موسم الطاعة
10-29-2011 11:50 AM

موسم الطاعة

خالد ابراهيم
[email protected]

الحمد لله الذي خلق الزمان وفضّل بعضه على بعض فخصّ بعض الشّهور والأيام والليالي بمزايا وفضائل يُعظم فيها الأجر ، ويَكثر الفضل رحمة منه بالعباد ليكون ذلك عْوناً لهم على الزيادة في العمل الصالح والرغبة في الطاعة ، وتجديد النشاط ليحظى المسلم بنصيب وافر من الثواب ، فيتأهب للموت قبل قدومه ويتزود ليوم المعاد .
ومن فوائد مواسم الطاعة سدّ الخلل واستدراك النقص وتعويض ما فات ، وما من موسم من هذه المواسم الفاضلة إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف الطاعة يتقرب بها العباد إليه ، ولله تعالى فيها لطيفة من لطائف نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته ، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من طاعات فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات ، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات ] . ابن رجب في اللطائف ص40

فعلى المسلم أن يعرف قدر عمره وقيمة حياته ، فيكثر من عبادة ربه ، ويواظب على فعل الخيرات إلى الممات .

قال الله تعالى : ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) الحجر
يستقبل المسلمون في هذه الأيام موسمًا عظيمًا، وأيامًا فاضلة، رفع الله شأنها، وأعلى مكانها، وميزها على بقية أيام العام، وجعلها غرة في جبين الدهر، ألا وهي أيام العشر، أعني العشر الأُوَل من ذي الحجة، هذه الأيام المباركة التي اختصها الله بمزيد من الشرف والكرامة، وجعلها ميدانًا للمنافسة في الخيرات، والمسابقة بين المؤمنين في مجال الباقيات الصالحات، وموسمًا عظيمًا للتجارة الرابحة مع الله
أيام العشر من ذي الحجة من أعظم المواسم التي امتن الله تعالي بها علينا، فهي باب عظيم من أبواب تحصيل الحسنات ورفع الدرجات وتكفير السيئات، والموفق من اغتنمها وحاز على رضا الله تعالى فهي أفضل أيام الدنيا لاجتماع أمهات العبادة فيها، وهي (الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج, ولا يتأتى ذلك في غيرها) وهي الأيام التي أقسم الله تعالي بها في كتابه بقوله تعالي: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ}[ الفجر:1-2]

فهي أفضل من أيام العشر الأخير من رمضان، وهي أعظم الزمن بركةً؛ إذ لها مكانةٌ عظيمةٌ عند الله تعالى، تدلُّ على محبَّته لها وتعظيمه لها؛ فهي عَشْرٌ مباركاتٌ كثيرةُ الحسنات، قليلة السيِّئات، عالية الدَّرجات، متنوِّعة الطَّاعات.

ويحتاج المسلم حالَ غفلته ولهوه إلى تذكيرٍ بالله والآخرة؛ فالأولاد والأموال ألهتْنا كثيرًا عن ذكر الله وطاعته، وسعيُنا لتحصيل قدرٍ أكبر من الرَّفاهية والشهوات حطَّم قدراتنا في تحمل الكثير من العبادات، والصبر عن المحرمات؛ حتى أضحت أجسادنا لا تتحمَّلُ طول القيام والقنوت، وكثرة الرُّكوع والسُّجود، وقضاءَ الليل في القرآن والذكر. وكل ذلك إنَّما حصل لمَّا تعلَّقت القلوب بغير الله تعالى؛ فالقلوب إذا صلحت صـلحت معها الأجساد، وإذا فَسَدَتْ أفْسَدَتْها حتى تَثَّاقَل عن الخيرات، وتُسارع في المنكرات؛ ولكن يبقى الأمل في عفو الله ورحمته وتوفيقه؛ إذ تذكرنا مواسمُ الخيرات وهذا أحدها يقترب منا، فماذا أعددنا له من توبة ومن عمل صالح؟!

قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: \"السعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب فيها إلى مولاه، بما فيها من وظائف الطاعات، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، فيسعد بها سعادةً، يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات\".

وقال بكر بن عبد الله المزني -رحمه الله-: \"ما من يوم أخرجه الله إلى أهل الدنيا إلا ينادي: ابن آدم، اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي، ولا ليلة إلا تنادي: ابن آدم، اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي\".

أقوال وأحوال السلف الصالح في هذه الأيام:

- كان سعيد بن جبير رضى الله عنه إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى ما يكاد يقدر عليه، أي: يجتهدون اجتهادًا عظيمًا لا يستطيع أحدٌ أن يلحق بهم بهذا الاجتهاد في تلك الأيام، وروي عنه أنه قال: (لا تطفئوا سرُجُكم ليالي العشر)، تعجبه العباد

- وجاء أن السلف رضي الله عنهم كانوا يعظمون (ثلاث عشرات) عشر رمضان الأخير، وعشر ذي الحجة الأول، وعشر المحرم الأول.

وكانوا يعدون عمل اليوم فيه بأعمال أيامٍ كثيرة كما ذُكِر عن بعضهم، يعني: هذه الأيام بآلاف الأيام من الأعمال الصالحة

- قال ابن رجب -رحمه الله-: إذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيره من أيام السنة كلها، صار العمل فيها وإن كان مفضولاً أفضل من العمل في غيرها وإن كان فاضلاً، ومعنى ذلك: أن العمل المفضول الذي رتبته أقل يمكن أن يصبح هو الأفضل عندما يؤدى في هذه الأيام؛ لعموم فضيلتها، وعظمة فضيلتها، وتأكيد هذا التفضيل بالمقارنة بالجهاد.

أيهما أفضل عشر ذي الحجة أم العشر الأواخر من رمضان:

سُئل ابن تيمية رحمه الله تعالى، عن عشر ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان أيهما أفضل؟ فقال: أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة

قال ابن القيم: وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافيًا كافيًا، فإنه ليس من أيام العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة، وفيها: يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم التروية.

وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء، التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحييها كلها، وفيها ليلة خير من ألف شهر.فمن أجاب بغير هذا التفصيل، لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة


أنواع العمل في هذه العشر

الأول: أداء الحج والعمرة:

وهو أفضل ما يُعمل، ويدل على فضله عدةُ أحاديث؛ منها قوله : \"العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة\". وغيره من الأحاديث الصحيحة.

الثاني: صيام هذه الأيام أو ما تيسر منها، وبالأخص يوم عرفة:

ولا شك أن جنس الصيام من أفضل الأعمال، وهو مما اصطفاه الله لنفسه، كما في الحديث القدسي: \"الصوم لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي\". وعن أبي سعيد الخدري t قال: قال رسول الله : \"ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله؛ إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا\"؛ أي مسيرة سبعين عامًا. متفق عليه.

وروى مسلم رحمه الله، عن أبي قتادة، عن النبي ، قال: \"صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده\".

الثالث: التكبير والذكر في هذه الأيام:

لقوله تعالى: {وَيذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} [الحج: 28]. وقد فُسرت بأنها أيام العشر، واستحب العلماء لذلك كثْرة الذكر فيها؛ لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- عند أحمد رحمه الله، وفيه: \"فأكثروا فيهن من التهليل، والتكبير، والتحميد\".

وذكر البخاري -رحمه الله- عن ابن عمر، وعن أبي هريرة y؛ أنهما كانا يخرجان إلى السوق في العشر، فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.

وروى إسحاق رحمه الله، عن فُقهاء التابعين رحمة الله عليهم، أنهم كانوا يقولون في أيام العشر: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد.
ويُستحب رفع الصوت بالتكبير في الأسواق والدور والطرق والمساجد وغيرها؛ لقوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185].
ولا يجوز التكبير الجماعي؛ وهو الذي يجتمع فيه جماعة على التلفظ بصوت واحد؛ حيث لم يُنقل ذلك عن السلف، وإنما السنة أن يكبر كل واحد بمفرده، وهذا في جميع الأذكار والأدعية، إلا أن يكون جاهلاً، فله أن يُلَقَّنَ من غيره حتى يتعلم، ويجوز الذِّكر بما تيسر من أنواع التكبير والتحميد والتسبيح، وسائر الأدعية المشروعة.
الرابع:
التوبة والإقلاع عن المعاصي وجميع الذنوب:
حتى يترتب على الأعمال المغفرة والرحمة؛ فالمعاصي سببُ البعد والطّرد، والطاعات أسباب القرب والود. وفي الحديث عن أبي هريرة t، أن النبي قال: \"إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرّم الله عليه\". متفق عليه.
الخامس:
كثرة الأعمال الصالحة من نوافل العبادات:
كالصلاة، والصدقة، والجهاد، والقراءة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك؛ فإنها من الأعمال التي تُضاعف في هذه الأيام، فالعمل فيها وإن كان مفضولاً؛ فإنه أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيرها وإن كان فاضلاً، حتى الجهاد الذي هو من أفضل الأعمال، إلا مَنْ عُقِرَ جَوَادُه وأهْرِيقَ دَمُه.
السادس:
يُشرع في هذه الأيام التكبير المطلق في جميع الوقت:
مِنْ ليل أو نهار إلى صلاة العيد، ويُشرع التكبير المقيد؛ وهو الذي بعد الصلوات المكتوبة التي تُصَلَّى في جماعة، ويبدأ لغير الحاج من فجر يوم عرفة، وللحجاج من ظهر يوم النحر، ويستمر إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق.
السابع:
تشرع الأضحية في يوم النحر وأيام التشريق:
وهو سنة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، حين فدى الله وَلَدَه بذبحٍ عظيم، وقد ثبت أنّ النبي ضَحَّى بكبشين أملحين أقرنين ذَبَحَهما بيده، وسَمَّى وكبّر، ووضع رجله على صفاحهما. متفق عليه.
الثامن:
روى مسلم رحمه الله وغيره، عن أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي قال: \"إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يُضَحِّي؛ فليمسك عن شعره وأظفاره\". وفي رواية: \"فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره حتى يُضَحِّيَ\".
ولعل ذلك تشبهٌ بمن يَسوق الهدْيَ، فقد قال الله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]. وهذا النهي ظاهره أنه يَخُصُّ صاحب الأضحية، ولا يعم الزوجة ولا الأولاد، إلا إذا كان لأحدهم أضحية تخصه، ولا بأس بغسل الرأس ودلكه، ولو سقط منه شيء من الشعر.
التاسع:
على المسلم الحرص على أداء صلاة العيد حيث تُصَلَّى، وحضور الخطبة والاستفادة، وعليه معرفة الحكمة من شرعية هذا العيد، وأنه يوم شكر وعملِ برٍّ، فلا يجعله يوم أشَرٍ وبَطَرٍ، ولا يجعله موسمَ معصية وتوسُّع في المحرمات؛ كالأغاني والملاهي والمسكرات ونحوها، مما قد يكون سببًا لِحُبُوط الأعمال الصالحة، التي عملها في أيام العشر.
العاشر:
بعد ما مرّ بنا، ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يستغل هذه الأيام بطاعة الله وذكْره وشكره، والقيام بالواجبات والابتعاد عن المنهيات، واستغلال هذه المواسم والتعرض لنفحات الله؛ ليحوز على رضا مولاه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.كانت هذه النقطة العاشرة، فتلك عشرة كاملة
اللهم أحسن ختامنا وأحسن عملنا يا أرحم الراحمين.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1641

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خالد ابراهيم
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة