المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
أين أنت ..يا علي البنجوس..؟ا
أين أنت ..يا علي البنجوس..؟ا
09-09-2011 01:21 AM

أين أنت ..يا علي البنجوس..؟

محمد عبد الله برقاوي..
[email protected]

في آواخر خمسينيات وأوائل ستينيات القرن الماضي وكنت صبيا دون العاشرة ..وعيت على صخب صبي ظريف من أبناء الغرب ..تركه والده وذهب لا أدري الى اين والذي كان يعمل مع أسرتنا بنظام الشهرية كما كان يسمى في ذلك العهد الزاهر من نهضة مشروع الجزيرة وحياة الرغد التى كان يعيشها مزارعوه.. علي كان فتى مرحا وظريفا يكبرني بعدة سنوات .. لا أذكر اسم والده ..وقد تاه في اشتهاره بالبنجوس..كان شعلة في النشاط وخفة الروح فالتصق بالناس وأحبوه .. كانت الوالدة لا تفرق بينه وبيننا ..تقلق اذا تأخر في الحواشة و لا تنام الا اذا تاكدت أنه عاد من اللعب في الشارع مع اقرانه ليلا ..كان يتحفنا بالقفشات بلكنته التي يحاول تحسينها كلما مرت الأيام فتخرج الكلمات بين شفتيه وأسنانه البيضاء كالعسل.. الوالدة تتندر أعجابا بما يقوله من تشبيهات ونكات وطرائف تحكيها وهي مزهوة لزائراتها..
في أحدى المرات جلس في فراشه تحت شجرتنا الظليلة فاتته الوالدة وكان يناديها بحب الأبن ( أمي زهراء ) بالأفطار.. وكانت معها احدي الضيفات بالتكُل..فنادي يطلب من الوالدة ..قائلا يا أمي جيبي ماء من الزير البارد وجهزي الشاي بسرعة فانا مستعجل لعمل مهم.. فاستهجنت الضيفة ما أعتبرته تجاوزا منه وقالت لأمي.. أراك تدلعين ( الفريخ اكثر من اللازم ) فألتقط حديثها وردّ بظرف شديد ضاحكا.. وكمان يا امي ..كيتا على الضيفة المعاك .. جيبي تربيزة .. فانفجرت امي ضاحكة وقالت لضيفتها ألم أقل لك على ظريف ويستاهل.. وصارت تحكي طرفته ..التي أصبحت بسمة شاردة في تلك الأيام تختلط بدمعة حنو في عيونها لعلى الغائب وصورة تتراصش خلف سراب ذاكرة الطفولة البعيدة فينا.. وقد اختفى علي من حياتنا .. ولا ندري اين امتصته مسامات الحياة ..أم أن أديم الأرض قد ضم جسده ولكن في اي بقعة فصعدت روحه الشفيفة الى بارئها ؟ لاأدري..
من كانوا أجراء من أباء على البنجوس وجيله اليافع وقتها ولم نكن نأبه للتحقق من جهاتهم أو اثنياتهم وكنا نظنهم قد نبتوا على وجه الأرض دون بذرة او سقاية او سماد ..فلم نسالهم يوما عن اسماء ابائهم أو امهاتهم ..فنتكفي بالاسم الأول ..اساغة أو ابكر .. ونضيف اليه كلمة زول الشهرية..!
الأن دارت الأيام فاصبح اولئك الذين كانوا أجراء ولم يكن يسمح لكبارهم بتخطي عتبة البيت ..فيجلسون عند باب الحوش يمدون صحن وجبتهم التي غالبا ما تكون مما يجود به المشلعيب من الأكل البايت.. هاهم وقد عادوا الينا شركاء مع اتساع الصدور والوعي معا ..وحينما أصبح بعض اهلنا يعافون العمل في الباجور اما لان دولارات الابن المغترب أغنتهم عن الشقاوة ..فصاروا يشاركونهم في المسور.. واما لان أهلنا قد ملوا سياسات الحكومة الجائرة تجاه المزارعين فباتوا يحتفظون بحواشاتهم اسما ويتركونها للشركاء الذين احسنوا فلاحتها .. وتطورت حياتهم وربما لن يعودوا الي ألأطراف والهوامش التي اشعلها ابناؤهم هناك في وجه التهميش وعدم عدالة القسمة وقد امتلكوا ناصية القلم واللسان وتأبطوا سلاحهم كعلاج أخير في وجه نظام يتبجح بانكار وجودهم وشراكتهم في الوطن ومقدراته..
أما أهل على الذين اثروا النزوح الى الفضاء الأخضر عندنا في الوسط فقد صاروا مع اتساع رزقهم ينتقلون من بيوت القصب والعشش التي شيدوها عند براقين النمر وفي حواف الترع الي بيوت مشيدة تجثم امامها البكاسي والدفارات ..وتخرج بناتهم مع الصبية زرافات الى المدارس.. حيث لم يحظى على البنجوس بذلك القدر من الدلال وكان حقه مثلما هو حق من نسميهم نازحين .. وهم في قلب وطنهم يقومون بواجباتهم كاملة ولاينالون حقوقهم متساويين في الظلم مع أهلهم في الجزيرة..!

الا يسعنا هذا الوطن حيثما تدفقنا كالموج دفئا في أحضان بعضنا لافرق بين نيل أزرق وابيض ..مثلما تدفق حب على البنجوس في قلب أمه التى لم تلده .. وأختفي هو مثل مصطفى سعيد في موسم الهجرة الى الشمال..ولاندرى اية موجة ابتلعته..؟
كل الخير الذي تحت الأرض وفوقها .. وهو يتمايل خضرة في الجزيرة والمناقل ..ويهمي انعاما في غربه وجنوبه.. ويتفجر سدودا في شماله وضياءا وقمحا..وتبحر السفن التي تغدو وتروح تعبيء جوفها وتفرغه منه في الشرق..اليس كافيا لنجلس معا على مائدته في هدوء واخاء.. دون أن يترفع أحدنا من جلب التربيزة لعلي مثلما كانت تتواضع أمه ليس تفضلا ولا منة ..بل حبا صادقا لفتي تري في ملامحه أما تركها ولهى هناك وأبا ذهب وتركه لنا امانة ..لو أن كل منا صانها غضة صغيرة لتكبر في عيونه دون تعالى .. لأصبحنا سواسية .. ولما كنا قد عشنا زمانا ..يسخر فيه رئيسنا من تأفف الغرباوية حينما يغتصبها ابن البحر وكان عليها أن تفتخر ببركة تفضله عليها .. والعهدة على روايه شيخه المغبون.. ولما كنا نقرأ سطورا وقحة لخال رئاسي ينفي ويستنكر علي من خلقهم الله في بشرة أدكن من لونه الزنجي بمقاييس من يتمسح بهم من أهل الشرف والقبلة..حق العيش معه في وطن.. أراد تعريبه قسرا.. وتفريغه جورا ممن كفل لهم الله الحق في أن يؤمنوا أو يكفروا..!
فاين أنت ياعلى البنجوس يا توأمي الذي لم تلده .. أمي .. وأخي في الله والدين ولم يحمل اسم ابي ..لاناديك باسم ابيك وابي السودان الواسع كصدر أمي وامك التي تفتقدك مثلي تماما .. وأنا أعيش غريبا مثلك.. فقط ينقصني لقب البنجوس ..يارعاك الله ان كنت حيا ورحمك أن كنت في رحابه ..
انه المستعان ..
وهو من وراء القصد..


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1704

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#205797 [محمد احمد فضل]
0.00/5 (0 صوت)

09-09-2011 08:31 PM
ثنائية شوقي بدري - البرقا وي بله - البنجوس تعبر عن التعايش السوداني الجميل مع مختلف الاثنيات الموجودة بالسودان وتتعددت هذه الثنايات ولكل منا قصة رائعة فمن منا ليس له صديقا من الدينكا او النوير او مختلف قبائل السودان ، من الذي ايقظ الفتنة ؟ ;( من اين جاء هؤلاء ؟ ;( اخي البرقاوي ماأجملك


#205705 [حمدالنيل]
0.00/5 (0 صوت)

09-09-2011 04:04 PM
لك التحية والإجلال استاذنا برقاوي، فقد كنت احتفي بكتاباتك وارائك التي تحمل سماحة وطيبة وانفتاح عقول وقلوب أهلنا الطيبين الراضعين من خضرة أرض المحنة، واليوم زادنا حباً لك أن علمنا أنك رضعت حب الناس ، كل الناس، من ثدي تلك الأم الرؤوم، أم علي وأساغة ومحمد على السواء، بل هي أحياناً على علي أرحم من محمد بحكم أنها تكن له شعور تلك الأم الغائبة الخاوي فؤادها بفقد جناها. رعاك الله، ورعا أمك ومتعها بالصحة والعافيةإن كانت حية وزادها عمراً، ورحمها بشآبيب الرحمة إن كانت في رحابه، ورحم أمي التي كانت هي أيضاً بنفس هذه الطيبة والحب للآخر الغريب، وأذكر مقولتها التي كانت تتفجر عطفاً وحناناً حين تعاتب أحد أولئك العاملين الشباب الذين يمكثون معنا خريف أو خريفين ثم يقولون أنهم ذاهبين إلى القضارف أو الخرطوم، قائلة للواحد منهم، هسه يا ولدي تاني داير تمشي غادي وتخلي أمك هناك حشاها مقطوع عشانك!؟ وتودع والدموع تنهمر من عينيها بنفس انهمارها في كل مرة أودعها وأنا عائد إلى غربتي في الخليج بعد أن كبرنا وهاجرنا وابتليت الجزيرة بلعنة الاسلاميين، نفس احساس الأمومة لكل الناس دون تفريق، بل أذكر حادثة أخي الذي تشاجر مع ولدنا في البيت (محمد آدم) فبكى رغم أنه أكبر من أخي،الذي ضربه (بونية) وأذكر موقف أبي الذي قال لابنه ألم تسمع بأن الغريب دمه قريب؟، وأنسان يضرب ضيفنا لا مكان له في بيتنا وشوف ليك بيت تاني ، فخرج أخي مغاضباً ولم نره إلى بعد أربع سنين. وظل أخونا الآخر محمد آدم يزورنا في نهاية كل عام كواحد من أهلنا.
شكراً لك أخي برقاوي على إثارة الذكرى الجميلة والقلوب الطيبة وسوداننا الذي يسع الجميع ويضيق على ضيقي الافق مسدودي البصيرة وأعمياء البصر المخصية عقولهم.
اخوك البرقاوي جد مش بالاسم..
محمد


محمد عبد الله برقاوي
محمد عبد الله برقاوي

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة