المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الأسلمة الاقتصادية في السودان
الأسلمة الاقتصادية في السودان
10-04-2011 02:11 PM

رأي
الأسلمة الاقتصادية في السودان (1-2)
د. السماني هنون*:

«الما بيعرف ما تدوه يغرف.. بكسر الكاس وبعطش الناس»
الأمام الصادق المهدي
اعتناق الاسلام والالتزام بمبادئ الشريعة الاسلامية كعملية اختيارية وطوعية وارادية، مبنية على قناعة الفرد أو الجماعة، تختلف جوهريا عن الاسلمة كعملية قسرية والزامية وفوقية تعمل على اجتياح الكيانات غير المسلمة وتحويلها الى كيانات ملتزمة ومتوافقة مع تعاليم الشريعة الاسلامية المستمدة من الكتاب والسنة المحمدية. والاسلمة القسرية في ظل الانظمة الشمولية تتعارض مع مفهوم الاقتصاد الحر بوصفه علماً للبدائل يعتمد على ديمقراطية الاختيار ويسعى الى تحقيق رغبات الفرد والجماعة اللامحدودة في ظل الموارد المحدودة. وتشمل الاسلمة ?افة أوجه الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية كأية ظاهرة انسانية متعددة الابعاد والمقاصد. وقد تتماثل أبعادها المختلفة في الاهمية ودورها في المجتمع السوداني، ولكن يبقى البعد الاقتصادي يمثل القوة المحركة لقاطرة الأسلمة في السودان.
لقد منيت عملية الأسلمة بفشل حقيقي في بعدها السياسي بعد تهاوي وسقوط المشروع الحضاري للدولة الرسالية والذي اسفر عن فشل ونتائج كارثية على السودان بصفته وطنا وشعبا، حيث تجلى ذلك في تفكيك وتدمير النظام السياسي للدولة، وتفشي الفساد والاستبداد والمحسوبية والنعرات العنصرية والانفلات الامني في كل أنحاء السودان. اما الفشل في البعد الاجتماعي للأسلمة فقد تجلى في تمزيق النسيج الاجتماعي لكل أهل السودان وانتعاش الاستثمار في الكراهية والحقد والحسد بصورة لم يشهدها السودان من قبل، لقد فشلت الأسلمة القسرية في جمع شمل أبناء ا?وطن حتى بين المسلمين أنفسهم، ناهيك عن أرباب الديانات الاخرى، بل نمت ثقافة الكراهية والانتقام، وتفشى الحقد الاجتماعي بين أفراد الشعب الذي عرف بسماحته ودماثة خلقه وامانته، حيث رحلت تلك القيم الفاضلة مع الاخيار والشهداء الذين ضحوا بارواحهم من أجل هذا الوطن، وسادت قيم الفساد والبلطجة والمحسوبية وغسيل الاموال وكل القيم الفاسدة التي تعتبر دخيلة على شعبنا الذي نعرفة كمعرفتنا أبنائنا ومبادئنا التي نؤمن بها. قصدنا التعرض للبعدين السياسي والاجتماعي لاعطاء خلفية مختصرة للقارئ الكريم عما نحن بصدد الحديث عنه، وهو البعد?الاقتصادي للاسلمة بالتركيز على فترة الانقاذ باعتبارها عصراً ذهبياً للاسلمة في السودان.
وتاريخياً شهد السودان محاولات عديدة لأسلمة الحياة لتحقيق مكاسب سياسية على مستوى الأحزاب ومكاسب شخصية على مستوى الافراد، خاصة بعد تنامي نفوذ حركات الاسلام السياسي ودخول الرساميل الخليجية الى السودان «مكتب استثمارات الامير/ محمد الفيصل»، فتحالفت الافكار مع رأس المال لاختطاف ارادة الشعب السوداني وتحويل كل السودان لحقل تجارب اسلامية للاستثمارات الامير السعودي/ محمد الفيصل الذي يعمل على تنفيذ وصية والده المتوفي الملك فيصل آل سعود بانشاء مصارف اسلامية. فإذا كنا بصدد الحديث عن الاسلمة في السودان فلا بد من ابراز د?ر استثمارات الامير محمد الفيصل في هذه القضية والتي تسببت في تغيير مسار الاقتصاد السوداني. لقد فشل الامير المذكور في الحصول على موافقة من بلاده «المملكة العربية السعودية وهو من أصحاب السمو الملكي» لتأسيس بنك اسلامي، فلماذا لجأ الى السودان؟ وما هو دور السودانيين الذين يعملون في مكتبه الاستثماري بالخرطوم ومنهم المستشار الاقتصادي وقتئذ عبد الرحيم حمدي، والذي اصبح وزيرا للمالية في وقت لاحق؟ كيف تمكن هؤلاء من جر كل الاقتصاد السوداني لتحقيق رغبات الامير ووصية والده؟ كيف نجح مال الأسلمة في استقطاب قيادات سودانية م?روفة كالرئيس جعفر نميري والشريف الخاتم «وزير مالية» وعوض الله صالح «مفتي جمهورية السودان» وغيرهم من أساتذة الجامعات والاسماء المعروفة في السودان؟. أيضا لا بد من التوقف في محطة مهمة في مسيرة الاسلمة وهي ايام الهلوسة والدجل في أواخر نظام مايو، في الفترة من 1983 ــ 1985م والتي شهدت ما عرف بقوانين سبتمبر الإسلامية يومذاك! التي اقحمها نظام نميري بعد أن استنفذ كل فرص اللعبة السياسية في السودان، فبدأ مغازلاً الحركات الإسلامية بنفس الطريقة التي تعامل بها مع الشوعيين والتي ادت الى تمديد فترة بقائه في السلطة، بعد أن?كبدهم خسائر حقيقية في قيادتهم ظلوا ينوحون بها الي يومنا هذا. لقد تمرس نظام مايو في لعب مثل هذه الادوار، يقرب من يشاء ويستبعد من يشاء، حيث بدأ لعبة الاسلمة بالتحالف مع الاسلاميين، فأصدر حزمة من التشريعات التي اوجدت بيئة صالحة لنمو وتكاثر افكار الاسلمة، مما حدا بمجموعة محمد الفيصل في السودان الى ان تتبنى نظام الصيرفة الاسلامية كأول تجربة في العالم «مع الاحتفاظ بحقوق تجربتي مصر وامارة دبي». لقد هيأ نظام مايو البيئة المواتية لنمو وتوسع مبادرات الاسلمة، حيث تم الحصول على موافقة جعفر نميري على قيام اول مصرف اسلا?ي في عام 1978م، وباعفاءات ضريبية غير مسبوقة وبلوائح خاصة تميزه عن بقية المصارف السودانية الاخرى. لقد لعب نظام مايو دوراً مهماً في ترسيخ مبادئ الاسلمة القسرية، وحول الاقتصاد الإسلامي الى حقل تجارب لاستثمارات محمد الفيصل ووكلائه في السودان.
لقد تكونت أول هيئة رقابة شرعية لبنك فيصل الاسلامي بتوجيه من محمد الفيصل الذي كلف الدكتور/ حسن عبد الله الامين «دكتوراة في الشريعة والقانون» بتسمية أعضاء الهيئة في حدود 5 ــ 7 أعضاء، حيث تكونت أول هيئة شرعية لأول بنك تجاري اسلامي في العالم من الآتية أسماؤهم:
1/ بروفيسور/ الصديق محمد الأمين الضرير «أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية القانون، جامعة الخرطوم» رئيساً.
2/ فضيلة الشيخ/ عوض الله صالح «مفتي جمهورية السودان» عضواً
3/ الدكتور/ حسن عبد الله الامين «قاضي بمحكمة الاستئناف» عضواً.
4/ الدكتور/ يوسف حامد العالم «عميد كلية الدراسات الاجتماعية بجامعة ام درمان الاسلامية» عضواً.
5/ الدكتور/ خليفة بابكر حسن «رئيس قسم الشريعة بكلية القانون، جامعة الخرطوم» عضواً.
لقد تكونت أول هيئة وضعت للناس في السودان حسب رغبة الأمير/ محمد الفيصل لتشكل مستقبل الاقتصاد السوداني بأكمله، علماً بأن هؤلاء الأساتذة الاجلاء ليست لديهم معرفة حقيقية بالمجالات الاقتصادية والمالية التي تمكنهم من الافتاء في مستقبل الاقتصاد والذي يعتبر من أكثر العلوم الاجتماعية تعقيداً وتشعباً خاصة في عصر العولمة وثورة تقنية معلومات. لقد تكونت هذه الهيئة على اسس دينية بحتة، واختفى فيها دور الاقتصاديين والمحللين الماليين والاداريين والتقنيين والمهنيين والحرفيين ورجال الاعمال وغيرهم من أصحاب المصلحة الحقيقية في?الاقتصاد السوداني. هذه هيئة لا ترقى الى مستوى ان يعتمد كل الاقتصاد السوداني على فتاويها التي في أغبلها استنساخ لمفاهيم رأسمالية يتم تغيير أسمائها شكليا دون المساس بمحتواها وتعمم للجهاز المصرفي وبقية القطاعات الاقتصادية للعمل بها، تنفيذا لأمر الله سبحانه تعالي!. وتبقى صيغة المرابحة التي تعتمد عليها البنوك الاسلامية بدرجة كبيرة جدا في التمويل أسوأ صيغة تمويل تعرفها الصناعة المصرفية لأنها تحمل العميل كل مخاطر «البزنس» وتستأثر بمعظم العائدات التي يحققها المستثمر، هذه صيغة ظالمة وتؤدي الى سوء في توزيع الدخل وإف?ار عملاء هذه المصارف. لقد نبهنا لخطورة صيغة المرابحة في أكثر من مناسبة من واقع خبرتنا المصرفية في هذه البنوك الاسلامية وبصفتنا أساتذة جامعيين لمادة المصارف في الجامعات المختلفة، لأنها تقود الى سوء توزيع الدخل القومي وتحمل العميل كل المخاطر المالية والادراية المرتبطة بعملية التمويل ودفع مقدم الجدية والارتفاع في عمولاتها، بجانب الضمانات المشددة التي يأخذها البنك من الممول، هذه الشروط المقيدة والمؤذية للاستثمار ستؤدي في نهاية المطاف الى تراجع الاستثمار في الاقتصاد وتفشي الاحتكار من قبل فئات محدودة في المجتمع،?وهذا ما حصل بالضبط لأن هؤلاء المفتيين الشرعيين لا يستطيعون التنبؤ بهذه الآثار طويلة المدى لفتاويهم التي غالبا ما تكون مرتبطة بمعاملات فورية في المدى القصير. وسنتناول بالتفصيل أثر هذه الفتاوى على الاقتصاد السوداني والي اي مدى ساهمت في الوصول الى هذه الحالة المأساوية في مقالات لاحقة بإذن الله.
ومن ناحية أخرى فإن الفترة الديمقراطية التي اعقبت الاطاحة بنظام مايو «والعشش التي من حوله» لم تشهد تحولات اقتصادية جوهرية نسبة للوجود القوي لكوادر الاسلمة في مؤسسات النظام الديمقراطي، وتجلى ذلك في تصدي ما يسمى هيئة الرقابة الشرعية لفتوى العائد التعويضي التي اصدرها الحبيب الامام الصادق المهدي ابان توليه رئاسة الوزراء لمعالجة فقدان قيمة النقود بمرور الزمن. وكانت فتوى موفقة تمثل مخرجاً حقيقياً للورطة التي وقع فيها أدعياء الاسلمة بتحريم سعر الفائدة كاساس للتعاملات المالية في سائر أرجاء الارض. نظرية القيمة ال?منية للنقود لا تتعارض مع مبادئ الاسلام، وخاصة أن لها فوائد كثيرة للاقتصاد والعباد، منها المحافظة على القوى الشرائبة للنقود، وتشجيع الاستثمار وايجاد وظائف في الاقتصاد، فما هو الضرر الذي تجلبه للاقتصاد وما هي علاقتها بالربا؟ ببساطة قيمة الجنيه السوداني اليوم تختلف من قيمته غدا.
لقد تجلت ظاهرة الاسلمة الاقتصادية بعد وصول الانقلابيين الاسلاميين للسلطة في 30 يونيو 1989م وتعيين عبد الرحيم حمدي «مستشار مكتب محمد الفيصل ونائب المدير العام لبنك فيصل الاسلامي سابقا» وزيراً للمالية والاقتصاد الوطني. هكذا وصلنا الي مرحلة اللعب على المكشوف، حيث تمكن انصار الاسلمة من الوصول الى مقاليد الحكم في البلاد، واصبحت كل المواقيت المكانية والزمانية مواتية لانطلاق مسيرة الاسلمة برعاية الدولة الرسالية! فتم اعلان برنامج الانقاذ الاقتصادي «1990 ــ 1993» وهو نسخة مشابهة لاي برنامج رأسمالي من حيث الاجرا?ات الفنية مع تغيير محدود في مسميات المعاملات المالية بقصد كسب زخم شعبي وسياسي للدولة الاسلامية المزعومة!. لقد ابدع عبد الرحيم حمدي في استصدار قرارات ومنشوارات الاسلمة، وفي مقدمتها القرار الوزاري رقم «69» لسنة 1990م والخاص بالغاء الصيغة الربوية في معاملات الدولة «بتاريخ 14/8/1990م» تنفيذا لامر الله سبحانه وتعالي على حد قوله. وعقب ذلك اصدر بنك السودان المركزي حزمة من القرارات في مقدمتها تعميم يلغي كافة اشكال التعامل الربوي سواء لافراد او مؤسسات في القطاعين العام والخاص، علما بأن المعاملات الربوية كانت تمثل ا?نشاط الاكبر في الاقتصاد، وتشكل اسعار الفائدة النسبة الاكبر من ايرادات المصارف. وفي هذه الجزئية لا بد من طرح سؤال لماذا لم تتم أسلمة البنوك المركزية في مصر وامارة دبي ما دام التجربة الاسلامية ناجحة؟! الحقيقة ان الاقتصاد السوداني تم استدراجه من حيث لا يدري الى هذا المستنقع الذي يصعب الخروج منه الا من بوابة الثورة الاقتصادية الشاملة. أكاد أجزم أن كثيراً من دعاة الاسلمة من غير اصحاب المصلحة الخاصة، لم يكونوا علي علم ببرامج الاسلمة التي ينفذها وزير المالية/ عبد الرحيم حمدي، والتي تهدف بالدرجة الاولى الى خدمة مؤ?ساته التي عمل بها سابقا وينتمي اليها أكثر من أية جهة أخرى، والشاهد على ذلك قرارات الاسلمة الفورية وبرامج الخصخصة القاسية التي اعتمدها إبان تقلده لوزارة المالية وبيعه لمؤسسات عامة رابحة لجهات اجنبية، بجانب افكاره العنصرية التي حوتها ورقته «مستقبل الاستثمار الاقتصادي في السودان« المقدمة للقطاع الاقتصادي بحزب المؤتمر الوطني، والتي عرفت في ما بعد بمثلث حمدي «دنقلا ــ سنار ــ كردفان». لقد جاءت الخصخصة الإسلامية على طريقة الصدمة «shock» التي تسببت في افقار السودانيين وتفشي المرض والامية في المجتمع وهجرة كل الع?ول الى خارج الوطن، وغيرها من الآثار الكارثية التي مني بها المجتمع السوداني، امثالا هؤلاء الوزراء لا يمكن ان يصلوا الى مفاصل الحكم وقيادة المجتمع الا في ظل الانظمة الظلامية الفاسدة والمستبدة والمستعدية لشعوبها.
ومن ناحية أخرى واصل المستوى المعيشي للسودانيين تراجعه في ظل الاسلمة المزعومة حتى وصل الى الدرجة التي تجرأت فيها دولة كالمملكة العربية السعودية على طلب استقدام خادمات سودانيات بعد تدهور علاقتها مع اندونسيا، ربما أصيبت المملكة بمرض الزهايمر «الخرف» ونسيت ان الجهة التي تطلب منها الخادمات هي سودان المحمل وآبار علي دينار، فكيف تسمح بتصدير بناتها خادماتٍ في منازل البدو الذين لا ينظرون الى الخادمة الا من زاوية ما ملكت ايمانهم!
* أستاذ الاقتصاد والعلوم المالية

[email protected]

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1872

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. السماني هنون
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة