أسـئلة من صلب الأزمة السـودانية
07-28-2010 01:14 PM

رأي

أسـئلة من صلب الأزمة السـودانية

د.محمد الشريف سليمان

في نهاية العام الماضي طرح الصحافي الكبير طلال سلمان من خلال افتتاحيته الأسبوعية في «السفير» اللبنانبة، أسئلة موضوعية ومهمة حول الأزمة اليمنية، وانطلقُ منها في صياغة أسـئلة عن واقع أزمة الوطن الراهنة: هل من الضروري أن يغرق السـودانيون في الحزن حتى يتوحد أبناؤه وبناته؟ هل من الضروري أن تتوالى النكبات كي يستشعر المواطنون والمواطنات الحاجة إلى دولة تتوحد بهم وبهن وفيهم وفيهن، ويتوحدون بها ولها؟ فعلى امتداد أكثر من نصف قرن ظل السودانيون يقتلون ولا يشاركون بعضهم في أحزانهم، بل كان كل فريق يظهر شيئاً من الابتهاج الوحشي إذا ما تساقط الضحايا لدى الفريق الآخر... ولم ينتبه الجميع إلى أنهم ينتحرون وينحرون وطنهم الكبير عبر مباراة التقتيل الجماعي التي يندفعون إليها بحمى التعصب الآتي خارج نطاق الوعي الذهني.
هذا الوطن الكبير يجب أن يكون حياتنا: هو مصدرها، له وفيه نولد ونعيش، يحفظنا فنحفظه ونعيش به وله، ولا يكون إلا بنا وقد اجتمعنا فيه. ولا وطن حيث لا دولة تحفظه. ولا دولة حيث الشعب رعايا، أحزاب وطوائف، والأحزاب والطوائف إقطاعيات الزعماء، والزعماء لا يعيشون إلا عبر الصراعات والمناكفات الدائمة بينهم، فينفردون عندئذٍ بالدولة ليقسمونها قطعاً وشرائح، لكل حسب قدرته على حشد الضحايا. لقد أصبح الوطن كالطائرة التي تعترضها الصواعق الرعدية في الأجواء السماوية، وتلعب بها رفعاً وخفضاً، لتدفعها إلى التفكك والسقوط في لجة أمواج البحر الهائجة.
هذه اللوحة القاتمة تعبر عن الوضع الراهن في السودان، الذي تشكل فيه الصراعات السياسية تهديداً للوطن بالتمزق في أتون الحروب الأهلية، والتحول إلى دويلات. نعم أن التمسك بأحادية القرار للحاكمين في المركز الاتحادي «والحال كذلك في مركز سلطة الإقليم الجنوبي»، وتهميش الرأي الآخر «المعارضة والمجتمع المدني» في تقرير مصير البلاد بحدوده القائمة اليوم، إضافة للمناكفات المفتعلة الجارية بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية حول الاستفتاء ومتطلباته والقضايا العالقة بشأنه، وعدم جدية الوصول لحل للأزمة الناشبة في دارفور منذ عام 2003م، وإهمال الكثير من القضايا المصيرية، مع التركيز على أسلوب التدويل لحل أزمات البلاد بالمؤتمرات تحت قيادة المجتمع الأممي والولايات المتحدة بشكل خاص، جميعها تدفع بالوطن في طريق الصوملة، حيث تشرذمت دولته، وانفتحت أبواب جهنم أمام شعبه.
لقد فاق الشعب السوداني من لعبة المد والجزر المتواصلة بين شريكي نيفاشا، وخاصة ما يدور حول تقرير مصير الوطن في مطلع العام القادم، وأصبح الشارع العام لا يأبه به، فالإحباط واليأس وقراءة عنتريات التراشق الإعلامي علمه رؤية الحقيقة، وأثبت الواقع عدم وجود أي خلاف حقيقي بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، حيث مهما بلغت الخلافات البالونية ذروتها، لكن في آخر المطاف الحل متوفر في الجزء السري لاتفاقية نيفاشا والقابعة في خزائن الكتمان. ويؤكد هذا الأمر قبر الأمين العام للحركة الشعبية وزير السلام في حكومة الجنوب، جميع ما قيل عن إحياء الوحدة الجاذبة والوحدة الطوعية، وكذلك عن الكونفدرالية، بل إصراره على إقامة الدولة المنفصلة التي يروج لها في جميع المحافل والمنتديات الداخلية والخارجية. ويروج الطرفان بالاشتراك مع المجتمع الدولي مسلمة الانفصال السلس كما تم بين الهند والباكستان، الشرس الدامي، وفظاعة انفصال بنغلاديش عن الباكستان. وتتخوف دول القارة الإفريقية من تبعات ما يحدث على مستقبل بلادهم. نسأل المولى أن يجنب الوطن شر الدخول في هذا النفق المظلم.
أما الوضع الأليم لسكان دارفور، الذي تسيطر عليه الفوضى منذ عام 2003م بغياب الأمن والقصور الحاد في المواد التموينية والغذائية لملاقاة حد الكفاف الأدنى لمعيشة المواطن، ناهيك القطاع الصحي والتعليمي وندرة مياه الشرب والنور.. هذه صورة قاتمة لسكان المدن، فما بال قاطني الريف والذين أجبروا على النزوح من حواكيرهم للعيش في مخيمات النازحين..!! إن سياسة الأخطاء القاتلة، والجهود المبددة، والفرص المضيعة، وعدم الالتزام بتنفيذ الاتفاقيات، أدت إلى فشل كل المحاولات لإخراج الإقليم من محنته. ويزيد الوضع تعقيداً اتباع المركز منهج تعدد المنابر لحل أزمة الإقليم، مما حدا بالمراقبين الى نعته بالكارثة المعوقة لأي حل في المدى القريب.
إن ما يجري اليوم في الدوحة ما هو إلا فرقعة إعلامية. فقضية دارفور لا يمكن حلها دون إشراك جميع أطراف النزاع الحقيقيين، في حوار دارفوري- دارفوري وكذلك سوداني ــ سوداني. ولا بد من قيام منبر اتفاق التوافق بالتراضي الدارفوري ليفتح الباب لخروج الإقليم الكبير والسودان من المحنة الراهنة. ولا يمكن الوصول إلى انفراج دون مشاركة كبار عقلاء الرأي من أبناء الإقليم، على سبيل المثال وليس الحصر: المقدوم أحمد عبد الرحمن رجال، الناظر سعيد محمود مادبو، الملك آدم محمدين آدم صبي، السلطان سعد عبد الرحمن بحر الدين، الناظر أحمد السماني والملك رحمة الله محمود. بل لن يكون هناك سلام إذا لم تجلس على طاولة المفاوضات حركة العدل والمساواة «دكتور خليل إبراهيم» وحركة تحرير السودان «عبد الواحد محمد نور»، وأيضاً الممثلون الحقيقيون لسكان مخيمات النازحين، المجتمع المدني الحقيقي لدارفور ومثقفو الإقليم في الداخل والخارج. والمؤسف حقاً رفض السلطة الحاكمة لوثيقة هايديلبيرج، التي تحتوي على مقترحات كاملة لحل أزمة الإقليم، وباركها في برلين الوسيط الدولي جبريل باسولي، وأبدى استعداده للتعامل معها بجدية في الدوحة.
علينا أن نتعلم من أخطائنا ومما ما يجري على الساحة الدولية، والإسراع في إيجاد حل سريع لأزمة دارفور، والأمر بيد المركز الحاكم في الخرطوم. فعلينا أولاً بناء دولة حديثة، دولة يكون في جوهرها الاقتصاد والتنمية المتساوية، دولة القانون التي تحافظ على حقوق المواطنة المكتسبة، دولة تحكمها الديمقراطية التوافقية لأطراف الحكم والمعارضة، بل إنها الدولة التي تحافظ في المرحلة المقبلة على تماسك الوطن داخلياً، دولة تلتزم بتنفيذ المعاهدات والاتفاقيات المعقودة لتكون قادرة على المواجهات الخارجية، وتمد المجتمع بالمقومات المادية والمعنوية للمواجهة.
ولم يعرف التاريخ أمة نهضت من غير أفكار جامعة، أيقظتها وحفزت روحها ودفعتها إلى تغيير واقعها. وما يحتاجه السودان هو أن يضع القابضون على زمام السلطة نصب أعينهم، أولاً وليس آخِراً، المحافظة على وحدة تراب الوطن.


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1374

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#24073 [الراعي]
1.50/5 (2 صوت)

09-16-2010 11:21 PM
بعد التحيه
والله يؤسفني ان نصل الا هذه المرحله والحلول موجوده لاكن !!!!!!!!!؟ انا من وجهت نضري مافي حل الا الحكومه دي تتنازل عن السلطه المشكله وبي كل بساطه الحكومه فاشله وماقدرت تنفذ اي مشروع ناجح وبعدين الشعب السوداني يستاهل اكتر من كده لانو ساكت عل الظلم وشكرا;( ;( ;(


#10863 [عبدالله ود سعد]
0.00/5 (0 صوت)

07-28-2010 07:35 PM
د. محمد الشريف ... كلام عين العقل ... لكن المشكل في أن مشكلة دار فور مربوطة لدى السلطة بتراجع المحكمة الدولية عن قراراتها كنوع من الضغط .... على مين على المحكمة الدولية وأهلنا يذبحون ويقتلون ... الخ القائمة ... ويهم يتفرجون في انتظار رد المحكمة بشطب القضية وحقظها ضد مجهول ... هذا ما أراه واتمنى أن أكون خطأ ..


د.محمد الشريف سليمان
د.محمد الشريف سليمان

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة