المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
ما بين ثقافة التدين وقصور التشريعات
ما بين ثقافة التدين وقصور التشريعات
10-27-2011 03:09 PM

قضية الفساد .....

ما بين ثقافة التدين وقصور التشريعات

مصعب الريح رُشاش
Rushash72@gmail.com

افادة السيد ( احمد ابراهيم الطاهر ) بأن تدين القائمين على الامر فى البلاد يمنعهم من الفساد افادة لا يزال صداها يتردد فى آذان معظم المهتمين . وذلك لما تحمله من مدلولات بالغة العمق والتعقيد على بساطتها والعفوية التى يعبر عنها ظاهرها . فهى افادة يمكن من خلالها فهم العلة التى ادت الى تعطيل قوانين ومؤسسات مكافحة الفساد حتى الآن مع سبق الاصرار . وتكمن خطورتها أيضاً فى انها تفصح عن الدستور غير المكتوب الذى يسير على هديه اهل السلطة فى البلاد . وهى تبين المسبار الذى يرى من خلاله ولاة الامر رؤساءهم ويراقبون به مرؤوسيهم ويحكمون به على ادائهم وسلوكهم العام . ويزداد الامر خطورة عندما يصبح التدين صكاً يبرئ ذمة حامله صاحب المنصب العام من الوقوع فى الخطأ طيلة سنى سعيه فى الحياة الدنيا . وهو منهج غريب لم يعمل به حتى فى دولة المسلمين الاولى التى وقف فيها الامام ( على بن ابى طالب ) امام القضاء فى درع ضد رجل غير مسلم واعترف فيها عمر الفاروق بارتكابه خطأً فقال : ( اخطأ عمر واصابت امرأة ) . وفى تقديرى انه من المفيد جداً فهم ان لفظ التدين هو فى حقيقته صفة يطلقها الناس على بعضهم بعضا وبالتالى هو صفة ليست بالضرورة مرادفة لمعنى القبول من الله أو نيل رضوانه وبركاته تعالى . بمعنى آخر ان الشخص المتدين عند الصوفية مثلاً هو من يوصف بأنه ابعد عن التدين عند جماعة انصار السنة والعكس صحيح . وينطبق ذلك على منتسبى الطوائف والمذاهب المختلفة .
لقد كان من الممكن ان تمر افادة السيد ( احمد ابراهيم الطاهر ) من غير ضجة ذات شأن باعتبار ان ما قاله تعبير سياسى تمحوه الايام . و كان يمكن ان يتساقط ذلك التصريح من بين ثقوب الذاكرة ومواعين التوثيق فى بلاد من العالم الثالث الذى لا يخصم من رصيد السياسيين فيه الا السأم . ولكن بعد ان تم انشاء مفوضية مكافحة الفساد لبثت تلك المفوضية من غير عمل يذكر و كأنها وزارة للطاقة النووية انشئت فى غينيا الجديدة . ثم بعد ذلك عندما حاور الاستاذ ( ضياء الدين بلال ) – رئيس تحرير الزميلة السودانى - السيد رئيس الجمهورية فى حواره الاخير قلل السيد رئيس الجمهورية من اهمية ما يثار عن انتشار الفساد فى الدولة وأشار الى ان قضايا الفساد الموثقة تحدث على مستوى صغار الموظفين فى حالات نادرة وذلك امر طبيعى . حديث السيد رئيس الجمهورية ومن قبله تعطل اعمال مفوضية محاربة الفساد أكدا للمهتمين وجود الدستور غير المكتوب الذى تعمل به الدولة فى التعاطى مع أداء منسوبيها والمنهج الذى تراهن به على تدينهم وتقواهم وصلاحهم .
ان تفسير الفساد من زاوية التدين والفسوق وغير المغضوب عليهم والضالين تفسير يصعب فهمه من خلال بنية الدولة الحديثة و سلطاتها الثلاث المعروفة . فديناميكية التشريعات وتغيرها وتطورها هو عماد صيانة الحقوق وتحقيق العدالة والصالح العام تبعاً لتطور البيئة المعرفية للانسان وتعقد حاجاته و اكتشاف المزيد من المشكلات . و كذلك الوصول الى الحلول للمشكلات المستجدة تبعاً لاكتشاف الانسان للمزيد من المعارف والمعلومات عن البيئة من حوله . ولتقريب الفكرة السابقة يمكن الاستعانة بالمثال التالى : ان قتل الانسان للنمر أو الفيل والمتاجرة فى جلد النمر والعاج لا يمس التدين فى شيئ ولكنه خرق للقانون وتبديد للثروة الطبيعية وفيه اضرار بالتنوع البيئى وبالتالى فساد يضر بالمصلحة العامة . وكذلك فان قطع الانسان لشجرة تصرف لا علاقة له بالتدين - على الاقل وفق الفهم الشعبى والتقليدى للتدين فى مجتمعنا – ولكن مثل ذلك التصرف قد يعد جريمة وخرق لقانون وتشريع صريح يؤدى الى تعريض مرتكبه للسجن او الغرامة والجلد . والعلة فى ذلك الضرر العام الذى يصيب البشر من خلال تدمير البيئة ورفع درجة حرارة الارض وما يتبع ذلك من مخاطر بيئية جمة وكوارث لم تكن تدور بخلد الانسان قديماً . ذلك الانسان الذى لم يبلغ من العلوم مدى يعرفه بمخاطر ارتفاع درجة حرارة الارض وتهتك طبقة الاوزون وارتفاع مستوى البحار.
فى تقديرى ان مدى ثراء البيئة القانونية فى اى مجتمع يبين مدى تطور او تأخر ذلك المجتمع . فالقانون اصبح أداة فعالة من ادوات تحضر المجتمع الانسانى . فالدكتور ( دينيس لويد ) يقول فى كتابه فكرة القانون : ( نمو الحضارة ارتبط على الدوام بالتطور التدريجى لنظام من القواعد الشرعية ولجهاز فعال يجعل تنفيذها فعالا ومنتظما . والقوانين لا توجد فى فراغ بل توجد جنبا الى جنب مع مبادئ خلقية متفاوتة التجديد والتعقيد ) .
لذلك فان تلمس مواطن الفساد تبعاً لتجدد المبادئ الخلقية واصدار التشريعات الكابحة له عملية ديناميكية . عملية تسير على ظهر دابة عجلى تنقب دوماً عن الفائدة العامة والضرر والصواب و الخطأ الذى يفسد الحياة العامة للمجتمع . وبالتالى تحقيق العدالة التى يرفع فيها كل ظلم فيتحقق التقدم عن طريق الأمن والتنافس الحر و الشريف . ولذلك فمن الغريب ان نفترض التدين والبعد عن الفساد فى شخص وصل الى منصبه عن طريق استغلال الامكانيات العامة واصول الدولة ومعيناتها اثناء منافسة انتخابية تحكم بشرفها ونزاهتها تشريعات واضحة وصريحة فى كل المجتمعات التى تدين بالديمقراطية الحقيقية . فلا يفهم مثلاً ان يترشح الى البرلمان القومى موظف دولة محدود الدخل يقوم اثناء حملته الانتخابية بتوفير خدمات عامة الى اهل دائرته تكلف اقامتها مئات الملايين من الجنيهات . أين موقف العدل والنزاهة والشرف فى ذلك ؟ . وما موقف ذلك المثال من التدين والفساد ؟ . ففى تقديرى ان علة الجهاز التشريعى الاول فى البلاد - الذى يعتمد عليه فى تفريخ التشريعات المانعة للفساد والحافظة للحق العام وحقوق المواطنين وحريتهم - تبدأ من طريقة الوصول الى ذلك البرلمان . والغريب فى الامر ان مثل ذلك السلوك فى تحقيق المكاسب الشخصية والخاصة صار منهجاً يتبع من اعلى الجهاز التنفيذى الى اخمص اقدام الدولة فى اصغر وحدة لتقديم الخدمات للمواطنين . فبداية هذا العام نشب النزاع الشهير بين الوزير الاتحادى المعرف ووزير المالية بسبب تعطيل الاخير لمشروع تمويل تقدم به الاول لاقامة خدمات فى قريته . وعلى ذلك النهج ارتبطت المشروعات والخدمات التى اقيمت فى السنوات الاخيرة فى معظم ارجاء البلاد باسماء اشخاص طبيعيين وليس مؤسسات عامة انشأتها الدولة لتقديم الخدمات وفق خطط قومية وعدالة تامة . بحسب الموسوعة الحرة ويكيبيديا فان الفساد يمثل تحدياً خطيراً فى وجه التنمية . فهو على الصعيد السياسى يقوض الديمقراطية والحكومة الجيدة وذلك بتعويم او حتى تغيير مسار العملية الرسمية .أما الفساد فى الانتخابات والهيئات التشريعية فيقلل من المساءلة ويشوه التمثيل النيابي في عملية صنع القرار السياسي .أما الفساد القضائى فانه يعرض سيادة القانون للخطر والفساد فى الادارة العامة ينجم عنه التوزيع غير العادل للخدمات . أى بمعنى اوسع ينخر الفساد فى القدرة المؤسساتية للحكومة لأنه يؤدى الى اهمال اجراءاتها واستنزاف مصادرها ، فبسببه أي الفساد تباع المناصب الرسمية وتشترى. كما يؤدى الفساد الى تقويض شرعية الحكومة وبالتالى القيم الديمقراطية للمجتمع كالثقة والتسامح .


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 601

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




مصعب الريح رُشاش
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة