09-18-2011 12:26 PM

رحيل رجل الثبات واليقين والابتلاءات ...

يحي العوض

-1-
جاءنى صوته حزينا عبر الهاتف : رحل من نحسبه آخر الخيرين !
كان محدثى من الدوحة الصديق المستشار عبد الحميد ابوقصيصة , وبعد دقائق هاتفنى من أبوظبى الخليفة يوسف عبد الدافع , مواسيا فى رحيل الشريف الصديق الشريف يوسف الهندى . الخليفة الثالث لسجادة آل الهندى منذ مبايعته عام 1971م . وأكرمنى الله بوشائج المحبة مع الأسرة الكريمة , بفضل شيخنا الشريف محمد الأمين الخاتم , رجل كركوج الشامخ , الذى تلقى الارشاد من الشريف يوسف الهندى , وتأسست علاقات متينة بين البيتين ومحبيهم عبر الأجيال . ومن حظنا فى رحلة البحث عن أمن اليقين , الوصول إليهم فى كركوج وبرى الشريف وشمبات الشيخ البشير محمد نور , وأكرمنا بالعناية والرعاية فى تلمس العتبات الأولى للطريق , «فثمة طرق لا تمسها إلا القدمان وثمة طرق أخرى ترفضك إذا لم تعانقها بروحك وجسدك «, كما يصفها محمود درويش فى رائعته «الهدهد»:
إن الطريق هو الوصول إلى بدايات الطريق المستحيل
هى رحلة أبدية للبحث عن صفة الذى ليست له صفة
هو الموصوف خارج وصفنا وصفاته.
الأرض تكبر حين نجهل ,ثم تصغر حين نعرف جهلنا
لكننا أحفاد هذا الطين والشيطان من نار يحاول مثلنا
أن يدرك الأسرار ليحرقنا ويحرق عقلنا..
-2-
جسد الشريف الصديق المثال والقدوة للصوفى المتعبد الذى زهد فى الدنيا رغم أنها كانت بين يديه , منهجه الافتقار إلى الله, لا يشوبه فى ذلك كدر من طمع فى الدنيا أو جاه . تباعد عن السياسة والحكام , رغم أن البيت الذى ينتمى إليه اشتهر بقوة حضوره سياسيا منذ تولى والده الشريف يوسف الهندى وهو فى العشرين من عمره راية الأشراف فى المهدية , وبعد معركة كررى ونهاية دولة المهدية واصل الشريف معارضته للاحتلال , واعتقل عام 1905م بتهمة تكوين حركة دينية للمقاومة ,ومثل أمام محكمة بمدنى وحكمت عليه بالسجن ونقل إلى كوبر بالخرطوم وأمضى سته أشهر بالسجن , ثم استبدل الحكم بتحديد إقامته فى منطقة داخل مديرية الخرطوم واختار ضاحية برى اللاماب , وأصبحت برى الشريف, منذ ذلك الوقت منارة علم وتقوى ورافدا قويا للحركة الوطنية , وأسهم الشريف يوسف فى جمع الصفوف لبناء حركة سياسية جديدة , وساند مؤتمر الخريجين وأهداهم أول دار تحمل اسمهم بأم درمان . ولا يتسع المجال ولا المناسبة للحديث عن دور الشريف يوسف وأبنائه فى تاريخنا السياسى المعاصر , وتكفى الإشارة إلى الشريفين حسين وزين العابدين , وقد تزامن نشاطهما السياسى والعسكرى مع تولى أخيهما الشريف الصديق خلافة السجادة , و كانت سنوات حافلة بالمواجهات المسلحة, وصمد الشريف الصديق أمام ابتلاءات غير مسبوقة تجاوزها بيقينه وحكمته وثباته .. وأول هذه الابتلاءات , كانت فى عهد الرئيس جعفر نميرى (1969م-1986م), عندما قاد الشريف حسين المعارضة المسلحة ضد نظام مايو , وكانت حربا حقيقية بالسلاح والإعلام , ودخلت قوات الجبهة الوطنية , التى كان الشريف حسين أبرز قادتها , الخرطوم فى يوليو 1976م وجرت معركة دامية خسرتها قوات الجبهة . وبدأ نظام جعفر نميرى حملة قمعية ومطاردة لكل القوى التى شاركت فى المعارضة المسلحة . ورغم تصاعد التحرشات الأمنية بآل الهندى , إلا أن الشريف الصديق , رجل الثبات واليقين كان صادقا فى موقفه بعيدا عن العمل السياسى , مكرسا كل وقته للعبادة والارشاد , وحاول نظام نميرى إحراجه وانتزاع مواقف منه ضد أخيه الشريف حسين , وزاره اللواء عمر محمد الطيب الذى كان يشغل , رئيس جهاز الامن , وقال له «ان الرئيس نميرى يبلغك تحياته ويقول ان جميع بيوت أهل الدين دعوه للصلاة فى مساجدهم وهو يرغب بالصلاة معكم فى برى ,» فرد عليه الشريف الصديق ردا جميلا قائلا « من قصد المسجد فانما يقصده لنداء الله وليس من أجل أحد .. أما إذا كان يريد زيارة بيت الشريف يوسف الهندى , فنحن نرحب كل الترحيب بضيوفنا «. وتفهم اللواء عمر, رسالة الشريف الصديق ولم تتم الزيارة ( حوار مع الشريف طه ابراهيم محمد المهدى- كتاب : أصحاب الوقت 2003م :يحيى العوض)
ومشهد آخر تجلت فيه حكمة الشريف الصديق عند وفاة الشريف حسين فى فبراير 1982م فى أثينا عاصمة اليونان , وحمل جثمانه إلى طرابلس وبعدها إلى العراق وكانت مجموعة من أنصاره يودون الطواف به فى مظاهرة سياسية عبر عدة عواصم عربية . وكان رأى الشريف الصديق التعجيل بدفن الجثمان فى السودان
واحتشدت جموع كبيرة من المواطنين فى مطار الخرطوم , لكن السلطات الأمنية أمرت بهبوط الطائرة فى مطار وادى سيدنا العسكرى . وكان يرافق الجثمان الأستاذ احمد خير (خال الشريف) والشريف الصديق إبراهيم الهندى والشريف احمد الصديق الهندى( ابن الخليفة الصديق ), والشريف الأمين عبد الرحيم والشريف الهندى الشريف عمر . وخاطب الدكتور أحمد السيد حمد والدكتور عمر نور الدائم الجموع الغفيرة التى احتشدت لتشييع الجثمان وحاول الاستاذ على محمود حسنين قطب الاتحادى الديمقراطى إلقاء خطاب سياسى حماسى لتهييج الجماهير ودفعها إلى انتفاضة شعبية . وكانت ضاحية برى مطوقة بوحدات عسكرية , تراقب الموقف ومستعدة للتعامل بالقوة مع المتظاهرين . وخشى الشريف الصديق أن تزهق الأرواح بسبب العداء المستحكم بين نميرى والشريف حسين , خاصة ان الذين هرعوا من قرى الجزيرة من المريدين لا علاقة لهم بالسياسة . وتدخل الشريف صديق وخاطب الحشود أن يقدروا حرمة الموقف وأن الوقت للحزن وليس للصدام , وبالفعل تفرقت الحشود بسلام بعد الصلاة على الجثمان وقد أم المصلين السيد محمد عثمان الميرغنى. (كتاب الشريف حسين :أسرار وخفايا للأستاذ صديق البادى )
كان الابتلاء التالى أكثر مضاضة وإثارة للأحزان , عندما تأزمت العلاقات بين السيد محمد عثمان الميرغنى , راعى الختمية ورئيس الحزب الاتحادى الديمقراطى والشريف زين العابدين الهندى , الامين العام للحزب , وتطور الخلاف إلى انشقاق وتفتيت الحزب العريق . وكان هم الشريف الصديق ألا تؤثر الصراعات السياسية على العلاقات المتجذرة بين البيتين الكبيرين , ونجح بحكمته وثاقب بصيرته , فى الحفاظ على خصوصية العلاقات والإرث العظيم الذى تركه جيل الآباء , ولعلها سانحة لنتذكر ملامح من تلك الذكرى العطرة .
-3-
كان الشريف يوسف الهندى مهموما بخلافة السيد على الميرغنى الذى لم ينجب حتى وقت متأخر من عمره , وكان يحثه على الدعاء ليكرمه الله بالذرية وكان من جانبه يلح بالدعاء له . وعندما جاءته البشرى بقدوم المولود الأول للسيد على ,ابنه السيد محمد عثمان , كان الشريف يوسف أكثر الناس فرحا وأمر بذبح كل الماشية الموجودة فى حظيرته , وعندما سمع السيد على بما يحدث طلب من أحد خلفائه أن يذهب إلى الشريف حتى لا يذبح كل المواشى الموجودة فى ضاحية برى (كتاب اصحاب الوقت) . ويكاد هذا المشهد احتفاء الشريف الهندى بأول مولود للسيد على , يتكرر بصورة مغايرة وفى مناسبة حزينة يروى تفاصيلها الاستاذ محمد الخليفة طه الريفى : لم يكد يذاع بيان رحيل السيد على الميرغنى يوم الاربعاء 12فبراير 1968م حتى تحول السودان كله إلى مأتم كبير وبدأت الاقاليم تقذف بوفودها على الخرطوم , وفى الوقت الذى كنا مشغولين بما نحن فيه , كان الشريف حسين الهندى واخوانه مشغولين بشىء آخر , ومع نقل الجثمان الطاهر إلى جنينة السيد على بالخرطوم ,حتى أخذت السيارات واللوارى تتحرك من ضاحية برى وهى محملة بأطنان من الطعام بجميع انواعه لمواجهة احتياجات مئات الآلاف من المعزيين,(كتاب فى مجالس الريفى,حوارات الاستاذ ابراهيم عبد القيوم )
هذه قبسات من صور نعيدها لجيل الأبناء فى ذكرى الشريف الصديق الشريف يوسف الهندى , لم يقف يوما عند باب السلطان ولم يحشد المريدين لمبايعة او تأييد , لذلك من العسير مشاهدة صورة تلفزيونية له , او تسجيلا بصوته , رحم الله رجل الثبات واليقين والابتلاءات ..!


الراي العام


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 5378

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#210796 [عزالعرب]
3.27/5 (7 صوت)

09-18-2011 09:24 PM
رحم الله الشريف الصديق رحمه واسعه وادخله فسيح جناته


#210748 [واحد]
2.13/5 (5 صوت)

09-18-2011 07:57 PM
الشريف الصديق رجل تقي ورع كان مهموم بامر الدعوة = له مهابه ومحبه وعليه اجماع ومنطقتهم الاصليه من نواحي الجزيرة ==الشرفه= وقد استقر بضاحية بري حيث =القبه = وكثيرون يذكرون الاغنيه ==شكلك ظريف الليله دمك خفيف الليله وساكن بري الشريف =يقال ان الحرب لما استعرت بين شريف مكه وابن سعود في جزيرة العرب ==المملكه العربيه السعوديه حاليآ = اوفد الانجليز الشريف الهندي بعلم الامبراطوريه لشريف مكه ليرفعه ويدخل في حماهم الا ان شريف مكه رفض ولا يزال ذلك العلم يحتفظ به ال الهندي


#210585 [ود المقرن]
3.25/5 (3 صوت)

09-18-2011 02:32 PM
ألا رحم الله سيدي و مولاي الشريف الصديق و أدخله فسيح جناته مع الصديقين و الشهداء و حسن أولئك رفيقا .
حقيقة كنت أتوقع من الإخوة في صحيفة الراكوبة أن تنعي خبر موت الشريف و لكن لم يتم ذلك .
ومنذ أن سمعنا الخبر المفجع توجهنا فورا لمسيد الشريف ببري وقد قيل لنا بأنه لم يحدث حشد مثل هذا من قبل إلا في وفاة الشريف حسين وإنتظرنا حتي تمت مواراة الجثمان الطاهر الثري داخل القبة بجوار أبيه سيدي الشريف يوسف و إخوته السادة الأشراف .
والحمد لله تمت مبايعة سيدي الشريف أحمد الشريف الصديق علي خلافة والده الشريف الصديق عقب صلاة الجمعة الفائتة فلله الحمد و المنة .
حقيقة فقد الإسلام و السودان رجل عظيم و لكنه ليس بعزيز علي الله .
كما أرجو من الإخوة المشرفين علي موقع الراكوبة أن تقوم بالتوثيق لحياة الراحل .
و دمتم .
الحمد لله الحمد لله الحمد لله .


#210577 [محمد أحمد الرفاعي]
3.75/5 (4 صوت)

09-18-2011 02:24 PM
رحم الله الشريف الصديق الشريف يوسف الهندي وإخوته الشريف حسين والشريف ذين العابدين رحمة واسعة فقد كانوا منارات للهدى أضاءت دياجير الظلام فى بلاد السودان .
وللتاريخ ، أذكر بالخير دائماً الشريف حسين الشريف الهندى ، هذا الرجل القامة الذي عاش متواضعاً ، وخدم الناس بكل ما يملك حتى وقته وبيته لم يكن ملكه بل كان بيته مفتوحاً لجماهير حزبه من كل أصقاع السودان. حدثني عمنا - رحمه الله - أنه قدم الخرطوم بغرض البحث عن وظيفة لابنه الذي أكمل الوسطي فى ذلك الحين وقال أن الشريف حسين حين يأتي بيته فى ساعة متأخرة من الليل ، لا يجد مكانا ينام فيه من كثرة الضيوف. وبعد أن يقابلهم ويستمع لحاجاتهم ويسعى فى حلها ، يبحث عن موطىء قدم على الأرض فيتوسد يده مشاركاً ضيوفه الكثر الذين يتوسدون الثري .ً.
هل يفعل ذلك مستجدي النعمة ، مقطوعى الأصل ، سارقى السلطة من العصبة الباغية؟؟ .

ولن ننسي مساعدة الشريف حسين فى توظيف أعداداً كبيرة من أهلنا فى مشروع بند العطالة فى وظائف وسيطة مكنت الكثيرون منهم من إكمال تعليمهم وإصلاح أحوالهم .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :\"خير الناس أنفعهم للناس\"


يحي العوض
يحي العوض

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة