات وادي الذهب.
وبعد مئات السنوات تعود لتقيم هناك, بعيدا في وادي الذهب للمرة الثانية, حيث تنفتح بوابات السماء, وتسكب الشمس ضوءها المقدس, لتنبت شجيرة القضيم دائمة الحمُرّة, ويستحيل وادي الذهب إلى مكان جميل دافئ, لا تسكنه أمراض الشيخوخة والخوف والقمع والأحزان.. لا يسكنه الخراب والقتل والموت والدمار.. لا تسكنه أعمال المطاليق الذين\"لا تالي ولا والي \" لهم.. لحظتها فقط تستيقظ \"العنقاء قطع الشك\" كل صباح, لتردد أغنية جميلة عذبة عن الجمال المقدس.
(6)
عندما خطب الشايب جقندي في الأهالي يحكي وقائع ما حدث, كان البعض يشعر بخوف وفزع شديدين, والبعض تنتابه روح السخرية والدعابة والأعمال السيئة. وقتها كانت أوراق الشجر الإبرية الرقيقة الشائكة, عبر الهواء الضبابي, تسقط على الأرض القردود المخددة بالشقوق, بعد أن توقفت \"نقناقة\" المطر الذي كان ما أن يتوقف قليلا حتى يعاود الهطول. ومع ذلك كان كل شيء يبدو ساكنا سكون الموت, كالذي تنعدم فيه الحركة, ولكنه في الحقيقة كان يغلي كأتون مكتوم!..
لحظتها كانت \"سوميت\" تستعيد أحاديث الشايب جقندي, الذي منذ حل بوادي الذهب, فتقت أحاديثه رؤاها ورؤيتها, وبدا لها كل شيءواضحا لا لبس فيه. عندما أعتقلها المطاليق وقادوها إلى معتقلاتهم, في تلك الكهوف التي إرتبطت بسلسلة معقدة من السراديب الواطئة, التي لا يمكن السير داخلها إلا إنحناء أو إنكفاء. كان الجو شديد البرودة في نهاية السرداب, الذي أفضى بهم إلى عدد من الكهوف الضيقة, التي يسجن فيها المطاليق معتقليهم من المعارضين..
كانت الكهوف تواجه بعضها البعض, لا يفصل بينها سوى السرداب كممر..وكانت ذاكرتها تستعيد كل شيء في سيرة الوادي, الذي أصبح يلفه الصمت والوحشة والخواء.
كان المطاليق يقودهم \"أبوشوتال\" قد أحرقوا دارها, وقتلوا والديها بشكل وحشي. كانت الدماء تغلي في عروقها وعينيها لا تتوقفان عن الجريان, بدمع شديد الحزن والمرارة.. تخيلت والدتها التي شنقوها على \"الشِعْبّة التي تتوسط التُكُلْ\", وتراءى لها والدها وهو يسقط, تحت طعنات أبوشوتال مضرجا في دمه جثة هامدة.
هيمنت على ذاكرتها كل الوقائع والتفاصيل الدقيقة لنزعهما الأخير, وهما يمدّان أياديهما إليها, وهي تمضي بخطى متعثرة, مقيدة بحبال السعف. يدفعها المطاليق خارج الدار, التي بدأت تتحول إلى كتلة من اللهب تنشر ضوءها في بندر وادي الذّهب, من أقصاه إلى أدناه..
لم تكن الوحيدة التي تم إعتقالها. كان أهالي كثر: رجالا ونساء وصبيان وصبايا, ومشردين ومشردات. كانوا جميعا مقيدين بحبال السعف, في الساحة التي تتوسط البندر, قبل أن يتم ترحيلهم إلى معتقلات الكهوف.
أخذت سوميت تزحف بصعوبة, على أرض الكهف الضيق. تتحسس في العتمّة الأجساد الملقاة على الأرض الرطبة, الجافة, القاسية. حاولت أن تنام في إحدى الزوايا, وهي تشعر أنه لم يتبق لديها عِرق ينبض بالحياة. شعرت في الظلام بيد واهنة, مرتعشة تتحسس ظهرها, وجسد ما يتعثر بجسد آخر. وصوت مكتوم لخطى تبتعد في الخارج.
في السرداب الضيق.. كانت تتلمس مكان تلك اليد الراعشة, التي تحسست ظهرها. يد المخلوق المعدم مثلها, الذي لا تعرف أهو رجل أم إمرأة, أو أيا كان أين سيؤول به المآل. طوّت يديها على حضنها, والخطى المكتوّمة في السرداب تقترب, ثم لا تلبث أن تبتعد, فيسود الصمت المظلم كل شيء.
تناهى إلى سمعها صوت ست البنات المألوف الخافت, كما لو أنه تعرض فجأة لخطر محدق:
أنهم يقتلون الرجال؟
قالت ست البنات وأردفت متساءلة :
ولماذا يبقون علينا؟!
سيغتصبوننا ..
ويقتلوننا بعد ذلك؟!
لا, سيسترقوننا, فنحن ما ملكت إيمانهم !..
جواري!سبايا!.. في وطننا ؟ وادي الذهب؟!!!..
لم تكن ست البنات ترى سوى الظلام الغارق في \"دواية القرع\", التي يغمس فيها الشايب جقندي قلمه البوص, ليكتب خواطره على الجلد أو لوح الخشب.. عن الوادي والناس والحرائق المزمنة..
فأخذت تجهش ببكاء حار, وكل أحلامها مع عاشميق حبيب قلبها تتبدد فجأة. شعرت بيد سوميت تربت على رأسها, وتحاول أن تصل بأصابعها إلى جفنيها, لتمسح عنهما الدمع المر, ثم جذبتها إليها. طوقتها بذراعيها وهي تضع رأسها على صدرها. وجسمها.. كل جسمها.. في حضنها المرتعش كريشة \"غارنوق\" تتلاعب بها \"رياح الخماسين\" العاتية.. كلتاهما كانتا تغوصان في الظلام والعتمّة, وتحاولان الخروج لمواساة بعضهما, في الأحزان التي غلفت الوادي, وأخذت وألتهمت كل شيء يحبانه.. كلتاهما كانتا تحاولان لكن, لاعزاء في هذا الكهف الغارق في الظلمات والبرودة المطلقة..
في هذه اللحظة اليائسة تراءى جقندي لسوميت, وهو يتكيء برأسه على صدرها لتمشطه له في جدائل كبيرة, بينما \"طيرة\" عابرة تطل من الكوة المقابلة.. \"سكسكت\" الطيرة, \"فسكسك\" لها جقندي.. سألته في دهشة :
شن قالت؟
جابت رسالة من أهلي الرُّحَلْ ..
إرتفع حاجباها الغزيران .. أردف جقندي:
\"الما بجي من جبلك ما بيعرف رطانتك\"..
في هذه اللحظة اليائسة تتمنى سوميت أن تغمض عينيها ولا تفتحهما, إلا وتجد نفسها قد إنتقلت من هذا المكان الضيق. المتمزق, البائس, إلى أحضان جقندي العامرة بالحب. أولم يقل أنه كاشف؟!..
قطعت عليها ست البنات خواطرها وهي تتنهد:
هل سيعذبوننا؟..
أسمعي سيحاولون الإيقاع بالآخرين والآخريات عبرك, فلا تنسي أنهم مجرد مطاليق ..
وتأوهت وهي تدس أصابعها في جدائل ست البنات المتجعدة.. غزيرة الظلمة...
(7)
المرة الثانية التي يتعرض فيها الوادي, وللأسباب نفسها للخراب والدمار, عندما نقل السلطان مقر عاصمته المحصنة بالجبال, إلى ما بين النهرين, اللذان ينفتح النهر الغربي منهما, على حدود دار الريح اليابسة.. ثم عاد ونقلها إلى سهول النخيل, المفتوحة على السافل. وقتها هجمت مفرزة من جيش السافل على الحدود, كانت تطارد مجموعة من المطاليق, يقودهم الدود أبوحجل. لحقوا بها وقضوا عليها, وتمكن الدود من الهرب بأعجوبة.. بعدها أعد السافل عدته وهجم على وادي الذهب. خربوا حاضرته وعسكروا في كل مكان, إلى أن جمعت الحواضر المحتمية بالجبال جيوشها وطردت الغزاة, وأستردت سلطة سلطانها, فإنتقلت بذلك العاصمة إلى موقعها القديم: بين الجبال الحصينة, التي يشرف عليها جبل كارناسي المقدس بمهابة وشموخ..
دائما غزاة وادي الذهب يأتون من السافل. ودائما تعلن نهاية غزوهم عن بداية الأسئلة المكرورة المحيرّة, التي لم يستطع أحد الإجابة عنها, والمتمثلة في نسب وحسب وأصل وفصل سكان الوادي, إلى أن إكتشف أحد الصيادين, في إحدى الصبيحات الهادئة, وأثناء حفره عند جذع جبل كارناسي يتبع أثر أحد \"جقور\" البرِّية كان يطارده بإصرار. عندما إصطدم \"شوتاله\" بجسم صقيل, فأخذ يفج عنه الصخور الترابية, إلى أن لاح له مايشبه الباب المقوس. فمضى مسرعا إلى قلب البندر, ونادى الأهالي الذين تبعوه.. وأخذوا يزيحون التراب طيلة نهارين ونصف, إلى أن تكشف لهم عن بناء سباعي الشكل, تعتليه قُبَة مزّينة بأيقونات بديعة النقوش والألوان.
وقفوا مزهولين ! كان معبدا كاملا لأسلافهم, زُين بالأيقونات الملوّنة, التي حفظت الأرض القردود وهواء الجبال والسهول الجاف بهائها, فبدا المعبد برسوماته البديعة, كأنه شيد للتو واللحظة.
كانت النقوش والرسوم التي على جدران المعبد, تحكي قصصا كثيرة, عن المطلوق الدود أبو حجل والجميلة قطع الشك, وكيف جرّد ورثة العرش المطاليق حملات لغزو الجوار, وكيف قضى عليهم الغزاة الباحثون عن الذهب والعبيد, الذين تحالفوا مع الغزاة البيض, الذين بدورهم كانوا يزعمون أنهم وحدهم الذين خصهم \"الروح العظيمة\", بشعلة المعرفة المقدسة دونا عن كل الناس!!..
كان الوادي قد إرتج في تلك الليلة كالحة السواد, على وقع حوافر الجيوش الغازية, وهي تدك خصوصا المباني السلطانية, حيث مقر قيادة السلطان وداره. إنتشر الغزاة على صهوات جيادهم في كل مكان, داخل البندر.
عاثوا دمارا شاملا في الممتلكات والمزارع , ولم تسلم منهم حتى المواشي والزواحف والبرمائيات. بعدها إنطلقت الشائعات حول هروب السلطان, وكامل أفراد أسرته وبعض أعضاء مجلسه, ولم يعثر أحد للمطلوق الدود أوحجل على أثر, وإنطلقت شائعات تفيد بأنه أختفى في مجاهيل صحراء \"دار الريح\" القاحلة...
لم تكن أضرار الأهالي بأقل من الأضرار التي أصابت السلطان والأسرة المالكة. كان المناخ العام مضطربا, والأهالي يحاولون تضميد جراحاتهم بصمت, متجنبين أي نوع من الأحاديث التي قد تثير حفيظة الغزاة..
وكان الغزاة الذين نهبوا ثروات الوادي, ونقلوها إلى بلدانهم البعيدة. قد أسروا الشيوخ والعمد والعقلاء, وعاملوا الأسرى بقسوة شديدة. إذ إغتصبوا النساء في حملات إنتقامية, وقطعوا أوصال أعضاء مجلس السلطان بعد شطرهم شطرين, من قمة الرأس حتى ما بين الفخذين, ولم يتم إسترداد وادي الذهب مرة أخرى إلا بعد وقت طويل, بعد أن نجح سلطان الوادي المهزوم, في عقد إتفاق مع غزاة السافل وحلفائهم البيض, قضى بأن يقدم وادي الذهب في كل عام مائة زكيبة من الذهب, ومثلها من العاج وريش النعام و800 عبد و6 أفيال, ومثلها زرافات. وعشرة نمور ومائتين ثور وبقرة, مناصفة. ودينارين لكل فرد.. من منفاه وافق السلطان.. وهكذا إنسحب الغزاة..
أطلق بعض الأهالي الخبثاء على يوم عقد الإتفاق إسم \"الإستقلال\", وتبجح بعض أعضاء مجلس السلطان بفخر, أنهم هم من عقد الإتفاق ورفعوا راية وادي الذهب لترفرف\"عالية خفاقة\"!..
في ذلك اليوم.. يوم فرض الجزية المشؤوم تبادل الأهالي التحايا والأمنيات, وشربوا كثيرا من \"البقو\" و\"عرقي البلح البكري\". كانوا فرحين ومزهووين بما حدث لهم من خزي وعار, بإنتصار مهزوم, أنساهم قتلاهم ونساءهم المغتصبات وويلات الدمار الكبير, الذي شهده الوادي. الذي كان قد تغير كثيرا إلى حد رهيب ومفزع..
إذن إنسحب الغزاة, بعد أن خلفوا وراءهم قيود \"الجزية\" السنوية, التي قادت إلى الإنقسامات والحروبات الداخلية, بين عشائر و\"خشوم بيوت\" وادي الذهب, التي أخذت تسرق و تسترق بعضها البعض, لتفي بمستحقات جزية الغزاة السنوية, وهكذا إستشرت الخصومات, وعم الفساد والفقر والجهل والمرض, فكان كل ذلك بمثابة بداية النهاية في الإنهيار الثاني..
كانت النقوش التي على جبل \"كارناسي\" المقدس تحكي أيضا عن شعلة المعرفة المقدسة, التي أعطاها \"الروح العظيمة\" للشايب \"الجنزير التقيل\", ليحميها ويوقدها. لتضيء كل أنحاء الوادي, دون أن يطفئها أبدا.. هذه الشعلة التي سرقها المطلوق الدود أوحجل, ليحرم الأهالي الإبداع, فمنذ أضاءت شعلة المعرفة الوادي, تمكن الأهالي من إكتشاف الحديد وتعدينه, وإختراع أدوات الصيد والزراعة والنجارة. كما عرفوا الوقت والألوان, وتفتقت مواهبهم في نقش الحجر, والرّسم على الجدران, رسومات بديعة تعبر عن حياتهم الروحية والإجتماعية..
كان الجنزير التقيل يرى أن المعرفة لا ينبغي حصرها فيه\"كحام لها\" وفي السلطان وعشيرته وأعضاء مجلسه\"كطبقة حاكمة\", بل يجب أن تشمل الأهالي وتتمدد لتصل كل العالم. وكان المطلوق \"الدود أبوحجل\" كأحد أفراد العائلة المالكة, يرى العكس تماما. وبقدر ما كتب الشايب الجنزير التقيل القصائد الطوال, التي تمجد الأهالي وإبداعاتهم, وتدين عزلة العشيرّة المالكة عنهم وترفعهم عليهم وإحتقارهم لهم, بقدر ما رد المطلوق أبو حجل بقصائد ركيكة بذيئة أنطوت على نزوعه العنصري وفجاجته الفظيعة, لاحقا وبعد عشرات السنوات سيعتمد أبوشوتال على هذه القصائد للتأكيد على عراقته!.. كانت قصائد \"ثقيلة الدم\" وبائسة تفتقر لسلاسة ورصانة قصائد الجنزير التقيل.. تدخل \"الروح العظيمة\" مخترقا أحلامهما مرارا وتكرارا.. حاول إثناء الدود عن أفكاره الشريرة المدمرة, محذرا الجنزير التقيل من غدر الدود ونواياه المبيتة لسرقة الشعلة وإحتكارها..
وعندما تمكن الدود بالفعل من سرقة الشعلة المقدسة, وأضاءها في بيته المظلم, الذي تحاصر رائحة العطن كل أركانه, تفجر كل شيء وأحترق البيت, وتمكن الدود من الفرار بأعجوبة, حيث ظل يقيم في كهف أشدّ ظُلمّة من ليالي الخوف الطويلة, لا يبعد كثيرا عن جبل كارناسي المقدس, الذي لم يكن أحد يعلم أن به كهف أو أن هذا الكهف هو \"الوكر\" السِّرِّي الآمن للشايب الجنزير التقيل وأعوانه من المشردين..
شيئا فشيئا بدأ مطاليق الدود يتجمعون ويخططون مع بعضهم البعض للإنقلاب على العرش, بعد أن دبت الفتنة في مجلس السلطان وعصفت به فانقسم مطاليقه, بعد أن لفظتهم خشوم بيوتهم.. وشيئا فشيئا بدأوا ينسحبون من مجلس السلطان ومقرات خدمة المملكة, ليلتفون حول الدود كقائد مطلق لنزواتهم وجرائمهم وجرائرهم, يتبعهم مطاليق الوادي الذين جاءوا من قِبَلْ الوادي الأربعة..
في تلك الظهيرة الغائظة, التي أعلن فيها المطاليق, ولائهم التام للدود أبوحجل, خرج الشايب الجنزير التقيل من داره. لم يسلك الطريق المؤدي إلى الساحة, التي تتوسط بندر الوادي, بل مضى بإتجاه درب معوّج, رصف بالحجارة الصغيرة, وتراصت على جانبيه أشجار القمبيل, وعلى مبعدة منه كانت تبدأ سلسلة بيوت أعضاء مجلس السلطان الحجرية العالية. المحاطة بالأسوار, حتى لتبدو كقلعة واحدة ممتدة وكبيرة.
ثمة أبقار على الجانب الآخر ترعى \"العنكوليب\" و\"العدار\" بهدوء ودعة, خَلّيَة البال من الغموض والحذر, الذي يلف الوادي.. ووراء الأفق كان جبل كارناسي يلوح شامخا, كطود يقاوم تلاعب موجات الزّمان.
تسرب الجنزير التقيل شعور مبهم, فهزّ رأسه وواصل مسيره. كان راعش النظرات.. واجف القلب وساهم العقل. إلى أن وصل إلى جبل كارناسي, وعبر إلى حيث الكهف القُبابي الملتصق بجذوع الجبل, حيث يعمل المشردون الذين يعتني بهم وقطع الشك,على نحت معبد في الصخر..
كان المشردون وقتها قد أنهوا نحت المعبد, فبدا جبل كارناسي من الخارج, كأنه جبلان, ينفصلان عند الجزع ويلتقيان عند قُبة الكهف, الذي قاموا بتوسعته من الداخل على نحو سباعي.. لم يكن قد تبقى سوى نحت مدخله المتقوِّس الصغِّير, ليبدأ الجنزير التقيل بعدها, في رسوماته ونقوشه, يعاونه الأطفال المشردون. تفحص الجنزير جدران المعبد, وتحسسها بيديه.
كان المشردون ملتفون حوله, يتأملونه في دهشة, فللمرّة الأولى ينتبهون أنه أصبح أكثر ضآلة, وظهره أصبح أكثر تقوسا وإنحناء. كان الجنزير قد تقدم في السن فجأة, على نحو باغتهم جميعا. لأول مرة يلحظون الشيب الكثيف الذي غزا شعره بلا هوادة .
كان الطريق المفضي إلى المعبد, محاط بالكثير من شوك \"الضريسة والحسكنيت\" والجروف الصّخرية, التي إشتملت على كهوف صغيرة وجحور, نسج العنكبوت على مداخلها خيوطه, وأقامت فيها \"القمارِّي\" أعشاشها..
خلف هذه الجروف تمدد السهل الواسع الخصب, الذي شكلّت فيه أشجار القمبيل, دغلا يلقي بظلاله على مدخل المعبد من بعيد. كان الجنزير ينتبه لكل ذلك للمرة الأولى. كأنه يرى لأول مرّة هذه الطبيعة الغريبة, حول جبل كارناسي, بما تضفيه على الجبل من رهبة وغموض. كان الجو حول جبل كارناسي إذن غامضا غموض الأحاسيس, التي ظلت تهيمن عليه منذِّرَّة بقرب النهاية الوشيكة للوادي الحزين.
كان الجنزير منذ الرحيل المأساوي لقطع الشك, وسرقة الدود لشعلة المعرفة المقدسة, قد فقد الأمل تماما حول الماضي والحاضر.. فقد ظل يحلم كل ليلة منذ عشرات السنوات, وظل الحاضرعلى الدوام يكذِّب أحلامه الوديعة, فالطيبين والصالحين في وادي الذهب, ظلوا يغادرون هكذا فجأة, دون تهيئة أو مقدمات.. دون مواعيد. فقط يختفون على نحو مباغت, دون سابق إنذار. أخذت عيناه تترقرقان بدموع هي مزيج من المرارة والحموضة اللاسعة..
مسح الجنزير على جدار المعبد برفق, ووضع \"منقاشه\" لينقش أولى الحكايا عن المطاليق, الذين كانوا يسممون الحفاير والآبار والترع, ويسرقون الأبقار ويجامعون بعضهم البعض, وينشرون المؤامرات والدسائس, ويبثون الشائعات ويختطفون فتيات الوادي العذراوات ليتعاقبون على إغتصابهن, بعد أن يغتصبهن الدود أبوحجل أولاً..

(8)
عند قوز الدُّخن في تلك الأمسية الهادئة, إلتقت الجميلة سوميت, الشايب جقندي للمرّة الأولى. كان قد قدم للتو في قوافل قومه \"المرَّاحِيْلْ\" الذين لم يلبثوا سوى يوما أو بعض يوم, تركوه بعدها خلفهم ومضوا في رحلتهم الأبدية.
شعرت \"سوميت\" بقوة خفيَّة تدفعها دفعا إليه, حاولت مقاومتها للحظات ففشلت, وأخذت تدنو منه في بطء شديد, أخذت تسير تجاهه كالتي يأخذها \"حمار النوم\", بينما كان هو يتفحصها بعينين هادئتين, خابيتين كعينا صقر عجوز. بدت له في ملامحها المرتخية, دافئة القلب, بشعرها الأجعد القصير, الذي مشطته في جدائل كبيرة إلى الخلف, وجلابيتها القصيرة كجلابيب الأطفال, حتى ليكاد يرى طرف \"كنفوسها\".
كانت سوميت ذات عينان بنيتان, شاحبتان, أما بطة ساقها أو الجزء ما بين الكعب وتجويف الركبة من الخلف, فقد بدا أبنوسيا صقيلا ولامعا وقويا وجميلا جدا.
الشايب جقندي خلال عمره المديد, لم يشعر يوما بقلبه يخفق لإمرأة قط, سوى \"البِنَيَة\" كاكا الجميلة, منذ طفولته الباكرة كان دائما يشعر بنفسه مختلفا عن الآخرين, ومع ذلك ترك الأمور تجري على عواهنها. تعرف على كثيرات خلال ترحاله المستمر: ريفيات, بائعات في أسواق \"أم دورور\" أو طرق القوافل والدواب, حضريات عاملات في دواوين السلاطين. نساء متزوجات أو لم يسبق لهن الزواج. فتيات جدد ربما يلتقيهن مصادفة, وربما تقصدن لقاءه. لكنه لم يسعى أبدا للتعرف عليهن, إلى أن القى رحاله بوادي الذهب, وتعرف على \"سوميت\", التي في سن أحفاده لو كان متزوجا. كانت تجيئه في العصارّى تدهم عزلته. تجلس بمواجهته, لتسمع تعاليم \"الروح العظيمة\" وحكايا الأسلاف الغابرين.. فلا تشعر بالزّمن, عندما يعلن مساء الوادي الموحش مقدمه الكئيب.
كانا يتحدثان حول مواضيع مختلفة, وهما يدخنان \"الكدوس\" و\"يسفان التمباك\" وربما يشربان قليلا من \"البقو. لم تكن سوميت من ذلك النوع من الفتيات المغرمات بالأحاديث الأنثوية الناعمة, كانت في داخلها تتفجر بطاقة عظيمة, تطمح لتغيير الوادي والناس والأشياء. تحاول هدم كل شيء لتبنيه من جديد.. كانت دائما منشغلة بأحوال الوادي, تلهمها رسالة الشايب جقندي, وتغذي فيها إرادة التغيير. وكان أن تفتق ذهنها عن الإعتناء بالمشردين, وتوظيف طاقاتهم لما يخدمهم ويخدم الأهالي البسطاء, تماما كما فعل الجنزير وقطع الشك قبل عشرات السنوات.. إلتف الاهالي حول سوميت والمشردين, الذين كانوا قد شيدوا بمساعدة سوميت وجقندي دارا كبيرة من صخور جبل كارناسي. وأخذوا الآن يمضون في الصباحات الباكرة لمساعدة الأهالي في \"نفير\" الحصاد, ليأتوا بعدها.. يجلسون في \"خلوة\" جقندي, يتلقون علوم الأولين والآخرين. وكانت أفكار سوميت وجقندي تجاههم تكبر, وكانت أفكارهم هم ذاتهم تكبر, إلى أن عبرت عن نفسها في تلك الشعارات الثورية الأنيقة, التي نحتوها على الجدر الخارجية لبيوت أهالي البندر, تعارض السلطان ومطاليقه.
كانوا يحلمون بوادي آخر غير هذا الوادي الغارق في مأساته الوجودية المحيرّة.. وادي وادع كالذي أبدعه \"الروح العظيمة\" في البدء. فوادي الذهب بالنسبة لهم كان هو المكان الأليف, الذي إختاره الخالق \"لعِيَاِلِهِ\" بسهوله الممتدة التي يتوسطها جبل كارناسي بمهابة وشموخ, حيث القمارِّي تشنف مسام الفضاء الرحيب, وحيث تنتقل الأغنيات وأصداؤها إلى السماء البعيدة, موطن \"الروح العظيمة\" .
الجبال ا


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1858

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أحمد ضحية
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة