الجلوس فوق برميل بارود ..
05-19-2010 12:35 PM

الجلوس فوق برميل بارود ..

فتحي الضَّـو
[email protected]

مع إطلالة العام الجديد أفصحت كثير من الدوائر ذات الصلة بالقضية السودانية عن رؤيتها حيال ما يجري على أرض الواقع. أو بالأحرى توقعاتها في الفترة القصيرة القادمة، حيث باتت الأمور تقدر بعدد الشهور لا السنين، وبالطبع ذلك لا يعني شيئاً ذا بال في ميزان الدول ولا معايير الأفراد... ففي مقال مشترك للدبلوماسيين السابقين القس جون دانفورث والجنرال لازروس سيمبويا، نُشر في صحيفة (إيست أفريكان) الكينية مطلع الشهر الحالي، بمناسبة مرور خمسة سنوات على اتفاقية السلام الموقعة بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان. حذرا فيه من (احتمال إنهيار هذه الاتفاقية وعودة الحرب بطريقة شاملة إذا لم يتم التوصل إلى حل نهائي لقضية دارفور) وعزيا ذلك إلى (عدم تنفيذ بنود أساسية في الاتفاق) وعلى عكس المألوف في أي عملية انتخابية طبيعية، قالا إن (انتخابات ابريل القادم 2010 واستفتاء العام 2011 يمكن أن يلقيا بالبلاد في براثن حرب مدمرة) وعلى الرغم من أن ذلك ليس أول حديث متشائم بخصوص هذه الاتفاقية وتداعيات إنهيارها إن حدث. لكن كونه يأتى هذه المرة من دبلوماسيين حملا الاتفاقية المشار إليها وهناً على وهن، ذلك ما ينبغي النظر إليه بعيون فاحصة وقلوب وجله. فالأول كان المبعوث الرئاسي الخاص للرئيس الأمريكي السابق، في حين لعب الثاني دور الوسيط الأساسي.. إلى أن إنتهت المفاوضات الطويلة بالتوقيع علي اتفاق السلام في منتجع نيفاشا الكيني.

تلك خطى سبقتهما إليها منظمة العفو الدولية التي أصدرت بياناً في 29/1/2010 حذرت فيه من أن (تتسبب الانتخابات في تدهور أوضاع حقوق الإنسان عبر البلاد، وكذلك في ارتفاع وتيرة النزاع المسلح خصوصاً في دارفور وجنوب السودان) وعلى ذات النسق تحدث جان بيونغ رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي يوم 30/1/2010 إلى راديو فرنسا الدولي متسائلاً (هل هناك خطر محدق في إمكانية إشتعال الحرب مرة أخري بين الشمال والجنوب بالرغم من كل ما قيل في نفيها؟ هل سيشجع استقلال جنوب السودان أطرافا أخري في دارفور ومناطق أخري للمطالبة بالمثل؟) ثمَّ أجاب بنفسه اختصاراً (ينتابنا شعور بأننا نجلس فوق برميل من البارود) يأتي ذلك في ضوء تقرير صدر عن لجنة جمع الأسلحة الصغيرة منتصف ديسمبر الماضي، أشار إلى أن (مستقبل السودان يبدو أكثر توتراً، وأن عملية السلام تترنح من أزمة إلى أزمة) وكذا في ظل أسلحة أخرى ثقيلة قالت السيدة سوزان رايتس مندوبة الولايات المتحدة لدي الأمم المتحدة إنها تدفقت عياناً بياناً من الشمال إلى الجنوب. وفي خضم هذه التداعيات دعت كينيا على لسان رئيس الوزراء ريلا أودينقا في تعميم صحفي صدر في 3/2/2010 (المجتمع الدولي إلى مساعدة السودان على تجنب العنف عند إجراء استفتاء جنوب السودان على تقرير مصيره العام المقبل) ومحلياً استلهم السيد الصادق المهدي ذلك التراث الوافر وتنبأ بما اسماه (سيناريوهات جهنمية) يمكن أن تسفر عنها الانتخابات. جاء ذلك في منتدى (بين السياسة والصحافة) الاسبوعي بتاريخ 3/2/2010 وأضاف ترهيباً وترغيباً في آن معاً وقال (في حال لم تمل يقظة الضمير ومصلحة الوطن وبركات العناية علينا نهج التوافق بين مرشحي الرئاسة، سنخوض معركة الانتخابات التي ستفرض على البلاد مزيداً من الويلات المدمرة)!

إذاً فنحن أمام صورة قاتمة تكاد تحظى باجماع مراقبين مؤثرين. ومع ذلك لا يخالجني أدنى شك في أنهم ليسوا وحدهم المتشائمين، فلو أن المرء استفتى أهل السودان جميعاً بناءً على معطيات الواقع الماثل أمامنا، لقالوا بلسان مبين وبجميع لغاتهم المحكية، إنهم يرون وميض نار تحت الرماد يوشك أن يكون لها ضرام. ذلك عدا العصبة ذوي البأس الحاكمة بالطبع، فهم لا يريدون أن ينظروا للأمور بأبعد من أرنبة أنوفهم، لهذا فهم لا يرون ما يراه الناس ولا يشعرون بما يستشعره الخلق. وبالرغم من أن هذا الواقع لم يأت بغتة ولم يهبط فجأة بين عشية وضحاها، إلا انهم ظلوا يكابرون ولا يريدون الاعتراف بأنه من صنعهم، واقع مأساوي جاء نتيجة لتراكمات فساد السلطة على مدى عقدين من الزمن. وتلك هي نتيجة منطقية لمن إستاثر بها غصباً وأراد حكم الأمة بدون إرادة مواطنيها. وتلك هي محصلة بديهية لمن احتكم للقوة وعمل على اقصاء الآخر عنوة، وتلك هي خلاصة متوقعة لكل من ظن توهماً أن العناية الإلهية أرسلته لإنقاذ قوم من شرور أنفسهم. لم يكن أهل السودان يرجمون بالغيب فيما قالوه عشية الانقلاب المشؤوم، فذلك ما استوحوه من دروس وعبر التاريخ، فما تكرر حدوثه في ديارهم حدث يومذاك في الدولة النازية، وحدث في الدولة الفاشستية، وحدث في الدولة الديكتاتورية التي كان الرئيس العراقي صدام حسين أخيرها وليس آخرها. ولم تجتهد العصبة كثيراً فقد استقت كل هذه التجارب مع بؤسها، وغلفتها بغطاء الدين ودغمتها بفتاوي فقه الضرورة.

التاريخ كما نعلم لا يُمحي بأستيكة. وثمة قاعدة أزلية تقول إن ما بني على باطل فهو باطل، وهي القاعدة التي تظل صالحة لكل زمان ومكان مهما اجتهد مزينو الباطل في إخفاء عيوبه بأساليب الفهلوة والخداع ولعب (الثلاثة ورقات) وعليه فإن قصة أهل السودان ببساطة شديدة تقول إن عصبة تسورت حائط السلطة ليلاً وأجهضت نظاماً برلمانياً منتخباً أياً كان الرأي حوله إتفاقاً أو إختلافاً. مارس النظام الإنقلابي كل الأساليب البغيضة مع مواطنيه بصورة عامة ومعارضيه بصورة خاصة. ولم يكن يري سوى البندقية وسيلة لتداول السلطة، بل أن رئيسه لم يجد حرجاً في نفسه من أن يطالب معارضيه بالمنازلة الصريحة إن أرادوا الوصول لها، وهي الدعوة التي وجدت استجابة مدعومة إقليمياً ودولياً، الأمر الذي فتح أبواب العنف وأغرق البلاد في بحور من الدم. ونتيجة للأوضاع غير الطبيعية في تلافيف السلطة الحاكمة حدث ما اسموه بالمفاصلة في ديسمبر 1999 وانقسم الاسلاميون جرائها إلى جناحين، المؤتمر الوطني الذي استبقى نفسه في السلطة بآليات جديدة وبقيادة الرئيس عمر البشير ومؤتمر شعبي لزم صفوف المعارضة بزعامة دكتور حسن الترابي. توصل الأول إلى اتفاق مع الحركة الشعبية في 2005 شاركته بموجبها السلطة والثروة بغض النظر التشاكس المستمر. وعلى غرار ذات الاتفاق حاولوا تمكين أنفسهم في السلطة باتفاقيات اخري مماثلة مع قوي وتنظيمات سياسية، كان قاسمهم المشترك فيها جميعاً نقض العهود والتنكر للمواثيق. على أية حال تقرر اقامة انتخابات رئاسية وتشريعية وولائية الآن بموجب اتفاق السلام. إلا أن هذه الانتخابات تعرضت لجدل شديد، فالبعض يراها إمتداد لنهج الكذب والخداع الذي دأبت عليه العصبة. ويعتقدون إنها زيفت الانتخابات سلفاً بالتلاعب في سجل الناخبين، والذي سبقه التلاعب نفسه بالاحصاء السكاني. ويرون أيضاً إنها لن تكون حرة ونزيهة طالما أنها تقام في ظل ترسانة قوانين قمعية، علاوة على أن العصبة الحاكمة عمدت إلى استغلال امكانات الدولة دونما حياء وأمام عيون مفوضية الانتخابات التي لا حول لها ولا قوة. في الجهة المقابلة يرى انصار قيام الانتخابات أن النواقص المذكورة لا ينبغي أن تكون سبباً في مقاطعتها، بدعوى أنها يمكن أن تكون خطوة أوليه في مسار تحول ديمقراطي وإن طال السفر، أو أنها يمكن أن تكون سبباً لاستثارة مشاعر المواطنين للقيام بإنتفاضة انتخابية حقيقية إن جاز التعبير.

الذي حدث أن إرتباكاً غير مبرر ساد أروقة القوى المعارضة التي اصطفت مع الحركة الشعبية في خندق جوبا، وحددت في اجتماعها الأول المنعقد في سبتمبر 2009 شروطاً للمشاركة في الانتخابات، وقالت إن على الحزب الحاكم الايفاء بها حتى تاريخ 30/11/2009 لكن التاريخ المذكور مرّ دون أن تحرك العصبة الحاكمة ساكناً. وبالرغم من أن القوى المتحالفة لجأت إلى أساليب أخرى للتعبير عن موقفها مثلما حدث في مسيرتي 7 و14 ديسمبر2009 إلا أن عنف السلطة المتوقع كان مدعاة لتناقضات بين القول والفعل، ففي حين استمرت بعض القوى السياسية في موقفها الداعي إلى مقاطعة الانتخابات ما لم تُلبى الشروط المذكورة، كان البعض قد شرع فعلا في اجراءات الانتخابات. وهنيهة ذابت الفواصل فتوجه الجميع نحو المشاركة عدا السيد على محمود حسنين الذي بقى مثل السيف وحده ينادي بضرورة المقاطعة. في ضوء الوضع الجديد هذا اجتمعت قيادات من القوى السياسية مرة أخرى في جوبا واصدروا بياناً بتاريخ 2/2/2010 حوى جملة قرارات رمت جميعها في اتجاه المشاركة بغض النظر عن التحفظات التي لازمت القوانين القمعية. بل لم يجد المجتمعون بداً من الالتفاف حولها ببند أقرب إلى الاستجداء (طالب الاجتماع رئيس الجمهورية باصدار قرار جمهوري يقضي بتجميد وابطال كافة القوانين المقيدة للحريات في الفترة ما قبل الانتخابات، وتعديلها نهائيا بواسطة البرلمان المنتخب لاحقاً حتى تتوافق مع الدستور الانتقالي) وبهذا أسدل الستار على المقاطعة حتى وإن تمسك البعض بخيط واهن في حدوثها قبل إنتهاء فترة الانسحاب المحددة بتاريخ 25 فبراير الجاري.

يقيني أن الكل يتمنى لو أنه أزاح أستار الغيب ليعلم ماذا يمكن أن يحدث غداً في مسرح العبث هذا، فبالرغم من إيماننا الرامي في اتجاه إن هذه الانتخابات لن تفضي إلى تحول ديمقراطي حقيقي، وبالرغم من أننا لا نرى جدوى يمكن أن تُجنى منها في ظل (الكنكشة) التي تمارسها العصبة ذوي البأس في السلطة. لكن سنضع ذلك جانباً وسنحاول أن نساهم في استنكاه ما يمكن أن يحدث طبقاً للوقائع التي بين أيدينا والتي سنرسم بها سيناريوهات إتكأت على الواقع واستلهمت من الخيال صوراً قد تصيب وقد تخيب. باديء ذي بدء لابد وأن المراقبين قد لاحظوا أن المشاركة المكثفة للقوى السياسية التي دفعت برموزها إلى قمة الانتخابات الرئاسية قد أربكت خطط المؤتمر الوطني، والذي يبدو أنه بني حساباته على أساس أن هذه القوى لن تأخذ الأمر مأخذ الجد، أو حتى إن فعلت فستكون وفق مشاركة ضعيفة إيحاءً بتحقير العملية الانتخابية برمتها. وطبقاً لذلك لابد وأن عصبة المؤتمر الوطني ركنت إلى أنها ستحصل على الأغلبية وتحسم الموضوع من الجولة الأولى أو على أسوأ الفروض الحصول على نسبة الـ 51% (وهي تعادل 8046859 من جملة عدد المسجلين البالغ 15778154) للعبور للجولة الثانية. لكن جاءت ما سُمي باستراتيجية تشتيت الأصوات لتكون عنصراً مربكاً، لاسيما، وقد أتضح للعصبة الحاكمة وفقاً لحديث الأرقام أنه يصعب الوصول لأي من الهدفين في ظل مشاركة الحركة الشعبية، إلى جانب الحزبين التقليديين، والمؤتمر الشعبي، والقوي الحديثة بما فيها اليسار والآخرين. بل يبدو ذلك مستحيلاً حتى ولو جنحت لتزويرها في وضح النهار!

إزاء هذا الوضع المعقد لابد وان يتساءل المرء عن الكيفية التي ستخرج بها عصبة المؤتمر الوطني الحاكمة من هذه الورطة؟ في تقديري هناك طريقان لا ثالث لهما، أولهما دخول العصبة في تفاوض مباشر مع بعض القوى السياسية المنافسة، وبالفعل يبدو أن ذلك ما حدث بالفعل مع إثنين، الحركة الشعبية لتحرير السودان، والتي تقول أخبار الكواليس أن المؤتمر أراد ابتزازها أولاً بدعم سليفا كير كمرشح لحكومة الجنوب، حتى وإن تطلب ذلك التخلي عن تنظيمات وافراد من صنيعهم هدفوا من ورائها لزعزعة الأرضية التي تقف عليها الحركة الشعبية، وعندما لم يجد الابتزاز سبيلاً جنحوا للمقايضة، إذ طلبوا من الحركة الشعبية سحب مرشحها (ياسر عرمان) وتوجيه قواعدها للتصويت لمرشحهم، ذلك مقابل شراكة مستقبلية يتم فيها استفتاء سلس. ووفقاً لما علمنا تجدر الاشارة إلى أن الحركة الشعبية دفعت بمقترح في ديسمبر الماضي واعتبرته آخر فرصة للوحدة، وقد اقترحت فيه أن يكون الفريق سيلفا كير رئيساً للسودان على أن تتخلى عن مقاعد السلطة التشريعية. وما الزيارة المثيرة للجدل التي قام بها رئيس النظام للملكة العربية السعودية مطلع العام ببعيدة عن هذا السيناريو. وهو ما أزاح المشير عبد الرحمن سوار الذهب رئيس اللجنة القومية لمرشح الحزب الوطني النقاب عنه بعض الشيء، فوفقاً لحديثه للصحافة 5/2/2010 فقد (كشف عن مساومة من قِبل بعض القوى الغربية من أجل أن يتنازل المشير عمر البشير عن الترشيح في الانتخابات الرئاسية المقبلة مقابل اسقاط تهمة ممارسة الابادة الجماعية) على كل يبدو أن عصبة المؤتمر الوطني ظنوا أن في ذلك إغراء كاف للحركة الشعبية، الأمر الذي أوصد تصريح لأمينها العام باقان أموم الأبواب أمامه، لأنه فيما يبدو كان مجرد نبيذ قديم في قارورة جديدة. وقد جاء اجتماع جوبا الثاني كدليل على أن الحركة الشعبية قطعت به قول كل خطيب في علاقتها مع المؤتمر الوطني. من جهة ثانية دخل المؤتمر الوطني في تفاوض أيضاً مع الحزب الاتحادي الديمقراطي، وقدم له بحسب ما علمنا إغراءً يرمي إلى إخلاء دوائر جغرافية لتكون من نصيبه في الانتخابات التشريعية القادمة، وهو إغراء لم يجد الاستجابة الكاملة حتى الآن ربما لضعف الطالب والمطلوب. وعليه يتضح ألا مناص أمام عصبة المؤتمر الوطني سوى المضي في طريق الترغيب، لربما وجدت من استجاب لها لكي تعبر بمرشحها نحو بر الرئاسة. لكن إن لم يحدث ذلك فليس أمامنا سوى الإقرار بالسيناريو الذي أفزعني وينبغي أن يفزعكم أيضاً. إنه السيناريو الذي يؤكد أن هذه العصبة ستفتعل اضطرابات عنيفة تنثال فيها الدماء، لتجعلها مبرراً لإعلان حالة الطواريء والأحكام العرفية وبالتالي إلغاء الانتخابات!

ذلك ليس رجماً بالغيب إنما بحسابات الواقع، والشاهد في ذلك إن دخول عصبة المؤتمر الوطني هذه الانتخابات بظهر مكشوف يعني خسران مبين لمرشحها، وفي ضوء تطورات المحكمة الجنائية ستكون الخسارة سيفاً مصلتاً على كثير من الرقاب وليس الرئيس المطلوب للعدالة وحده. ويعلم المراقبون أن هذه العصبة لم تلتف حول مرشحها ليس لأنه أكثرهم وطنية ولا أرجحهم عقلاً ولا أكثرهم تديناً ولا أقلهم فساداً، ولكن لأن مثوله يعني مثول قائمة قد تطول وقد تقصر. الشيء الثاني تعلم عصبة المؤتمر الوطني أنها تدخل انتخابات وهي خالية الوفاض من إنجازات ملموسة في حياة المواطن، إنجازات تجعل هذا المواطن يقدم طوعاً لإعادة إنتخاب من جربه لعقدين من الزمن. بل إن ما يزيد الوضع ارتباكاً فهي تقدم على المغامرة بسجل ملييء بالأوزار ومثقل بالأخطاء والخطايا. وتتعقد المعادلة أكثر في ضوء ما رشح من اخبار تؤكد تنامي تيار بين العصبة نفسها، شرع في إثارة المسكوت عنه في أجندة السلطة والثروة، وهم من يرون انفسهم أقل الناشطين تورطاً في قضايا الفساد، بل أن التساؤلات تزايدت باستفهامات تساءلت عن الهدف من انتخاب رئيس لن يستطيع زيارة أي دولة مؤثرة من دول صناعة القرار العالمي؟ والراجح عندي أن هذا التيار لو حدث وتمدد وطمح إلى ضرورة استبدال المرشح بمرشح، فإن الرئيس المعني لن يقف بيد عاجزة عن أن تتناول بزته العسكرية التي خلعها بالأمس!

من نكد الدنيا على هذا البلد العظيم إنه أصبح يعيش في كنف واقع تحف به رمال متحركة من كل حدب وصوب. واقع لا يتوقف عند مكابرة العصبة ذوي البأس في عدم الاعتراف بمأساويته، بل تماديها في تقبيح الجميل وتجميل القبيح. عصبة تريد ان توهم الناس بأن العالم كله يتآمر عليها، دون أن تقول لماذا هي وحدها دون سائر خلق الله، عصبة ما تزال ترى الفساد إنجازاً والفشل إعجازاً، عصبة تظن أن حرمان مواطنيها من ابسط قواعد الحياة نعمة وأن موتهم رحمة، عصبة تعتقد أن شكوى مواطنيها من غلاء المعيشية وتدهور خدمات الصحة والتعليم ترف لا مبرر له، عصبة ترى التسلط أرقى أنواع السلطة، عصبة اختلطت عليها مفاهيم السيادة وباتت تنظر لأصحاب القبعات الزرق كأنهم رزق ساقه الله عليها، عصبة تيقن أن الكذب خصلة يمكن أن تضاف لميزان حسناتها. يا سيداتي وسادتي.. تعلمون إننا نقف أمام وطن يزحف نحو القبر، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه كم من السودانيين يعلمون دافنيه؟ وكم من الذين بيدهم الأمر يدركون أن النار التي استوقدوها ورقصوا حولها طيلة العقدين الماضيين لن تكون برداً ولا سلاماً بعدئذ!!



عن صحيفة (الأحداث) 7/2/2010

.........

مفوضية (الأصم) لإنتخابات ناطقة ونزيهة .

فتحي الضَّـو

[email protected]

رغم الفوارق الحضارية، إلا أن ثمة قواسم مشتركة لا تختلف عليها شعوب هذه الدنيا، وهي تمثل بديهيات فيما يخص سلوكياتها وثقافاتها ونمط حياتها. نذكُر على سبيل المثال لو أن شخصاً ما توعك في أي بلدٍ من بلدان العالم، فإن رد الفعل الطبيعي يُفرض عليه الذهاب إلى المستشفي لمقابلة طبيب يُشخِّص عِلته، ومن ثمَّ يصف له الدواء المناسب لدائه. وبنفس القدر لو أن شخصاً آخراً رغب في بناء منزل، فإنه سيكون لزاماً عليه الإستعانة بمهندس معماري ليرسم له الخارطة، وقد يشرع بعدها في التنفيذ بواسطة ما نسميه بـ (البنَّا) أو المُقاول أو المُنفذ. وكذلك لو أن أباً أراد لإبنه أن يرتقي مدارج التعليم، فلابد أن يلحقه بمدرسة يشارك فيها تلاميذ آخرين طلب العلم على يد معلمين، تلك هي صنعتهم. أما وإن عقدت دولة ما العزم على إقامة إنتخابات حرة ونزيهة،. فبالضرورة أن تكون أُولى خطواتها في هذا المضمار تكوين مفوضية خاصة بتلك الإنتخابات. ومن المُسلم به أن يتم التراضي والتواصي حولها وتحظي بموافقة كل الذين سيتنافسون في تلك المعركة الشريفة. والذي لا جدال فيه أن مهام تلك المفوضية ستكون محصورة في وضع الأسس والضوابط والقواعد التي تكفل لها إنجاز المهمة التاريخية على أكمل وجه. ولعل قبل هذا وذاك هناك شروط ضرورية ينبغي توفرها في شاغري مناصب المفوضية أنفسهم، مثلما ورد في الدستور الانتقالي وقانون الإنتخابات، اللذين نصا على أن يكونوا من (المشهود لهم بالاستقلالية والكفاءة وعدم الانتماء الحزبي والتجرد) وبذات القدر يمكن القول أن ثمة شروط أكثر موضوعية، ولكن لن يجدها الناس، لا في نص مكتوب ولا لوح محفوظ. تقول إنه ينبغي أن يكون عضو المفوضية من الذين يؤمنون بالديمقراطية إيمان العجائز، ومن المشهود لهم بالدفاع عنها كلما توغلت عليها الأيدي الآثمة وانتهكت حرماتها. ويفترض كذلك أنه أحد الذين عُرفوا في ساحات الدفاع عن حقوق الانسان بصولاتهم وجولاتهم التي لا تعرف التقاعس ولا المساومة ولا الإنحناء. وبالطبع لن تكون الإنتخابات حرة ولا نزيهة - مثلما تُكثر عصبتنا ذوو البأس من هذا التوصيف - إذا لم يملك أرباب المفوضية سجلاً حافلاً في العفة والنزاهة والأمانة وطهارة اليد.

بغض النظر عن الشروط الصريحة أو المستترة أعلاه.. أُنشئت مفوضية الإنتخابات الحالية بموجب مرسوم جمهوري قضى بتعيين السيد أبيل ألير رئيساً، والبروفسير عبد الله أحمد عبد الله نائباً له، إلى جانب عضوية كلاً من: دكتور جلال محمد أحمد الذي احتل منصب الأمين العام، الأستاذة فليستر بايا، الفريق شرطة عبد الله بله الحاردلو، بروفسير محاسن حاج الصافي، الدكتور محمد طه أبو سمرة، بروفسير مختار الأصم، الفريق شرطة الهادي محمد أحمد، الدكتور أكولدا مانتير. وطبقاً للمادة 141 – (1) من الدستور الانتقالي، فقد تحددت مهام هذه المفوضية في المسائل التالية: (أ) إعداد السجل الإنتخابي العام ومراجعته سنوياً (ب) تنظيم إنتخابات رئيس الجمهورية، ورئيس حكومة الجنوب، والولاة والهيئة التشريعية القومية، ومجلس جنوب السودان، والمجالس التشريعية الولائية، والإشراف عليها وفقاً للقانون (د) أداء أي مهام انتخابية أخرى ذات صلة يحددها القانون. وفي ظل الغموض الملازم لسيرة بعض أعضاء المفوضية، كان من الطبيعي أن يتساءل الناس عن النبأ العظيم الذي كفل للسادة المبجلين احتلال تلك المواقع. ومن محاسن الصدف أن المفوضية إتبعت طريقاً حضارياً وأسست موقعاً إلكترونياً على الشبكة العنكبوتية، ولكن من مساويء الصدف أن الموقع المذكور لن يروي ظمأ الباحث عن السيرة الذاتية للمفوضين، عدا العضو الأخير الدكتور أكولدا مانتير. لكن يبدو أن ذلك مما لا يمكن أن يستعصي على أهل السودان، رغم الاتساع الجغرافي لبلادهم وكثرة قاطنيها من شعوب وقبائل مختلفة الألسن والسحنات. ولربما لا يعرف البعض أن ثقافة المشافهة التي اشتهروا بها، تكفل للواحد منهم إختزان ملفات في تلافيف مخه قد يعجز محرك البحث الإلكتروني (قوقل) عن استيعابها. وفي هذا الاطار لعل القليل الذي نضح، ولا يختلف حوله إثنان، بل لن تنتطح فيه عنزان، ألا أحد من العشرة الكرام المُبشِرين بإنتخابات حرة ونزيهة يمكن أن تنطبق عليه الشروط المستترة أعلاه، بل على النقيض من ذلك فقد خدم أكثر من نصفهم الأنظمة الشمولية باخلاص وتفانٍ، أما النصف الآخر فقد كان بين ذلك قواماً!

دعك من المستتر، إذ أن المفوضية إنتهكت الشروط الصريحة وهي طفلاً يحبو. وتلك مكرمة كان قد جاد بها القانوني الضليع الاستاذ الصادق الشامي الذي لفت إنتباهم لذاك الخلل، وسطره في مذكرة مفتوحة وجهها لأعضاء المفوضية يوم 25/11/2008 ولكن كالعهد بهم لاذوا بصمت بليغ. أوضح الشامي في حيثياته أن تشكيل المفوضية (جاء منتهكاً ومتعارضاً ومتصادماً مع نص صريح في الدستور، كما وإنه يخالف ويتناقض مع القانون) وشرح ذلك استناداً على المادة 141 (1) من الدستور التي نصت على: (تنشأ خلال شهر واحد من إجازة قانون الإنتخابات القومية مفوضية قومية للدستور تتكون من تسعة أشخاص مشهود لهم بالاستقلالية والكفاءة وعدم الانتماء الحزبي والتجرد) وأورد كذلك ما نص عليه قانون الإنتخابات لسنة 2008 والذي جاء متمشياً مع الدستور ونصت المادة 4 (1) منه على التالي: (تنشأ خلال شهر واحد من تاريخ إجازة هذا القانون مفوضية تسمى المفوضية القومية للإنتخابات تكون لها شخصية اعتبارية وخاتم عام) وخلص إلى أنه (أُجيز القانون ووقع عليه رئيس الجمهورية بتاريخ 15/7/2008 ولكن التسمية لأعضاء المفوضية لم يتم إلا في شهر نوفمبر أي بعد ثلاثة شهور من الوقت الذي حدده القانون للتعيين) ولأننا نعيش في بلد نعلم أن نقض القسم فيه أسهل من جرعة ما، لم يكن عصياً على المفوضية أن تمارس ذات العادة وهي ترمي ظهريا القسم الذي رددته أمام رئيس الجمهورية (أقسم بالله العظيم أن أؤدي واجباتي ومسؤولياتي بأمانة وتجرد لأي جهة وأن ألتزم بالدستور والقانون والله على ما أقول شهيد) بلسان حال يقول أنتم السابقون ونحن اللاحقون!

لأن فاقد الشيء لا يعطيه أصلاً، لم يكن منظوراً من المفوضية أن تفعل شيئاً أمام سيل الشكاوي التي إنهالت عليها منذ الشروع في الخطوات الاجرائية للإنتخابات، مروراً باغلاق باب الترشيح، وانتهاءا بالنتائج التي ستطوى العملية برمتها في ابريل القادم. ولعل من المفارقات التي لن تدهش أحداً أن جميع الطعون والشكاوي كانت موجهة ضد عصبة المؤتمر الوطني. وفي واقع الأمر لم يكن ذلك بجديد في نهجها الذي خبره الناس طيلة عقدين من الزمن ظلت تدير فيه الدولة كما تدير الماسونية تنظيمها الباطني. فالناس لا يعرفون عن موارد دولتهم تلك – ما ظهر منها وما بطن – سوى أرقام تحلق في فضاءات المستحيل. ورغم تقارير المراجع العام التي تفانت على مدى عشرين عاماً في كشف التجاوزات المالية بشتى ضروبها، ورغم صور الفساد التي تنشرها الصحف بصورة علنية ومستترة، ورغم الواقع الذي يراه الناس أمام اعينهم، ويجري دواباً ويتطاول بنياناً ويتحدث نعماً، إلا أن دولة أصحاب الأيادي المتوضئة لم تجد كبش فداء واحد يكف عنها عين الحاسدين، ويبعد منها شرور الوسواسين الخناسين من بني البشر. ومن العجائب إن المفوضية المتدثرة بغطاء البوهيمية، كشف الاستاذ (المتقاعد) دكتور معتصم عبد الله محمود عن صورة أخرى من صور الشوفينية المستترة، جاء ذلك في مذكرة الطعن التي تقدم بها إلى قاضي المحكمة العليا، حيث شرح في فقرة منها ما تعرض له من إنتهاك لحقوقه واضطهاد لانسانيته من قِبل أحد سدنة المفوضية (عند تسليم الطعن، قابلت عضو المفوضية الفريق الهادي محمد أحمد، والذي خاطبني بحدة وانفعال بأن ليس لي حق في الطعن في مستوى الترشيح لرئاسة الجمهورية، ولكن بعد مطالبتي له بالرجوع إلى قانون الإنتخابات في مادته (45) التي تسند حقي في الإعتراض على أي مرشح أمرني بمقابلة المستشار القانوني للمفوضية. وفي نظري أن ذلك التصرف كان غير كريم ولا يليق بمسؤول تم إختياره في أعلى هيئة لإدارة العملية الديمقراطية في البلاد. وقد عبر لي شفهياً بعض المسؤولين في المفوضية بإعتذارهم عن ذلك التصرف) فتأمل يا هداك الله!

غير أن الذي أفزعني حقاً، وأورثني هماً مقيماً جراء ما يدور داخل دهاليز المفوضية العتيدة، جاء ذكره في تحقيق جريء نُشر في صحيفة الأخبار بتاريخ 28/1/2010 عجبت بعده كيف أن الناس في بلادي يقرأون ما قرأت وينامون ملْ جفونهم عن شواردها؟ يتحدث التحقيق بصورة مركزة حول تجاوزات سافرة تجري داخل أروقة المفوضية وخاصة في قطاع التدريب، قال الصحافي في مستهل بحثه عن الحقيقة (وجدنا أن المراكز التي وقع عليها الاختيار هو مركز الاستشارات والتدريب الدولي وهو المركز الوحيد الذي انفرد بالتدريب والتثقيف الانتخابي في 12 ولاية من ولايات السودان، كما أنه نال حصة كبيرة من ميزانية التدريب) وقد أثبت الصحافي أن المركز يتبع للبروفسير مختار الأصم (ثبت بالمستندات أن المركز مسجل باسمه إلى اليوم في سجلات مراكز التدريب بوزارة العمل) ولكن الأغرب من الظاهرة نفسها اجتهاد البروفسير محاسن حاج الصافي في تفسيرها وهي مسؤولة التدريب بالمفوضية (نحن نعلم أن لبروفسير الأصم علاقة بالمركز وهو تقدم من ضمن 40 مركز تقدمت واخترناه لأن المركز قديم وبه خبرات لم نشأ أن نحرم المواطنين من خدماته) الحمد لله أن البروفسير محاسن قالت خدماته ولم تقل بركاته. ولكن صبراً يا كرام، تلك ليست آخر العجائب، فقد زاد عليها الأصم نفسه بموشح يُسكر سامعه طرباً. فبعد أن اعترف للصحيفة بأيلولة المركز لسيادته، قال (أنه تقدم إلي الأمين العام للمفوضية القومية للإنتخابات د. جلال محمد احمد بطلب لإعفائه من مسئولية التدريب والتوعية التي كان يتولاها حتى يتسنى لمركز الاستشارات والتدريب الدولي ان يتقدم للمنافسة) أرأيتم كيف تكون الشفافية التي تجمع بين الحسنين، إنها الشفافية التي عبرت عنها الأمثولة الشعبية في وصف من أراد أن يأكل الدجاجة و(يخم) بيضها في نفس الوقت!

إن حدث وسألت البروفسير الأصم مثلما سأله الصحافي مستفسراً عن تلك الوضعية الغريبة فسيقول لك لأن مركز سيادته (هو المركز الوحيد في السودان المؤهل للعمل في مجال الإنتخابات) وهب إن ذلك حقيقة يا صاحٍ، فأين المنطق الذي يسند هذه الازدواجية البغيضة؟ كان من الطبيعي أن يختار واحداً من السبيلين، إما المركز وحصة الأسد التي نالها من الدراهم، أو المفوضية وصيتها الذي يجهر الأبصار. لكن أنظر كيف إلتف سيادته على هذه المعضلة بعد أن عزَّ الاختيار، إذ قال للصحافي (إن الطلب الذي تقدم به تضمن نقاطا جوهرية - على حد قوله - منها إما أن تسند مهمة التدريب والتوعية فى المفوضية القومية للإنتخابات لشخص آخر داخل المفوضية، أو يحرم المركز من التقديم والمشاركة في حصة التدريب، بجانب نقطة ثالثة بإشراك معاونين للأصم في عملية الاختيار) أي إختيار المركز. ثم هطل الحل عليه غيثاً من سماء أحد المفوضين ولكن برواية الأصم (فقد فضل الأمين العام الخيار الأول وأعفي الأصم من التدريب والتثقيف) أي أن الأصم وجلال تصورا فيما أقدما عليه إنه كفيل بدرء أي شبهة قد تنبعث من مخيلة أحد المتربصين. وحتى نساعدك يا عزيزي القاريء في فك هذه الطلاسم، نقول لك تصور أن أحداً إكتشف أن وزير الداخلية المصري حبيب العادلي له مصالح باطنية مع الشركات التي تنفذ مشروع الجدار العازل مع قطاع غزة، وحتى لا يفقد تلك الفرصة التي تدر عليه مالاً وفيراً يطلب من بيده الأمر تحويله إلى وزارة السياحة!

في مقام آخر شاء الأصم أن يوسع من دائرة استحقاقاته الوظيفية فتمدد عائلياً بالحاق بعض أفراد الأسرة الكريمة بالمفوضية. وتلك مفارقة قال الصحافي إنه اكتشفها بمحض الصدفة، وتعرف من خلالها على آخرين يحملون نفس الأسم العائلي، والمدهش أنه عندما واجه كبيرهم الأصم بذلك قال له (أنا لا علاقة لي بالتعيين داخل المفوضية وأسرة الأصم فيها أكثر من 800 ألف شخص) ثم قلل من العمل بالمفوضية برمته (عمل المفوضية كله مؤقت وظائف شنو؟) وما يسمه هو بالمؤقت فإن موقع المفوضية كاد أن يكسبه ديمومة شرعية (يظل المفوضون في مناصبهم بالمفوضية لست سنوات، ويمكن لرئاسة الجمهورية التمديد لهم لست سنوات أخر) ولكن هب يا قارئي العزيز أيضاً إنها وظيفة ليوم واحد، هل يبيح له ذلك أن يجعل من مفوضية قومية ضيعة خاصة في بلاد يتسول الناس فيها حق العمل، بل ويفصلون منه حماية للمجتمع من شرورهم!؟ لكن دع ذلك جانباً أيها الكاظم الغيظ مثلي، وسأختم لك بالغبن الذي حرضني أساساً لكتابة هذا المقال، هل تعرف كم قيمة العقد الموقع بين الأصم ومفوضيته؟ ذلك سؤال وجهه له الصحافي بطريقة غير مباشرة (إن الأموال التي تدفع لمركزه كبيرة جدا مقارنة بالمراكز الأخرى؟) فأجابه الأصم بمنطق (شمسوني) قد يثير شهية أي محب للاستطلاع ليركض وراء الحقيقة (لماذا مختار الأصم وحده وهنالك آخرين داخل المفوضية لهم علاقة بمراكز تدريب خارج المفوضية) ومع ذلك لن أفصح لكم عن قيمة العقد تصريحاً ليس خوفاً من الأصم ولكن خشية أن يحدث لكم مكروه أكون سبباً فيه، ولكن إن شئتم المخاطرة، أقول لكم تلميحاً نقبوا عن اسم في الأرقام الحسابية، بدأت العصبة وأزلامها يحبونه حباً جماً لجمال موسيقاه!

إن الشفافية التي يكثر من ذكرها أعضاء المفوضية المبجلين، وكذلك الإنتخابات الحرة والنزيهة التي طففت العصبة ذوي البأس في سيرتها، تتطلبان في المقام الأول كشف ما يدور داخل دهاليز المفوضية، إذ أن ابسط حقوق المواطن المتطلع لإنتخابات ديمقراطية حقيقية تحتم على من بيده الأمر أن يعلمه بميزانية هذا المفوضية؟ وكيف يتم صرف ملياراتها المبثوثة؟ هل قلت مليارات؟ الحمد لله الذي اجراها على لساني وإن لم نراها حتى اليوم ولو في الأحلام. ثمَّ على أي أسس تم اختيار هؤلاء المفوضين؟ ومن الذي اختار تابعيهم وتابعي التابعين في العاصمة والولايات؟ وأين بقية العشرة الكرام، إذ لم يسمع الناس لبعضهم حساً ولم يروا لهم صورة منذ أن تم إعلان هذه المفوضية؟ حتى الرجل الطيب أبيل ألير ظل الناس يرونه لماماً أما مودع أو مستقبل في صمت مقدس كأنه يمنح بركاته لمقبل أو مدبر من زوار المفوضية. ويخالجني شك مريب في أنه لهذا السبب تم اختياره لترؤس هذه المفوضية. ولم يكن مدهشاً في ظل ذلك الوضع الغريب أن يصول الأصم ويجول في عرصات تلك المفوضية، فهو تارة ناطق رسمي في غياب ناطق محدد من قبل المفوضية. وتارة ثانية يراه الناس في مقام من يفتي ويستفتي، وتارة ثالثة يقطع قول كل خطيب متما تشابكت المفاهيم، وأظلمت الرؤى، وصار القوم في حاجة لمن يشرح لهم الفرق بين الشمولية والديمقراطية بمنظور عصري!!

عن صحيفة (الأحداث) 14/2/2010


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 897

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فتحي الضَّـو
 فتحي الضَّـو

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة