جمل العصّارة
09-13-2011 12:33 PM

بشفافية
جمل العصّارة

حيدر المكاشفي

أول ما لفت نظري وأعادني إلى \"الدايلما\" - Dilemma - الوطنية بعد غيبة عن البلاد لبضعة أيام، جملة من الأحوال والأخبار المحبطة رغم أنها ليست جديدة وليست من النوع الذي يثير الدهشة ويلفت النظر من كثرة ما عايشناها واعتدنا عليها لدرجة أنها أصبحت من يوميات الحياة التي ليس منها فكاك، ربما ما يلفت النظر اليها أن أيما غائب عن الوطن طالت أو قصرت غيبته يكون في حالة شوق وتمنٍ أن يجد البلاد عند الأوبة على غير ما كانت عليه من أحوال سيئة ومحبطة، ولكن هيهات، فلن تجد البلاد إلا على حالها السييء وبؤسها المقيم، إن لم يكن قد تدحرج إلى الأسوأ، وكأن قدر أهلها المسطور ان يعيشوا تاريخاً دائرياً حلزونياً لا مخرج منه، وهل يحتاج أحدكم إلى دليل يرشده إلى هذه الدائرة المفرغة التي ظلت البلاد تدور فيها كما يدور جمل العصّارة وهو مغمض العينين عكس عقارب الساعة، ويتأرجح بينها كما يتأرجح بندول الساعة مع الفارق، من حيث أن دوران الجمل وما يصاحبه من \"عصر\" له منتوج مفيد، وتأرجح البندول يحرّك الزمن إلى الأمام، بينما دوران بلادنا على نفسها لا يورثها غير إعادة انتاج مشاكلها وأزماتها، وتأرجحها بين همومها وقضاياها يجذبها الى الخلف ويدحرجها الى الاسفل على عكس حركة التاريخ والحراك الايجابي للمجتمعات، ولا أدل على ذلك من بعض أزماتنا المتخلفة التي ما نزال نرزح تحتها رغم أنها أصبحت عند كثير من الأمم والشعوب القريبة منا والشبيهة بنا من ذكريات الماضي الأليمة، فمشاكلنا ظلت هي هي، وأزماتنا هي هي، وخلافاتنا هي هي، وخيباتنا هي هي، منذ بداية تأسيس الدولة الوطنية وإلى يوم الناس هذا، وعلى ذلك قس تعاطينا المعطوب والمعيب والناقص والمبتور مع هذه الأزمات والقضايا والمشاكل، نفس الحلقات المفرغة واللا نهائية، مؤتمر ينتهي إلى مؤتمر، ومبادرة تسلمنا إلى مبادرة، ووسيط يخلف وسيطا، ثم \"سواطة\" من بعد ذلك تعيد الحكاية كلها إلى المربع الأول، لتبدأ الدائرة في الدوران من جديد، والعالم من حولنا يتقدم ويتطور بينما نظل نحن محلك سر لا نملك غير اللسان الطويل والجعجعة بلا طحين، فصار العالم لا يعرفنا ولا يتعرف علينا إلا عن طريق مشاكلنا ورغم ذلك لا يتورع البعض من القاء تبعاتنا التي جنتها أيدينا عليه وتعليقها على مشاجب التآمر المحفوظة والمكرورة بينما العيب الأساسي فينا نحن، وحتى لو صحّت حجج التآمر فنحن أول المتآمرين بما نخلقه من ثغرات وثقوب يتسلل من بينها المتآمرون إن وجدوا، ومن المفارقات التي لا تدري هل تضحك معها أم تبكي هو أننا في النهاية نسلم أمرنا إلى ذات من رميناهم بالتآمر، فتتعاقب علينا بعثاتهم ويترى مبعوثوهم ووسطاوهم ويظل أمرنا يدور بين عواصمهم التي تتبادل التداول حوله، وهكذا دواليك، تستمر \"الدايلما\" على طريقة الشاعر الحلمنتيشي الذي قال \"أعاين ليك تغمضي انتي، تعايني لي أغمض أنا، ونعيد الكرة من تاني\"..
أليس في هذه البلاد رجال راشدين وشيوخ حكماء وشباب طموح ونساء ماجدات لينتشلوها من هذه الدائرة المفرغة ويضعوها على الطريق الصحيح، اننا لا نسأل بل نستنكر أن تظل بلادنا هذه بكل ما تملك من قدرات ومقدرات وموارد مخبوءة وظاهرة تدور كما يدور جمل العصارة وهو مغمض العينين، بينما في مقدورها إن خلصت النيّات وصدقت العزائم وتوارت الأنانية وسقطت الشمولية وتفشى العدل وعدلت القسمة وتساوى الناس على أساس المواطنة أن تنطلق وتحلّق عالياً كالنسر فوق القمة الشماء..

الصحافة


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1735

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#208031 [محمد أحمد السوداني]
0.00/5 (0 صوت)

09-13-2011 03:25 PM
أخى المكاشفى
كيف تتقدم بلادنا وحكومتنا حكومة عشائرية قبلية عنصرية متوحشة حتى ناس الشمال عندها فيهم خيار وفقوس .
السلطة والثروة والتنمية وازالة الفقر حكر لأهل نهر النيل ومنحني النيل فى الشمال.
- أهل نهر النيل ومنحني النيل لهم الملك والمنعة والقوة والقيادة والريادة حكرا بحكم النقاء والاستعلاء العرقى .
- باقي أهل السودان فى فكر ومخيلة واعتقاد الطغمة الحاكمة هم الرعية والسوقة والرعاع عليهم السمع والطاعة ولهم الفتات من السلطة والثروة ومن يرفع منهم رأسه مطالبا بالمساواة فى الحقوق والواجبات يتهم بالعنصرية والخيانة وموالاة الأجنبي ويكون عرضة للضرب والسجن والاذلال والاهانة ومن ثم تجيش الجيوش بالدبابات والطائرات والعتاد العسكرى الثقيل لدك هذه المناطق وتقتيل أهلها لتمردهم على ظل الله فى أرضه حامى حمى الاسلام وقائد الغر المحجلين الإمام الأكبر مولانا السلطان البشير بن السلطان سليل الدوحة الطاهرة وابن الآكرمين. وما كجبار وأمري وبورتسودان وجنوب السودان ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وتدمير مشروع الجزيرة عنكم ببعيد.
استووا يرحمنى ويرحمكم الله!!!.


#207998 [الجعلى البعدى يومو خنق]
0.00/5 (0 صوت)

09-13-2011 02:43 PM



أخ حيدر ... مقاله رائعه المزج وجميله فى اسلوب ادبى راقِ وعميق. لماذا لاتكتب الروايه الطويله

(للنظام الحاكم ) انها أ كثر تأثيراً وخلوداً وأنت ( أنت) تمتلك الموهبة وكل ( الادوات ) ..

يا أخى .. أ ننا شعب مستكين ومسلوب الارادة فى حالة موت (اكلينيكى) من 89 من زمان...

فالمقارنة بين اختيار ( السىء) أو (الأسوأ) ضياع ومهانة واستسلام للواقع الذى صنعناه بأنفسنا لأنفسنا . والأسوأ هو استعذاب السىء أو الأسوأ., والأسوأ من الأسوأ اللى قبله ..

السودانى يا (حيدر) يرفض الاختيار بين الثنائيات الفاشلة وهو ما يسمى بالقياس الحرج فلسنا مضطرين للاختيار بين ( سيء واسوأ) فياسيدى أرى أن دور ( النظام) قد أنتهى ..

وعلينا أن نطرح اختيارات تخرج بنا من بؤس ثنائيات النظام الحاكم لحظة لاستشراف الامل ..

لقد فقدنا الكثير .. والكثير جدا .. وأخشى أن نُعاقَب الاجيال القادمة .. كما وسيعاقبنا المستقبل.. إن مكثنا نتطوح، فى (رقصة البؤس) تلك.

السودان بلد كبير .. وعريق فيه عقول.. وضمائر حيه وإمكانات معقولة للنهوض. ولسنا مضطرين أبداً للترنح مكروبين.. بين هذا (النظام) وتلك الفوضى (الخلاقة ) ..


فيا أخ حيدر المكاشفى قُـلها بصدقٍ وتوكل على الله ..

فأنت تمتلك (مهارة ) و(خبره) وقدرة على مناورة (النظام) لأنك تمتلك قاعدة (معلومات متينة)

ف(الحقائق) كأشعة الشمس لا تخفى بغربال .. والسودانى لازال يدور في فلكٍ (دوار) لا يعرف كيف الخروج منه؟ واللبيب بالاشارة ............. يفهم ........


يا رب لا تؤاخذنا بما نسينا أو اخطأنا فى حق انفسنا والاجيال اللى بعدنا ...



الجـعـلى البـعدى يـومتو خنـق ..



من مدينة الـدنـدر الطـيب أهلـها والـراقِ زولا ..



#207929 [orass]
0.00/5 (0 صوت)

09-13-2011 01:07 PM
سلامتك يا حيدر المكاشفي ... عندك حمى ؟؟ ولا جمل العصارة رماك .. عايز الحال ينصلح ؟؟ كيف ؟؟ وربنا سبحانه قال (كلما جاءت أمة لعنت أختها).


حيدر المكاشفي
حيدر المكاشفي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة