المقالات
السياسة
هبّت الخرطوم في جنح الدُجى
هبّت الخرطوم في جنح الدُجى
02-11-2016 10:07 PM


فيما كانت الحافلات والسيارات تتلوى في وسط الخرطوم , والناس كل الناس داجين كدّاري من جاكسون للاستاد ومن شارع العيادات والمستشفيات الخاصة في شرق السوق العربي الى محطّات المواصلات المشتتة , وأبواق السيارات تكمل مهرجان الصخب في معزوفاتها المزعجة مع أصوات النجدات وسيارات الشرطة المسرعة , وثمّة شفّع من تلاميذ وتلميذات المدارس يجوبون الطرقات وسط الخرطوم , ومكبرات صوت تلعلع بأناشيد لا تلامس الواقع الذي يعيش في كنفه الناس مثل ؛ أيّها الناس نحن من نفر عمروا الأرض ..إلخ في تلك الساعة من ساعات الضجر الوطني العارم , وجميع من لاقيت يسخط ويشكو ويئن , وصفوف المرضى والمرافقين المنتظرين في المستشفى والعيادات , وطلبة الجامعات يتكدسون في المحطات , وأرباب المعاشات يتوكأون على مرؤاتهم التي هدّها ربع القرن من التشريد , في تلك الساعة كانت الكلمات تخرج ميّتة قبل الميلاد , لأنّها كلمات من الطوق ولا فوق كما يصف أهلنا الكلام الفارغ الذي يجافي الحقيقة والواقع , ويضطر صاحبه ليدلقه على أذان سامعيه دلقا , كان حاكم المدينة يتحدّث عن 2 مليون مواطن في ولايته شاركوا في حواره المجتمعي , احصاءات مفصّلة شملت 7 محليّات , و105 وحدة ادارية و 1933صالون في الأحياء و20 ملتقى شارك فيها كل سكان الخرطوم وقدّموا 700 توصية تناولت كل قضايا المعيشة , وستتحول الى قرارات تنفذّها حكومته .
في تلك الساعة كان الوعي يشرق بعاملة بسيطة في احدى المؤسسات الخاصة , امرأة من غمار الناس لكنّها من أصلحهم على كل حال , لا تكاد تجيد اجراء عملية جمع لثلاثة أرقام مع بعض , لكنها تفيض انسانية وتستطيع أن تجمع كل اللغط في ممارسة بسيطة وسهلة ومفيدة , كنت أداعبها مازحا : يا فُلانة انت ما شالله مقرّشة , من بيع الشاي والقهوة لعدد محدود من العاملين في تلك المؤسسسة . وكنت في الواقع أعلم محدودية ما تجنيه من لهب الجمر وبخار الشاي وغليان القهوة . اجابتني بثقة وهدؤ , أنا أوزع ما اجنيه كالآتي : أقسم العائد بعد خصم التكاليف كلّها مع (فلانة) زميلتها المريضة منذ نحو 4 شهور لم تداوم , اقتسمت تلك العاملة شغلها مع زميلاتها الأخريات حتى لا يتضجّر أرباب العمل من الغياب الطويل لزميلتهن المريضة , وها هي الآن تقتسم معها يوميا صافي الإيراد ! أي نزاهة تكلل هام تلك السيدة العفيفة , وأي رهافة ينطوي عليها ذاك القلب الأبيض الصافي الذي يخفق بين جنبي تلك المرأة العظيمة , لم تطنطن , لم تقل مالي ومالها تلك الغائبة التي يكفي اقتسامنا لمهامها حتى اقتسم معها عائد عمل لم تقم فيه بأي دور , لكنهم الفقراء دوما أكثر تضامنا أكثر شفقة و أعظم خُلقا من المتمشدقين بالقيم والمُثل ودواخلهم منها خواء . ثمّ ماذا يا ست ؟ ما يتبقى من نصيبي , أمنح منه هذه ( زميلتهن الأخرى) مصروف لأولادها اليتامى , يا إلهي , إّنها تمارس فضيلة الانفاق في صمت , مما تعجز عنه تلك المسميات الضخمة ذات الربط الملياري سنويا , ثمّ ماذا يا امرأة ؟ الباقي نتوصل به , أنا وزميلتي تلك . المواصلات بعد المغرب (بريييي) صعبة خلاص , نضطر لدفع 10 جنيه للنفر حتى نصل دار السلام غرب سوق ليبيا . قلت لها مواصلا المزاح حتى اجرجر تلك الحكيمة : طيّب ما أهو المرتبات زادوها كويس . ردّت باقتضاب , هسّ ال100جنيه دي زيادة ؟ لأننا لا نملك نقابة لا نستطيع نيل حقوقنا . أها , وكمان معاها وعي نقابي وحقوقي ؟ حسنا يا ست ثمّ ماذا في جعبتك ؟ شوف المؤسسة عندها محامي ومستشار قانوني أنحن ليي ما يكون عندنا نقابة زي ما هم بيدافعوا عن حقوقم نحن برضو ندافع عن حقوقنا . وصمت صاحبكم إزاء هذا المنطق الفصيح رغم أنّ اللغة العربية ليست لغة الأم لتلك الأصيلة . كانت المايكرفونات تلعلع : أعضاء اللجان طافوا كلّ أرجاء الولاية تنويرا بأهميّة الحوار ومدى معالجته لمشكلات البلاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية . هل يمكن السؤال عن , وهل اجتمعت تلك اللجان بتلك السيدة الرصينة البسيطة التي تفعل كل ما في وسعها لحل مشكلة زميلاتها واسرتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كمان ؟ هل من ال700 توصية واحدة فقط تجعل مدير مستشفى ابراهيم مالك التعليمي يعدّل من ويسحب استقالته المسسبة بعشرة أسباب حسبما أورد محجوب عثمان في جريدة الصيحة في ذات يوم (هبة الخرطوم) و أدنى تلك الأسباب أنّ القرارات تصدر من فوق للمدير الطبي مباشرة دون المرور به كمدير عام للمستشفى , وليس أقلها , تسرب المياه تحت مباني قسم الطوارئ والاصابات , ومنها سعة المستشفى التي لا تلبي حاجة المرضى , وعدم كفاية العلاجات المقدمة من وزارة الصحة , وعدم صرف استحقاقات المتعاقدين الشهرية , وعجز الوزارة عن توفير مستهلكات المعامل وبنك الدم . هذه حيثيات الاستقالة للمدير العام للمستشفى الذي يقع في قلب الخرطوم , وتم ترحيل بعض اقسام مستشفى الخرطوم العريق اليه . في الوقت الذي كانت هبّة الخرطوم كان المواطنون يصطفون في الطوابير أمام المخابز للحصول على رغيف , بعد أن تمّ تخفيض كمية الدقيق الموزّعة للمخبز الى 3 جوّلات , كما أفادت لبنى عبدالله في صحيفة الجريدة . بعد أن كانت ما بين 10__12جوال للمخبز الواحد . تًرى هل يعتبر دواء مستشفى ابراهيم مالك , وخبز الأفران من ضمن هموم المعيشة لسكان الخرطوم ال2مليون الذين ضمّتهم الصوالين متحاورين متجاورين متحابين في السلطة ( أقصد في الله)!!!!! وصوت الكابلي يشنّف الأذان ؛ هبّت الخرطوم في جنح الدجى والتقينا في طريق الجامعة ,,, وليرحم الله الشريف محجوب : متين تصفى سما الخرطوم حبيبتنا متين ؟
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2018

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خالد فضل
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة