خال فاطمة وحرية الصحافة
09-29-2011 01:09 PM

خال فاطمة وحرية الصحافة

د. محمد الشريف سليمان
[email protected]

هناك نمط من الأفراد والجماعات والحكومات يظن نفسه معصوما عن الخطأ، يعاديك بشراسة ان أنت اختلفت معه، يوهم أن ما يقوله أو يعتقد به هو عين الصواب، وان الحقيقة لا يمكن ان تتجلى إلا من خلاله وعبر ما يراه، فالخلاف معه يتخطى الاختلاف في الرأي الشخصي إلى الخروج عن الحقيقة المقدسة، التي تكتسب في هذه الحالة سمات علوية تجعل جهلها جاهلية والاختلاف معها كفرا. هكذا الاعتقاد السياسي للمتنفذين في هذه البلاد، حيث الرأي الآخر والرأي هما العدُّوان لهم. لذا فان السلطة ذات الأخطاء القاتلة والمشفوعة بعدم الوفاق الوطني والتفرد الأحادي باتخاذ القرار في معالجة القضايا المصيرية الكبرى وتكميم الأفواه، هي السمة السائدة للحكم، هي جميعها مؤشرات متجهة نحو تفكيك أكثر لوطن الشعب السوداني بعد انسلاخ جنوب البلاد.
لقد تسلم أركان النظام القائم بلدا موحدا مستقرا، على الرغم من كل ما كان يجري في جنوب الوطن السابق(جمهورية جنوب السودان اليوم) من إراقة دماء هدراً، والحكم يقوم على أسس ديمقراطية، صحيح أنها لم تكن ديمقراطية مثالية، بل أنها تبقى أفضل ألف مرة من الديمقراطية المتولدة عن انتخابات مشكوك في مصدقيتها وصحتها وشرعيتها(الديمقراطية العرجاء المستندة على مبدأ <أنا ومن بعدي الطوفان> أو <أنا ولا أحد>. كان الشعب حراً في إبداء رأيه واختيار قيادته بلا تهديد ولا إرهاب ولا سجون ولا بيوت أشباح وسهرات تعذيب، حيث كان القضاء حراً عادلاً يضرب به المثل. كانت جامعات السودان ومدارسه تتمتع بدرجة متقدمة ومستوى مشهود له في العالم. وكنت أتمنى لو اتخذت الانتخابات الأخيرة منهج تغيير وإصلاح، وحملت شعار تعزيز الوحدة الوطنية والمشاركة والحوار وقبول الآخر، والاعتراف بمبدأ تداول السلطة والإقرار بالنتائج، والرضوخ لإرادة الشعب وخياراته بتسليم المقاليد لفريق يحكم ويمارس الإدارة والتشريع وفريق يعارض ويراقب ويحاسب. نعم، أتت ما يسمى بالانتخابات التشريعية بالديمقراطية الهشة، القائمة على مبدأ < أنا ومن بعدي الطوفان>، حاملة معها إستراتيجية باب تفكيك أوصال الوطن.
لقد درجت السلطة الحاكمة في الفترة الأخيرة على المضي قدماً وبعنف في ممارسة سياستها ضد حرية الرأي والرأي الآخر، بتطبيق سياسة الخوف، والهلع، وتكميم الأفواه الحرة، والتهديد بقطع أرزاق العاملين في الحقل الصحفي، بمصادرة الجرائد بعد طباعتها، وإنزال الخسائر المادية الفادحة المؤدية لإفلاس المؤسسة وتوقفها عن الصدور( يطابق هذه السياسة الأسلوب المتبع من نفس النظام باستخدامه مطرقة منع وصول الغذاء للنازحين لتجويعهم، بل إدخال الرعب والهلع من خلال هدير الطائرات على ارتفاع منخفض فوق المعسكرات من اجل إجبارهم قسراً لمغادرة المعسكرات). وعلى سبيل المثال وليس الحصر مقالتي الأخيرة(عيد عدت بأية حال والحرب الجديدة) التي أوردت فيها الظروف القاسية الغير إنسانية لصيام شهر رمضان الكريم ولم يروا فيه حتى حبات البلح، واستقبال عيد الفطر المبارك لدى النازحين في معسكرات العراء بدارفور(والحال كذلك في جنوب كردفان والنيل الأزرق)، وختمتها بقوله تعالى في سورة الحج: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. صدق الله العظيم). هذه المقالة ومقالتين جلبوا للصحيفة الغراء الناشرة خسائر مادية فادحة، بمصادرتها اليوم التالي بعد الطباعة ودون أسباب، ولكن هذا تم تحت شعار تكميم الأفواه، وهي صفة النظام الذي يعبر عن نفسه في تعظيم ذاته وتحقير الآخرين،وتقسيم البشر إلى فئتين واحدة منهما تضم جماعتنا، والثانية من لا ينتمون إليها، الخلق فئتان هما < نحن > بصفات الحق والخير والجمال، و< هم > بأوصاف شيطانية تجردهم من إنسانيتهم. إن هذا النمط من البشر يدعون (احتكار الحقيقة ويضعون عصمتهم فوق أي حق).
أما فئة نحن، التي ترتكب الأخطاء القاتلة، وتعبر عن أراء متناقضة في كل أمر، ومع ذلك، هم دوما على حق ولا يأتيها الباطل من بين يديها أو من أمامها أو من خلفها، وهم لا يفكرون بمراجعة مواقفهم، يمثلهم خال الدولة(خال فاطمة) وأتباع منبره، هم لهم حرية الرأي، رأي المؤتمر الوطني! هذا الخال، الذي قاد إستراتجية تشرذم الوطن، من خلال بوقه، الذي يباح له فيه بنشر الباطل، ووضع النقاط على الحروف لهدم الوحدة الوطنية وزرع بذور الفتنة القبلية والعنصرية البغيضة وتعميقها، بل تسمية وتزكية من يريد لإدارة دفة الحكم بإثارة الرعب وسط الجالسين علي كراسي الخوف، ليتسابقوا بتقديم فروض الولاء والطاعة لسيد القرار من أجل البقاء. ويحق لهذا الشخص الإساءة لمن يريد، وبألفاظ خارج نطاق اللياقة أي نابية. لماذا لا يلجم لسانه؟ نعم انه خال الدولة، انه الحارس الأمين لوطن السلطة، حيث الهدف لهذا النظام والنخب التابعة، ليس مصلحة الوطن، بل الحفاظ على ما بيدهم من سلطة، لأن السلطة تضمن الحفاظ على استمرارية مصالحهم(وطن السلطة وليس وطن الشعب السوداني، انه وطن مثلث عبدالرحيم حمدي).
إن الأزمات الحادة القائمة اليوم فيما تبقى من السودان(دارفور، جنوب كردفان، النيل الأزرق، وأبيي، الفقر والجوع، والعطالة،...)، ناتجة عن سياسات القرار الأحادي المنتهج من الحزب الحاكم، بتهميشها للقوى الوطنية الأخرى. أدى هذا الأمر إلى تعكير صفوة المجتمع وتفتيت وحدته، مما قاد إلى الدخول في الحروب الأهلية التي لا يعرف مصيرها الخطير، وبل نعلمه مسبقا.
أن التغيب المتعمد لإتباع أسلوب سياسة الحوار والوفاق الوطني وحرية الرأي، بل إتباع سياسة النكوص بالاتفاقيات والاستبداد أوصلت السودان إلى نفق التفكيك، نعم لقد استحوذت السلطة على الوطن، وطن يتم تدريجياً تفصيله من أصحاب القرار لمنفعتهم الشخصية. أن أطراف السلطة مستعدون للدخول في أي حرب لضمان استمرارية وطنهم، وطن وضعوا مواصفاته ومرتكزاته، حيث يتماها معها، وبالتالي يصبح المساس بالسلطة مساسا وتهديدا لهذا الوطن، وطن السلطة، وليس وطن الشعب السوداني.



تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1634

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#217675 [مدحت عروة]
4.12/5 (11 صوت)

09-30-2011 02:26 AM
يعنى بنفس مفهوم الانقاذ كان مفروض الرئيس الامريكى السابق نيكسون عندما كشف صحافيو الواشنطن بوست عن طريق مصدر رفضو ان يكشفوا عنه(اهى دى حرية الصحافة الما مدغمسة) ان حزب نيكسون الجمهورى اتجسس على الحزب الديمقراطى عن طريق اجهزة تنصت كان مفروض نيكسون يتهمهم بالخيانة و العمالة لانهم اتكلموا فى حزب الرئيس و يقفل الصحيفة و يحبس هؤلاء الخونة العملاء حتى لا تتلوث سمعة امريكا؟؟؟؟!!! طبعا نيكسون اتحمل المسؤولية و استقال هناك الوطن وطن الشعب و ليس وطن السلطة و السلطة ما هى الا خادمة للشعب تسهر على تحقيق رغباته و رفاهيته و تاخذ منه الضرايب لصرفها فى خدمته و راحته ولا يبخل الشعب عليهم فى هذه الحالة بمرتبات و متيازات مقننة مدنكلة وهم او منصبهم يستحقها بجدارة و هناك عندهم مافيش دفع ضرايب بدون ما يكون هناك ممثلين لدافعى الضرايب لمراقبة الحكومة فى كيفية صرف هذه الضرايب!!(لا ضرايب بدون ممثلين للشعب منتخبين منه)!! نحنا هنا عندنا الحكومة تخاطب الغوغاء و الرجرجة و ما اكثرهم فى بلادى و انا ما بلومهم لان الشعب السودانى قضى اكثر من اربعة اخماس عمره المستقل تحت حكم شمولى و الدليل على ذلك اى واحد يقول ليك انتو دايرين يحكمكم منو و ليس انتو كيف تريدون ان تحكموا!!!! ودى اكبر مصيبة و كارثة!!!


د. محمد الشريف
د. محمد الشريف

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة