المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
صلاح شعيب
زيدان إبراهيم: بالله ليه يا فراش..؟!ا
زيدان إبراهيم: بالله ليه يا فراش..؟!ا
09-24-2011 11:01 PM

زيدان إبراهيم: بالله ليه يا فراش..؟!

صلاح شعيب
salshua7@yahoo.com

مات زيدان في غربته العلاجية وعم الحزن أوساط محبي فنه. وكان حزني كبيرا لفقده، حيث حادثته قبل ثلاث اشهر، ووجدته على ذلك المرح والجمال. فيرحمه الله رحمة واسعة، وليسكنه فسيح جناته. هذه كلمة نشرته لي جريدة الصحافة قبل أربع أعوام بذات العنوان، وربما تعطي بعض إضاءات إنطباعيةعن مسيرة الفنان الراحل:

رواية زيدان إبراهيم تحكي عن الصراع بين زمن سوداني وآخر. جاء إلى فضاء الحياة ليلونها بأنغام، وإيقاعات، ونبرات صوتية حتى يكسب بعد صراعه مع الزمن الإعتراف به كمبدع لا يتثاءب صوته. مع الملحن أحمد زاهر أكدا ـ في بدء المشوار ـ على هزيمة معايير رفضت صوته، ثم إن أعماله «قصر الشوق» و«قلبك ليه تبدل» و«أخونك» و«فراش القاش» إنبجست لتسند البدايات التي راكم عليها الاغنيات عقدا إثر عقد. لا أدري ما الذي كان سيصيب الفنان الكبير إذا قنع بقرار تلك اللجنة التي لم تخول له الغناء في احتفالات \"بخت الرضا\" بحجة أن صوته لا يليق بمداعبة الألحان، وهناك أحكام من هذا القبيل تضخها اللجان المناط بها أمر الابداع، فتوئد الامل، كما لو أنها لا تدع الزهور تتفتح.
ولكن على أية حال خرج زيدان من هذا الإختبار ليواجه آخر تمثل في تهديد عمه له ولكن بعد مرور السنين رد بقوله: «لقد سكتت البندقية وبقي زيدان»، والغريب أن زيدان هو الذي أنقذ المطربة جواهر حينما هاجرت إلى الخرطوم بعد تهديدات تلقتها من أحد الاقرباء بقفي أثرها إن هي غادرت بورتسودان نحو إذاعة أمدرمان. بيد أن زيدان الذي تذوق طعم التهديد بالقتل، أعانها حتى هاجرت إلى القاهرة، وبدت تكشف عما يراه الأخوة المصريون عن مواهب قد تجدد لهم أمواه التنوع الغنائي بعد رحيل «ثوما، وحليم، والاطرش».

ما بعد هذين الموقفين الصعبين إنطلق زيدان إبراهيم كمغنٍ لا يشق له غبار. ولعل في قصته المحفز الاكبر لجيلنا الصاعد ليراجع بشكل أحسن في مصيره حين ينوي الإبداع. ولكن المحفز الأكبر الذي لم يكتشفه هذا الجيل كمن في الطريقة التي قدم بها زيدان إبراهيم نفسه حتى قارنه النقاد بالفنان عبد الحليم حافظ، وأسماه أستاذنا رحمي محمد سليمان بالعندليب الأسمر، كناية على حسن تغريده، وجمال صوته، كما أن فنانا مثل وردي رشحه يوما لخلافته. ولا غرو. هذا برغم أن وردي رأى قبله في الفنان عمر أحمد وريثا لعرشه، وكما نعلم أن الفنان الراحل لم يعمر طويلا.
وبرغم أن حياة زيدان صارت من بعد تتأرجح بين الوعد الفني، والإحباط الاجتماعي، والاشرئباب بذهنه نحو مستقبل يحافظ، وينمي هديله الفني، إلا أنه رعى بالتوازي والدته، وصوته معا..وأحسن إليها بالشكل الذي لا يدركه الكثيرون. فكان يحبها كثيرا، وتحبه أكثر، ويفني في رعايتها إلى أن فارقت الحياة، وبقي هو وحيدا في الحاج يوسف التي غادرها بعد أن عز عليه البقاء وحيدا من غير زوج أو ولد.
يحدثنا «الدكتوران» الفاتح الطاهر الذي هو شبيه بالدكاترة زكي مبارك، حيث حصل على شهاداتي دكتوراة في الموسيقى من روسيا «ولد زيدان ابراهيم بحي العباسية بام درمان جوار جامع الادريسي في منتصف الاربعينات، ومن الطريف ان الفنان ابراهيم الكاشف هو الذي صنع له المشاية التي تعلم عليها المشي بحكم مهنته كنجار.. وقضى فترة دراسته الاولية في مدرسة كادقلي، فبيت الامانة الوسطى بحي العرب، والثانوي العالي بالاهلية ام درمان.. وفي مستهل دراسته الوسطى انضم لفرقة المدرسة الموسيقية تحت اشراف الاستاذ محمد احمد قاسم استاذ التربية الاسلامية والعربية.. وفي المرحلة الثانوية بدأت موهبته تتفتح كعازف مزمار ومؤدٍ لاغاني ابراهيم عوض ووردي وكابلي، كما حفظ العديد من اغنيات الرواد بدراية مقاماتها الموسيقية وايقاعاتها المتنوعة، محافظا ومتمسكا بكل ما هو اصيل وجميل، خاصة أغنيات الشاعر محمد عوض الكريم القرشي. وتعلم العزف على العود تحت اشراف الموسيقار صالح عركي سنة 1960م، وأصبح يجيد عزف أغاني وردي باجادة تامة حتى لقب بوردي الصغير.. وترك المدرسة عام 1961م وهو في السنة الثانية الثانوية، بعد ان اختلف مع ناظر المدرسة الذي كانت نظرته متخلفة، متوجبا على طلابه ان يلتزموا بالدراسة وحدها. وفي نفس العام اصيب بخيبة امل عندما استبعد من مناسبة احتفالات عيد بخت الرضا بالدويم، باعتبار ان صوته لا يصلح للغناء.. ولم يصبه اليأس ولم يفقد الامل.. بل صار يناضل ويكافح ليثبت مقدرته وموهبته حتى وقف أمام لجنة استماع الأصوات الجديدة بالاذاعة في عام 1963م، واجيز صوته بالاجماع بعد ان غنى «بالي مشغول .. ما هو عارف .. وبيني وبينك والايام..».
وعلاقتي مع زيدان بدأت بأول حوار صحفي لي أجريه معه عام 1986م، واذكر أنه كان يملي علي ما يرد به من إجابات على اسئلة، ويتابع ما كتبت. وفجأة هاج وماج بأنني لا أدرك الفرق بين مفردتي «تألقي» و«تعلقي».. ولكون أن ذلك الحوار كان الأول ارتعدت فرائصي ثم ضحك بعد أن تأكد من صحة إملائي. وبعد نشري لذلك الحوار الاول أتيت إليه فرحا حاملا نسخة من الصحيفة، ومنذها وجدتني أزوره في محله الذي أخذ مسمى (جنة زيدان) في شارع الاربعين. ولكن لم يلبث أن أغلق زيدان المحل، وانتهت فكرة الاستثمار التجاري الذي فشل فيه الفنان.
ومن خلال زياراتي المتكررة له في منزله بالعباسية، أدركت كيف أن ذلك الحنين الذي جمعه مع والدته قد شكل له زاد المسير، وعون الدرب، كان حين يمرض زيدان تقف وحدها على رعايته، وكان هو يبادلها وفاءً بوفاء، وظلا يقطنان في حي العباسية الذي بقي فيه زيدان رمزا من رموزه، وأبنا بارا بأزواج الحي الجدد، وأصبح مفضلا لزمن، مع إبراهيم حسين ـ كارتر، في حفلات الحي.. يغنيان بلا أجر أحيانا ويفرحان أهل الحي. وحين رحل مع والدته إلى «الحاج يوسف» حزنت العباسية أشد الحزن، وهو الذي ارتبط بها ومعها طوال سنين حياته، بعد ان جاء من كادوقلي صغيرا، حيث هناك ولد. لقد رعته حينما كان صغيرها الوحيد، ورعاها حين كانت كبيرته الوحيدة في قصة تحكي عن وفاء إنساني نبيل.
نعم إذا كان هناك ملحن يعود إليه الفضل الأكبر في تجربة الفنان زيدان، فهو الملحن الرائد أحمد زاهر، الذي إحتضن موهبته حين عرف قدراته الابداعية وقدم له «معذرة» و«أكون فرحان» و«نبع الحنان»، وكثيرا ما تم ضبط أستاذنا زاهر في علاقة حميمة بالقصائد التي تحتوي «الابواب» فبخلاف باب الريدة وأنسده، حيث غناها «أبو الزيك» كما يناديه زوار البحر، لحن زاهر «جيت لقيت باب الغرام فاتح ودخلت» التي مثلت مرحلة في تجربة الفنان الراحل أحمد الجابري، والذي هو أيضا إرتبط بأمه وحزن عليها بعد أن تركته وحيدا كما هو حال زيدان. ولقد عاش الفنان في حياة عمقها عاطفتهما لوالدتيهما، وكأنهما وجدا في هذا الحب المتبادل عوضا عن عاطفة الزوج والولد.
وما زرت زيدان الذي جاور الملحن عمر الشاعر وكذا الشاعر محمد جعفر عثمان، إلا ووجدت منزل الايجار مكتظا باصدقائه من المعجبين، والعازفين، وأبناء الحي. وحيوية زيدان تجسدت في إنسانيته الكبيرة، وتقديره للناس، وذلك ما جعلني اقترب من عالمه أكثر من كثرة الفنانين الذين يعيشون في حياة بعيدة عن الناس، ولا تربطهم بهم إلا مصلحة الغناء لهم ثم أخذ المقابل المادي للغناء.
هذا الجوار الذي جمع زيدان وجنابو عمر الشاعر، والذي كان آخر عهدي به عقيدا بسلاح الموسيقى الذي يلي مديره العميد ـ الشاعر حسن كركب، اسفر عن تعاون فني يندر مثيله في الساحة الفنية. ولعل المرحوم محمد جعفر عثمان كان مكملا لهذه الثلاثية، ومن كلماته «اسير حسنك، أخونك، ما أصلو ريدا ووسط الزهور»..إلخ. ومحمد جعفر عثمان، الذي كان من نوع الرجال الذين يهمسون حين يتكلمون، يسكن العباسية، فيقطع شارع الاربعين ويدلف بجديده إلى العقيد الشاعر، ولا يمر يومان إلا ويصل اللحن إلى زيدان فتتكامل الاحاسيس الابداعية، ثم يقوم زيدان بأداء البروفات في منزله، ثم يرسل الكلمة، واللحن، والأداء إلى عشاق فنه.
والتيجاني حاج موسى كان أيضا يمثل درة في تجربة عمر الشاعر وزيدان.. وكون هؤلاء أيضا ثلاثية إبداعية منحت المستمعين أجمل الاغاني وتقف أغنية «قصر الشوق» واحدة من أجمل أعمال هؤلاء الثلاثي، وفازت بمسابقة أغنية الموسم في الثمانينات. من أعلن النأي على ذلك الزمان..؟ كما تساءل الشاعر هاشم صديق.
هذه الوشائج الانسانية التي جمعت زيدان بمبدعي وقاطني حي العباسية ـ وهو احد اكثر أحياء أمدرمان التي ساهمت في التساكن والاندماج العرقي ـ احتوت فناننا الكبير الذي جاور أهله التعايشة، ومناخ العباسية وطد اركان زيدان في الساحة الفنية، وجعله نجما لا يمكن تجاوزه في محصلة التقييم النقدي الفني، إذ يعتبر صاحب «الليلة ديك» امتدادا طبيعيا لجيل العمالقة ممن جمعوا في تجاربهم بين الكلمة القوية، واللحن المتقن، والأداء الطروب، والجماهيرية الواسعة. ويقول الناقد طارق شريف «من الشخصيات الفنية المميزة في العباسية الصديقان اللذان زرعا الياسمين على شرفات العباسية، الا وهما الراحلان صديق الكحلاوي وعوض صديق. وهناك الفنان المميز عبد الدافع عثمان في تواصل جميل، وقدم من غرب السودان إلى العباسية الفنان ابراهيم حسين وعاش بها ردحاً من الزمان. وهناك الفنان صديق عباس مازال يعيش بيننا في حميمية جميلة...» هذه البيئة منحت زيدان إبراهيم فرصة للوقوف على ألوان الابداع، وفيما بعد وضع بصماته عليها.
وبرغم أن تعاون \"العندليب الاسمر أو خليفة وردي\" لم يقتصر على الملحن عمر الشاعر والشاعر التيجاني حاج موسى والمرحوم جعفر محمد عثمان والشاعر المصري ابراهيم ناجي، إلا أنه غنى لعوض احمد خليفة ومهدي محمد سعيد وعبد الوهاب هلاوي وبابكر الطاهر ومحجوب الحاج، كما أنه كتب ولحن لنفسه، وأدى أعمالا جيدة للملحنين بشير عباس وعبد الماجد خليفة وعبد اللطيف خضر والسني الضوي والفاتح كسلاوي والفاتح قميحة، مثلما أن زيدان أحب ترديد أعمال الفنان عثمان الشفيع وابراهيم عوض. واستطاع زيدان مع عبد المنعم الخالدي أن ينتجا إلبوما ناجحا بمرافقة عازف العود عوض إحمودي، والإلبوم خاص بأعمال الشفيع.
ويضيف طارق شريف «لعل من ابرز سلبيات حفلات زيدان ابراهيم، ان صاحب الحفل كان يصرف أموالاً كثيرة في ايجار اكبر عدد من «الكراسي» لان معجبي زيدان بلا حدود. وهم يحضرون اليه في اي مكان في العباسية او الجريف او حلة حمد... ويقول الفنان زيدان ابراهيم عن أثر «العباسية» في حياته: «البيئة لها اثر عميق في نفس الفنان، وقد ساهمت حركة الإشعاع الفني بالعباسية في بعث الاشراق في النفس. وانا ادين لها بالفضل في تقوية أواصر الفن بداخلي. وأن بعدت عنها بجسمي فأنا قريب منها جداً بقلبي وروحي.. سلام للعباسية والأهل والأصدقاء..».
وبرغم أن إبداعية زيدان ابراهيم قد حوصرت بتجارب ابداعية لفنانين آخرين جاءوا بعده مثل محمد ميرغني ويوسف الموصلي وعبدالعزيز المبارك ومصطفى سيد أحمد وعبد المنعم الخالدي ومحمود تاور إلى جيل محمود عبد العزيز ووليد زاكي الدين، فضلا عن أنه كان يدفع بأعماله في ظل وجود العمالقة الرواد أمثال وردي ومحمد الامين وابو عركي البخيت، إلا أن إبداعيته صمدت أمام كل هذا الفيض من الاعمال الغنائية، وظل يجددها ويحافظ في الآن نفسه على جماهيرته حتى يومنا هذا، برغم الظروف الاجتماعية التي جابهها، وظروف تقدم السن، وبعده عن الاذاعة والتلفزيون..حيث كانا على مرمى حجر من منزله بالعباسية.
ولعل السؤال الكبير الذي ينطرح هنا يأتي هكذا: كيف استطاع زيدان أن يصمد أمام ذلك التواتر المتواصل من الاغنيات لمن ينافسهم وينافسونه، للدرجة التي لم يمله المستمعون من كل الاجيال او يتجاهلونه، وذلك خلافا لحال عدد من الذين بدأوا معه مشوار الغناء وتعثروا.. وأيضا حال بعض الذين أتوا بعده ولم يضيفوا كثيرا؟
إن السر الوحيد الذي يكمن وراء هذا الصمود، هو أن زيدان ابراهيم، منذ أن بدأ مغنيا، كان حريصا على تخليد نفسه عبر هذه الرحلة الطويلة التي قاربت نصف قرن. وإذا كان قد بدأ الغناء رسميا عام 1963م، فإن كل الأغنيات التي أوصلها للمستمع تنوعت في مصادر الكلمة، وامتازت باللحن الشجي السلس دون أن يلجأ للتعقيد الموسيقي الذي ذهب إليه بعض الفنانين، وبالتالي لم تجد تجاربهم قبولا مثل قبول لحن زيدان \"السهل الممتنع\" وهو الذي يعطيه من موهبته الصوتية قدرا من التجديد في الأداء بين مرحلة وأخرى..التجديد الذي يتناسب مع حنجرته المواجهة بعامل الزمن.
كما أن الذي شفع لفنانا الكبير، هو أنه لم يسجن نفسه في كلمات شاعر واحد، أو اثنين من الملحنين، فقد نوع مصادر أعماله ما منح ذلك تعددا كبيرا لحديقة فنه. وبخلاف ذلك فإن استثماره الذكي لعلاقاته الاجتماعية مع الاعلاميين مهد له حضورا متواصلا في اجهزة الاعلام المختلفة. وربما ساهم هذا الذكاء في مجمل تعاملاته مع الشعراء والملحنين وتفضيله الدائم في المشاركة في المناسبات الاجتماعية.
وفضلاً عن ذلك، فإن شخصية زيدان الودودة، وحرصه على المحافظة على علاقاته المتمددة وترسيخها مع كل الذين وقفوا مع تجربته، ساهم أيضا في استقرار تعاونه الفني، ولم يكن ليحتاج كما بعض الفنانين إلى البدء مع شعراء وملحنين آخرين، بعد أن تركوا الذين بنوا اساس تجربتهم، بغير وفاء أو تواصل حتى.
وربما وجدنا أن العامل الاكبر الذي مهد استمرارية هادئة وراسخة لإبداعية زيدان ـ وجعلها متفرهدة دائما ـ هو مواكبته وقراءته الجادة لإنتاج المشهد الفني بين عقد وآخر، ومن ثم البحث عن الكلمة واللحن اللذين يكملان نقصه، وبالتالي يساعد هذا في حضوره الاعلامي.
وهكذا كان زيدان تواقا لأن يكون حاضرا في الاعلام بإبداعيته، منذ أن بدأ مع أحمد زاهر ومحمد جعفر عثمان، اللذين بحساب ما، يعتبران من جيل الرواد ـ الاوسط، ثم سعى للجيل الثاني الذي تمثل في التيجاني حاج موسى وعمر الشاعر، ثم أخيرا سعى للاستفادة من تجارب لحنية من الفنان الفاتح قميحة (حنين يا ليل).. هذه السلاسة في الانتقال بين جيل وآخر، أعطت أعمال زيدان المواكبة واشبعتها بالاحاسيس الراصدة لعاطفة الاجيال، وجعلته مقارنة بمحمد ميرغني وابراهيم حسين وصديق عباس ومجذوب أونسة، أكثر فهما لعملية التواصل في العمل الابداعي، ولعل آخر عمل استمعت له من قبل زيدان هو أغنية «تدلل» والتي هي تطوير معقول ومحسوب لمشروعه الغنائي، وهي من ألحان عبد الله التوم. ووجدتني مأسورا بهذا اللحن الذي صاغته الذاكرة اللحنية لملحن شاب، دون أن يشطح في الرؤى اللحنية بحيث أن يبدو اكثر ابتعادا عن ميلودية زيدان الغنية بالايقاعات الحارة والنغمات الآسرة، وربما كان شاعر «تدلل» الاستاذ تاج السر عباس، وهو من العارفين بكيفية نسج الكلمة الغنائية التي تحتمل القبول، قد ملأ القصيدة بصور اللوعة والهجران والمناجاة والشجن والحزن، وتلك هي مقومات مشروع الكلمة التي راهن عليها زيدان وأصبغها بألحان ـ وأعمال ملحنييه ـ أرادها بالكيفية التي شكلت خصوصيته باعتباره مغنياً يعبر عن \"الهم الرومانتيكي\" لشمول القلوب التي هدها سهد الالتياع وأرقها الوله بـ\"الحبيب/ة\".
وسرعة البديهة التي تميز بها زيدان في انتاج القفشات التي سارت بها الركبان وأقواله \"المستظرفة\"، تشكل في خاتم المطاف جزءاً من حيوية روحه الباحثة عن الطرفة العابثة وملح المفردة ..وتشكل ايضا جزء ً من ذكائه اللماح..ذاك الذي جعل الجمهور يتعلق بقديم وجديد \"تسريجاته\" الساخرة ، ويتقبل نكاته التي يبذلها بكل سهولة وهو ماضٍ إلى حال سبيله. وفي هذا الإطار وجد زيدان نفسه محبوبا وسط زملائه الفنانين والعازفين والملحنين والشعراء والاعلاميين والجمهور، والأمل كبير أن يسهم هذا الحب في دفع وجوده لعقود تأتي.


تعليقات 0 | إهداء 2 | زيارات 4255

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




صلاح شعيب
صلاح شعيب

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة