المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
حكومة الإنقاذ وسياسة فرق تسد : القبيلة السودانية مدخلا (3 - 3)
حكومة الإنقاذ وسياسة فرق تسد : القبيلة السودانية مدخلا (3 - 3)
09-18-2011 08:36 AM


حكومة الإنقاذ وسياسة فرق تسد : القبيلة السودانية مدخلا (3 - 3)

بقلم د. خالد أصيل أحمد
khalidasli@hotmail.com


الثورة المهدية والنهج القومى فى السودان
الأحزاب الوطنية ووضع القبيلة السودانية فى سياساتها
الطبقة الوسطى والدور المفقود فى المجتمع السودانى
القبيلة السودانية والدور المتعاظم فى ظل الإنقاذ
شواهد إنتشار السرطان القبلى فى السودان

مقدمة
تناولنا فى الحلقة الاولى كيف لجأ الإحتلال إلى سياسة فرق تسد للتحكم فى الشعب السودانى والسيطرة على مصيره، وشرحنا كيف عالجت الثورة المهدية هذه الظاهرة السلبية حيث جمعت القبائل السودانية الملتفة حول الثورة فى بوتقة سودانية أصيلة وشجعت أفرادها على التعارف والتزاوج فيما بينهم غض النظر عن القبيلة التى ينتمى إليها الفرد وغَرَسْتُ فيهم روح التعاون والمحبة. أوضحنا ان الأحزاب الوطنية العريقة (حزب الامه القومى والحزب الاتحادى الديمقراطى) قد حافظت على النهج القومى للدولة السودانية رغم قصر فترات حكمها الديمقراطى ونجحت فى تحقيق التوازن الإجتماعى المطلوب فى السودان. وخلصنا إلى ان حكومة الإنقاذ الوطنى إستطاعت عبر سياساتها المختلفة والممنهجة إعادة عجلة التاريخ الى الوراء مستعيدة سياسة الإحتلال القائمة على \"فرق تسد\" من أجل السيطرة على البلاد والعباد، فشجعت أبناء الشعب السودانى على السَّير فى إتجاه القبائل والإهتمام بقضايا ومصالح القبيلة الضيقة والإبتعاد عن الهم الوطنى العام وهو أخطر مهدد لمستقبل الدولة السودانية المتبقية.

أما فى الحلقة الثانية فأوضحنا كيف أجبرت سياسات حكومة الإنقاذ الممنهجة الطبقة الوسطى
على الإنسحاب من المجتمع السودانى والتخلى عن أنشطتها الاجتماعية والادبية والثقافية،
وشرحنا ان غياب الأحزاب السياسية وتغييب دور الطبقة الوسطى ادى الى تدهور القيم
والأخلاق السودانية السمحة. وأشرنا أيضاً كيف أن تعاظم دور القبيلة السودانية فى الشئون
السياسية والإقتصادية ادى الى ضعف التماسك بين مكونات المجتمع المختلفة، وقدمنا عرضنا
عن شواهد إنتشار السرطان القبلى فى السودان.
فى هذه الحلقة الأخيرة من المقال نواصل سرد ما تبقى من شواهد أنتشار السرطان القبلى
فى السودان ونختم حديثنا بما نراه يناسب التحديات الكبيرة التى تهدد مستقبل السودان.

شواهد إنتشار السرطان القبلى فى السودان

ثالثا الأدهى ما فى الأمر أن تحتمى الدولة بأكملها وراء القبيلة، وهذا ما يحدث الآن فى السودان وفى منطقة أبييى تحديدا، مشهدا يؤكد تصاعد فى دور قبيلتى المسيرية ودينكا نقوق وتراجع فى دور الدولة فى القضايا المحورية.
لقد تعايشت قبيلتى المسيرية ودينكا نقوك ردحا من الزمن فى منطقة أبييى وما جاورها فى سلام ووئام وأسسوا علاقات متينة وحسن جوار مشهود للعيان وعادات وتقاليد سمحة يتفاخر بها أبناء القبيلتين، رغم الإشكالات الصغيرة التى تحدث بين الحين والآخر والتى غالبا ما يتم إحتواءها بواسطة القيادات القبلية، إحتكاما على الأعراف والتقاليد القبلية السائدة، وما كان على حكومة الإنقاذ الا التأمين على الوضع القائم عبر سياسات توفيقية لضمان إستمرار السلام فى المنطقة حاضرا ومستقبلا بدلا عن الكيد والمكر والمراوغة وأخيرا رفع الأمر برمته الى المحكمة الدولية فى لاهاى (رغم رفض الحكومة السودانية التعامل مع لاهاى فى قضية ملاحقة البشير).
أن قضية أبيى هى قضية تخص الدولة السودانية وليست قضية تخص قبيلتى المسيرية ودينكا نقوك، فالدولة هى المسئول الأول والأخير عن حماية حقوق المواطنين وممتلكاتهم وأراضيهم ومصالحهم الإقتصادية، وهى المسئولة فى حالت وقوع أى صراعات بين فئات المجتمع المختلفة أن تتدخل لفرض الأمن وهيبة الدولة عدلا بين المواطنين بغض النظر عن إنتمائاتهم القبلية، هذا بالتأكيد لا يمنع قبيلتى المسيرية ودينكا نقوك من لعب دور أساسى ومهم فى تشكيل مستقبل المنطقة بل أن مشاورتهم حول تفاصيل المفاوضات والمحادثات المتعلقة بمستقبل اراضيهم ومصالحهم امرا ضروريا وحتميا، وذلك بإستصحاب معرفتهم بالمنطقة وتجاربهم الثرة مما يساعد على تسهيل المفاوضات للوصول الى إتفاق يؤمن الإستقرار فى المنطقة. ولكن السؤال المهم الذى يطرح نفسه، ما الذى قدمته حكومة الإنقاذ منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل لمناطق التماس؟ وهل تضمنت إتفاقية نيفاشا أى معالجات لمناطق التماس فى حالة الوحدة او الإنفصال؟
الشاهد يقول أن الإتفاقية تجاهلت قضايا مناطق التماس تجاهلا تاما مع تغييب البعد الشعبي لهذه المناطق فى المشاورات والمفاوضات حول مستقبل المنطقة مما ترتب عليه رفض قبيلة المسيرية لقرارات التحكيم الدولى (قرار لاهاى أعطى النفط للشمال والارض والماء للجنوب) رغم إتفاق أطراف التفاوض عليها، هذا الرفض صار عقبة حقيقية أمام عملية السلام فى المنطقة برمتها بل جعل مصيرالمنطقة يكتنفه الغموض بينما الجميع يحبس الأنفاس لما سوف تؤول اليه الأحداث بعد أن إنفصل الجنوب رسميا عن السودان فى التاسع من يوليو2011. فالحكومة السودانية لم تضع أى خطة واضحة المعالم لمستقبل هذه المنطقة لتحقيق التنمية والإستقرار والسلام المستدام بعد إكتمال اجراءات الإنفصال بل تركت الأمر برمته للمناورات والمساومات السياسية.
الذى يؤكد هذا الحديث هو أن الحكومة وفى اول إختبار لها بعد إعلان قبيلة المسيرية لموقفها المعلن والرافض لقرار لاهاى رمت بثقلها وراء قبيلة المسيرية، رغم إحتفالها مع الحركة الشعبية بالقرار وتبادل الخطب الحماسية بقيادة الرئيس البشير وسلفاكير مهللين ومكبرين لهذا القرار ومؤكدين قبولهم للتحكيم الدولى بغض النظر عن من هو المستفيد من مخرجات قرار لاهاى، لان موقف المسيرية الرافض لهذا القرار يعبر عن حكومة الإنقاذ فى لحظة ضعفها وتضائل فرص سيطرتها على الأوضاع فى المنطقة وإنعدام حيلها، ولذلك كلما سئلت الحكومة عن موقفها فى قضية أبيى وقرار لاهاى يأتى ردهم بأن الأمر بيد قبيلة المسيرية وأن ما تراه القبيلة مناسبا هو الخيار الافضل وهو الحل ولا يمكن تجاوز حقوق قبيلة المسيرية، فى محاولة يائسة ورخيصة للزج بقبيلة المسيرية فى معركتها ضد الحركة الشعبية، متناسية بذلك دورها كحكومة لها مسئوليات جسام تجاه المواطن والوطن وليس العكس. نفس الحال ينطبق على الحركة الشعبية عندما إنهزمت أمام قبيلة دينكا نقوك وبدأت تتحدث من وراء حجاب القبيلة بل ومنحت دينكا نقوك حق الفيتو حول منطقة أبيى، فأصبح القول عندها ما قالت دينكا نقوك.
الأكثر ألما ان الحكومة تسعى سعيا حثيثا لتسليح بعض قبائل مناطق التماس تحت غطاء التكافؤ المطلوب فى المنطقة وبحجة الدفاع عن أراضيهم والإستعداد ليوم الزحف الكبير، ناسين أن التكافؤ لا يمكن تحقيقه عندما ننظر الى الإمكانيات العسكرية للحركة الشعبية ودولة الجنوب الوليدة كما أن الإستعداد للحروب نفسه يؤدى إلى إستنزاف الموارد الاقتصادية والبشرية، والذى لا تعرفه الحكومة أيضا بأن تسليح بعض القبائل يزيد من حدة الإحتقان والتوتر فى المنطقة ويؤسس لسباق التسلح بين القبائل ويخلق أرضية صلبة لإشكاليات قبلية معقدة فى المستقبل يصعب التنبؤ بها.
لأن الإنقاذ منذ قدومها سعت الى إيجاد قيادات وزعامات قبلية موالية لها، ونجحت فى ذلك لدرجة كبيرة حيث جائت فى دارفور بقيادات قبلية ضعيفة ونصبتهم زعامات لعدد من القبائل، قيادات كل ما فعلته وبنجاح هو الزج بقبائلها فى معارك وحروبات وهمية لا أساس لها راح ضحيتها اللآف من الأبرياء لا ناقة ولا جمل لهم فى الأحداث، والأمثلة كثيرة، وهو نفس الدور الذى تريد الحكومة تكراره فى مناطق التماس للتأسيس لمحرقة اخرى هناك خاصة أن سكان مناطق التماس ليست لهم علاقة حميمة مع حزب المؤتمر الوطنى، وتمثل آخر ما تبقى من مناطق نفوذ لحزب الامه القومى بعد ان أشعلت \"حريق فى بيت الامه\"(22) فى دارفور فى العام 2003 ولا يزال البيت الدارفورى مشتعلا. أن هدف إشعال نيران الفتنة فى مناطق التماس سيظل هدف إستراتيجى لحكومة الإنقاذ إذا ما إستمرت فى السلطة حتى تكتمل حلقاته.
فى ظل هذا المناخ المتشائم يصرح السيد مختار بابو نمر ناظر عموم المسيرية لجريدة الرأى العام السودانية قائلا أن قبيلة المسيرية لا تريد حلاً لقضية أبييى لا مع الحكومة ولا مع دينكا نقوك، مذكرا الجميع بأنهم مستعدون لكل الخيارات(23). هذا التصعيد هو ما تسعى له حكومة الإنقاذ الوطنى بكل ما تملك من أدوات مكر سياسى وعقلية تآمرية.
لكل ذلك على قيادات قبائل التماس إن أرادت مستقبلا آمنا لأبنائها أن ترفض مبدأ التسليح من الأساس لانه حتما سيقود الى المذيد من الحروب، والنأي بنفسها عن التعبئة السالبة لقواعدها، حتى لا تقع فريسة سهلة فى أيدى العصبة زوى البأس وأن لا تسمح بتمرير هذا المخطط التآمرى، وأن تعمل بوعى وحزر تامين من أجل التواصل والتفاهم والتعاون الشعبى مع بيقية قبائل المنطقة بعيدا عن سياسات الحكومة الخرقاء خاصة إن إرتباط المنافع والمصالح المشتركة بين قبائل التماس لا يحدها حدود جغرافية، بل سوف تزداد درجات الحوجة الى بعضهما البعض حتى بعد ان وقع الانفصال \"إن شطري البلاد سيظلان على جوارهما الجغرافي، وسوف يستمران في التداخل، وبطرق متنوعة وسوف يصبحان أكثر اعتماداً على بعضها البعض عما كانا عليه في السابق\"(24)، فتحكيم صوت العقل لدى القيادات القبلية التى تعيش فى مناطق التماس هو الضامن الوحيد لمستقبل آمن فى تلك المناطق وليس سياسات حكومة الإنقاذ الداعمة للتناحر بين القبائل.

رابعا عند إنطلاق شرارة الثورة فى دارفور بقيادة حركتى العدل والمساواة وتحرير السودان إستندت الحركتين المسلحتين فى عضويتهما على القبيلة، ووجهت خطابا للأسرة الدولية مفاده أن المعركة فى دارفور تدور بين القبائل العربية والقبائل الأفريقية ( زٌرقة وعرب) وبأن قبائل الفور والزغاوة والمساليت هى القبائل المستهدفة فى الحرب وأن قوات الجنجويد التابعة للحكومة تتكون من القبائل العربية ومهامها تنفيذ سياسة التطهير العرقى فى دارفور. هذا الخطاب قفل الباب امام بقية أبناء دارفور من غير المنتمين إلى القبائل المذكورة أعلاه للإنضمام إلى صفوف الحركتين المسلحتين وظل الباب موثقا حتى وقت قريب، عندما إتضح للأسرة الدولية إن الحرب فى دارفور ليست بين الزرقة والعرب، وأن هناك الكثير من المعارك هى فى الاصل تدور بين القبائل العربية أو بين القبائل غير العربية نفسها، وأن الجنجويد رغم أنهم يعملون تحت إشراف وتوجيه مباشر من قبل حكومة الإنقاذ إلا انهم لا ينتمون لقبائل عربية فقط، بل يمثل أعضائها خليط من أبناء دارفور الإنتهازيين والمأجوريين وهم ينحدرون من قبائل عربية وغير عربية لخلق البلبلة والفوضى فى دارفور وخوض المعركة نيابة عن حكومة الانقاذ التى تصور الأمر وكأنه صراع بين قبائل دارفور حول الموارد الطبيعية، وهو ما ظلت تردده الحكومة فى مختلف المنابر وتتنكر عن مسئوليتها عن الجرائم التى أٌرتكبت فى دارفور.
الخطاب الصارخ حول اسباب الحرب فى دارفور والباب الموثق أمام أبناء بقية القبائل غير الزنجية فى دارفور بالإضافة إلى سياسة الحكومة \"فرق لتسد\" التى إتبعتها فى تحريض بعض القبائل فى دارفور لمواجهة الحركات المسلحة أدى الى تخوف أبناء القبائل الأخرى غير المنتمية للحركات المسلحة من أن يتم تجاوز قبائلهم وقضاياهم وهو ما شجعهم على ضرورة البحث عن خيارات أُخرى للتعبير عن مظالم الإقليم وحفظ حقوق قبائلهم، هذا الموقف فتح الباب واسعا أمام أبناء الإقليم للجوء إلى قبائلهم والإرتماء فى أحضانها والبحث عن وسائل تسليحها لإسماع صوتها وإعلاء شأنها، وهو ما وجد الدعم الكامل من حكومة الإنقاذ لأنه يخدم إستراتيجيتها الداعمة لسياسة فرق تسد. هذا المشهد ساهم بصورة مباشرة فى توسيع الهوة بين أبناء الإقليم الواحد على اساس القبيلة وساعد على تمزيق النسيج الإجتماعى فى دارفور وهو واحد من المخططات التى أسست له العصبة زوى البأس منذ تنفيذ إنقلابها العسكرى فى عام 1989.

خامسا أصدرت قبائل البنى عامر والهدندوة والأمرار فى ولاية البحر الأحمر ثلاثة بيانات صحفية نارية فى يوم 21 من يناير 2011 إحتجت فيها قبيلة الهدندوة على ممارسات والى ولاية البحر الاحمر السيد محمد طاهر أيلا، وطالبت رئيس الجمهورية بإقالته فورا، كما نددت قبيلتى البنى عامر والأمرار بممارسات صحيفة برؤوت الناطقة باسم حزب المؤتمر الوطنى فى ولاية البحر الأحمر غير المهنية مطالبين بمحاسبة المسئولين عنها، وأدناه مختتطفات من البيانات الصادرة:
بيان قبائل البنى عامر: \"تؤكد قبائل البنى عامر وقفتها اللامحدودة مع قائد الامة المشير عمر البشير وتناشده التدخل الفورى لاعادة الامور الى نصابها فى البحر الاحمر بعزل الوالى الدكتاتور محمد طاهر ايلا ونائبه فى حزب المؤتمر الوطنى محمد طاهر احمد حسين\"(25).
بيان قبائل الهدندوة: \"ان قبائل الهدندوة هى قبائل ذات توجه وحدوى وان مثل هذه الاقلام الماجورة لا تمثل الهدندوة القبيلة الممتدة فى كل ارض السودان واننا نؤكد اننا ضد الفتنة وضد التسلط الذى يقوده والى ولاية البحر الاحمر وزمرته وارزقيته ... ونؤكد اننا فى البحر الاحمر مع اخوتنا جميعهم فى خندق واحد لازالة الطغيان من على راس الولاية\"(26).
بيان قبائل الامرار: \"نحن الأمرار نقولها بصراحة أن الذي كتب في صحيفة برؤوت ليس رأياً لكاتب إنه توجيه من الإدارة وتلويحاً بالوعيد والتهديد الأجوف لنيل كعكة ونحن قبيلة الأمرار العريقة صاحبة الأغلبية في البحر الأحمر ندين بشدة هذا التوجه ونطالب التحقيق\"(27).
وآخر الأحداث القبلية فى هذا الاطار حادثة حجز قطار الجنوب بواسطة قبيلة المسيرية وفقا لتصريحات محمد عمر الأنصاري القيادي بالقبيلة لـ (الرأي العام) \"إن تفاصيل القضية تعود إلى ثلاثة قطارات كانت قادمة من الخرطوم عن طريق (المجلد - بابنوسة - الميرم) في طريقها للجنوب وتحمل قطارين منها مواطنين نازحين.. تدخلنا وسهّلنا لهم طريق العبور وأكرمناهم ولم نقم باحتجاز أي مواطن جنوبي، ومن المفترض أن يكون القطاران قد وصلا الآن (الميرم)، وأضاف: قُمنا باحتجاز القطار الثالث الذي اكتشفنا أنه لتجار شماليين (مشكوك فيهم) يحمل بضائع ضخمة من المواد التموينية، شكّكنا في أن يكون دعماً لحركات التمرد الجنوبية والدارفورية، وتابع: قررنا عدم الإفراج عنه إلا بتوقيع اتفاقية تعامل بين الشمال مع دولة الجنوب للسماح بمرور البضائع بتلك الطرق المغلقة\"(28).
الإقتباس من البيانات والتصريحات المذكوره أعلاه ليس للسخرية من هذه القبائل العريقة أو التحكم فيها وإنما هو تأكيد على ما إنتهينا اليه، بأن القبيلة فى السودان وجدت البيئة الصالحة التى هيئتها لها حكومة الإنقاذ عبر سياساتها الداعمة للجهوية والعصبية القبلية، وهو ما يشير إلى وجود خلل عميق وأساسى فى ممارسات وسياسات ورؤية حكومة الإنقاذ وإلا لما تجرأت قبائل بعينها إصدار مثل هذه البيانات التى تأمر وتنهى فى شئون الدولة بل وتحتجز قطارا للبضائع بأكمله وتملى شروطا على الدولة من أجل البحث عن حقوقها كقبيلة.

سادسا أدخلت حكومة الإنقاذ بدعة \"بيعة القبائل\" فى القاموس السياسى السودانى، وهى بدعة سياسية جديدة إبتدعتها حكومة الإنقاذ من أجل تحكيم علاقة المواطن السودانى بنظام الإنقاذ، حيث \"أصبح الرأي العام الشعبي في ذلك هو ان مجتمعاً معيّناً أو قبيلة معيّنة ما لم تبايع المؤتمر الوطني (على المنشط والمكره) فإنها لن تحصل على الخدمات والتنمية\"(29)، وعلى ضوء هذه السياسة الجديدة صنعت حكومة الإنقاذ زٌعماء قبائل وسماسرة يتقاضون أرباح مجزية مقابل كل بيعة تؤديها أى قبيلة. لذلك كثيرا ما نقرأ على صفحات الجرائد الموالية للنظام بل نشاهد أحيانا على الفضائية السودانية بأن قبيلة كذا تؤدى البيعة للبشير وتؤكد على إنخراطها في صفوف حزب المؤتمر الوطني، أو أن قبيلة كذا تسلم وثيقة عهد للبشير او لأحد رجالات الإنقاذ المتنفذين وتٌعلن إنضمامٌها لحزب المؤتمر الوطني بعد أدائها \"القسم المغلظ\" الذى يلزم القبيلة وجميع أفرادها بعضوية المؤتمر الوطني وسياساته ومواقفه وهو إجراء \"يصادر الحرية الشخصية ويصادر الفروق الشخصية بين الناس وهذا ليس من الاسلام الذي نعرفه أو حتى من الديمقراطية التي تعطى وزناً لكل صوت ولكل فرد مهما صغر. ثمّ ان النيابة القبلية او المناطقية للتحدث بالإنابة عن الآخرين أو عن كيان شامل هذا أمر يؤكد من جديد مبدأ الشمولية والتي لا تعير اهتماماً ولا تعطى وزناً للخصوصيات والفردانية وتجعل من الناس جميعا كم واحد متطابق حتى في رؤاه واتجاهاته وخياره السياسي\"(30)، بل حتى الحزب الاتحادى الديمقراطى قرر أن يخوض مع الخائضين لينال نصيبه من العيدية (وفقا للمثل السودانى القائل: دارا ابوك كان شلعوها شيل ليك منها عود) حيث جاء الخبر التالى عشية ليلة الإنتخابات الأخيرة المزورة فى السودان:
\" إلتقى الميرغني أمس بمقر إقامته بمدينة كسلا المئات من قيادات قبائل البني عامر والهوسا الذين أعلنوا إنسلاخهم من حزب المؤتمر الوطني ،مٌعلنين عودتهم للاتحادي الديمقراطى الأصل ،وتلقى الميرغني البيعة من القيادات القبلية التي أكدت تمسكها بنهج الحزب الاتحادي والعمل معه\"(31)، الجدير بالذكر أن مراسيم البيعة الإنقاذية تسبقها جولات ماكوكية بين سماسرة هذه التجارة الرائجة والرابحة ورجالات حكومة الإنقاذ، خاصة أن فئة السماسرة معلومة لدى الحكومة، فهى تعمل لترويج هذه التجارة وشراء ولاءات وزمم القبائل المختلفة وإحضار زعمائها الى الخرطوم لاداء البيعة أمام البشير فى رابعة النهار. هذا السوق (نخاسة القبائل) فتح الباب على مِصْراعيه أمام القبائل ورفع سقف مطالب بعض القبائل الدارفورية التى طالبت منحها ولاية تقرن بإسمها فى جنوب دارفور، وما يؤكد هذا التوجه، الموقف الاخير للمؤتمر الوطنى الذى أفضى الى إنشاء ولايتين إضافيتين فى دارفور. وعلى زات المنوال قادت المساومات السياسية بين المؤتمر الوطنى وإحدى القبائل السودانية فى كردفان إلى دمج ولايتى جنوب كردفان مع غرب كردفان على أمل إعادتها إلى سيرتها الاولى بعد تحقيق مآرب المؤتمر الوطنى فى المنطقة، مما يؤكد استمرار النظام فى سياساته الداعية الى تقسيم السودان على أساس قبلى.
سابعا نفذت حكومة الإنقاذ سياساتها القائمة على أساس \"فرق تسد\" فى إقليم دارفور على مراحل متعددة نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر المواقف التالية:

(أ) عند مجئ الإنقاذ الى سدة الحكم عبر الإنقلاب العسكرى فى يونيو من عام 1989، كان أحد أهدافها الإستراتيجية إضعاف حزب الامه القومى وهزيمته فى عقر داره وفى مناطق نفوذه (دارفور). ولإنجاز هذه المهمة إنتهجت العٌصبة زوى البأس سياسة فرق تسد، فقسموا إقليم دارفور الى ثلاثة ولايات بشكل سياسى دون النظر إلى الإمكانيات الإدارية المحلية وعدم توفر الموارد البشرية، بهدف بعثرة التجمعات والقبائل المختلفة الى مجموعات صغيرة لتشتيت ولائها حتى يسهل السيطرة عليها من خلال إختراق الإقليم عبر أطرافه المترامية وعبر شراء زمم الإنتحازيين من أبنائها وإكمال النواقص بالوعيد والقبضة الأمنية، كل هذا لأن بقاء إقليم دارفور موحدا يقوى من وضعه السياسى ويساعد الإقليم فى تحديد سقف مطالبه لدى المركز بوضوح ويقلل من فرص إختراقه من الأطراف، ولذلك تجد أن سياسة تقسيم الإقليم إلى ثلاثة أقاليم تمهد وتسهل عملية الإختراق عبر الولايات الثلاثة نفسها كل على حدة، وعلى هذا الأساس جاء تصميم وضعها الإدارى الحالى، وضعا إداريا يٌعقد ويٌصعب مهمة إلتقاء الولايات الدارفورية الثلاثة مع بعضها البعض فى دارفور ويجعله امرا ميسرا وفى متناول اليد عند المركز، وبالتالى لا تلتقى الولايات الدارفورية الثلاثة لوحدها للتفاكر حول شئونها إلا عند المركز وبحضرة العصبة زوى البأس وهو ما يساعد الحكومة فى سياسة التحكم فى الإقليم.
الجدير بالذكر هنا، رغم وضوح موقف أبناء دارفور بمختلف مشاربهم حول قضية الإقليم الواحد، يخرج البشير وعلى الهواء الطلق طارحا إمكانية زيادة عدد الولايات فى دارفور إلى خمسة ولايات بدلا عن ثلاثة دون اية مبرارت منطقية، بل وينجح فى تنفيذ وعده وذلك بإنشاء ولايتين إضافيتين فى دارفور (ولاية وسط دارفور وعاصمتها زالنجي، وولاية شرق دارفور وعاصمتها الضعين) وهو ما يؤكد سعى الحكومة لتقسيم الإقليم على أساس قبلى لإرضاء قبائل بعينها. أى إستفزاز وإستهتار أكثر من هذا!!! بل بدأوا يتحدثون عن إجراء إستفتاء فى ظرف ثلاثة أشهر لحسم هذه القضية كما جاء فى تصريحات غازى صلاح الدين \" أن الحكومة ستنظم إستفتاءاً إدارياً لأهل دارفور المقيمين فيها ليختاروا بشأن توحيد ولايات دارفور الثلاث في اقليم واحد أو ان يبقى الوضع الاداري الحالي\"(32)، تحدث كل هذه الهرجلة السياسية وبينما مفاوضات الدوحة لم تكتمل حينها بعد. واللآفت للأمر أن غازى صلاح الدين قد أشار فى نفس التصريحات إلى أن الإستفتاء الإدارى في الإقليم نصت عليه إتفاقية ابوجا للسلام الموقعة في عام 2006 بين حكومة الإنقاذ الوطنى وحركة جيش تحرير السودان (فصيل اركو مناوى)، متناسيا أن إتفاقية أبوجا قد أجهضت تماما ودخل الطرفان الموقعين عليها فى حرب ضروس.
على نفس المنوال عملت حكومة الإنقاذ الوطنى إلى نسف روح الإنسجام الإجتماعى القائم بين القبائل الدارفورية وذلك بتزكية روح النعرات القبلية والعرقية والتعصب الجهوى فى الإقليم اولا، وإستمالة بعض القبائل إليها ثانيا، فقاموا بتسليح بعض القبائل (تسليح قبيلة البنى حلبة لمواجهة حركة الراحل داوؤد بولاد فى عام 1991 وتيمنا بذلك سٌمية منطقة عد الغنم بعد الفرسان) وذكوا الفتنة بين القبائل وأشعلو نيرانها ووقفوا شهودا على ذلك، وما التعبئة التى قام بها عبدالحميد موسى كاشا فى مدينة نيالا (أحداث منطقة برام، 2004) وحث قبيلة الهبانية على ضرورة الخروج لمواجهة قوات المتمردين المُتمركِزة حول منطقتهم خير دليل على ذلك، ثم جائت الحركات المسلحة ووجدت الإقليم غارق فى السلاح والفوضى فغاصت فى وحله، والمشهد الحالى غنى عن التعريف.

(ب) من المعلوم ان المناطق الواقعة فى شرق مدينة نيالا (مناطق شعيرية، يسن، مهاجرية، خزان جديد، لبدو ومرشنج) فى ولاية جنوب دارفور عبارة عن حواكير تخص قبيلتى المسيرية والبرقد، وكما هو معلوم فى دارفور أن الإدارات الأهلية بمختلف مكوناتها دائما ترحب بالمهاجريين الجدد فى مناطقها بل وتمنحهم أراضى زراعية إن كانوا مزارعيين أو توفير المناج الذى يساعدهم فى بدأ انشطة اقتصادية اخرى إن رغبوا فى ذلك ولا يوجد أن رفضت إدارة أهلية لقبائل مهاجرة للإستقرار فى مناطق نفوذها، بشرط ان يتقدم المهاجرون بطلب للإدارة الأهلية المعنية وإبداء الرغبة فى العيش والإستقرار فى تلك المنطقة، ولذلك من الطبيعى أن تجد فى الكثير من الحواكير الدارفورية أقليات من قبائل أٌخرى هاجرت الى تلك الحواكير وبدأت تمارس أنشطة إقتصادية مختلفة بعد أن وجدت الترحاب والأمان من الإدارات الأهلية المحلية القائمة، واليوم تجد الكثير من القبائل متواجدة فى مناطق غير مناطقها المعهودة، فتجد المحس والزغاوة والمساليت فى منطقة برام فى جنوب دارفور والجعافرة والشوايقة فى منطقة تلس فى جنوب دارفور والدناقلة فى منطقة مليط فى شمال دارفور والسلامات والبرقو فى رهيد البردى والكثير من القبائل العربية فى مناطق المساليت .. الخ، أما المدن الكبيرة فى دارفور فهى نموزج للتعايش بين جميع مكونات المجتمع السودانى.
إستقرار الوافدين يفتح دائما الباب امام التصاحر والتزاوج والتعاون بين أبناء القبائل المختلفة مما يساعد على تزويب القبيلة فى المجتمع، هذا الواقع ظل هو السائد فى إقليم دارفور وتوارثه الأجداد، حتى جاءت حكومة الإنقاذ الوطنى التى قامت بتعين والى ولاية جنوب دارفور الحاج عطا المنان الذى قام دون ادنى دراية او أى إستشارات مسبقة بمنح بعض القبائل المهاجرة الى المناطق المذكورة أعلاه إدارات أهلية جديدة على رأس الإدارات الأهلية القائمة دون أخذ مؤسسية وجود الإدارات الأهلية القائمة فى الإعتبار، وعندما سئل عن أسباب ذلك القرار ذكر بأنها سياسة الحكومة الجديدة فى الإقليم. هذا القرار أدى إلى إتخاذ بعض الإدارات الأهلية القائمة قرارات صارمة ومؤلمة قادت الى طرد أبناء القبائل المهاجرة إلى هذه المناطق مما تسبب فى خلق فتنة بين القبائل المتعايشة ونشبت حرب قبلية راح ضحيتها المئات من المواطنين الأبرياء. وبذلك يكون الوالى الأسبق الحاج عطا المنان قد لعب دورا سلبيا كبيرا فى خلق الاشكاليات التى وقعت فى ولاية جنوب دارفور بين بعض القبائل الدارفورية والتى ساهمت فى تعقيد الوضع الإدارى فى الإقليم وسوف تستمر آثارها وتداعياتها عقود من الزمن.
الآن أصبحت الإدارة الأهلية فى دارفور مٌسيسة تماما وفقدت إستقلاليتها و صارت جزء من موظفى الدولة حيث يأخذ العٌمد والنٌظار رواتبهم ومخصصاتهم من ميزانية الدولة حتى يقوموا بتنفيذ مخططات وأجندة الحكومة المركزية دون وعى، بل ان إمتيازاتهم ومخصصاتهم تذداد على حسب حجم المجاهدات والعطاء والبلاء الذى تقدمه زعامات القبائل لحزب المؤتمر الوطنى، وفى هذا يأتى فى مقدمتهم من شاركوا فى جرائم الجنجويد المنظمة فى الإقليم.

(ج) تقع سلطنة دار المساليت (1870-1930) فى غرب دارفور وحاضرتها مدينة الجنينة، تمتد حدودها إلى غرب جبل مرة عند منطقة (بركة سايرة) وشمالاً حتى حدود منطقة (كتم) وحتى وادي قبيلة (قمر) وشرق مدينة أبشي التشادية، وعلى معظم الحدود السودانية - التشادية \" وهم سكان بين مملكتي الفور و الوداى\"(33)، وهي معبر للطرق الهامة التي تربط بين غرب أفريقيا والسودان الأوسط. هذه المناطق تعتبر حاكورة قبيلة المساليت منذ مئات السنين، وكعادة الإدارات الأهلية كما ذكرنا سابقا رحبت الادارة الأهلية للمساليت بعدد من القبائل فى ديارها، قبائل عربية وغير عربية منها التاما، الرزيقات باختلاف فروعها، البني هلبة، الداجو، البرقو، المراريت، السنار والفور، حيث عاشت هذه القبائل فى سلام ووئام على مر الزمان، حتى جاء الوالى محمد احمد الفضل الملقب بـ (دقشم) اول والى لحكومة الإنقاذ فى غرب دارفور فى عام 1994. ولان جود مثل هذا الواقع المنسجم والمتقدم فى التعايش والسلم الاهلى والتعاون بين القبائل المختلفة لا يتماشى مع سياسة الإنقاذ القائمة على فرق تسد، كان لا بد من فعل شئ لإضعاف أصحاب الأرض والنفوذ من أجل السيطرة على الرقعة الجغرافية، فقام الوالى الفضل بإستدعاء قيادات القبائل العربية مذكرا لهم بأن هذه الأراضى هى أراضى حكومية وليست تابعة لقبيلة بعينها وأن الحكومة منذ تلك اللحظة لا تعترف بشئ إسمه اراضى سلطنة دار مساليت، بل الأراضى تخص جميع القبائل المقيمة فى المنطقة ولها الحق فى السيطرة على اجزاء منها، منبها الحضور بأن ما ذكره يمثل سياسة الحكومة الجديدة فى تلك المنطقة (هذا الموقف يتطابق تماما مع النهج الذى إنتهجه الحاج عطا المنان والى جنوب دارفور الاسبق كما اوضحنا أعلاه). ذلك الخطاب خلق فتنة كبرى بين القبائل العربية المقيمة هناك وقبيلة المساليت صاحبت الحاكورة، حيث تصدى سلطان المساليت السلطان عبدالرحمن بحرالدين لذلك التحدى وإستدعى أبناء المساليت المنتشرين فى جمبع أنحاء البلاد لمواجهة الامر، ووقعت على إثرها حرب قبلية (1996-2000) راح ضحيتها المئات من أبناء دارفور الأبرياء وإضطر الكثيريين منهم النزوح إلى دولة تشاد المجاورة بحثا عن الأمن والإستقرار، وعند إنفلات الملف الأمنى من يد الحكومة بصورة كاملة فى تلك المنطقة فر الوالى الفضل بجلده تاركا وراءه المنطقة تحترق.

خاتمة

هذه الظاهرة السلبية (تعاظم دور القبيلة) فى تاريخ السودان الحديث هى بمثابة ردة سودانية عن التراث والثقافة السودانية السمحة وسوف تحتاج الى أجيال لمعالجة مخلفاتها السالبة فى السودان. فالمجتمعات فى مختلف دول العالم تطورت وتقدمت الى الأمام عندما نجحت فى نقل مكونات مجتمعاتها الصغرى الى تكوينات كبرى تساهم فى بناء الدولة وليس إعادت صياغتها إلى مجتمعات قبلية صغيرة تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة، وهو حصاد سياسة الإنقاذ التى إستندت على سياسة فرق بين الجميع تسد، فالإنقاذ لا تتعلم من أخطائها ابدا، ففى بداية عهدها سعت ونجحت فى شق صفوف الحركة الشعبية بدعمها لمجموعة جناح الناصر بقيادة د.رياك مشار ود.لام اكول من أجل إضعاف نفوذ الحركة الشعبية، وقد تكرر نفس السيناريو مع الحركات المسلحة فى دارفور، التى بدأت تحت إسم حركتين وسرعان ما تضاعف عددها كالفئران بسبب تواضع قدرات قيادات الحركات المسلحة وبسبب الإغراءات المالية والوظيفية التى قدمتها حكومة الإنقاذ خلال جولات التفاوض المتعددة إبتداءا من ابوجا عام 2005 ومرورا بطرابلس وأم جمينا وأديس ابابا وإنتهاء بالدوحة، والعقلية التآمرية عند الحكومة السودانية من أجل شق وإضعاف صفوف الحركات المسلحة على أساس قبلى. والسؤال الأهم، هل الأفضل لحكومة البشير التفاوض مع حركة مسلحة واحدة او حركتين او حتى ثلاثة حركات ام التفاوض مع حركات مسلحة تجاوز عددها الثلاثين حركة، وبالتالى الإضطرار للتوقيع على عدد من الإتفاقيات الثنائية التى لا تخدم القضية ولا تعالج إشكاليات الهامش.
هل ما فعلته الإنقاذ فى دارفور من دمارر وخراب فى القرى والحضر وقتل النفس البريئة كان خيارا راجحا لها؟ أم كان الافضل لها إعمار الأرض وتنفيذ مشاريع التنمية التى تخدم المواطن؟ لا أعتقد أن يختلف أثنان بأن الخيار الأفضل هو إعمار الأرض وتوفير الأمان والغزاء والكساء والتعليم والخدمات الصحية للمواطن المغلوب على أمره، وإن فعلت، لكانت النتيجة مختلفة تماما ولجعلت التحدى أكبر أمام الأحزاب السياسية المنافسة عند العودة لقواعدها فى المستقبل لتجدها وهى تنعم بالتنمية والسلام وتملك ما يسد الرمق وكرامتها محفوظة وتعيش فى أمان. فالمحافظة على السلام والأمن الإجتماعى يعنى المحافظة على الحكم بأقل ثمن وجهد مطلوبين، وبالتالى توجيه الإمكانيات المالية إلى مشاريع التنمية التى تفيد المواطن البسيط وتقود الدولة إلى النماء والإزدهار، وهو ما فات على أهل الإنقاذ عندما لجأوا إلى العنف والقوة والقبضة البوليسة والصرف بلامسئولية وبلاحدود على أجهزة الأمن المتعددة وخلق الازمات المختلفة والإستعداد دوما للمواجهات المحتملة بسبب السياسات الخاطئة للدولة ظنا منهم أنه الطريق الاقصر للإنفراد بالحكم الى يوم الدين.
أن تزكية الروح الجهوية والعصبية القبلية فى السودان على حساب النهج القومى هو أخطر سلاح يهدد مستقبل الدولة السودانية المتبقية، حيث \"إستشرى الشعور بالعرقية والقبلية في كل أنحاء السودان بصورة غير مسبوقة\"(34)، فالدولة الصومالية إنهارت بسبب تقسيم البلاد على أساس قبلي، ولم يستطيع التجانس الدينى والثقافى بين فئات المجتمع المختلفة أن يشفع لها او أن يقف حاجزا أمام تفتتها وإنهيارها، لهذا \"لابد من مناهضة الشعور القبلي بالانتماء الوطني والإلتزام الجهوي والعشائري بالإلتزام والخضوع لسلطة الدولة فموت الدولة يعني إنتصار الجهل والبدائية والتراجع عن ركب التطور والمواكبة\" (35).
إن المخرج الأساسى من الكارثة القبلية فى السودان هو أن تتحمل الدولة مسئولياتها الأساسية وأن تؤدى واجبها ووظائفها المحددة والمعروفة لتؤسس للتنمية المستدامة التى ينتفع منها الجميع، والعمل الجاد على إبراز أهمية الإنتماء القومي وإعطاء المواطنين الإحساس بأن الدولة هى الأساس - هى للجميع (ليست هى للجاه) دون تمييز بين الموطنين على أساس قبلى أيا كانت الأسباب، \"إن في مراجعة التاريخ وتجاربه الثرة وقراءته قراءة موضوعية، دروسً خصبة لصور التعايش بين الأجناس المختلفة التي تجمعهما الأرض وتعقلها الحضارة وتمزجها البيئة ويصهرها التاريخ . فهل يعقل الإرث الحضاري السوداني كلاً من العروبيين والمتأفرقين من لوثة التعنصر، ويوجههم نحو الحوار الهادئ والتكامل والإندماج من أجل هوية وطنية أساسها الإنتماء للأرض ومظلتها القومية السودانية\"(36)، هذا ما ننشده ونرى من خلاله نور فى نهاية النفق المظلم الذى يعيش فيه السودان اليوم.

الهوامش

1. موسوعة الويكبيديا العالمية على الرابط http://ar.wikipedia.org
1.1. موسوعة الويكبيديا العالمية.
2. د.عبدالله محمد قسم السيد. حسن مكي والثورة المهدية الجمعة. جريدة سودانيل الالكترونية www.sudanile.com. 14 مايو 2010
3. د.عبدالله محمد قسم السيد. المصدر السابق.
4. الاستاذ يوسف تكنة. القوميات السودانية والإنتماء القبلي للاحزاب. تحليل تجربة حزب الامه القومى. جريدة الايام السودانية، العدد رقم: 9170 29، يوليو 2008.
5. الاستاذ يوسف تكنة. المصدر السابق.
6. الاستاذ يوسف تكنة. المصدر السابق.
7. سورة الحجرات الاية 12.
8. الاستاذ يوسف تكنة. المصدر السابق.
9. د.حيدر ابراهم على. حزب الجراد. جريدة سودانيل الالكترونية. 6 يناير 2011.
10. الاستاذ يوسف تكنة. المصدر السابق.
11. د.حيدر إبراهيم على . أزمة السودان. المآلات والبدائل. جريدة الشروق الجديدة المصرية. 27 يناير 2011 www.shorouknews.com/
12. د.حيدر إبراهيم على. المصدر السابق (11).
13. شبكة ركائز المعرفة للدراسات والبحوث. ورشة: العصبية القبلية والوحدة الوطنية في السودان - نموذج الروابط القبلية في المناطق الحضرية. 19 يوليو 2010 http://rakaiz.org/
14. د.حيدر ابراهيم على. المصدر السابق (11).
15. د. حامد البشير إبراهيم. التهميش فى السودان: مرافعة لصالح الحقيقة والعدالة والوحدة- البترول و قبائل التماس و عنصرية الدولة الوطنية (7-14). ابريل 2008. http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=3141
16. د.حيدر ابراهيم على. المصدر السابق (11).
17. د.عبدالوهاب الافندى. المصدر السابق.
18. د.حيدر ابراهيم على. المصدر السابق (11).
19. د. حامد البشير إبراهيم. المصدر السابق.
20. د.عبدالوهاب الافندى. القبلية ومصائب السودان الأخرى. جريدة سودانيل الإلكترونية. 2 نوفمبر 2009.
21. د. حامد البشير إبراهيم. المصدر السابق.
22. صلاح جلال حريق فى بيت الامه. جريدة سودنيل الالكترونية.2003.
23 . جريدة الرأى العام السودانية. تصريحات صحفية لناظر عموم المسيرية، السيد مهدى بابو نمر،5 مارس 2011، العدد 476156 .
24. د.فرانسيس دينق. السودان على المحك: تقرير المصير والوحدة الوطنية. 2010
25. بيان قبيلة بنى عامر. المنبر العام لجريدة سودانييزاونلاين. 21 يناير2011
26. بيان قبيلة الهدندوة. المنبر العام لجريدة سودانييزاونلاين. 21 يناير2011
27. بيان قبيلة الامرار. المنبر العام لجريدة سودانييزاونلاين. 21 يناير2011.
28. التفاصيل الكاملة لحادثة إقتطاف قطار الجنوب بواسطة المسيرية. جريدة الرأى العام السودانية، العدد 476316. 13 أغسطس 2011.
29. د. حامد البشير إبراهيم. المصدر السابق.
30. . د. حامد البشير إبراهيم. المصدر السابق.
31. زيارة السيد محمد عثمان الميرغنى لمدينة كسلا. موقع النادى السودانى 9 مارس 2010.
http://www.sudaneseclub.com/sudancp4/news_detail.php?nid=430
32. جريدة الرأى العام السودانية. 3 مارس 2011. غازي صلاح الدين: الحكومة ستنظم إستفتاء إداري حول وضعية إقليم دارفور. http://www.rayaam.info/index.aspx
33. د.على حسن تاج الدين. حوار مع جريدة أجراس الحرية. 1نوفمبر 2010. www.ajrasalhurriya.net
34. د.الطيب زين العابدين. الشيخ الغنوشي يعزف لحن الحرية والديمقراطية. . جريدة سودانيل الإلكترونية. 13مارس 2011. http://www.sudanile.com/
35. أ. محمد الحسن عباس. السودان بين التماسك الوطني والانبعاث القبلي. 2011
http://www.alhagiga.com/news.php?view=1563
36. د.عبدالوهاب ابراهيم. أزمة التطور القومي في السودان وبروز الذات القبلية. المنتدى النوبى العالمى. 23 ابريل 2009.
http://www.nubian-forum.com/vb/showthread.php?t=7549


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2165

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#210640 [ahmed]
1.00/5 (1 صوت)

09-18-2011 04:40 PM
الله يجازيهم وينتقم من شيخهم العلمهم السحر (الترابي) .............................................

أنا مبسوط منهم رفسوه وختوه في سلة القمامة ....يستاهل


#210422 [سوداني]
1.00/5 (1 صوت)

09-18-2011 12:00 PM
خلاص يا عزيزنا
كلنا سودانيين الآن.


#210380 [محمد عبدالسلام]
1.00/5 (1 صوت)

09-18-2011 11:12 AM
شكرا الدكتور خالد اصيل لقد قرات المقال بتمعن شديد واوردت من الحقائق ما يجعلنا نحس انكم تعايشون مشاكل اهلكم رغم بعد المسافه بكل تفاصيلها واسبابها والمتسببين فيها اعانكم الله على سرد المفيد وللشعب السودانى الخلاص انشاء الله وشكرا مرة اخرى


#210368 [سوداني ]
1.00/5 (1 صوت)

09-18-2011 10:57 AM
مارأيك في تسليح قبيلة الرشايدة .. وفقا لاتفاق محدد ؟!! , و لمن تسلح هذه القبائل ؟!! :

http://www.youtube.com/watch?v=F3LA0xH-BsQ

http://www.youtube.com/watch?v=uiN1R55hFvs


#210328 [مجودي]
0.00/5 (0 صوت)

09-18-2011 10:18 AM


لقد بذلت مجهودا مقدرا في تبيان الحقائق والرؤى حول

الوضع القبلي في السودان وإنجراف حكومة الإنقاذ الى تكريس دور

أكبر للقبائل مع زرع الفتنة بينها.

وفعلا من ينظر الى حال السودان الآن يعتقد بأن السودان ما هو

إلا تجمعات قبلية (أو مناطقية) متناحرة.ولا فكاك من هذا الأمر مطلقا

حتى وإن تغيرت الحكومة االحالية (كما تحاول الإنقاذ أن تقنعنا بذلك الآن).

وكما ذكرت فقد دخلت الإنقاذ على مجالي الزراعة والصناعة فحطمتاهما

شر حطام و لا أدري فلربما كان السبب ( عن قصد أو كعمل باطني) هو

زعزعة كل ما يؤدي الى تجمع الناس المختلفين (قبائليا ومناطقيا) لأن ذلك

(بجيب الهوا .. نقابات واضرابات ) وهو ما لا تطيقه حكومة الوهم. من السهل

عليها كما ذكرت بأن تتعامل مع رأس القبيلة بالوعيد أو الترغيب لكنها لا

تستطيع التعامل مع النقابات المطلبية.

نعم التنمية المستدامة هي الحل الوحيد لإعادة اللحمة الى المجتمع المدني.

بالسودان (وبغربه) توجد فرص إستثمار كبيرة فعندما تفتح هذه الفرص أمام

العمل العام والخاص وينخرط المجتمع في الأنشطة الإنتاجية الجادة بلا

شك سوف يلقون السلاح ويجهون للعمل الجاد. والمعروف عن أهل دار فور

بأنهم أهل العمل اليدوي الشاق وفي نفس الوقت فيهم التجار \"الشطار\"

فهم ليسوا اناس حرب ما لم تفرض عليهم.


د. خالد أصيل أحمد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة