المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
وأَبْحَرّنَا فِي بَحَرِ الضَيَاعْ، ونِسينَا ذِكْرَاكَ الزَمَان
وأَبْحَرّنَا فِي بَحَرِ الضَيَاعْ، ونِسينَا ذِكْرَاكَ الزَمَان
09-18-2011 08:33 AM


وأَبْحَرّنَا فِي بَحَرِ الضَيَاعْ، ونِسينَا ذِكْرَاكَ الزَمَان

بقلم/ عبد العزيز عثمان سام/ منتصف سبتمبر 2011م- كمبالا
[email protected]

أرْغَبُ في الكِتَابَة، لمحاوَلة تَذْكِير الناس بما جَرَي في بَحرِ الأسبوعين الماضِيَن من هذا الشهر(سبتمبر2011م)، وسبتمبر شهر مُرتَبِط بأحداث إستثنائية، أعظمها أحداث الحادي عشرة منه الذي شهِدَ العدوان علي الولايات المتحدة الأمريكية منذ عِقْدٍ كامل من الزَمان2001م، وعلي مستوي السودان قوانين سبتمبر1983م التي كانت القَشَّة التي قَصَمَت ظَهْر الوَطَنْ في يناير2005م كنتِيجة مُبَاشِرَة لتلك القوانين التي كَرَّستِ التمييز بين شعوب السودان، وأذلَّتهم وأطلقت يَد الحكومات للتسلط والتنْكِيل بالشعب ومُصَادرة الحريات العامة بإسم الدين، وأنْ تَعِيثَ أسوأ درجات الفساد وسُوُء إستغلال مَوارِد البلاد في حروب دينية جِهادِية دَمَّرتِ البلاد.. مَرَّت أحداث مُتَلاطِمَة خلال الأسبوعين الماضيين جَعَلَتْنِي أبحثُ عن عُنوَان يُنَاسِب هذه المادة التي سأتناول فيها بالتعليق بعض ما جَرَي في النِصفِ الأول من سبتمبر الجارِي، وهناك أيضاً، حَدَثٌ سعِيد وَقَعَ في صبيحة الخميس الموافق التاسع من سبتمبر2011م لَنْ أورِده لأنه خاص لا يَهُم عامة الناس، ولكنه سَيَظَلُ مُترَبِطاً بهذا الشهر المُتّسِم بالتغيرات الكبيرة علي المستوي العام والخاص لأمْرٍ إخْتَصَّ بعِلمِه عَلَّامَ الغيُوب، فكل أمر المُؤْمِن خير.. وطَفقتُ أبحث، لأول مَرَّة منذ أن مارست هِوَايَة الكِتَابة، عن عُنْوَان، لما أرْغَبُ الحديث فِيه.. فلجأت إلي أُنْسِي في غْربَتِي الإجبارية بسببِ الرأي والرُؤيَة والمَوْقِف، الإستماع إلي الغِنَاء السوداني مِنْ جهاز الكمبيُوتَر المَحْمُول، رَفِيقِي الوَفِي الصبُور، وأعتمِدُ عليه أيضاً في التواصُل مع الدنيا ومُتَابعة ما يَجْرِي فيها، دُونَ رقِيب قَبْلِي مُتسلِط، فإستمعت إلي أغنيات الراحل المقيم في زَاكِرةِ الشعب مصطفي سيد أحمد، وإستمعت بوَقَار إلي وَرّْدِي(الحُزْنَ القدِيم/ للدوش)، وإلي أبو داؤد (مِنْ زَمَان/ أجْرَاس المَعَبد/ عَزَارَي الحَيِ/ كان بالأمْسِ)، وإلي الموسيقار المدهش محمد الأمين(وَعْدَ النُوَّار) وذلك بمناسبة الحَدَثْ الخَاصّ. وثم دَلَفتُ إلي الشباب في أغانِي وأغانِي وعَمَّك قَدَور في مَسْعَاه الجميل لرفع معنويات الشعب السوداني وتزْكِيرِهم بِماضٍ جميل يَمْسح عنهم عَنَاء نهار رمضان في بَلدٍ (سُخُن) مِنْ كُلِ النَواحِي!!، وإستمعتُ إلي البلابل(رَجَعْنَالَكْ) عَلًيْكَنْ الله ما تَرْجَعَنْ أمرِيكا، ثم إلي الفنان الذي عَزَزَ في أبناء جِيلِنَا التَسَامُح وحُبَ الخَير والجَمَال والإلفَة، وإرتقي بزائِقَتِنا الفنية، ورَاكَمَ بدواخِلنا حُبَ الأوطَان الأستاذ أبوعَرَكِي البخِيت، في روائِعه الخالدة والرِسَالِية،(عن حبيبتِي أنا بَحْكِي ليكُم/ بَخَافْ/ وتسجيل نَادِر لِطَاغور: حَيث العَقْلُ لا يَخَاف، وحيث المَعْرِفَة حُرَّة، في هذه السَماءِ من الحُرِّيَةِ يا أَبَتِي، دَعَّ وَطَنِي يَصْحُو).. فقَررتُ أن يكونَ عِنوانُ هذه المادة، شَطْرٌ من بيتِ شِعرٍ/أغنِية، لإحدي الرَوائِع التي سَمِعْتُها فأطربتْنِي وعَمْقَت إفراحِي وغَسَلَت أحزَانِي، فقعَدْتُ أتَخَيَّرَ العُنوَان، وَقَعَ إختيارِي علي ثلاثة مقاطِع لكُلٍ حُجِيِّتَه وألَقَهُ الأسطوري المُمْعِن، بين الفَرَحِ والحُزن، فلَسْتُ أدْرِي إن كُنْتُ عَادِلاً أم ظَالِم في إختيارِي لأيِ المقاطِعِ عٌنوانَاً للمَادَّةِ/ المَقَال: وكان الإخْتِيَار الأول:(ولا الشُوقَ المَشَيت بِيْهُو وغَلَبْنِي أَقِيف، لفنان إفريقيا الأول، محمد عثمان وردي في رَائِعة الدَوْش،الحُزْنَ القَدِيم)، والثاني للراحل المقيم/مصطفي سِيد أحمد: (نَزَلنَا من طَوْفِ الفَشَلْ، وأَبْحَرّنَا في بَحرِ الضَيَاع، ونِسِينَا زِكْرَاكَ الزَمَان، عِشْنَاهَا في زِيِفِ القِنَاع)، وأنَا، بَعْدُ، لا أعرِفُ شَاعِرَها، فلَه ولَكُم العُتْبَي حتي نَعْرِفَه، ويَرّْضَي عَنَّا، والثالِث مقطَعْ لأغنية أستاذنا/ أبوعَركِي البخِيت، مَتَّعهُ الله بالصَحَّةِ العَافِية في رَائِعَتِه:(عن حبيبتِي بَقول لَكُم/ وتحدِيدَاً، مقْطَع: وكَانَت أوَّلَ مَرَّة في عُمْرِ المَديِنَة، نَامَت وما حَزِيِنَة!!).. هذا، ولمَّا كانت المادَّة لا تَحْتَمِل ثلاثَةَ عنَاوِين، إخْترِتُ المقطَع الثاني لمصطفي، دُوْنَ تَفْضِيل، لَعَلَّه الأكثرَ تَنَاسُباً، مَعَ، ما يأتِي من تَعلِيق علي بعض أحْدَاثِ النِصفَ الأول من سبتمبر2011م.. وأستَمِيحِكُم عُذْرَاً، عَنْ ثَمَّةَ أيَّة نَرْجِسِية، أو تَهْوِيم غير ضرورِي، في هذه المُقدِمة الطَوِيلة، ثُمَّ إلي التعلِيق علي بعضِ أحداث النِصف الأول من سبتمبر2011.
المشهد الأول: حول التعليقات السَيِّئةَ لِقُرَّاء المواقع الإلكترونية، الراكوبة/ سودانيزاونلاين/ حُرِّيَات، بأسماء وَهْمِية، في انْتِهَازِية وإستغلال ظَاهِر، لِحُرَّية وسَمَاحَة النشر في تلك المواقع الإلكترونية:
مَعَ إيمانِي المُطلَق بِحُرِيَّة الرأي والرُؤيَة، كعَقِدية ثابِتة أعتَنِقها، وبِحَقِ التَعلِيق الحُرّ، للجميع، وفق ما تَخْتَزِنه صُدُورِهم من مَشَاعِر وأحاسِيس، علي كل ما يُنْشَر للرأي العام، إلَّا أنَّ التعليقات التي تَرِدْ مِن بعضِ القُرَّاءَ علي المواقعِ الإلكترونية التي نَعْتَمِدُ عليها في نَشْرِ الرأيِ والرُؤيَة وإكتِسَابِ المَعْرِفَة، في إطارِ والتَثَاقُف اليومِي، وقد أُتَيِحَت لنا هذه الوَسِيِلَة بِجَهدِ غيرِنَا من شُعُوبِ المَعْمُورَة، الذين سَبَقُونَا في التَقَدُمِ والرُقِي والمَعْرِفَة وصِيَانة الحُرّيِات العَامَّة وحقوق الإنسَان والديمقراطية، أجِدُ أن مُداخَلات بعضَ القُرَّاء المعلِقِين قد إبتَعَدَت كثيراً عن الموضُوعِية والزَوْق، وطَاشَت سِهَامِها، وعَمّقَت جِراحاً غائِرة في جَسَدِ الوَطَن والأُمَّة كنَّا قد تَوَاثَقْنَا علي تَجَاوُزِها، وإختارت تلك الفِئة المَواقِع الإلكترونية ساحات حَرْب في الصِراعِ الثقافِي.. والأزمة الثقافية هِيَ أُسّ الدَاءْ في المُشْكِلِ السوداني بلا مُنَافِس، فقد طَفَحَت تعليقات القُرَّاء بعباراتٍ طَائِشَة وغير مسئُولة، وبِمفاهِيم مُدَمِّرَة ومُجَرَّمَة قَانُونَاً، وهذا المُناخ الوَخِيم غير ملائم البَتَّةَ لإبرام عَقْدٍ إجتماعِيٍ جدِيد لشُعوبِ ما تَبَقَّي مِن السودان القديم، فتِلكَ التعليقات لَنْ تُعِينَ أبداً علي البِنَاء، وسوفَ تَهْدِم بِمِعِوَلٍ جَاهِل ما بَدَأ الواعِين بناءه من ثِقَةٍ بين مكونات الوطن، وما ظَلُّوا يُنَبِهُون لهَا، من مَخَاطِر مُحْدِقَة بالوطن والشعب.. لا يَسْتَقِيم لِقارِئ مُحْتَرَم، ومُعَلِق مَسْئُول، أن يُوْلِغَ في عِبَارَاتٍ شَائِنَة مُتَوَهَمَة في وُجْدَانِه السَقِيِم، من شاكِلَة أنَّ أهلَ الهِامِشَ السوداني(عَبِيِد) يُرِيِدُون أنْ يُنْكِرُوا أَصْلَهم ذَاكْ!!، وأنَّ أهل الهامش، يدفَعهم إلي ذَلِك إحساسِهم الدَائِم بالفشل والدُونِية والجَهْل!! فيَرُدَّ عليه آخرَ مِن المَجْنِي عليهمم مِن أهل الهامش، بِمَا هُو أسْوَأ وأقسَي وأكثر تدمِيراً للبناء الجديد، فتتَسِع الهُوّة السَحِيْقَة أصلاً في أزمَتِنَا الثقافِية، وتَنْسِف محاولات البِنَاء الوطنِي وهو بعدُ لَيِنٌ وهَشْ!! فيَرُدَّ آخر، أكثرَ عَقلَاً وحِكْمَةً، علي الإثنِينِ، بِخَطَلِ قولِهمَا وضِيِقِ أُفُقِهما، ويَنْعَتَ الذي بدأ بهَدْمِ البِنَاء بإنه عُنصُرِي وجَبْهَجِي وأَمْنَجِي ونحوه، وهذا النَهْج، وإن إتْسَمَ بِحُسِنٍ النِيَّةَ ورَفعَ الحَرَج وإقالَة العَثْرَة، ومَهَّدَ الطريق للخَيرِ والجَمَال، ولكن تَظَلْ المُشْكِلَة قَائِمَة وباقِيَة، والوِاجدَانُ يَبْقَي مُشَوَّهاً بموروثِات ثقافية سقِيمَة ونَاسِفَة لأي مشرُوع وَطَنِي في المُخَيَّلَة. وهذه الأزمة سرّبَت مِياهٍ كثِيرة إلي جِدَارِ المُجتمع السوداني الذي يأمَل في العيش بِتَسَاوٍ وتضَامُنٍ وإحترام، تحتَ سقفِ دولةٍ ذَاتَ هَوِيَّة تُعَبِّر عن جميع شُعُوبِها.. ومظاهر هذه الأزمة الثقافية ليست جديدة في المجتمع السوداني، ولا يَنْطَلِي علي الناسِ القول بأنَّ، ما يُطلق من مُعَكِرات في الصحافةِ الإلكترونية لِنَسف مقومات المشروع الوطني، يَقومُ بها أَزْرُع النظام وأَمْنِه المُنْدَسِين في تلكِ المواقِع كما يَزْعَم العُقَلَاء من رُوْادِ المواقع الإلكترونية، فذلك النَهْج في الحقيقة مُتَجَذِّر في الثقافة السودانية مُنذُ الأَزَل.. فالأزمة الثقافية السودانية حقيِقَة كالشمس في رَابِعَة النَهَار وتلقِي بِظِلالِها السَالِبَة علي جميع مَناَحِي الحياة، ومِن الطبِيعي أن تَتَسَرَّبَ إلي المواقِع الإلكترونية بِقُوَّة، هي أزمة ظَلَّتْ تُمَثِل حَجَرَ الزاويِة وأُسِ الدَاء في كلِ ما حَلَّ بشُعوبِ السودان من إبادة وتطهير عِرْقِي وإغتصاب وكَرَاهِية وإنتقَام حَاقِد، والآن تُطِلُّ ذات الأزمة الثقافية بِرأسِها علي مُسْتَوَي الإعلام الإلكتروني، مُتَخَفِّيةً تحَتَ أسْمَاء وَهْمِية تَنُم عن عُنْصُرِية وفرز إثْنِي وجِهوِي مَقِيت كفيروسات الأمراض الفَتَّاكَة التي تفتِك بنسيجِ الأجْسَام ولا تُرَي بِالعَينِ المُجرَّدَة، وتنتشِر في أوصال المجتمع كالنَّار في الهَشِيم، ولا تُحَلُّ هذه الأزمة بالزَجْر والنَهِيِ والتوبيخ، لأنَّها راسِخة في العُقول.. وليس عِندِي، ولا أرغَبُ في تقديمِ أيَّة مقترحَات في إطارِ الحَلّ. ولكِنّ يقينِي أنَّ أزمات السودان جميعُها سببُها الأزِمة الثقافية الطافِحة بروائِحها النَتِنَة منذ البداية المُخْتَلَّة لدولة السودان، ولَسْتُ مُستَجْدِياً تعاطفَاً لما أري في هذا الأمر، ولكِنِّي أجْزِمُ يقِينَاً أنَّ الذين يقع عليهم هذا الظُلم وهذِه الزِرَايَة وهذا التطهير والإبادة الثقافية، وجرائم الحرب والعُدوَان الثقافي، يَقومُ لَهُم حَقٌ مشروع في الدِفَاعِ عن كرَامتِهم لدفعِ الصَائِل عنهم، وصَدِّ الضَيم والحِيف عن انفسهم بكافة الوسائل المشرُوعَة والمُلتَوِيَة. ولهم الحَقَّ المُطلَق أن لا يَحْرَصُوا علي وُحدَة بَلَدٍ هذا هو ثقافة وفَهَم وقناعة جُزء من شعْبِه الذين يَزْعَمُون ويؤمنون حقاً، أن التمايُزَ والتعالِي الثقافِي، والحَط مِن قدرِ الآخريين وتخوِينِهم وتخذِيلِهم، وفرّضِ ثقافَتِهم علي الآخرين تأتِي في مُقَدِمة أجندَتِهم السياسية وبالتالي في مُقدمِة قواعِدِ الإشتِباك في السودان.. فحُقَّ علي قَبَضَاتِ وفُهُوم وعقول المَجْنِي عليهم ثقافياً أن تنطِلقَ صَوْبَ عَدُوِهِم لتحقيق كرامتِهم وحُرِّيتِهم المَمْنُوحَة من الخَالِق، وليسَت موهُوبَةٍ من أحَد، حتَّي تتحَقق لهم إنسانِيتهم وخلاصِهم من المأزُومِين ثقافِياً وإلي الأبَدْ.. هذا، والإنسانُ لا يكُونُ عَبْدَاً في بلِده يا هؤلاء، لأن العَبِيدَ، لو تعلمون، يُبَاعُونَ في غير بِلادِهِم، ويَتِّمَّ(تَشْلِيخِهم) لتمييزِهم لَدَي أسْيَادِهم، وأهْل الهامِش السوداني ليسَ فِيهِم رَجُلٍ مُشَلَّخ، ولو كان لَدَيَ أحَدٍ دليل علي أنَّ أحد أهل الهامِش كانَ عَبْدَاً لأبِيِه أو جَدِّه فليَخُرج للناس بالدليل بَدَلَ التَهْوِيم والتَخْرِيف بأحقاد تأكُل كَبِدَ مُطْلِقِها. والإختفاء خَلْفَ إسمٍ وَهْمِي هو وصْمَةَ عَار يشِين الرَجُل الحُرّ. والدليل القاطِع علي الأزمة الثقافية المُزْمِنَة منذ قيام السودان القديم، هو أنها المُلْهِمة لكُلِ حُكامِنا وجهاز دولتِنا وجيشِنا ومجتمعِنا بأكملِه، ويَدُلّ عليها أيضاً الضعف الظاهِر في تَفَاعُل أهل تلك الثقافة مع ما يَجْرِي في الهوامش السودانية، وأنظُر إلي ما تَبُثُّه كل القنوات التلفزيونية السودانية وأحْكُم، إن كان له صِلَة بالحريق الذين يَلْتِهمَ الوطن في هوامِشِه مُنذ عِقدٍ مِن الزَمَانْ. وما الهوامش السودانية إلا تَسْمِيَة خَجُولة لمفهومِ إقاليم (العَبِيد) العِجَم السودانِيين، وكُنْتُ قد كتبتُ سِلسلة مقالات بهذا الشأن، وكُنْتُ أعتقد حِينَها أنَّ الأزمة مُمكِن تَجَاوُزِها، والأن تَيقنتُ تَمامَاً أنَّها أزمة مُتَجَزِرَة، ومُرتَبِطة إرتباط الحِذَاء بقدمِ أهل تلك الثقَافة، هي إذَاً، أزمة مُرّتَبِطة إرتباط قَرَار بإيمان وبرامِج ورُؤَي الثُلَّة المُهيمِنة علي الدولة، من أهل السودان القديم، ولَسْتُ بِصددِ التعرِيف بِهم. ويَجْدُر ذِكر أن تلك الثُلَّة ليست مقتَصِرة علي حُكَّامِ البلد الحاليين، ولكنها مدرسة ثقافِية/ فِكرِية جَامِعَة. ونَظَلُّ نَرْقب ما يَسْتَجِد، إيجاباً وسلباً، في حركة تطور تلك الثقافة التي دَمَّرَت دَوْلَة كان إسمُها السودان.
المشهد الثاني: وَثِيقُ الصِلَة بالأول:
في تعليقاتِ قُرَّاء الصحافة الإلكترونية، بأسماء وَهْمِيَة، وَرَدَ دَفْعٌ غرِيب لدحضِ حُجَّة آراء قُرَّاء الهامش في مقاومة مظاهِر الأزمة الثقافية التي تُمَيِّز ضِد، وتَحِط من قَدر بعض السودانيين بسبب لونهم ودينِهم وثقافَتِهم المختلِفة، رغم أنَّهم السُكَّان الأصلِيون، ويعتقد أصحاب ذلك الدفع أنه داحِض ومُفْحِم للذين يُنَاهِضُونَهم، هو دفع بشَأنِ اللُغةِ العربِية، يقولُ أصحاب الدفع لمناوِئِيهِم من العِجَم والزنوج: طَيِّب، إنْ لم تكونوا يا اهل الهامش(العَبِيد) عَرَبَاً، فلِماذَا تكتِبُونَ وتتواصلون باللُغةِ العربِية، لُغَة العَرَبْ والقُرَّآن الكَرِيم؟؟؟ هذا الدفع يَرِدُ يومياً وبِكَثَافَة في تعليقاتِ قُرَّاء المواقِع الإلكترونية من أهلِ الأزمة الثقافِية، ويعتقِدُ أصحَابه أنَّ خصْمَهُم الأعجَمِي قد بُهِتَ وفَغَر فَاهَهُ وإستسْلَم، وتَمَّ إحْرَاجَه وفَشَلَ لِسانَه الأعْجمِي عَنِ الرَّد !! ويعْتَقِد أصحاب الدفع الوَاهِي الوَاهِن كبيتِ العنكبوت، أنهم قد هَزَمُوا الأعاجِم، وأثبتوا عُروبَتِهم فوق مَرّْحلة الشكِ المَعْقُول، ورَدُّوهُم إلي رُشدِهم بعدَ ضَلال، بتزكيرهم أنهم يكتبون تعليقاتِهم ومقالاتِهِم بالعربية، لا بلغاتِ الأعَاجِم!!.. وأخَالُ أنَّ خَالَ الرئيس قد (عَرَضَ) مَزْهُواً بهذا الدفع رغم فَجَاجَتِه، كما فعل يوم إنفصال الجنوب، فعقلِه الصغيِر يُصَوِّر له أن ذاكَ الدفع المرجُوح قد أكَّدَ علي عُروبة عموم السودانيين، أو عَرَّبَتهُم قَسْرَاً!! وبالتالِي سيفْتَتِح عمُوده النَتِن، سيئ الذِكِر، اليوم التالي علي صفحات صحيفتِه (الإنتِبَاهَة)،الواسعة التوزِيع للأسف، بِتوجِيه مُهِم ومُلْزِم لرئاسِة الجمهورِية حيث إبن أُختِه رئيساً، بينما الشيخ الذي أتَي بِه، سَجِيناً!! لإصدار مَرْسُوم رئاسي يَقضِيِ بقتلِ كل من لَمْ يُقِرّ ويصدِرْ إعلام شرّعِي من محكمةٍ ذات إختصاص بعُروبَتِه المَحْضَة ثم يذهب بالإعلام للتَوْ إلي وزارةِ الداخِلية لإستصدار شهادة جِنسيِة وِفْقَ الإعلام الشَرعِي، وإعلان تَوْبَة نَصُوحَة علي رُؤوسِ الأَشهَاد بترّكِ إنتمَاءه السابِق للأعَاجِم، وأنْ يَتَبَرَأ مِن مطلَبِ السُودَانَوَيِة التي تُنَادِي بإقرار التنُوع والتَعَدُد، وأنْ يَجْهَرَ بإستعدادِه التام لحَرْبِ الذين ما زَالو في طغيَانِهم يَعْمَهُون من أتْبَاعِ فِكْرَة السودان الجدِيد التي تُوَحِّد بين جميع المواطِنين علي المُوَاطنَةِ المُتسَاوِية!! لا يا خال السُوء، الموضوع ليسَ كذالك، وحُجَّتِكُم هذه خَائِبَة، ولا تَقوم علي أسَاس، وحتي أصحابِها الذين يتبَاهُون بها، ليسوا عَرَبَاً صِرْفَاً، رُغْمَ أنّ العُروبَةَ ليست غاية تُضَرَبُ لها أكْبَادِ الإبِل، ولا العَرَب عِرْقٌ أسطُورِي مُبْدِع وخَلَّاق، ولَمْ ولَنْ يُقَدِّمَ العرب للبشرية إنجازاً يُنقِذهم من مَرَض، أو يُسَاهِم في إسعَادِ البشرية بمِقدَارِ خَردَل، وأنّ العربَ لَمْ يخلِقَهم الله في السودان بل وَفَدُوا إليه لسببٍ غيرَ معلوم.. وما اللغَة سِوَي أداة تواصلٍ وتَخَاطب بين الكائنات البشرية، وليس دليلاً علي تَمَيُّزٍ أو سَطُوَة أو جَدَارَة أصل أو عرق أو لون، أو نوعِ بَشَر، واللغة العربية السودانية مِثلَ الإنجليزية السودانية تَلَقَّاهَا الناس في المدارسِ قَسَرَاً وأجادُوها غَصْبَاً عنهم، وأصبحت واقِعاً مُحتَرمَاً وتم إقراره(De facto)، وهذا بإختصار ما لزمَ حول مسألة لُغة الكِتَابَة، ولن أوغِل فيها أكثر، ولَسْتُ في حاجَةٍ إلي أن يَستَقِيم مَنطِقِي أو يَرْجَحَ رأي وحُجَّتِي في هذا الأمر.. والمَحْجُوب عليه الرحمة، كان ناطِقاً فَذَاً باللغةِ الإنجليزية ولم تُطالِبه مَلِكَةَ بريطانيا العُظمي بإعلان إنتماءه لإنجلترا أو ترك التَحَدّث أو الكتابة بالإنجليزية بل كانَ مفْخَرَةً لَهَا وللجميع. وكل أهل بلاد إفريقيا التي إستعمرتها بريطانيا يَتَّخِذون الإنجليزية لغَة رسمِية في دُوَلِهم بما في ذلك السودان إلي وقتٍ قرِيب، يتحدثون ويتواصلون ويكسبون عيشهم باللُغَةِ الإنجليزية ولَمْ يَطلبَ مِنْهُم أحد أن يعلِنُوا أنهم إنجليز أو أن يَقلِعُوا عن التحدُثَ بالإنجليزية، وغير العرب في السودان يُجِيدُون العَربيةَ السودانِية أكثر من العرب السودانيين المزْعُومِين، لكِنَّهم لَيْسُوا عَرَبَاً!!.. ولا يُقْبَل من أحدٍ أن يربُطَ اللغة العربية بالدينِ(الإسلامي) في مَعْنَي القرآن الكريم الذي نَزَلَ علي النبي الخَاتِم، فالإسلامُ موجُود قبل القرآن الكريم، أقول هذا للمُلتَحِين أدعِياء الدِين من رِجالِ الإنقاذ عُلَمَاء(البشير) مُحَرِرِي صُكوكَ البَاطِل لعِصَابة النظام في إباحَة القتلِ والإغتصاب والإفلات من العِقَاب. فالإسلام بِفَهَمٍ هادِئ ورَزِين وعَقلَانِي قد سبق رسالة سيدنا محمد (ص)، الإسلام، حَسَب فهمِنا وقراءاتِنا المُتَواضِعة جداً، هو دِين سيدِنا إبراهيم الخليل الذي أسْلَم وجهَه للحق وصَارَ خَلِيلُ الله(هو سَمَّاكُم المُسلِمين) وإبراهيم الخليل هو الذي أقَامَ قَوَاعِدِ البيتَ العَتيِق، وهو من أمَرَه رَبّه: وأذِنْ في النَاسِ بالحَج يأتُوك رِجالاً وعلي كُلِ ضَامِرٍ يَأتِينَ من كُلِ فَجٍ عَمِيق، وطَهْرِ بَيْتِي للقائمينَ والعَاكِفِينَ والرُكَّعِ السُجُود.. كل هذا كان في دينِ إبراهيم الخليل، وكل الأديان السماوية جاءت بالحَنِيِفِيَةِ السَمْحَة، وليسوا كُفَّارَاً كما يَزْعَم عُلمَاءِ الإنقاذ وقادَتِه الراقِصُون.. والدِين واحِد، كُتِبَ عليكُم الصِيَامُ كما كُتِبَ علي الذين من قَبْلِكُم!!، وطَعَامُ الذين أُوتوا الكِتَابَ حِلُّ لَكُم وطَعَامَكُم حِلُّ لَهُم، الدين واحد والإسلام قدِيم.. وقد خَتَمَ الله تعالي دين الإسلام بالرسالة الخاتمة(القرآن)الذي نَزَلَ علي سيدنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسَلَامَهُ عليه، وقد تم إعداده(ص) بدنياً ونفسياً لتِلكَ المُهِمَّة العَسِيْرَة، وإنَّكَ لعَلَي خُلِقٍ عَظِيم!! بأنْ جاءَه المَلَكْ وشَقَّ صَدْرَه وأزَالَ ما ورثه من آباءه العرب من غِلٍ ونحوه لتهيئته للأمانة العظيمة التي أدَّاها بكل نجاح بعون الله ورعايته وعِصمته، والله يَعْصِمُكَ من الناس. وقد أبَاحَ القُرَّآنَ الكُفرَ بعد أنْ بيَّنَ الحَقّ. لا أُرِيد الوُلُوغَ في هذا، لِيَتِم تكفِيرِي وهَدَرَ دَمِي من أجْهِلِ الجُهَلَاء لَكِنَّها الحَقِيْقة. ولَسْتُ مُهْتَماً البَتَّةَ بالجَدَل في مسْألةِ الأديان، فهِي لله تَعَالَي الذي لا تأخُذه سِنَةٌ ولا نَوْم. ولكن، لا نَقَبَل أنْ يُزَايِدَ عليِ شُعُوبِ السودان جِنسَ مَخْلُوق في العلاقة بينِهم وبينَ خالِقِهم.. وإهتمامِي كُلَهُ يَنصَبّ علي مَسْألةِ الوطن الذي نحَنُ فِيِه جميعاً، شُرَكَاء علي الشِيُوع، بصرفِ النظر عن كُلِ شئ، ويتوجَّب علينا أنْ نَكُونَ فِيِهِ كذلك إلي يوم القيامة، وإلِّا فإنَّه الحَرْب يا عِكْرِمَة!! وأقُول ألف مَرَّةٍ أُخْرَي، أن جُلَّ الإهتمام يَنْصَبُّ علي مَسْألةِ المساواة بين كل البشر في السودان، بإختلاف ألسِنَتِهم وألوانِهم وأديانِهم ووجدانِهم السَلِيم، وليس الوُجدان السَقِيِم المُشَوّْه كوِجدانِ حُكَامِنا الذين يهلِلون ويُكَبِّرون كُلَّ يومٍ ألفِ مّرَّة، ويقتلون كل يومٍ ألف نَفْسٍ بريئَة، ويُدَمْرِونَ الحَرْثَ والنَسْلَ ويُفْسِدُون، ويُوْغِلُونَ في الخُصومةِ، ثُمَّ، يرقُصُونَ كُلَّ يَوْم، هذه التناقضات تَنْبُع عن نفسٍ مَرِيضة، تُمْلِيهَا عليه ثقافةٍ شَوْهَاء لئِيمَة، ولن تَسْتَقِمَ الحياة إلا بِزَوَالِها.
المشهد الثالث: وثِيقُ الصِلة أيضاً بما سبق:
في الأغنية الخالدة(تَبَارِيحَ الهَوَي) للرائع الأستاذ/ محمد ميرغني، وَرَدَت المقَاطَع الجميلة والمُلْهِمَة التالِيَة، رغم أنِي غالباً ما أسمعها بصوت الأستاذ الراحل/ مصطفي سيد أحمد: (وتَبْقَي سِيرْتَك هِي الكَلَام، وتَبْقَي صُورتَك في الرُؤَي الحِلْوَة البَعِيشَها في صَحْوَتِي، أو حتي في عِزِ المَنَام، ويَبْقَي إسمَك هو الغنَا، هو البَخَفِف لي عذابَات الضَنَي).. ومناسبة إيراد هذه المقاطع، هي المُرَافَعَة التي قَدَّمها السيد (ثروت القاسم !) عن (الرجُل العَظِيم)، يَقْصُد الإمام الصادق المهدي.. وإطلعتُ علي التعليقات الواردة أسفل المَقَال في صحيفة الراكوبة!! وأقُولُ لثروت: إنَّ قِمَّة ما بلغْتَ من نَجَاح في مُرافَقَتِك في (الرجل العظِيم)، كان مُنْتَهَي الفَشَل.. وأنا، لَسْتُ ضِد حزب الأمة(القومي)، ولستُ ضِد مدرَستِه الفِكْرِية ولا ضِد خَطِهُ السِياسِي(اللَيِّن) مع النِظَام فذَاكَ شأنَه، ولا أتردد في الثناء علي عدم مُشاركتِه هذا النِظَام في الحُكم حتي الآن، ولكن السؤال الذي يَلِحُ علي أي إنسان هو: بعد صِيام عِقدَيِن ونَيْف وعُزُوفٍ تام عن مشاركة النظام في الحُكم خِلالهما، رغم خروج شباب الحِزب (النُوَّار) ومُشارَكِتهم النظام في الحُكم وتَحَوّلهِم بِحُكمِ الصَيْرُورَة إلي جُزءٍ من النِظَام، ما الذي يَدْفَعَ الإمام دَفْعَاً، في الرَمَقِ الأخير من عُمْرِ النظام، إلي الإستمرار في الحوار معه؟ وإعطاء الضوء الأخضر لنِظامٍ إقتربت نهايته، بما يُوْحِي للناس بتخْزِيلِ الحزب للأجندة الوطنية أو إمكانية المشاركة في الحكومة القادِمة، والتلوث بفسادِها وجرائِمها وحُروبها ضد كل شعوب السودان التي أختارت حزب الأمة القومي ليقُودَها في آخِر حُكومة مُنْتَخَبَة 1986م؟؟ وهو نفس النظام الذي انقَلَبَ علي حكومة الحِزب وأزَاقَ شُعوب السودان كل صُنوف القَهْر والإذلال والمَهَانَة والتدمِير؟؟ وهو ذات النظام المُتخَصِص في الجُحُود والغَدْر ونَقْض كُل العُهُود والمَوَاثِيق التي أبْرَمَها مع خُصُومِه ومُنَاهِضِيه من أهل السودان، ومزَّقَ هذا النِظام البلاد وجَعَلَ وُحْدَتِها مُهَدَدَة وطَارِدَة ومُسْتَحِيلة، ماذا دَهَي حِزب الأُمَّة القومي في هذا الوقت المِفْصَلِي من التاريخ الذي يَجِب أن يقودَه الحِزب العَجُوز؟؟ وماذا دَهَي الإمام الذي ما زَالَ قِطَاعَاً كبيراً من الشعب السوداني يَأَمُل فيه خَيْرَاً؟؟ سؤال مُحَيِّر أليسَ كذلك؟؟ ما كان للحزب(الكبير) ولا لقيادته المُحتَرمَة أن تَسْهَر أُمْسِيَة الخميس 08/09 سبتمبر2011م في إجتماع يهْدُف إلي المشاركة في الحكومة لإنقاذ غريق كادَ يُسْلِم الرُوح إلي بَارِئِها.. ولم ألحَظ أنَّ الناس سُعَدَاء بخبر فشل تلك المحادثات لأن الفشل حتمي ولا يُثِيرُ الدَهْشَة، والمُدهِش هو مُجَرَّدِ الإجتماع بالنظام بغَرَضِ المُشَارَكَة في هذا التوقِيت!! وتَعَاسَة الناس بهذا الإجتماع مَرْجِعَه إلي أنَّهُم كانوا نِيَام، أثناء الإجتماع، علي أمَل أن يَصْبَحَ صُبْحَ الجُمْعَة، خيرَ أيام الله، ليشهدوا بداية الثورة الشعبية السودانية المُزْمَع إنطلاق شرارتِها من مَسْجِدِ الإمام عبد الرحمن المهدي عَقِبَ صلاة الجُمعَة الجَامِعَة. والإحِباط الذي أحْدَثَه البيان الذي تَمّ نَشره من قيادة حزب الأمة، عَقِبَ الصلاة، بعدم مُوافَقة السُلطات بتسييِر المَسِيْرَة!! وهل يُطْلَبُ الإذْنَ بالثورة من الجِهَةِ التي يرغَبُ الشعب في الثورةِ عليها؟؟ كان ذلك البيان خَيْبَة كبيرة صَعَقَت الشَعب وخاصة الشباب الذين تقاطَرُوا إلي ود نوباوي آمِلِينَ في نَيْل شرفِ الشرارةِ الأولي للثورة من مَعْقَلِ أُمْ ثورَاتِ السودان؟؟؟ والأسباب أو المُبرِرَات التي سِيْقَت كانت أقَبَحَ من الذَنب، وكان خيراً إنْ لَمْ تُسَاق علي الإطلَاق.. ويا(ثروت القاسم)نقولُ لَكْ علي رِسْلَك، فما زَالَ الناس يقرَأُونَ ما تكتِب، رغم تَعَالِيك علي مستوي المَنْهَج والمَعْرِفَة والثقافة، ومبروك عليك نِعْمَة العِلم الذي تُوْجِبُ عليك حَمد المُنعِم وشُكرِهِ علي عَطَايَاه. ولكن، أين المُشكِلَة ؟؟ المُشْكِلَة هي ذاتها، الأزمة الثقافية المُوغِلة في النَرجِسية والزَهُو بالنفس وتزكِيتها وتبجيلها، سِلاحُهَا تمجِيد الذَات وإدعاء المَعْرِفة المُطلَقة بأسباب الأزمة وحُلولِها، ورُبَّ قائِلٍ يقُول: إنَّكُم يا ثروت، وحِزب الأُمَّة تُشكِلونَ قَلبَ الأزمة السودانية وتَضْيِيع الوطن والتَفْرِيط فيه، لم أقصُد القَسْوَةَ علي أحد، ولكني، أعَبَّر عن بالغَ قَلَقِي وَوَجَلِي من التَعالِي والتَسَامِي المَعْرَفِي والثَقَافِي، والتَمَايُز العِرِقِي، وإدعَاء القدسِية لبعضِ الأُسَر فَوْقَ غيرِها من الأُسرِ السودانية(المقال قبل الأخير لثروت القاسم في مُواجَهة صاحِب الإنتباهة، خال الرئيس)، يا ثروت: أعْلَم، أفَادَك الله، أن العِلْمَ والمَعْرِفَة لأجلِ التَبَاهِي والتَبَخْتُر وإختِزَال عقول القُرَّاء ونَعْتِهم بـ(عَنقَالة!) وكذا، وإستعراض المعلومات عَدِيْمَة المَصدَرِ المَوْثُوق، من بَنَاتِ الأفكار وضَرب القِدَاح ورَمِي الوَدِع والرَمُل ولا طَائِلَ مِنه. وعالِمٌ مُطْلَق مِثْلَك، كما تؤكد لنا كل يوم، في أُمَّةٍ جَاهِلَة، مِثلَنا، أو مُتوسِطَة المعرِفة هو أمرٌ نَشَاذ وطَلَسَمْ يَحْتَاجُ إلي فَكْ، فهلا أخذْتَنا بِقَدرِ مَعْرِفَتِنَا وعُقُولِنا إن كُنْتَ تُرِيد بِنَا خَيْرَاً؟؟
ما أحْكِي ليك نُكتَة يا ثروت: قالوا كان في أولاد ساكنين داخلية بوسط السودان حيثُ تهمين الثقافة المأزومة، وكان بينهم أحد أبناء الهامش يَسُومُونَه سُؤء المعَامَلة، ويثبتُون له كل يوم أنه عِرَّة، لا يَعْنِي لهم شئ، وإستمَرَّ الحال كذلك حتي صبيحة التاسع من يناير 2005م فأصبح فَجْر يوم جديد بواقع جديد ومراكز قوَّة جديدة، تَمَّ التوقيع علي اتفاق السلام الشامل! فإلتَفَّ (جَمَاعتَك)حول زمِيلهم الأغبش/المهمش في حَيَاء، يُعَبِرُونَ له عن بالغِ أسفِهم لكُلِ ما كان، ويطلبُونَ مِنه العَفْوَ والصَفْحْ، وجَاء بَعَضَهُم يُعَانِقَه بِحَرارَة و(يَبُوسَ) ظَهَرَ يَدِه، بينما آخرُونَ يحلِفُونَ له بأغْلَظِ الإيمان أنَّهم اليوم سَواسِية وأخْوَان وأحْبَاب، ويُلِحُونَ علي زَمِيِلِهم إبن الهَامِش أنْ يَنْسِي المَاضِي المُؤْلِم وأنْ يَتَوَاثَقوا جميعاً منذُ الآن، علي فَتْحِ صَفَحَة جَدِيدِة لسودان جَدَيْد! وبعد إنتظَار مَشَوُب أجاب زميلهم وَدْ الهَامِش بالإيجَاب، قَائِلاً: خَلَاص يا شَبَابَ، مافِي مُشْكِلَة، وأنَا ذَاتِي تَانِي ما بَبُول في زِير المُويَة!!، فَبُهِتَ الذي ظًلًمْ.
المشهد الرابع: في العَمَالَة!!
من الحقَائِق الثَابِتة في السودان، أنَّ النيل يَجْرِي علي طُولِ أرض السودان من جنوبِه وشرّقِه إلي شَمالِه حتَّي حلفا القديمة، و(الحقيقة)الثانية، وهي فِرِّيَةً متوَهّمَة من بَناتِ أفكَار النُظُم التي تَعاقَبَت علي حُكمِ السودان، وإستطاعوا عبر الإعلام الحكومي الخادِم لهم تَثبَيتَه في عُقولِ أهل المركز السوداني، فِرْيَة أنّ حركات المقاومة المُسَلَّحة في الهوامش يَتَحَكَّم في قرَارِها جِهَات أجنبية، صلِيبية وعِبْرِيَّة، وأنَّ قَادَة الحركات المسلحة يإتمِرُون بأمرِ تلك الجهات الأجنبية ويَنْتَهُونَ بِنَواهِيِهَا، وأن الهدف الأسَاس للحركات المسلحة هو تَفْتِيت الوطن لمصلحة حاضِنِهم الأجنبي!.. ونضيف من عندنا، حتَّي الإنقلابات العسكرية في السودان لها قَوَاعِد لعِب تَحْكِمُها وتُصَنِفها، فإذا قَامَ أبناء الهامش بمحاولة للإستيلاء علي الحُكم عَبْرَ إنقلاب عسكري، تكون محاولتهم تلك مُؤامَرَة عُنصُرية بغِيضَة وعَمالة وخِيانَة للوطن وتهدِيد لأمنِه وسلامَتِه، بينما تُوصَف إنقلابات أولاد المركز بأنَّها ثورات مجيدة ومُنْقِذَة للوطن!! هذه حقائق الأشياء وقواعد اللعب في الدولة السودانية. ثم تعالوا(نشُوف) من هو العميل، أولاً العَمَالَة مَعْنَاهَا شِنُو؟؟ وهل تنطبق علي حالة وتصرفات وإرتباطات حركات الكفاح المسلح من لَدُنِ الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان إلي آخر حركة من الحركات التي إنطلقت من الهامش السوداني؟؟ ولَنْ أُطِيلَ عليكم، وهَات من الآخِر، من هو آخر تَنْظِيم سوداني كشف موقع (الوكيليكس) مساعِيه اللاهِثَة للتطبيع مع دولة إسرائيل، وذاعَ خبر إجتماعاته المُكثَّفة مع مسئولين كبار من الدولة العِبْرِيَّة في عواصم أوربية بوساطة أوربية؟؟ هو حزب المؤتمر الوطني بواسطة النمرُود مصطفي إسماعيل وزير خارجية النظام(الحقيقي)، صاح؟؟ طيب، من هو التنظيم السوداني الذي يَحْلَم في الصَحْوِ والمَنَام بالتطبِيع مع أمريكا بأي ثمن ؟ برضو المؤتمر الوطني، تمام؟؟ ومن هو التنظيم البراغماتي الذي دعم الثوار الليبين(الأصولين) بالعتاد الحَرْبِي مع حِلف الناتو، رغم أن أبرزَ قادة الثوار يتبعون لتنظيم القَاعِدة بلا مُوارَبة ؟ برضو المؤتمر الوطني.. طَيِّب؟؟. أنا لم أقُل أنّ معمر القذافي ليس دكتاتوراً، لكن أقول الآتي: القذافي له أفضال علي كثير من خلق الله المُضطهدين والمُعذبِين في الأرض من غير ذنبٍ جَنُوه إلَّا أنْ قالوا رَبُنا الله، والقذافي هو أكبر نصير للمقاتلين من أجل التحرر الوطني، وَقَفَ مع رِفَاق نلسون مانديلا(المؤتمر الوطني الإفريقي) عندما كانت أمريكا وبريطانيا وكل الغرب يسنِدُون النظام العُنصُري المُتَّسِم بالفرز العرقي، وساند القذافي ثُوار الكاريبي، تشِي جِيفَارا وكاسترو وهوغو شافيز، وسَانَدَ حركة الحقوق المدنية للسود في أمريكا، راجِعوا في ذلك لويس فرخان، والرئيس/ بارك حسين أوباما الذي ما كان بمقْدُورِه، كرجل أسود، أن يصيرَ رئيساً للولايات المتحدة الأمرِيكية لو لا نِضَالات السُوُد الذين ناضلوا لأجل الحُرِيَّة (مَوْقِف السيدة/ روزا بارك في حافلة مونتغمري والمقاطعة التي تلتها بقيادة مارتن لوثر كنج، والستة الكِبَار، ومالكوم إكس وأمة الإسلام، وغيرهم، ومُظَاهرَة 28 أغسطس1963م وخُطبَة لَدَّيَ حلم/ لكِنج الإبن) وما تلاها من إصدار قانون الحقوق المدنية 1964م الذي حَرَر الأمريكان السُود من وسْمَة العُبودية والعُنصرية والكراهِية والفرز العِرقي. وسَانَد القذافي كل حركات التحرر في إفريقيا من الرئيس/ موسوفيني إلي الدكتور الشهيد/ جون قرنق ديمابيور، إلي حركات المقاومة المسلحة في دارفور، التحرير والعدل والمساواة، ولسْنَا جاحِدين في خاتمة المَطَافْ لِنُنْكِر مَحَاسَنَ الرَجُل ومَوَاقِفه الكَرِيمَة مع ثوار التحرُر والكَرامة الإنسانية. ولكن الجُحوْد هو دَيْدَن نِظَام الإنقاذ اللاهِث وراء التطبِيع مع دولة إسرائيل من وراء الحُجُب، والشكر أجْزَلَه لموقع (ويكيليكس) الذي فَضَحَ المستُور، وبعدين، إسرائيل عيبَها شُنو؟؟ وهذا سيكون عنوان مَقَال قَادِم، فترقبوا.. ولن نُنْكِرَ أبداً فضائِل الرِجَال، ونَنْظُر بإحترام وإعجَاب كبيرين لمُعمَّر القذافي من هذِه الزَاوِية، وفَهمِه المُتَطَوِر في دَعْمِ حركات التحرر الوطني علي طُولِ الدنيا وعَرْضِها، ولَنْ نُنْكِرَ دَعْمَهُ وسَنَدَه وتَنْوِيره الفِكرِي لحركات دارفور التي تأثرَ مُعظم قادتِها بفِكْرِه المُبَشِّر بِعَصرِ الجماهير، ودعمِه ورعايتِه الفِكْرِية للثوار في كل مكان،ونحتَرِم له ذلك، وسيظل رغم كل الظروف الأبَ الرُوحِي لحركات الكفاح من أجْلِ الحُرِيَّة.. أمَّا العَمَالَة، فهِي صِفَة أصِيلة لحُكومةَ إنقلاب(الإنقاذ)، وبرِيئٌ مِنها حركات المقاومة المسلحة السودانية، ومن كان بيده الدَلِيل علي عَمَالَة حركات الهامش فليُخرِجه للناس، أو يُرسِله لمَوْقِع ويكيليكس لنَشْرِه غَدَاً.
مشهد أخير: تَجِيِنِي، ويَجِيِني مَعَاك زَمَن أمَتِّع نَفْسِي بالدَهْشَة:
هذا المشهد رَمْزِي، وأمَلْ منشُود متَعلِق بالمستقبل الخاص والعام، ومن حَقِنَا أن نَحْلَمَ بِغَدٍ أفضَل، ولا يمكِن لهذا الحَال أن يدُومَ أكثر، ولا للعذَاب أنْ يكُونَ سَرْمَدَاً، ففسحَة الأمل تَسِعُنِي وتَسِعَ الجَمِيع..
كَسْرَة: (ما تَجُو نَغَنِّي يا شَبَاب) : تَجَيينِي، ويَجِينِي مَعَاك زَمَن أَمَتِّع نَفسِي بالدَهْشَة، وطُبُول بِتْدُقّ، وسَاحَات لفَرَح نَوَّر وجَمَّل للحُزُن مَمْشَي، وتَمْشِي مَعَاي خُطَانَا الإلفَة والوَحْشَة، وتَمْشِي مَعَاي وتُروُحِي، وتَمْشِي مَعَاي، وَسِط رُوْحِي، ولا البَلقَاهو بِيْعرِفِني ولا بَعَرِف مَعَاك رُوحِي، ولا الحُزْنَ القدِيم إنتِ ولا لَوَنَ الفَرَحَ إنتِ، ولا الشَوقَ المَشَيت بيهُو، غَلبنِي أقِيف، ولا بِنْتِ، ولا التِزكَار ولا كُنْتِ!!. هذا الحُزنَ القَدِيم يُنَاسِب خَيبَة الشرَارة المجهَضَة للإنتفاضة الشعبية في الجُمْعَةِ الماضِيَةً.. ولكن خيارت التغيير الأخري مفتُوحَة، وهي بعدد الحَصَي والرِمَال، ولا شنو يا شباب السودان؟؟ جاكم كلامي الزَمَان؟؟ أن التغيير عايز إعداد جيِدْ مع الجادِّين؟؟: أنْضَمُّوا سِراعَاً لقوي التغيير الثورية، تحالف كاودا يُرَحِّب بِكُم، ويفتح ذِرَاعيِه لضَمِكم بِتِرِحَاب وشوق وحُب، أخرجوا من عباءة الأحزاب السودانية البالية،(المُنْبطِحَة) والمُدَجَّنة، إنضَمُوا إلي صفوف المقاومة والتغيير القادم من عُمقِ المُعانَاة، كإعِصار وَحْشِي قادمٍ مِنْ عُمقِ المُحيط ليضرِبَ سواحِل دولة الإبادة والتطهير العرقي وجَلد البَنَات وإمتِهان كرامة الشعب وتجويعه وتركِيعه، تعالوا نضرب كل الخَوَنَة والعُمَلَاء تُجَّارَ الدِين، إنضموا لتحالف الإعصار، اليومَ وليسَ غَدَاً.


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 856

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#210791 [الرمح الملتهب]
0.00/5 (0 صوت)

09-18-2011 10:06 PM
الاستاذ عبد العزيز شدو عفوا الاستاذ عبد العزيز عثمان سام بدفاعك عن القذافي ذكرتنا بالراحل عبد العزيز شدو وهو يحاول بلا جدوي الدفاع عن سدنة مايو ثم لعلمك استاذنا الجليل ان قانون الحقوق المدنية تم اصداره في العام 1964 اي قبل انقلاب عقيدك المأفون في سبتمبر 1969 ومن هنا عشقك لسبتمبر وايلوله الاسود


عبد العزيز عثمان سام
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة