المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
ثورات الهامش السوداني أسماء كثيرة لقضية واحدة (9)
ثورات الهامش السوداني أسماء كثيرة لقضية واحدة (9)
11-01-2011 08:50 AM


ثورات الهامش السوداني أسماء كثيرة لقضية واحدة (9)

هارون سليمان
[email protected]


قواعد المسلكية الثورية في المجال العسكري
عندما تصل الحركة الثورية إلى ضرورة تفجير الثورة الشعبية المسلحة وتطلق رصاصتها الأولى تعبيرا عن بداية مرحلة الكفاح المسلح، فان أعضاء الحركة الثورية يصبحون مطالبين بالالتزام بقواعد المسلكية الثورية في المجال العسكري إلى جانب التزامهم بقواعد المسلكية في المجالات الجماهيرية والسياسية والتنظيمية. إن مرحلة الكفاح المسلح والتي تصلها الحركة الثورية بعد مرورها بخطوات الاستقصاء والدراسة والتوجيه والتوعية الفكرية والتنظيم والتدريب تتصاعد حدتها مرحليا وتنتقل عبر أشكال نضالية مختلفة ولكنها تتميز جميعها بالعنف الثوري. إن تنوع المهمات العسكرية تجعل لبعض القواعد المسلكية صفة الخصوصية ولبعضها صفة العمومية. فإذا كانت الشجاعة والإقدام صفات أساسية لكل أنواع العمل العسكري ، فان اللياقة البدنية ضرورة أساسية لقتال المدن أو لحرب العصابات الريفية وان كان في مقدور قائد هذه اللياقة أن يقوم بأعمال ثورية مذهلة في مجال الأعمال التخريبية في المدن إلى جانب عمليات التشريك والتخريب بالوسائل البدائية. إن طبيعة العمل الثوري تفرض على الحركات الثورية انتقاء أساليب ووسائل القتال الملائمة لكل مرحلة ولكل موقع ولكن الحركة ملزمة في كل أشكال نضالها العسكري أن تعمق روح القتال ليس فقط لدى أعضائها وإنما لدى الشعب، حتى تستطيع أن تدفع بالجماهير الشعبية المسلحة إلى أخذ المبادرات الهجومية ضد أعداء الثورة والدفاع عن الثورة من خلال أدوار عسكرية محددة .
إن أنواع العمليات العسكرية والانتصارات الميدانية تلعب دورا هاما في قضية استقطاب الجماهير حول الثورة ولكن الحركة الثورية الطليعية تعمل دائما على دفع الجماهير إلى المشاركة الحقيقية في العمل، وذلك عن طريق النضال وقتال العدو بكافة الوسائل وبكل الأساليب البسيطة منها والمعقدة حتى تتمكن الحركة الثورية من أن تغرس في نفسية كل مواطن الشعور بحجم القضية وبأهمية النضال وبأنه مطالب، ليس فقط بالحقد على العدو وإنما بتفجير هذا الحقد على شكل ممارسات عملية تضر بالعدو مهما كان هذا الضرر بسيطا. إن انتقال الحركة الثورية إلى مرحلة حرب الشعب لا يتم دفعة واحدة كما لا يتم إلا بالانتقال من مرحلة الدفاع الاستراتيجي إلى مرحلة الهجوم الاستراتيجي هي المرحلة التي يصبح فيها كل فرد ينام ويصحو وهو يفكر كيف يتخلص من الظلم والقهر والاستبداد وكيف يتخلص من الاستغلال، وكيف يتخلص من الاستعمار والحركة الثورية هي التي تعطي جوابا واضحا بممارسات أعضائها وأنصارها ومن ثم الجماهير ومن خلال ممارسة الكفاح المسلح بكل أشكاله. إن المبدأ الأساسي في العمل العسكري هو المحافظة على الذات والقضاء على العدو أو إرغامه على الاستسلام وهذا المبدأ الذي يجمع بين متناقضين عملياً يشكل ضرورة أساسية لنجاح العمل العسكري . إن التصدي لقتال العدو يعرضنا للخطر ويعرض ذاتنا إلى الفناء ولكننا لا يمكننا أن نقاتل العدو و نلحق بالعدو أضرارا إلا إذا تعرضنا نحن أيضا إلى الخطر وهنا تتدخل كل قواعد المسلكية الثورية في المجال العسكري لتجعل قدرتنا على إفناء العدو هي الوقاية الحقيقية لذاتنا لان العدو هو مصدر الخطر الأساسي على ذاتنا، فكلما أصبح العدو ضعيفا كلما قلصنا الخطر على ذاتنا. إن اختيار الأساليب والوسائل الملائمة لكل مرحلة ولكل عملية، ولكل بيئة تضمن للحركة الثورية تراكماً في انتصاراتها التي كلما زادت كلما تضاعفت بشكل مطرد، نتيجة مردودها المادي والمعنوي على أعضاء الحركة الثورية وعلى الجماهير. إن قتال العدو ليست عملية سهلة بالنسبة للحركة الثورية ولكنها أيضا ليست عملية سهلة بالنسبة للعدو وتستطيع الحركة الثورية بتركيزها على أكثر نقاط العدو حساسية أن تجعله يضطرب ويفقد وعيه، فتتراكم خسارته ويختل توازنه. إن قتال العدو عندما يصبح مهمة جماهيرية بقيادة الحركة الثورية يحول الوطن إلى جحيم لأعدائه ويجعل من الجماهير خنجرا مغروسا في صدر العدو أينما وجد.. في الريف.. في المدن.. في مواقعه الحصينة وخارجها.. في أكثر نقاط أمنه ..في مراكز قوته.. هكذا تعامل الحركة الثورية أعداءها فلا تعطيهم مجالاً لالتقاط الأنفاس والاستفادة من الزمن وإعادة تنظيم صفوفه . إن استمرار الكفاح المسلح ضرورة أساسية لاستمرار الثورة حيث انه يؤكد استمرار التفات الجماهير حول الثورة ويؤكد ارتفاع الكفاءة القتالية لأعضاء الحركة الثورية وللجماهير،كما وانه يحرم العدو من ترتيب أوضاعه ومن جهة أخرى يجب أن تعلم الحركة الثورة أن كل هذه الأمور تضيع إذا توقفت الثورة عن تصعيد نضالها وعن استمراره لأنها تعطي للعدو فرصة يستفيد منها ليخطط وينفذ محاولاته المستمرة لضرب الثورة وتصفيتها . إن على الحركة الثورية أن تناضل رغم كل الظروف لتخلق قواعد ارتكازية تصبح نقاط تجمع وانطلاقاً لمقاتليها. إن مواصفات هذه القواعد تختلف من بلد إلى آخر وذلك لاختلاف طبيعة الأرض والبشر والعدو والثورة وأسباب قيامها. إن أدوات الصراع تتحكم في خصوصيات العمل العسكري وان كانت جميعها تخضع للقواعد العسكرية العامة. إن الموقع الذي يسيطر عليه المقاتلون عمليا مهما صغرت مساحته أو كبرت، فانه صورة للأرض المحررة وأن طبيعة العلاقات التي تسود بين المقاتلين في الأرض المحررة وبين الجماهير فيها تعطي صورة عن طبيعة العلاقة بين السلطة التي تسعى الحركة الثورية لإنشائها عند تحقيق النصر وبين جماهير الشعب وفي هذا لا بد للحركة الثورية أن تعي بمسؤوليتها السياسية والعسكرية والمدنية حتى تتمكن من إنشاء إدارة مدينة عادلة وتسيير دولاب الإدارة المدنية والعسكرية بصورة تترجم مبادئ الثورة حتى يتمكن المواطن من التمييز بين الثورة والنظام السابق في تلك الأراضي المحررة. إن مسلكية الثوار وسلوكهم في مناطق تواجدهم .. سواء الأراضي المحررة أو قواعد الارتكاز في البلدان المجاورة أو نقاط الانطلاق كلها تعطي الملامح الأولية لطبيعة المسلكية التي سيعممها الثوار في المجتمع الثوري المنشود. ولهذا، فان التمسك والالتزام بقواعد المسلكية الثورية تعطي للجماهير ضمانة التمسك بالخطوط الثورية السليمة وبالتالي ضمانة العدالة الاجتماعية والتقدمية في المجتمع الثوري المنتصر. ومن مهم جدا أن يعرف كل أعضاء الحركة الثورية أن انطلاقة الرصاص وتفجير الثورة المسلحة تعني أنهم جميعا أصبحوا عسكريين إلى جانب أية مهمة أخرى يمكن أن يقوموا بها. إن النضالات السياسية والعسكرية والجماهيرية والتنظيمية تتشابك مع بعضها لدى كل أعضاء الحركة الثورية وان هذا التداخل والتشابك يجب أن لا ينسينا قواعد المسلكية الثورية التي تفرض علينا أن نختار للقيام بالمهمات أكثر الناس إيمانا بها وبقدرتهم على تنفيذها سواء أكانت المهمات سياسية أو جماهيرية أو تنظيمية أو عسكرية.
إن قواعد المسكلية الثورية في المجال العسكري ليست فقط قواعد لمسلكية الأفراد وإنما لمسلكية الجماعة أيضاً،حيث أن الطبيعة الأساسية للعمل العسكري هي العمل الجماعي وفيما يلي استعراض لقواعد المسلكية الثورية الهامة في المجال العسكري:-
1.العنف :
إن قوى البطش والاستغلال والاستبداد والظلم والقهر المعادية للشعب تمارس ضده كل أساليب الإرهاب حتى تخضعه لإرادتها ولكن الشعب عندما تدفع به الطليعة الثورية إلى التحرك إلى الثورة،فانه لا يجد أمامه غير درب العنف الثورية ليجتث به إرهاب المستعمرين والمستغلين فالعنف الثوري هو شرط أساسي لكل ثائر يرى الظلم ويستعد لإزالته . إن محاربة الظلم تهدف إلى تصفيته والى إزالته وإرساء حياة جديدة للمجتمع المتحرر يتمتع فيها البشر كلهم بالمساواة والحرية والعدالة . ولان الظلم، القهر، الاستبداد هو وجود عنيف و إزالته لا يتم إلا بالعنف.إن تصارع القوى بكل ما أوتيت من إمكانيات يتم من اجل تغلب واحدة على الأخرى من اجل تغلب الخير على الشر، فالمستغلون المستعمرون لا يتخلصون من عنف الظلم إلا بعنف الثورة و من عنف الاستغلال والعبودية إلا بعنف السلاح والتضحية. إن أية بادرة لطف تجاه العدو يبديها ثائر لم يحرز النصر بعد هي انحراف عن المسلكية الثورية وخروج عن الخط العسكري الذي يتطلب من الثائر أن يركز حقده دائما على العدو لكي يتركز عنفه ضده وحتى يصبح لضرباته الأثر الموجع المحطم لقوى العدو وعنجهيته وجبروته وظلمه.
إن ممارسة العنف الثوري تقتضي من الحركة الثورية أن يحدد وبدقة من هم أعداؤها ومن هم حلفاؤها، حتى لا تقع في خطر ممارسة العنف الثوري داخل صفوف الثورة كوسيلة لحل التناقضات التي يجب حلها باللطف والنقد والنقد الذاتي الحنكة الثورية. إن التفريق بين الخطأ والخيانة هو تفريق بين مناضل يخطئ فيجب تصحيحه وبين عميل يخون الثورة، فيجب تصفيته ومعاملته معاملة العدو.
إن أعضاء الحركة الثورية مطالبون أن يغرسوا روح العنف الثوري لدى الجماهير وذلك بتوعيتهم واطلاعهم على تفاصيل الجرائم التي يرتكبها العدو،حتى تتعمق في نفوسهم الرغبة المشروعة للانتقام . وعلى الحركة الثورية أيضا أن تبين لأعضائها وللجماهير عن خلفية كل الممارسات الخادعة التي تصدر عن أعداء الشعب والذين يختفون خلفها حتى يحدثوا شرخا بين الجماهير وطليعتها الثورية. إن محاولات التقرب من الجماهير عن طريق حسن الخلق والإغراءات المادية والمعنوية والترغيب والترهيب هي إحدى أساليب الحرب النفسية التي يهدف العدو منها إلى قتل روح الحقد تجاهه بين الجماهير وتحويل هذا الحقد إن أمكن على الحركة الثورية بدعوى أنها سبب كل ما يلاقيه الشعب من مشاكل (القتل ، التشريد ، المعاناة ، توقف التنمية ..). إن القوى الاستعمارية والمعادية للجماهير يهمها فقط أن تسود روح الاستسلام والخضوع على كافة المستويات،حتى يضمن المستعمرون والمستغلون بقاءهم وسيطرتهم على مقدرات الشعب.
إن إزالة الظلم ومحوه لا يتم إلا بالصراع العنيف بين إرادتين متناقضتين.. إرادة الشعب وإرادة أعداء الشعب وان هذا الصراع هو عملية عنيفة جدا لا تنتهي حقيقة إلا بزوال احد الطرفين وان الشعب في نضاله الطويل المرير للتخلص من الظلم والاستبداد والاستعمار والقضاء عليها، يخلص نفسه من كل رواسب التخلف والأمراض الاجتماعية والفقر والبؤس والشقاء، ففي وهج النضال العنيف يولد الإنسان الجديد القادر على إكمال مسيرة الحركة الثورية وتوطيد مبادئها وخلق مجتمع العدل والمساواة والحرية على أنقاض مجتمع الواقع الفاسد، القاهر، المستبد الجاثم في صدور الناس.
2.اللياقة البدنية :
إن تنوع الأسلحة وتطورها، قلل من أهمية اللياقة البدنية كضرورة أساسية للقتال، كما كانت أيام الفرسان وعهد السيوف وإذا كانت الجيوش النظامية تعطي للياقة البدنية أهمية خاصة عند اختيار أفراد الجيش، فان الحركات الثورية التي تخوض حروب التحرير الشعبية لا تستطيع أن تحرم كل أبناء الشعب من القيام بواجبهم النضالي والقتالي ويكون للياقة البدنية والاهتمام بها والمحافظة عليها والتمسك بها كقاعدة للمسلكية الثورية في المجال العسكري دورها في اختيار المهمات المناسبة لكل درجة من درجات اللياقة. إن مقاتلي العصابات في الجبال وأفراد الدوريات الهجومية لا يستطيعون أن يتحملوا بينهم أي عضو فاقد للياقة البدنية لأنه يصبح عبئا عليهم وتعويقا لتحركهم وقد يفشل لهم المهمات المنوط بهم. إن اللياقة البدنية للمجموعة المقاتلة تقاس بدرجة اللياقة التي يتمتع بها أضعفهم، حيث انه هو الذي يتحكم بوضع خططهم وسرعة تحركهم ومداها ولقدرته تضطر المجموعة أن تستجيب. إن قتال الجبال وقتال الشوارع في المدن يتطلب من الأفراد الخفة والقدرة على التحرك بسرعة، حتى تتمكن المجموعة من تملك عامل المرونة، الذي يساعد على التنفيذ الأسلم للمهمات والتصدي الأكثر فاعلية لهجمات العدو. وتتطلب حرب الشعب من أعضاء الحركة الثورية درجة عالية من الاستعداد للتصدي للهجمات الفردية التي تستهدفهم كأفراد ويتم ذلك بالتمرين المتواصل على رياضة الدفاع عن النفس والقتال بالأيدي وبالسلاح الأبيض. إن الأفراد الذين يتمتعون بلياقة بدنية متفوقة يكسبونها بالتمرين المتواصل الذي يحتاج إلى إرادة قوية وهذا التمرين وهذه الإرادة المكتسبة تساعد الأفراد على الصمود في حالة وقوعهم أسرى لدى العدو. وتصبح إرادتهم وقدرتهم الحيوية سدا أمام محاولات العدو لإخضاعهم لإرادته وحملهم على الاعتراف بما يضر حركتهم الثورية. إن التمسك باللياقة البدنية كقاعدة للمسلكية الثورية تدفع أعضاء الحركة الثورية إلى تجنب الكثير من العادات السيئة التي تضر بصحتهم وبقدرتهم على القتال وتحميهم بذلك من الوقوع في الانحراف عن كثير من قواعد المسكلية الثورية في المجالات الجماهيرية والتنظيمية والسياسية وتجعلهم قادرين على القيام بأصعب المهمات وتنفيذها بجدارة عالية.
3.الصبر والتحمل :
إذا كانت الاستمرارية وطول النفس هي قاعدة للمسلكية الثورية في المجال التنظيمي، فان هذه الاستمرارية تحتاج إلى صبر وقدرة على تحمل المشاقة التي يتطلبها العمل العسكري ولهذا، فان الصبر والتحمل يشكلان قاعدة للمسلكية الثورية في المجال العسكري. إن مردود العمل العسكري السريع على المدى التكتيكي اليومي الناتج من تأدية المهام العسكرية وتنفيذها يتطلب تعميق مفهوم الصبر للوصول إلى النتائج الباهرة على المدى الاستراتيجي والتي تقود بدورها إلى مرحلة النصر. إن الحروب النظامية قد تحدث نصرا سريعاً ولكن مفهوم حرب الشعب الأساسي هو طول أمدها وان أي مناضل يحاول أن يقفز عن هذه الأساسيات ويتوقع النصر الحاسم قبل الأوان يكون قد فقد قاعدة أساسية من قواعد المسلكية الثورية في المجال العسكري وهي الصبر والتحمل. إن القوى المضادة للشعب ولثورته تسعى دائما لقتل روح الصبر لدى المناضلين والجماهير وذلك بتشكيكهم الدائم بجدوى حرب الشعب وحرب العصابات. إن فقدان الثقة بحرب الشعب وبالكفاح المسلح كطريق حتمي للنضال ضد الأعداء المغتصبين للأرض أو المستغلين للشعب أو المنتهكين لكرامتهم وإنسانيتهم وحرياتهم تؤدي إلى الوقوع في أشراك الانتهازية اليمينية القصيرة النفس الفاقدة للصبر والتحمل الثوري كقاعدة لمسلكيتها الثورية مما يدفعها إلى الاستسلام لشروط العدو والقبول بأنصاف الحلول. إن الحركة الثورية التي تبدأ كفكرة للتغيير تحملها طليعة ثورية محدودة العدد والإمكانيات ثم تتحول تدريجيا وبصبر ونفس طويل إلى قوة تبدأ صراعها المسلح ضد السلطة الفاسدة ،الظالمة، المستبدة أو الاستعمار الخارجي. إن ميزان القوى لا تحدثه الحركة الثورية بطريقة انقلابية وإنما بالتراكم الكمي والنوعي للانجازات الثورية على حساب ما تلحقه من خسائر للقوى المعادية للجماهير وهذا النمو البطيء هو الذي يضمن سلامة الولادة الحقيقية للثورة ولمراحل انتقالها من الضعف إلى التوازن… إلى القوة.. إلى النصر. إن الانتصارات الكاذبة لا تعطي للثورة وللثوار عمقا جماهيرياً لأنها لن تلبث أن تظهر على حقيقتها، حيث أن الجماهير تدرك بحسها الثوري الأصيل كيف تحدث الانتصارات وكيف تستثمر لان حرب الشعب هي حرب الجماهير وان الانتصار الذي تحققه حرب الشعب هو الانتصار التي تشارك الجماهير بصناعته وباستثماره وبتصعيده إلى درجات أرقى على طريق النصر الكبير.
4.شدة الملاحظة :
يتم العمل العسكري بين طرفين يحاول كل منهما إفناء الآخر وبغوص كل طرف في ابتكار الأساليب البسيطة والمعقدة وتنويع مجالات عمله حتى يخضع خصمه لإرادته. وان مهمة المناضل الثوري ليس فقط انجاز الايجابيات والانتصارات وإنما تحاشي الوقوع في السلبيات التي تعطي لعدوه انتصارات وايجابيات. والمسلكية الثورية في المجال العسكري تقتضي من الأفراد أن يتمتعوا بحس مرتفع لشدة الملاحظة. إن ابسط المظاهر التي لا تلفت نظر الإنسان العادي قد يكون وراءها ما وراءها من الدمار والويلات للحركة الثورية . وان الإهمال واللامبالاة قد أوقعا المناضلين في أخطاء أفقدتهم قدراتهم على استمرار النضال وأفقدت بعض الثورات والحركات الثورية وجودها.. إن شدة الملاحظة كقاعدة للمسلكية الثورية في المجال العسكري، تتطلب من العضو أن يعطي اهتماما خاصا لكل ظاهرة أو مظهر غريب يلفت انتباهه مهما كان بسيطا وتافها ويجب أن لا يتوقف الأمر عند ملاحظة الظاهر أو المظهر وإنما يجب أن تتابع للتأكد من أهميتها أو تفاهتها. إن النضال اليومي للمقاتل في الحركة الثورية، سواء أكان مقاتل عصابات في الجبال أو في المدن وسواء أكان عمله علنيا أو سرياً، فانه يجب أن يتذكر دائما انه يعمل في وسط حقل من الألغام. وان عليه أن يتحسس موضع قدمه قبل نقله. وعليه أن يعطي اهتماما خاصا للأمور البسيطة وان لا يقع في مطيات الإهمال واللامبالاة التي تجلب على الحركة الثورية الويلات والدمار. إن ملاحظة آثار أقدام أو بقايا طعام أو علب سيجارة من نوع معين يساعد المقاتل على تقدير موقف. وان اختلافا في الأثاث أو ترتيب الحقيبة أو تكرار في المصادفات تجعل المقاتل العصابات في المدن يعرف إذا ما كان متابعا أو مراقبا . وان خيطا دقيقا أو مظروفا عاديا قد يحمل في طياته الهلاك إذا ما تعامل مع الأمر باستهتار ولهذا فان على المناضلين أن يتمرسوا بالملاحظة الدقيقة الشديدة وان يعملوا في المقابل على عدم ترك أية آثار أو إشارات تلفت انتباه أعدائهم لوجودهم أو لمخططاتهم أو أشراكهم. إن شدة الملاحظة الوقائية التي تحرم العدو من تمرير أهدافه يقابلها شدة الملاحظة الايجابية التي تجعل المناضل ينفذ مهماته بدقة متناهية تحرم العدو من وقاية ذاته مهما أوتي من شدة الملاحظة . والحرب خدعة والعمل العسكري مليء بالاشراك والألغام والدقة والحرص الدائم الذي أصبح جزءا من الشخصية المقاتلة يساعد على عبور أفراد الحركة الثورية بكاملها كل حقول الألغام بأقل الأضرار.
5.روح البحث والتقصي :
يتطلب انجاز أي عمل بنجاح معرفة حقيقية بأهداف العمل وظروفه الذاتية والموضوعية والعمل العسكري يتطلب معرفة بالتفاصيل والجزئيات حتى يمكن انجازه بفاعلية. ولهذا، فان المسكلية الثورية في المجال العسكري، تقتضي من المقاتلين أن يرصدوا الهدف جيداً وان يستطلعوه من كافة الجوانب والوضع البشري والتسليح والتحصين ونقاط الضعف والقوة وكيف ومن أين ومتى يجب أن يهاجم . إن روح البحث والتقصي والاستطلاعية هي من الضمانات التي تستلزم الحركات الثورية في مسيرتها لتحقيق النصر والمعرفة والاستقصاء يجب أن لا يقتصر على معرفة العدو وقدراته بل على المقاتل أن يعرف ذاته وقدراته و أن يعرف حالة المجموعة التي يقاتل معها وإمكانياتها بدقة حتى يقرر إذا ما كانت الإمكانيات المتوفرة قادرة على التصدي للهدف مع الأخذ بعين الاعتبار قواعد أخرى ضرورية للمسلكية الثورية، كالتركيز والمفاجأة والحركة والمرونة والى جانب معرفة الهدف المعادي والإمكانيات الذاتية، فان طبيعة الأرض التي سيتم عليها الصراع وسكان تلك المناطق تلعب دوراً مها في إنجاح العملية ولذا يتطلب من المناضلين وضعها بعين الاعتبار ليس من الناحية التكوينية والطبوغرافية فحسب وإنما من النواحي الديموغرافية والمناخية والاجتماعية والاقتصادية والتضاريس حتى يكون تنفيذ الهدف موجعا للعدو في الزمان والمكان المناسبين ويجب أن لا يغيب عن ذهن المناضلين في الحركات الثورية، إن روح البحث والتقصي والاستطلاع والمعلومات الاستخبارية كقاعدة للمسلكية الثورية في المجال العسكري لا تتناقض أو تنفي القاعدة الأساسية الأخرى وهي المبادرة والتي تدفع المناضلين إلى اتخاذ القرارات وتنفيذها دونما الرجوع إلى المراتب العليا وذلك عندما يكون مردود هذه القرارات هو ضمن الخط الاستراتيجي العام عسكريا وتنظيميا وسياسيا وجماهيرياً.
6.التركيز :
يتطلب انجاز أي هدف محدد إعطاءه الأهمية الكافية والإمكانيات اللازمة لتحقيقه والتقصير في حشد الإمكانيات المادية والبشرية والمعنوية الضرورية لانجاز الهدف يؤدي إلى فشل المهمة مما يعتبر خروجا عن المسلكية الثورية في المجال العسكري ولهذا، فان التركيز كمسلكية ثورية تتطلب من أعضاء الحركة أن يتوجهوا إلى الهدف المعني للتعرف عليها بشمولية ومن كافة الجوانب ودراسة خصوصياته بدقة وعناية بالغة ومن ثم حشد كل القوى اللازمة لسحق العدو وتحقيق المبدأ الأساسي للحرب(استثماره سياسيا والوصول إلى الغاية). إن مفهوم التركيز كمسلكية ثورية يختلف باختلاف شكل القتال ولكنه يظل مبدأ أساسيا من مبادئ الحرب. ففي الحرب النظامية والمعارك الإستراتيجية بين الجيوش فان التركيز يعني التركيز على النقطة الأساسية عند العدو وضربها بشدة بكل قوة وذلك لإرباك العدو وسحقه ماديا ومعنويا ومنعه من التقاط أنفاسه وحرمانه من أي شكل من أشكال المرونة لإعادة تجميع قواته وتنظيم صفوفه وعندما يكون شكل القتال في شكل حرب عصابات في الجبال، فان مفهوم التركيز، يعني حشد قوة كبيرة لإبادة قوة صغيرة معادية وهذا يعني أن على مقاتلي حرب العصابات في الجبال، لكي يتصدوا لهدف محدد، أن يضعوا نصب أعينهم ضرورة إبادة هذا الهدف وحتى يتسنى لهم ذلك، فإنهم مضطرون لحشد القوة اللازمة لإبادته حتى لا يتمكن الهدف من الدفاع واستقدام النجدات مما يعكس الآية ويصبح خطر الإبادة يهدد الثوار. إن التركيز في القتال العصابي الريفي يتطلب حشدا للقوى المعادية في الهدف التكتيكي تكون بنسبة عشرة إلى واحد لصالح الثوار وان كان الوجود الاستراتيجي قد يكون معكوس النسبة أما في قتال المدن، فان عمليات التخريب تتطلب التركيز على الهدف وتنفيذه بأقل الأعداد البشرية ولكن حالات الخطف والاغتيال تتطلب تركيزا في العدد البشري اللازم لإنجاح المهمة وفي كل الحالات يجب أن يتلاءم التركيز والمرونة، حتى لا يصبح احدها على حساب الآخر. إن حرب الشعب لا تحقق النصر في معركة حاسمة ولكنها تحققه نتيجة التراكم الايجابي المستمر للانتصارات التكتيكية ولهذا، فان على المناضلين في الحركات الثورية أن يقوموا دائما بالعمل العسكري ضد العدو شريطة أن تكون الأهداف التي يتصيدون لانجازها متفقة مع الإمكانيات المتوفرة.. إن عدم القيام بالمهام الممكن انجازها بالإمكانيات المتوفرة هو هروب من ساحة النضال مما يفقد الحركة الثورية فعاليتها، كما أن التصدي لأهداف تحتاج من الإمكانيات أكثر من المتوفر تؤدي إلى الهزائم المتتالية التي ينهي تراكمها الوجود الثوري. صحيح أن الثورة تتعلم من الانتكاسات ولكنها لا تتصاعد وتنمو باتجاه النصر العظيم إلا بالانتصارات الصغيرة المستمرة.
في الحلقات القادمة
قواعد المسلكية الثورية في المجال العسكري
حضور البديهة ، الخشونة ، التدريب ، الصدامية ، الاستعداد الدائم ، الإباء والاعتزاز بالنفس ، الاعتماد على الذات ، اليقظة الثورية ، المفاجأة ، الحركة والمرونة( الديناميكية) ، الذكاء ، الشجاعة
قواعد المسلكية الثورية للكوادر


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 499

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




هارون سليمان
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة