المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
يحيى العوض
مكر التاريخ ومهارات تمزيق الرموز...اا
مكر التاريخ ومهارات تمزيق الرموز...اا
09-11-2011 02:15 PM

مكر التاريخ ومهارات تمزيق الرموز...!

يحي العوض

-1-
سبحانك كل الأشياء رضيت سوى الذل
وان يوضع قلبى فى قفص فى بيت السلطان
وقنعت يكون نصيبى فى الدنيا كنصيب الطير
ولكن سبحانك حتى الطير لها أوطان
وتعود اليها وأنا مازلت أطير
فهذا الوطن الممتد من البحر الى البحر
سجون متلاصقة سجان يمسك سجانا
تاريخ وجغرافية وواقع عالمنا الثالث, مازالت تعبر عن عبقرية الشاعر مظفر النواب ,وهو يصرخ فى السبعينيات من القرن الماضى , وكان هذا حال الاستاذ بابكر كرار , وغيره «من سكن الوطن فيهم , ولم يتسع لهم للسكن فيه» ,يتنقل من سودان جعفر نميرى الى مصر السادات الى ليبيا العقيد , كان صاحب فكر ورِؤية , مثله مثل قامات اخرى سامقة , الاستاذ محمود محمد طه والاستاذ عبد الخالق محجوب , الجهد الذى بذلوه والتضحيات الجسام التى قدموها , ايمانا واقتناعا, تضعهم فى مقدمة مفكرى ومصلحى القرن العشرين قاطبة , لكنهم من حظهم نشأوا فى وطن ضعيف الذاكرة,مشهود لقطاع كبير من مثقفيه بالجحود والتطاول والتبخيس ,منكوب بغثاء من الاقزام , يتماهون سريعا مع» الصوت العسكرى الجهير «,يتسابقون ويتنافسون على فتاته , يمزقون رموزهم ارضاء لكهنة عجلهم الجديد, مفتونون بخواره , التاريخ او الضمير غير عابئين بحكم.
وفى توثيقنا لمسيرة الاستاذ بابكر كرار , ومتابعة بوصلة توجهاته , يتبين لنا تفرد دوافعه فى تغيير مواقفه , يسارا ويمينا .كان هدفه الاول التركيز على الاشتراكية فى الاسلام وابراز وتحليل كل النصوص الاسلامية التى تدعو للمساواة والعدالة والتكافل الاجتماعى ,ويقدم السيد الصادق المهدى تحليلا دقيقا وعميقا لشخصيته فى مرثية بليغة بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لرحيله , ويشير الى اهم مفتاح شخصية بابكر , هو» التأصيل والكرامة , ومهما تنوعت مواقفه الفكرية اسلاميا وعربيا واشتراكيا, فقد انطلق من بوصلة وجدانية واحدة , ماوقر فى قلب الراحل هو التأصيل المنبثق من تلك المرجعيات . ويضيف فى باكورة وعيه السياسى احس بأن الحركة الشيوعية العالمية ,تريد ان تفرض استلابا ماديا غربيا على بيئة اسلامية , فاندفع هو وزملاؤه لتأسيس حركة التحرير الاسلامى, وفى مرحلة لاحقة عندما انبثق التيار العربى , متصديا للهيمنة الدولية مجسدا لهوية المنطقة , انخرط فيه بابكر . وفى كل مراحل تحولاته الفكرية , اتسم نهجه باللانمطية وبالشجاعة فى التعبير عن رؤيته . علقت له ذات يوم فى طرابلس عن التنقل من مقولة الى مقولة , فقال لى : انت تحسبنى سياسيا . أنا فنان! ومنذ قالها تأملت الأمر لاجد ان كل تعاطيه مع الفكر كان بصورة خلاقة يكتسب صورة الابداع الفنى ! (حوارات الوطن 2009 ).ورغم الدور البارز الذى قام به الاستاذ بابكر كرار ورفيقه عبد الله زكريا لدعم المعارضة السودانية فى مواجهة نظام الرئيس نميرى , وتوفير ملاذ لها فى ليبيا , الا انه اختلف مع رفيق دربه الاستاذ عبد الله زكريا , حفيد السلطان على دينار ,عارض الغزو العسكرى عام 1976بقيادة الجبهة الوطنية , وغادر مغاضبا الى القاهرة ثم عائدا للسودان, ليمضى بقية ايامه مع اسرته فى منزل بالايجار فى منطقة الحلة الجديدة. .
-2-
من مفارقات التاريخ ومكره يتواصل الجدل: من هو مؤلف الكتاب الاخضر , السيىء الصيت؟ وتنحصر الاجابة ومنذ عام 1975م بأن مؤلفه بابكر كرار , وآخرون يقولون انه عبد الله زكريا, لكنه نفى نفيا قاطعا فى حوار مع الاستاذ غسان على عثمان عبر مدونته فى facebook بتاريخ 13 نوفمبر2009م , ويؤكد» الصحيح اننى كتبت شروحات على الكتاب كأى قارىء عادى , ولكن الأخوة الليبيين اخبرونى بان العقيد القذافى مهتم جدا بتفسيرى للكتاب «
ويقول الكاتب والاكاديمى الفلسطينى الدكتور احمد ابومطر , وقد عمل فى جامعات ليبيا , ويقيم الآن فى النرويج : «وضع العقيد القذافى اسمه على كتيب , كتبه اللاجىء السودانى آنذاك الاستاذ بابكر كرار , وقدمه ساخرا للديكتاتور بحجة ان العالم شهد النظرية الماركسية والنظرية القومية وكلتيهما فشلتا فى انقاذ العالم , فلابد من نظرية ثالثة خضراء , فاعجب القذافى بالكتاب وامر بطبعه باسم الكتاب الاخضر واسس مستقبلا مركزا باسم المركز العالمى لدراسات الكتاب الاخضر وكان يرأسه فى بداية تأسيسه الليبى ابراهيم ايجاد ثم الليبى احمد ابراهيم (ايلاف 23 يونيو 2010)
ومن المساجلات المهمة جاء فى مدونة:
Sudan.net and sudanforum.net بتاريخ 25 مارس 2011 م تساؤل المدون على حسن :هل صحيح ان سودانيين اسهموا فى تأليف الكتاب الاخضر ؟
ويجيبه الاستاذ ايسر من المشرفين على الموقع , انه «سمع شخصيا من الاستاذ عبد العزيز شدو , المحامى ووزير العدل الاسبق ,ان الاستاذ بابكر كرار اكمل الكتاب فى ثلاثة اشهر , ويضيف الاستاذ شدو:كنت معه فى مطار ليبيا مغادرين الى الخرطوم, وجاء مندوب من العقيد القذافى لمقابلة الاستاذ بابكر وقدم له شيكا الا ان بابكر مزق الشيك وقذف به الى الارض..»
-3-
ورغم صراعات قيادات الاسلام السياسى وتطاحنهم من اجل السلطة , الا انهم لم ينكروا الدور الريادى الذى قام به الاستاذ بابكر كرار, وزهده من الغنائم التى توارثوها . يقول السيد الصادق المهدى :مهما كان احساسه بالاحباط ,فعزة نفسه وطموح افكاره لم تبارحه ابدا , فكان وهو يتألم مما حوله من احباط عزيز النفس, قوى الشكيمة واضح الرؤية :
وفى العصافير نبل وهى طائرة
وفى النسور اباء وهى تحتضر
وشبه السيد ابراهيم السنوسى, تأسيس بابكر كرار الحركة الاسلامية , مثل دخول سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه الاسلام , فالصلاة التى كان يؤديها الطلاب سرا فى جامعة الخرطوم , كان بابكر اول من صدح بآذانها جهرا داخل البركس فى الخمسينيات من القرن الماضى ( حوار فى جريدة الوطن 2010 للاستاذ جمال عنقرة) .ويقول الدكتور جعفر شيخ ادريس, ان الترابى كان يتتلمذ على بابكر كرار ويضيف, حسب رواية الدكتور امين حسن عمر, ان بابكر كرار تأثر كثيرا بفكر القاديانية وتبعه الدكتور الترابى . والقاديانية « دين مخترع ظهر اواخر القرن التاسع عشر بقاديان احدى قرى البنجاب الهندية ومؤسسه ميرزا غلام احمد ويدعى انه مجدد وملهم «. ويتهم الاستاذ على اسماعيل العتبانى رئيس مجلس ادارة «الراى العام», الدكتور الترابى بانه يعيد انتاج فتاوى الاستاذ بابكر كرار , ويزهو بها الان بانها من اجتهاداته , ويوضح ان جذور هذه الفتاوى نجده فى كتاب : بابكر كرار , سيرته وفكره وهو رسالة ماجستير للاستاذه نادية يسن عبد الرحيم * ويورد الاستاذ العتبانى فى دراسته ( الرأى العام 23 مايو 2006 م بعنوان :الترابى يعيد انتاج فتاوى بابكر كرار) نماذج من تلك الفتاوى , كفتوى الردة وتعدد الزوجات , ويقول ان بابكر كرار كان يفرق بين رأس المال والرأسمالية , ووصف الراسمالية بانها اداة اقتصادية بشعة تسلب قوة عمل العاملين وفائض انتاجهم وتقوم بتصنيف المجتمع الى مترفين ومستغلين.وكان واضحا ان بابكر كرار لايعارض توظيف رأس المال وتدويره ولكنه يعارض, توظيف العمالة وتحويلها الى رقيق اجتماعى بالمال . وكان لبابكر اجتهاداته فى ان الحدود لا تقع تحت طائلة قانون العقوبات, مثل عدم اقامة الصلاة او الاهمال فى اداء المناسك , كما برز اجتهاده فى الزنا والقذف بالزنا , وافتى بان عقوبة الزانى المحصن مائة جلدة وليس الرجم .وكان يدعو الى تثبيت قضايا الحرية والوقاية من التمزق الروحى فى الدستور الدائم .
عاش الاستاذ بابكر كرار لفكره , فقيرا , لم يمتلك حتى منزلاً للاسرة , مجسدا لدور المثقف الشجاع الذى يملك الارادة القوية لمنازلة الاستبداد , ايا كانت مصادره , من فقهاء السلطة او اجهزته السياسية والامنية .
اتمنى الاطلاع عليه ,ولو امكن نسخه عبر الانترنت .
[email protected]



الراي العام


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2217

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#206905 [مجودي]
1.50/5 (3 صوت)

09-11-2011 09:14 PM


شكرا الأستاذ يحي

سمعنا كثيرا عن المرحوم كرار لكنك بمقالك هذا

وضعت امامنا تحليلا أمينا عن شخصية الراحل دون

محاباة أو إنحياز فكري / سياسي



يحي العوض
يحي العوض

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة