الأَمَازُونِيَّات..!ا
07-21-2010 05:25 PM

الأَمَازُونِيَّات!

كمال الجزولي
[email protected]


الاثنين:
كان يُفترض أن يكون موقع هذه الخاطرة آخر الأسبوع، بحسب تاريخ موضوعها، غير أنني فضلت أن أبدأ بها رزنامتي هذه، لألف سبب وسبب. من ذلك أنه ساءني كثيراً ما نقلته الصُّحف المصريَّة حول أن المسئول السودانى الذى كشف عن عرض الخرطوم، رسميَّاً، على القاهرة، الذهاب إلى التحكيم الدَّولي، لحسم ملكيَّة مثلث حلايب وشلاتين المتنازع عليه بينهما، قد فضَّل \"عدم الكشف عن اسمه!\"؛ هذا في الوقت الذي نفي فيه مصدر دبلوماسي مصري، بالمقابل، وبأعلى صوت، وأقوى نبرة، صحة هذه المعلومة، بل وأكد، فوق ذلك، أن هذه القضيَّة (محسومة!)، أصلاً، من وجهة النظر (المصريَّة!)، وبشكل (نهائى!)، واصفاً التصريح السوداني بأنه محض \"تسريبات إعلاميَّة لن تغيِّر فى حقيقة الأمر بالنسبة للقاهرة، ومسألة تمسُّكها بحلايب، كونها أرضاً مصريَّة!\" (المصري اليوم، 17/7/10).
ربَّما رأى هذا الدِّبلوماسي المصري، وإنْ لم يذكر، هو الآخر، اسمه، أن نبرة (الصلف!) التي تحدَّث بها مستحَقة لدولته في هذه القضيَّة، وبالتالي يكون قد قذف بالكرة في ملعب دولتنا؛ فلم يترك لنا سوى أحد ثلاثة احتمالات لا رابع لها: فإما أن تقطع الحكومة السودانيَّة قول كلِّ خطيب ببيان وافٍ شافٍ تعلن من خلاله حقيقة عرضها على مصر، بالفعل، حلَّ النزاع عن طريق التحكيم الدَّولي، وأنها تنتظر الرَّد المصري، وهذا ما أرجوه، وأظنُّ أن كلَّ وطني يرجوه، كونه أكرم الاحتمالات؛ أو أن تصدر تكذيباً رسميَّاً لخبر الصَّحيفة المصريَّة، وهو احتمال سئ جدَّاً، أو أن تتجاهل الأمر برمته، وتلوذ بصمت القبور، وهذا أسوأ الاحتمالات!
التحكيم الدَّولى، على أيَّة حال، أسلوب راق لفضِّ النزاعات، لكنه لا يجوز إلا بموافقة الطرف الآخر؛ فإن رفضته القاهرة، وهي التي كانت قبلته في حالة نزاعها مع إسرائيل حول (طابا)، فإن باب محكمة العدل الدَّوليَّة متاح للسودان، باعتبارها محكمة الأمم المتحدة المختصَّة بالفصل في القضايا التي ترفعها الدُّول إليها، كنزاعات الحدود، وتبعيَّة الأراضي، وما إلى ذلك؛ ولسنا أوَّل ولا آخر دولة تلجأ إلى التحكيم أو القضاء الدَّوليين؛ ولكننا، إن واصلنا التزام الصَّمت، فسنكون أوَّل دولة في التاريخ الحديث (تسكت!) على (احتلال!) دولة (شقيقة!) لجزء عزيز من أراضيها!

الثلاثاء
بالأحد 6/6/2010م، كاتبني، من الإمارات، صديقي الأستاذ الناقد عبد المنعم عجب الفيا، يقول: \"أستاذنا الفاضل/ كمال، التحايا النواضر، وأرجو أن تكون بخير وعافية. قرأت مقالكم، أو، بالأحري، الرزنامة المنشورة بسودانايل بتاريخ 31/5/2010م. وتوقفت عند إشارتكم إلى (مذكرات يوسف ميخائيل) التي ذكرتم أنها أعطتكم بعض الضوء في تفسير الصِّراع بين الخليفة عبد الله والأشراف. وكم كنت أتمنى لو شفعتم ذلك ببعض التعليقات والتوضيحات، حتى لا يخطيء البعض فهم ما تفضلتم به، ويتخذ من السايكولوجيا الاجتماعيَّة، والمسكوت عنه، أساسا لتفسير التاريخ، والعامل الحاسم في إدارة الصِّراعات السِّياسيَّة والثقافيَّة، وحتى لا يستغلَّ البعض ذلك لتكريس العقليَّة الإنفصاليَّة والإقصائيَّة، وإنعاش النعرات الجِّهويَّة والعنصريَّة، خاصَّة أن خطابكم، كما هو معروف، من أصدق واخلص الخطابات الثقافيَّة في تكريس مفهوم وحدة السودان في هذا الوقت بالذات.
أخشى ما أخشاه ان يفهم البعض، كما فهمت أنا وأرجو أن أكون مخطئاً، أن الأشراف رفضوا الانصياع للخليفة عبد الله لأنه \"غرباوي، لسانه تقيل، وجلده أخرش وتخين\"! عموماً يمكن القول إن في ما ذكره يوسف ميخائيل، بحسب الاقتباس المستدلِّ به، تنميط ليس لأهل كردفان والغرب عموماً، فحسب، بل ولأهل السودان عامَّة، ونتيجة لهذا التنميط جعل أهل البحر كلهم \"بخلاء لؤماء\"، وكلَّ أهل الغرب \"كرماء، ولكنهم تقيلي اللسان، ثخناء الجلد\"!
غير أننا، إذا جارينا يوسف ميخائيل في نظرته للأمور، نجد أن قبائل البقارة التي ناصرت المهدي تمتاز بسرعة الكلام، وطلاقة اللسان، وخفته، وتغلب عليهم الفصاحة، والبداهة، ومولعون بالفكاهة، والملاحة في الكلام. وكذلك كان الخليفة عبد الله نفسه رجلاً فصيحاً، وصاحب نكتة وطرائف، إلي جانب أنه كان حسن المظهر عموماً، بدوي السَّمت. ومن حيث طلاوة البشرة لم يكن يختلف عن أهل البحر الذين عناهم يوسف ميخائيل. هكذا وصفه أصحاب المذكرات والتواريخ، سلاطين باشا، ونعوم شقير، وغيرهم. في تقديري ما ذكره يوسف ميخائيل يصبُّ في قوالب التنميط الذي درج العرب ان يحشروا فيها أهل السودان.
هذا بعض ما عنَّ لي، وأرجو أن تتقبلوه من قاريء محب ومعجب بكلِّ ما تكتبون؛ وتقبلوا فائق تقديري واحترامي. عبد المنعم عجب الفيا\".
وبالأربعاء 30/6/2010م رددت على رسالة صديقي على النحو الآتي: \"عزيزي الأستاذ عجب الفيا، تحية واحتراما، أشكرك على ثقتك في أنني، بالقطع، لا أسعى، والعياذ بالله، (لتكريس العقليَّة الانفصاليَّة الإقصائيَّة، وإنعاش النعرات الجِّهويَّة العنصريَّة)! كلُّ ما في الأمر، يا صديقي، أنني أحاول، عن طريق لفت الانتباه إلى هذه الناحية في مذكرات يوسف ميخائيل، أن أهوِّيها شيئاً، وأعرِّضها لشمس المعرفة، دون أن أتبناها، بالطبع، والأهم أن أحفز المناقشة المستنيرة حولها، مثلما فعلت أنت للتو. وأظنك تتفق معي في أنه لا بُدَّ لنا، ونحن نقلب وجوهنا في الآفاق بحثاً عمَّا يقوِّي (الوحدة المتنوِّعة)، من استصحاب كل الآراء والأفكار، بل و(التصوُّرات perceptions) التي قد نحملها عن بعضنا البعض، اتفقنا أم لم نتفق معها.
أستغل هذه المناسبة، أيها الصديق العزيز، لألتمس كريم حلولك ضيفاً على الرُّزنامة، عمَّا قريب، وليكن هذا الموضوع أحد مداخلك .. ما رأيك، دام فضلك؟! ودمت. كمال\".
وفي انتظار رزنامة عجب الفيا، هاأنذا أفتح هذه المكاتبة الخاطفة للقرَّاء، علهم يثرونها بالمزيد من المناقشة .. فما رأيكم، دام فضلكم\"؟!

الأربعاء
حقَّ للجنة التنفيذيَّة لاتحاد الكتاب السودانيين أن تتيه عجباً، أمسية الأربعاء الماضية، وأن تختال زهواً، حتى لتكاد لا تسعها الأرض بما رحبت! وكيف لا يختال زهواً، ولا يتيه عجباً، مَن قدِّر له أن (ينجز) أوان يتطابق (الإنجاز) مع (الإعجاز)، سيَّما وأن (المُنجز) دفع نوعي على صعيد الكلمة (المكتوبة)، في زمن قامت فيه لـ (المشافهات) سوق، ففشت حتى شغلت السُّوح كلها، وتسيَّد (المشافهون) حتى احتلوا الآفاق على بكرة أبيها!
في تلك الأمسية العبقة الدبقة اجتمعنا، في دار الاتحاد، بدعوة كريمة من اللجنة، نحتفل بصدور العدد الثاني من مجلته غير الدَّوريَّة (كرامة)، لا أدْسَم .. ولا أوْسَم!
العدد جاء مزداناً بلمسات الشاعر المصمِّم الياس فتح الرحمن، وبصمات الحروفي البارع تاج السِّر حسن، ومبوَّباً تبويباً قوسقزحيَّاً، من (الدراسات والبحوث) إلى (الشعر)، ومن (شخصيَّة العدد) إلى (التأمُّلات)، ومن (الندوة) إلى (السَّرديَّات)، ومن (البورتريه) إلى (الإفادات)، ومن (التشكيل) إلى (الوثائق والمشهد الثقافي)؛ وحاوياً، إلى ذلك، لإسهامات عقد منضَّد من أبهى الأسماء في فضاءات الكتابة العلميَّة والإبداعيَّة السودانيَّة: النور عثمان أبكر، وإبراهيم إسحق، وبركة ساكن، ولمياء شمت، وبشرى الفاضل، وفضيلي جماع، وصديق أمبدة، ووول أكيج، وميسون النجومي، وإدريس سالم، وأحمد الصادق، ومنصور الصويِّم، وتعبان لوليونق، وعبد العزيز الصاوي، وحسن موسى، ومبارك الصادق، وراشد بخيت، وديرك ألفريد، وصلاح حسن، ومنزول عسل، وقرنق توماس، وأنس مصطفى، وغادة عبد العزيز خالد، وآخرين كثر.
ولاسم المجلة قصَّة تروى، وتعاد روايتها، بلا كلل أو ملل. فقد كنا شكلنا، أوان الميلاد الأوَّل للاتحاد، أواسط ثمانينات القرن المنصرم، لجنة متخصِّصة، برئاسة محمد سعيد القدَّال، وعضويَّة سر أناي كلويلجانق وآخرين، وأوكلنا إليها مهمَّة البحث والتوصية في كلِّ ما يتصل بتأسيس إصدارة الاتحاد غير الدَّوريَّة، بما في ذلك اقتراح اسم مناسب لها. وبالفعل تراكمت مقترحات معتبرة حول الاسم، أذكر منها، على سبيل المثال، (الفجر 80)، و(النهضة الجديدة). غير أن الشَّاعر الصَّحفي سر أناي، وكان على أهبة السَّفر إلى لندن، زارني في البيت، ذات مساء، على عجل، وحمَّلني رسالة قصيرة للجنة القدَّال، تشتمل على مقترح بتسمية المجلة (كرامة). وقال في تسويغه للاسم أنه لاحظ أن الكلمة، بذات مدلولاتها الطيِّبة في استخدامات المستعربين في الشمال، موجودة، أيضاً، في كلِّ اللغات الجنوبيَّة. وبالفعل، لم تستطع لا لجنة القدَّال، ولا اللجنة التنفيذيَّة للاتحاد، عندما رُفع الأمر إليها، مقاومة إغواء هذا الاسم العبقري، فكان أن وقع الاختيار عليه منذ ذلك الحين، وإنْ لم يُقيَّض للمجلة أن تصدر إلا أوان الميلاد الثاني!
التهنئة الحارة لأصدقائي في اللجنة الحاليَّة، بقيادة عالم وإدريس سالم والكتيَّابي وبقيَّة كتيبة الإنجاز، والرَّحمة والمغفرة لسر أناي والقدَّال وكلِّ مَن رحلوا عن دنيانا مِن بناة صرح الاتحاد، ونحن أحوج ما نكون لإبداعهم، وإرشادهم، وحكمتهم، وموعظتهم الحسنة.

الخميس
وقع البارحة وأوَّل البارحة حدث جليل القيمة، كثير الأهميَّة، لكن لم تبد الصحافة، للأسف، أو أيٌّ من أجهزة الإعلام المسموعة أو المرئيَّة، أدنى اهتمام بمتابعته، أو أقلَّ احتفاء مِمَّا يليق به. كان ذلك هو انعقاد ورشة العمل التي نظمها (مجلس تطوير وترقية اللغات القوميَّة)، تحت عنوان (جمع تراث اللغات القوميَّة)، بقاعة الشَّارقة بالخرطوم، خلال يومي 14 ـ 15 من الشهر الجاري.
ما من عذر، بالطبع، يرفع اللوم عن الصحافة والإعلام في شأن هذا التقصير، غير أن خبرة هذا النوع من النشاط تجعلنا نرمي بالقدر الأكبر من اللوم على (المجلس) نفسه، كونه، أثناء إعداده للورشة، اكتفى بالاعتماد، في ما قد علمنا، على إبلاغ (وكالة سونا)، ظناً منه أنها يمكن الاعتماد عليها في دعوة الصحف وأجهزة الإعلام، فأهمل إفراد ذراع إعلامي قادر على تمديد خبر الورشة وأثرها إلى الرأي العام، وهي، بعدُ، على هذا القدر العالي من الأهميَّة بالنسبة لقضيَّة (الوحدة والانفصال) التي ما ينفكُّ يُثار حولها كلُّ هذا الضجيج والعجيج، واللت والعجن، دون مشروع مرموق ينطرح، أو خطة عمليَّة تقترح، إلا في ما ندر!
(مجلس اللغات) من مخرجات اتفاقيَّة السَّلام الشَّامل، وكان يفترض تكوينه مع بداية الفترة الانتقاليَّة في 2005م. على أنه، كغيره من استحقاقات الاتفاقيَّة، لم يتكوَّن إلا في فبراير 2009م. وقد استغرقته، على مدى الأشهر الستة عشر التالية، إجراءات الهيكلة، وتكوين فرعه في جوبا، حيث تمَّ إرسال المقترح، حسب علمنا، إلى حكومة الجنوب، إلا أنها لم تحرِّك ساكناً بهذا الشَّأن حتى الآن! هذا العسر تابع، في تقديرنا، لقلة القيمة التي عوملت بها قضيَّة الثقافة، عموماً، وقضيَّة اللغات، على وجه التخصيص، ضمن مفاوضات نيفاشا، ومن ثمَّ في الاتفاقيَّة؛ فعلى حين استعان الجانبان بشتى المعاونين العسكريين، والاقتصاديين، والدِّينيين، وغيرهم، مِمَّن جرى استقدامهم إلى مقرِّ التفاوض في ضواحي كينيا، لم يحفل أحد، البتة، للاستماع إلى أهل المعارف الثقافيَّة واللغويَّة، على أثرها وخطرها بالنسبة لما كان التفاوض يجري بشأنه، وما انسكب منه، لاحقاً، في بنود الاتفاقيَّة!
تركيز المجلس، في ما يبدو، على البدء بجمع تراث هذه اللغات، ناجم، من ناحية، عن موقف نظري يتعامل مع (اللغة) باعتبارها (حاملاً)، ومع (التراث) باعتباره (محتوى)، ومن ناحية أخرى، عن موقف عملي يهيئ، كمرحلة أولى، جسراً صوب الهدف الأكبر، وهو جمع وتدوين وتوثيق (اللغات) نفسها، الأمر الذي لا يمكن بلوغه، مباشرة، من الخطوة الأولى، بالنظر إلى الصُّعوبات الجَّمَّة التي تكتنفه، والمتمثلة، على أقلِّ تقدير، في ضيق الزَّمن، وشحِّ الكادر المؤهَّل والمدرَّب. غير أن المفارقة ربَّما تمثلت، هنا، في أن كلَّ الأوراق، تقريباً، التي قدِّمت في الورشة، وقدِّر لي أن أطلع عليها، انصبَّت على المسائل المتعلقة بـ (اللغات) نفسها، لا بـ (تراثها)، ما عدا ورقة د. الصادق محمد سليمان الموسومة بـ (خصوصيَّة جمع تراث اللغات القوميَّة)!
مهما يكن من شئ، فإن المطلوب الأساسي للمجلس، في هذه المرحلة، هو إنتاج برنامج لجمع تراث اللغات المهدَّدة بالانقراض في بلادنا، خدمة لغرضين، في آن واحد، خلال مرحلة لاحقة: حفظ (التراث) من الانقراض، وإخضاع حامله (اللغوي) للتحليل. وقد كانت تلك، بالفعل، هي إحدى أهمِّ التوصيات التي خرجت بها الورشة، فضلاً عن توصيات أخرى لا تقلُّ أهميَّة، كإنشاء كراس مخصوصة، في مختلف الجامعات، لدراسة اللغات السُّودانيَّة المهدَّدة بالانقراض، كلغات البجا، ونوبة الشمال، ونوبا جنوب كردفان، ومجموعة لغات دارفور، وجنوب النيل الأزرق، إلى جانب الجنوب كوحدة قائمة بذاتها. ومن التوصيات المهمَّة، أيضاً، التنسيق مع الولايات، والجامعات الولائيَّة، وما إلى ذلك، الأمر الذي نرى أنه سيُساعد على انفتاح الدراسة، من بوَّابة التنوُّع، على قضايا الديموقراطيَّة، والحكم المحلي، وما إلى ذلك. وثمَّة، كذلك، التوصية بالتزاور مع دول الجوار، حيث اللغات الحدوديَّة، كإثيوبيا، وإريتريا، وكينيا، ويوغندا، والكونغو، وأفريقيا الوسطى، وتشاد.

الجمعة
أخيراً رفعت الدَّوحة منبرها التفاوضي بشأن سلام دارفور إلى ما بعد رمضان وعيد الفطر المبارك، أعادهما الله علينا وعليكم باليُمن والبركات. لكن السَّبب لا يُعقل أن يكون هذان الطقسان الدِّينيَّان، في حدَّي ذاتيهما، وإنما يجدر البحث عنه في موضع آخر، حيث الحكومة، على ما يبدو، لم تفهم، بعدُ، أنها حين تريد، فإن (الآخر)، أيضاً، يريد، وأن الله، في النهاية، فعَّال لما يريد!
نعم، خليل وعبد الواحد يتعنتان في شأن مفاوضات السَّلام! وهذا كلام قلناه، وقاله آخرون، حتى من أصدقاء الحركتين، في أكثر من مناسبة. لكنهما ليسا وحدهما المتعنتين، فالحكومة هي أكبر المتعنتين، ومنذ البداية! بل لقد بقيت تتعنت، طوال الوقت، بإزاء مطلوبات الطرف الآخر للتفاوض.
حسناً! سيقول قائل، في التوِّ والحين، إن هذه المطلوبات تفتقر، أساساً، إلى المعقوليَّة! فليكن! لكن، بالغاً ما بلغت هذه المطلوبات من أخطاء منهجيَّة يمكن أن تحسب على مواقف الحركتين، إلا أن موقف الحكومة يظلُّ الأدعى، مع ذلك، للنقد! إذ، على الرغم من أن منطق أيِّ تفاوض قائم، أصلاً، على الأخذ والعطاء، في معنى التنازلات المتقابلة، ظلت الحكومة تركن، فقط، ومنذ أبوجا، إلى خطة غاية في التبسيط، فحواها عدم تقديم أدنى تنازل من جانبها في التفاوض، مع الدَّفع باتجاه تركيع الطرف الآخر، نهائيَّاً، كي يقدِّم هو، من جانبه وحده، كلَّ التنازلات المطلوبة لإبرام اتفاق السَّلام! ولعلَّ هذا ما يفسِّر لجوء الطرف الأخر، بضغينة جليَّة، إلى التعنت المقابل!
يأتي، هنا، نظريَّاً، دور وسطاء وميسِّري ومستضيفي المفاوضات، والذين غالباً ما يكونون من القوى الإقليميَّة والدَّوليَّة (الرَّسميَّة!)، في ممارسة الضغط على الطرف المتعنت، لزحزحته عن تعنته. لكن، ولأن هذه القوى، كما أثبتت معظم التجارب، هي، في خاتمة أيِّ مطاف، عبارة عن (شهود زور!)، فقد (اكتشفت!) الحكومة أنه، حين لا يكون ثمَّة مناص من الضغط على أحد الطرفين، فإن بإمكانها، مع قليل من الصَّبر، التعويل على هذه القوى لممارسة الضغط على الحركات، باعتباره الخيار الأسهل دائماً!
ومن (اكتشافات!) الحكومة، كذلك، (فائدة!) العزف على ربابة الانقسامات ودقِِّ الأسافين: إسفين داخل كلِّ حركة على حدة، أو بـ (اختراع) حركات مناوئة، حتى تناسلت هذه التنظيمات إلى ما يربو على العشرين حركة وفصيلاً ومجموعة؛ وإسفين آخر بين كلِّ حركة وحركة، حتى أضحى من رابع المستحيلات جمع رأسي حركتين في الحلال؛ وإسفين ثالث بين كلِّ حركة وبين بيئتها الجِّيوسياسيَّة، وما حكاية القاهرة ـ إنجمينا ـ طرابلس غير مثال ساطع على ذلك؛ وإسفين رابع بين الحركات مجتمعة وبين المجتمع المدني الدارفوري، حتى قرَّ، أو كاد أن يقرَّ، في أذهان المراقبين أن (الجانبين!) إنما يُعبِّران عن مصالح متعارضة؛ ثمَّ إسفين خامس بين مكوِّنات المجتمع المدني الدارفوري نفسه، حيث لم يعُد من النادر، في أيِّ محفل، أن تتصادم رؤى ممثلي هذه المكوِّنات بشأن مسائل يفترض أنها أدخل ما تكون في صميم اهتمامات ومصالح مجتمعها المحلي .. وهلمَّجرَّا!
ضف إلى (اكتشافات!) الحكومة، أيضاً، (جدوى!) إغراق أبسط المسائل المنطقيَّة في لجج من المكابرات والمغالطات؛ وخذ عندك، مثلاً، مطلب (الإقليم الواحد) الذي لم يعُد خاصَّاً بهذه الحركة أو تلك، أو جارياً تبنيه من ذلك المكوِّن المدني الدَّارفوري أو ذاك، بل ظلَّ ينطرح في إطار كلِّ مشروع مخلص لحلِّ المشكلة، ويرد في سياق أيَّة مذكرة موضوعيَّة، أو دراسة علميَّة، بهذا الاتجاه. مع ذلك ظلت الحكومة وحدها تتعنت في قبوله، بزعم أنه مطلب (معزول!) تتبناه (بعض!) الحركات. ولأن \"الليالي من الزَّمان حبالى يلدن كلَّ عجيب\"، فحتى (الحركة الجديدة!) التي جئ بها، على حين غرَّة، إلى مائدة التفاوض في الدَّوحة، باسم (التحرير للعدالة) بقيادة تجاني السيسي، ما لبثت أن طرحت، هي نفسها، مطلب (الإقليم الواحد). وفي الأثناء انعقد بالدَّوحة، أيضاً، بالخميس 15/7/2010م، مؤتمر ممثلي المجتمع المدني الدَّارفوري، وأصدر، بأغلبيَّة الأصوات، عدَّة توصيات إلى طرفي التفاوض، عن طريق جبريل باسولي، الوسيط الدَّولي الأفريقي المشترك، وآل محمود، المضيف القطري، وعلى رأس هذه التوصيات (الإقليم الواحد)، و(رفع الحظر عن المخيَّمات)، و(إطلاق سراح المعتقلين من النازحين)، و(توفير الأمن والحماية لقوافل الإغاثة)، و(طرد المستوطنين الأجانب من حواكير وقرى وأراضي السكان الأصليين)؛ فماذا كان موقف الحكومة؟! إشترط د. أمين حسن عمر، رئيس الوفد الحكومي المفاوض، لعودة (الإقليم الواحد)، مثلاً، أن (يتفق!) أهل دارفور على ذلك! أي بـ (الإجماع)! أي أن إصدار التوصيات بـ (الأغلبيَّة) لا يلزم سيادته! مضيفاً، في ما يشبه (اللوم!)، مطالبته للمجتمع المدني الدَّارفوري بـ (التزام الحياد) بين طرفي التفاوض (شوف ليك جنس كلام!)، وذلك من أجل الوصول إلى (سلام عادل وشامل!) في الإقليم (الأحداث، 16/7/10).
وبعد، ما لم تصلح الحكومة من نهجها المعوجِّ هذا، فإنها لن تبلغ بأيَّة مفاوضات ساحل اتفاق، سواء في الدَّوحة أو في غيرها، حتى لو مرَّ ألف رمضان، وأعقبه ألف عيد!

السبت
إستفسرني بعض أصدقاء الرُّزنامة عن (الأمازونيَّات) اللاتي كنت جئت على ذكرهنَّ، ضمن رزنامة 28/6/2010م، حيث قلت إنه، إذا واصلت الذهنيَّة (الذكوريَّة)، في كلِّ الدِّيانات، إنتاج الفتاوى المتحيِّزة ضدَّ النساء، وتأويل النصوص المقدَّسة باستبطان العداء لهنَّ، فلن يكون ثمَّة مخرج أمامهنَّ سوى أن يتحوُّلن، أجمعهنَّ، إلى .. (أمازونيَّات)!
أغلب المصادر أوردت سيرة (الأمازونيَّات) منسوبة إلى ثقافات مختلفة، من الميثيولوجيا الإغريقيَّة إلى الميثيولوجيا الأمازيغيَّة، في منطقة ليبيا التي كانت تشمل الأراضي الممتدَّة من المغرب الحالي إلى غرب مصر، وعرَّفتهنَّ كقبيلة أسطوريَّة من المحاربات اللائي تمتعن باستقلالهنَ التام عن جنس الرجال، وكنَّ يتصفن بأشدِّ العنف، وهنَّ أوَّل من استخدم الخيل في القتال، وخضن إحدى أهمِّ معاركهنَّ في مواجهة البطل الأسطوري هرقل نفسه! ولعلَّ من أكثر تقاليدهنَّ بربريَّة حرصهنَّ على نبذ أنوثتهنَّ، واكتساب مظهر المقاتلات المتوحِّشات، حتى أن الواحدة منهنَّ كانت تستأصل أحد ثدييها كي يتيسَّر لها استخدام القوس والسهم! والجدير بالاهتمام، في هذا السِّياق، أن كلمة (أمازونكا) تعني، في اليونانية، \"ذات الثدي الواحد\"!
وقد ربطت المصادر بين هاتيك المقاتلات وبين مناطق معيَّنة في آسيا، وفي شمال أفريقيا، وبشكل أدق في (تامزغا) القديمة؛ وأشارت إلى أن الرسومات في الصحراء، وأهمها لوحة الفسيفساء بشمال سوريا، تمثل هاتيك النساء المقاتلات مقطوعات الأثداء، حيث يرجع تاريخ أقدم رسم للأمازونيات إلى العام 700 ق. م. ورغم أن الحفريَّات الأثريَّة لم تؤكد على وجود شعب بأكمله من نساء مقاتلات، كما في أساطير العالم القديم، فثمَّة أدلة غير مباشرة تشير إلى أن ذلك الشعب كان موجوداً، وأن موطنه كان عند نهر (ترمودون) بشمال تركيا، بحسب هيرودوت. وقد حكى فرانسيسكو دي أوريلانا، أنه صادف، أثناء استكشافه مناطق مجهولة شرق كيتو، نساءً محاربات عند نهر كبير، وصفهنَّ كما توصف الأمازونيات، وأسمى النهر بـ (الأمازون).
وقد درج المؤرِّخون على النظر إلى الأمازونيَّات من زاويتين متباينتين: فإما كمحض ظاهرة ميثيولوجيَّة، وإما كمزيج من الميثيولوجيا والواقع المثبت بشواهد آثاريَّة تدلُّ على حقيقة وجودهن في حقبة تاريخيَّة تعود إلى العصر البرونزي.
أما أصل التسمية فتفسيراته عدة، ويميل أحدثها إلى ربطه باسم أمازيغ أو (أيمازيغن)، وهو الاسم الذي يطلقه الأمازيغ على أنفسهم. ويرى البعض أن (تيهيا)، الملقبة بالكاهنة، هي إحدى الأمازونيَّات الأمازيغيَّات اللاتي قدن الأمازيغ ضد الغزوات الأجنبيَّة بنجاح لمدَّة من الزَّمن. وثمَّة نظريَّة إغريقيَّة طريفة في تفسير سبب عدم انقراض قبيلة الأمازونيات بعد الجيل الأوَّل طالما انها كانت من النساء فقط، ومفاد تلك النظريَّة أن الأمازونيَّات ظللن ينجبن أطفالاً من رجال قبائل أخرى، لكنهنَّ يحتفظن، في كلِّ مرَّة، بالإناث، في حين يرسلن الذكور إلى آبائهم في مواطنهم البعيدة!
مهما يكن من أمر، وسواء كانت حكاية (الأمازونيَّات) أسطوريَّة أم واقعيَّة، وسواء كان موطنها أرض الإغريق أم الأمازيق، وسواء طوَّرتها ذهنيَّة (ذكوريَّة) تنشَّأت على ممارسة الظلم الاجتماعي، أم ذهنيَّة (أنثويَّة) ما تنفكُّ تصبو إلى تحقيق عدالة شائهة؛ فإنها، في كلِّ الأحوال، تدفع، على نحو واضح، باتجاه الترويج لعناصر الوعي الزائف بعلاقة (المرأة/الرَّجل)، كعلاقة تناقض، وتباغض، واحتراب لا يبقي، ولا يذر، ولا يتيح لـ (النساء) سوى أن يهيِّئن أنفسهنَّ لخوضه، مدجَّجات بأعنف سورات الغضب، لا على الظروف الاجتماعيَّة التي أنتجت ظلاماتهنَّ، وإنما على الرِّجال باعتبارهم أسَّ بلاءهنَّ، فيعمدن إلى التخلص حتى من بعض أهمِّ ترميزات أنوثتهنَّ، بما في ذلك (أصواتهنَّ)، و(ملابسهنَّ)، و(شعرهنَّ)، وطريقة (مشيهنَّ)، وربَّما أكثر من ذلك .. أثدائهنَّ ذاتها، على طريقة قدامي الأمازونيَّات!
لذا، وعلى حين يُفترض أن تندرج (قضية المرأة) ضمن إشكاليَّات المشروع النضالي النهضوي المؤسَّس، جيِّداً، على مبدأ الحُرِّيَّة والانعتاق الانساني من ربقة الاستغلال والاستلاب، دون أن يضطر (النوع) لفقدان أيٍّ من خصائصه الطبيعيَّة، فإن الحاجة (المتوهَّمة) لهذه التحوُّلات لدى النساء، على وجه التحديد، استعداداً لـ (ملاقاة) الرِّجال، كثيراً ما تستحيل، للأسف، إلى قيد يكبِّل عقولهنَّ، ويعيق حراكهنَّ المعافى باتجاه التغيير، ويشوِّه، بالضرورة، حتى علاقات الرِّجال والنساء مِمَّن يعلنون، صباح مساء، أنهم يتطلعون إلى العمل سويَّاً من أجل هدم الواقع المتخثر، وبناء الوجود المغاير .. وانظر حولك لتتأكد!

الأحد
خرج الغزالي في إحدى سفراته، فباغته قطاع طرق جرَّدوه من ماله، وحتى من مخلاته الحاوية لكتبه وأوراقه، ثمَّ أمروه بالانصراف. لكنه ظلَّ يتبعهم حيثما ذهبوا، مِمَّا أغضب عليه رئيسهم، فانتهره، مهدِّداً إيَّاه بالقتل إنْ استمرَّ في المشي وراءهم. مع ذلك واصل الغزالي متابعتهم، بإصرار، لساعات عدة، فاضطروا للتوقف، وسأله الرئيس، بهدوء هذه المرَّة، عن مراده؛ فقال:
ـ \"لا أريد سوى المخلاة، ففيها كلُّ ما جمعت من معرفة\"!
فما كان من الرئيس إلا أن التقطها، ورمى بها إليه في ازدراء، متسائلاً:
ـ \"ما ترى نفع معرفة مدوَّنة في دفتر .. يضيع، فتضيع\"؟!
***


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1385

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




كمال الجزولي
كمال الجزولي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة