الحركة الإسلامية ووحدة السودان
08-01-2010 12:42 PM

الرأي23

الحركة الإسلامية ووحدة السودان

أ.د.الطيب زين العابدين

يقول بعض الناقدين للحركة الإسلامية إنها لا ترغب في وحدة السودان؛ لأنها تريد تطبيق مشروعها الإسلامي على الشمال دون عقبات أو اعتراضات من أهل الجنوب، والمشهد السياسي منذ توقيع اتفاقية نيفاشا لا ينقض هذه الفرضية. فقد قبلت عناصر الحركة الإسلامية التي تسيطر على الدولة منح «حق تقرير المصير» لأهل الجنوب، ومن المعروف أن حق تقرير المصير يؤدي في معظم الحالات إلى انفصال الأقلية عن البلد الأم، ولم تضع ضوابط في الاتفاقية لكيفية ممارسة حق تقرير المصير أو قبول نتيجة الانفصال، ولم تعمل حكومة الحركة الإسلامية على تعريف وتحديد معايير الوحدة الجاذبة التي يمكن أن تقيد الحركة الشعبية بالالتزام بالوحدة إذا ما تحققت تلك الشروط، ورغم تطبيقها الجيد لمجمل اتفاقية السلام الشامل إلا أنها دخلت في مشاكسات عديدة مع الحركة الشعبية مما جعل الأخيرة تقف مع المعارضة الشمالية في كثير من الأحيان رغم مشاركتها المقدرة في السلطة الاتحادية، ولم تبذل جهداً مناسباً لجعل الوحدة جاذبة للنخبة الجنوبية. والنتيجة أن الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب أصبح على الأبواب، وأن كافة المؤشرات تدل على انحياز الحركة الشعبية للانفصال، وأن خيارها سيكون هو خيار أهل الجنوب عند الاستفتاء. والآن يتفاوض المؤتمر الوطني والحركة الشعبية على قضايا ما بعد الانفصال الذي سيصبح واقعاً بعد يناير القادم. وتتحمل الحركة الإسلامية -أو القيادات المتنفذة فيها- المسؤولية الوطنية والتاريخية لانفصال الجنوب الذي يحدث بعد عشرين سنة من حكم الإنقاذ! وقد بذلت الحركة الإسلامية منذ مطلع الثمانينيات جهداً فكرياً وسياسياً وتنظيمياً لتحافظ على وحدة السودان في حال تمكنها من السلطة، ولم تكن سلطة الإنقاذ وفية لذلك التراث مثل ما لم تكن وفية لقيم ومبادئ الإسلام في الحكم ورعاية المال العام.
كانت بداية التفكير الجاد لدى الحركة الإسلامية في قضية الجنوب في عام 1979م عقب المصالحة مع نظام نميري حين صاغت بعد مناقشات مطولة داخل المكتب التنفيذي «إستراتيجية الجنوب» التي تحدد أهداف ووسائل التعامل مع قضية جنوب السودان بصفتها عقبة متوقعة في وجه إقامة الدولة الإسلامية بالسودان. تقوم الإستراتيجية على أساس إمكانية قيام الدولة الإسلامية في السودان الموحد بالرغم من التباين الديني والعرقي والثقافي بين الشمال والجنوب وذلك بهدف: رعاية الوجود الإسلامي في الجنوب والنفاذ منه إلى وسط وشرق إفريقيا، والحفاظ على مصالح الشمال الحيوية في الجنوب، وضناً بالجنوب أن يسلم لقمة سائغة للمسيحية العالمية، وأملاً في أن تقوم دولة الإسلام في العصر الحديث وهي تضم أقليات غير مسلمة كما قامت دولة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الأولى في المدينة. وإذا حدث أن تغلب التناقض التاريخي والثقافي بين الشمال والجنوب على دواعي الوحدة وتدخلت قوى خارجية ليتمرد الجنوب على قيام دولة الإسلام في السودان فليكن هو البادئ بالمقاطعة. وحددت الإستراتيجية «أسلوب العمل» في الآتي: تفادي المواجهة مع الحكومة الإقليمية (بعد اتفاقية أديس أببا)، اتسام العمل بالقومية (إشراك الطوائف والأحزاب، وكسب تأييد الحكومة غير المعلن)، التعاون مع الدول العربية التي تهتم بأمر الجنوب، العمل في صمت ودون إثارة، العمل وفق خطة مدروسة طويلة المدى، العمل على كسب حلفاء من أبناء الجنوب، تركيز النشاط الإسلامي في مناطق القبائل النيلية الكبيرة، القيام بدراسة ميدانية اجتماعية وسط هذه القبائل. وذكرت الإستراتيجية مقترحات مفصلة للعمل في مجالات الدعوة والتعليم والتنمية والإعلام والتنظيم، وبناءً على تلك الإستراتيجية أسست الحركة الإسلامية منظمة الدعوة الإسلامية والوكالة الإسلامية الإفريقية للإغاثة وسيطرت على المركز الإسلامي الإفريقي للعمل من خلاله لتعليم وتدريب قيادات جنوبية مسلمة. وكتبت الحركة ورقة تحت عنوان «نحو معالجة حضارية شاملة لسؤال الجنوب»، وذلك بعد انفجار تمرد الحركة الشعبية في أعقاب تقسيم نميري لأقاليم الجنوب الثلاثة. نبهت الورقة إلى أن انتشار العطالة والتشرد والفراغ الروحي مع الانهيار التعليمي والاقتصادي والإداري سيسهم في تكوين محيط جنوبي شيوعي يرتبط بإثيوبيا والدول الاشتراكية مما يؤدي إلى استحالة بقاء السودان موحداً، وحاولت الورقة إقناع الحكومة بدعم نشاطها الإسلامي في الجنوب وتبني سياسة تنموية شاملة تتمثل في خدمات التعليم ومحو الأمية والعلاج والإعلام والاستثمار، ومحاربة الفوضى واستغلال النفوذ وأكل المال العام والمحسوبية في التوظيف وجشع التجار.
وفي عام 1987م أصدرت الجبهة الإسلامية القومية وثيقة مهمة باسم «ميثاق السودان» حاولت فيها تأصيل موقف الجبهة من قضية الجنوب وهي التي نصّت صراحة على أن الحقوق والواجبات تقوم على المواطنة المتساوية بين المسلمين وغير المسلمين قياساً على وثيقة المدينة التي عقدها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار والعرب المشركين واليهود، وعلى النظام الفيدرالي بين الشمال والجنوب، وعلى استثناء أهل الجنوب من الأحكام ذات الطبيعة الدينية، وعلى حرية المعتقدات والثقافات. وكان الميثاق بمثابة قفزة متقدمة مقارنة بتراث الفقه الإسلامي التقليدي مما حدا بالسيد الصادق المهدي رئيس الوزراء الاحتفاء به كما أشاد به عدد من القادة الجنوبيين، وقام مركز دراسات الإسلام والعلاقات المسيحية-الإسلامية التابع لكليات سلي أووك الكنسية في مدينة بيرمنجهام بترجمة الميثاق ونشره باللغة الانجليزية. وشكل الميثاق مرجعية الحركة الإسلامية النظرية في التعامل مع قضية غير المسلمين في دولة إسلامية.
ولكن التطبيق العملي لسياسات حكومة الإنقاذ تجاه الجنوب اختلف تماماً عن منظورها الفكري والسياسي الذي اختطته لنفسها قبل عقد من الزمان: لجأت لتصعيد الحرب ضد حركة التمرد الجنوبية وإعلانها حرباً دينية جهادية ذهب ضحيتها أكثر من عشرين ألفا من خيرة الشباب الإسلاميين المتعلمين، التضييق على الكنائس ومصادرة بعض ممتلكاتها العقارية، سياسة الترغيب والترهيب في التعامل مع الساسة الجنوبيين الضعفاء، إثارة مخاوف دول الجوار الإفريقي من المد الأصولي الإسلامي في الخرطوم، استعداء الدول العربية في الخليج وشمال إفريقيا مما جعلها تحتضن المعارضة بما فيها الحركة الشعبية المتمردة، استفزاز الدول الكبرى صاحبة النفوذ في إفريقيا والعالم العربي بسياسات خرقاء. وعندما ضاقت الحلقات حول رقبة السلطة لجأت إلى تفاوض منفرد مع حركة التمرد أباحت فيه كل محظورات الوطن والدين وأعطت بلا منٍ وحساب، وارتضت شريكاً ورقيباً وحكماً على التفاوض من الدول «الاستعمارية» الكبيرة التي قيل انها تعادي الإسلام والمسلمين! والسؤال هو:كيف ضلت تلك الحركة الإسلامية الواعدة طريقها بعد أن تسنمت السلطة؟ السبب الرئيس هو أنها استلمت السلطة عن طريق انقلاب عسكري همه الأول هو تأمين قبضته على السلطة بكل وسيلة ممكنة بصرف النظر عن مشروعيتها القانونية أو الدينية أو الأخلاقية، ولا يمكن ممارسة تلك الوسائل إلا في مناخ استبدادي شمولي لا يتيح حرية نقد لأحد من داخل الحركة أو خارجها. وتراجعت مكانة أهل الفكر والنظر في قيادة السلطة لتصعد إليها قيادات الجندرمة والأمن والاستخبارات والموظفين المطيعين ورجال الأعمال المفيدين والسياسيين الذين قال فيهم الشاعر الشعبي «أهل اللباس البوجة الما بعوموا عكس الموجة»! وستكون الحركة الإسلامية -رضيت أم أبت- مسؤولة وطنياً وتاريخياً عن انفصال الجنوب وما يتبعه من تداعيات خطيرة في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق وإقليم دارفور، وربما شرق السودان، ولن يعفيها وقتئذٍ أنها كانت طائعة وواثقة في إخوانها الكبار الذين يديرون دفة السلطة دون أقل تشاورٍ مع قواعدهم التنظيمية في مستوياتها المختلفة!

الصحافة


تعليقات 6 | إهداء 1 | زيارات 1663

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#11989 [سودانى]
0.00/5 (0 صوت)

08-02-2010 03:45 AM
ممكن تشرحون لنا والى القضارف قال شنو عن اعضاء المؤتمر الوطنى فى القضارف الرجاء الرد ياراكوبة


#11950 [حمد النيل]
0.00/5 (0 صوت)

08-02-2010 12:00 AM
شكرا دكتور الطيب على هذا الصدق والقراءة الموضوعية لتعاطي الحركة السياسي بعد تسلمها مقاليد السلطة في السودان، إلا انه كان ينبغي ان تناول هذا التحليل جانب مهم في تاريخ الحركة وهو تخطيطها المبكر للاستيلاء على السلطة عن طريق العسكر بادخال اتباعها في الكلية الحربية من أمثال الفريق سوار الدهب (راجع تاريخ الحركة الاسمية 1938-1969 لحسن مكي) ثم أن الحركة لم تكن في يوم مؤمنة بالديمقراطية حتى في داخلها نهايك عن تخطيطها للوصول واستيلاء على السلطة. ثم أن الحركة رغم دعوتها للدستور والدولة الاسلامية فاجأت أهل السودان بقادة الانشط فيها هو أبعد الناس عن الخلق الاسلامي سواء في وسارت بفضائحهم اللاخلاقية الصحف السيارة والركبان، ثم كانت الطامة الكبرى ضعفهم العجيب أمام المال العام الذي ااثتمنوا عليه وولوغهم فيه بجرأة لم يعهدها أهل السودان مسلماً كان أو وثني، ودون وازع من ضمير نهايك من عن التزام دينين، والمثالب تطول يا دكتور وأنت أعرف بها، وما اعزالك لهم من قليل. ولكن أين كانت التربية الروحية لجماعتكم تلك مقارنة بالتربية البسيطة التي يتلقها كل سوداني في بيت أبيه الأمي بقاعدة الحلال بين والحرام بينا ولم يسمبع حتى بأن بينهما أمور مشتبهات.وأخيراً يا دكتو نقول لكل الاسلاميين التائبين أو المعتزلين والمراقبين بعد ادراككم لكل ما آلت اليه احوال السودان من جراء حكم الحركة الاسلامية التي جافت كلما تواثقتم عليه في التنظيم، ومن باب كفارة ما جنته حركتكم ورد الأمانات إلى أهلها.. لماذا لا تقوم ثورة اصلاح تتطيح بالممسكين بالسلطة حاليا واعادة الامور الى نصابها أو الى الشعب ليختار ما يشاء ، فالتاريخ لن يفيكم أجمعين فهل إلا مرد من سبيل؟ وذلك ممكن إذا آمنتم بان ذلك هو الجهاد الاكبر والأوجب عليكم.

وشكراً


#11939 [مواطن]
0.00/5 (0 صوت)

08-01-2010 10:44 PM
وشهد شاهد من أهلها ...لقد فات الأوان يا منظري ومفكري الحركة الاسلاموية في السودان :حسن مكي , عبد الوهاب الأفندي , والطيب زين العابدين وانتهى عهد الاسلام السياسي والى غير رجعة ولن تنفع التحليلات والنقد ..لقد اتضح للجميع أنها حركة شعوبية تؤمن بحجر الرأي الاخر وبعيدة عن الاسلام والاسلامويون في مختلف أنحاء العالم لا هم لهم سوى جمع المال واكتنازه ومصادرة الأفكار الأخرى فليذهب
تجار الدين الى مزبلة التاريخ ....ولن ينفع التباكي يا الطيب زين العابدين ...


#11917 [Abo Omer]
0.00/5 (0 صوت)

08-01-2010 08:51 PM
الأستاذ د. الطيب..تحياتي ........ما ذكرته في مقالك هو عين الحقيقة فالحركة الاسلامية صارت مرتع خصيب لأنصاف المتعلمين والإنتهازيين وعديمي النظر وكان لابد أن تكون النهاية بهذة الصورة المحزنة........مشروع حضاري معلق بين السماء والأرض ووطن تجذر فيه الحهل والمرض والنفاق والكذب .....فعلا ادخلنا صبية السياسة في جحر ضب لن نخرج منه سالمين وياريت لو تقيف على الجنوب.....أرى أن يتحزم عقلاء الحركة الاسلامية (هم أدرى بشعابها) ويستلموا زمام الأمر لأنقاذ مايمكن إنقاذه من ركام الخراب ......ولك الله ياوطن


#11796 [عبد المجيد الصاوى]
0.00/5 (0 صوت)

08-01-2010 01:46 PM
ود شندى ابوالشيماء وبقية المتصدين لباقان اموم وبقية القيادة الجنوبية هل من تعليق


#11784 [واحد]
0.00/5 (0 صوت)

08-01-2010 01:04 PM
اطهار الحركه الاسلاميه حين يتحدثون يكسبون القلوب والعقول لقد وفيت وكفيت وشفيت وما ابقيت لمستزيد


ردود على واحد
Saudi Arabia [بنانكو] 08-01-2010 10:35 PM
بالامس كانت حلايب واليوم الجنوب وبكرة جنوب كردفان والنيل اتلازرق وبعد بكرة دارفور وبعد بعد باكر الشرق الفضل (الباقي) فيها شنو بالكيزان المخرومة


أ.د.الطيب زين العابدين
أ.د.الطيب زين العابدين

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة