انتخابات تونس ومستقبل الديمقراطية
11-02-2011 09:58 AM

انتخابات تونس ومستقبل الديمقراطية

تاج السر عثمان
[email protected]

بعد أن أحرزت حركة النهضة الاسلامية في تونس 41 % من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، تعهدت بأنها لن تجبر النساء علي ارتداء الحجاب أو غطاء الرأس ، ولن تمنع الخمور والبكيني، ولن تعرقل حركة السياحة التي يعتمد عليها الاقتصاد التونسي، وأنها سوف تتبع النموذج التركي المنفتح في الحكم، وتجديد الحركة الاسلامية في ظل النظام الديمقراطي.
وهذه التطمينات تعبر عن أزمة حركات الاسلام السياسي التي تجاوز العصر أفكارها، وتحاول التكيّف مع المتغيرات المتسارعة حولها. وهي بطبيعة فكرها ومنهجها الذي يقوم علي ايديولوجية دينية استعلائية، لايمكن أن تكون ديمقراطية، لأن فاقد الشئ لايعطيه، ولكنها شأن كل الحركات في التاريخ التي قامت علي ايديولوجيات دينية اوعنصرية اوفاشية قوضت النظم الديمقراطية البرلمانية التي وصلت عن طريقها للسلطة، كما فعل هتلر، واسهمت في تدمير ما انجزته الحضارة البشرية من استنارة وعقلانية وتسامح واحترام الراي الآخر، وتسببت في حروب مدمرة كان حصادها الملايين من البشر.
وحسب تجاربنا مع حركة الاسلام السياسي أنها غير جادة في الممارسة الحقيقية للنقد الذاتي والديمقراطية والانفتاح واحترام الرأي الآخر وأنها تراوغ بتلك الاجتهادات، وبهدف تطمين الرأي العام المستنير في تونس وأمريكا وحلفائها والتعاون معها دفاعا عن مصالحها ومصالح الفئات الرأسمالية الطفيلية الحاكمة ومحاربة قوي الشيوعية واليسار والتقدم والاستنارة. وقد لعبت حركات الاسلام السياسي دورا كبيرا في فترة الحرب الباردة في التحالف مع الغرب الرأسمالي وأنظمة الحكم الظلامية في المنطقة لاجهاض حركات التقدم والاستنارة في المنطقة ، وفي الاطاحة بالتجارب الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق اوربا. وقلب أنظمة الحكم الديمقراطية واستبدالها بأنظمة قهرية وشمولية كما حدث في السودان، وبعد انقلابها في السودان واصلت التعاون مع امريكا حتي تم تمزيق البلاد بفصل جنوب السودان وتزوير الانتخابات، واغراق البلاد في حروب أهلية تهدد بتمزيق ماتبقي من الوطن. وبالتالي قدمت نموذجا سيئا لحكم الاسلام السياسي كما حدث في تجارب طالبان وايران، وحماس ..الخ، حيث تمت مصادرة الحريات والحقوق الأساسية باسم الدين والاسلام، وفرض أنظمة ظلامية أعادت البلاد الي محاكم التفتيش في العصور الوسطي.
صحيح أن حركة النهضة لن تستطيع الحكم بمفردها ، حيث لم تحقق أغلبية الأصوات. وأسهمت عوامل كثيرة في تحقيق تلك النتيجة منها تشتت أصوات القوي الديمقراطية والعلمانية واليسارية بكثرة المرشحين، والقمع المتواصل ضد حركة النهضة طيلة فترة النظام الشمولي الديكتاتوري، اضافة لاجتهادات زعيمها الغنوشي حول ضرورة الانفتاح وممارسة النقد الذاتي لتجربة الحركة الاسلامية السابقة وضرورة اعتماد التعددية والديمقراطية في نظام الحكم، وقد تابعنا اجتهادات الغنوشي منذ اوائل تسعينيات القرن الماضي في هذا الشأن..
وحسب تحليل حزب العمال الشيوعي التونسي، في بيانه الذي اصدره، لنتيجة الانتخابات يتضح أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 48,9% من الناخبين ( عدد الذين صوتوا 3,867,197 من 7,569,824) ، أي أن الأغلبية لم تشارك، وأن المال والفساد وشراء الأصوات لعب دورا كبيرا وقذرا، اضافة الي أن الاعلام ظل في ايدي أعوان النظام السابق، واستغلال الدين ومنابر المساجد في الحملة الانتخابية واتهام المنافسين للنهضة بالكفر اضافة الي السب والشتائم والتضليل باسم الدين، والتزوير بتصويت أعداد كبيرة من ناخبين غير مسجلين، وعدم اعلان النتائج في وقتها مما قلل من شفافيتها ونزاهتها. وهي أساليب تقدح في تطمينات حزب النهضة، وتهدد مستقبل الديمقراطية في تونس. مما يتطلب خلق اوسع جبهة من القوي الديمقراطية واليسارية والعلمانية للدفاع عن الديمقراطية ، والعمل علي انجاز دستور ديمقراطي يكفل الحقوق والحريات الأساسية وحرية الفكر والمعتقد ، ويكرس دولة المواطنة: الدولة المدنية الديمقراطية التي تسع الجميع غض النظر عن الدين أو الثقافة أو اللغة.
ويصبح المحك الحقيقي هو ضمان استمرار الديمقراطية التي شكل انتصار ثورة الشعب التونسي خطوة مهمة نحوها. واستنادا علي تجربة الثورة التونسية، فان الحركة الجماهيرية راكمت تجربة كبيرة تؤهلها لهزيمة حركة الاسلام السياسي التي تشكل خطورة ماثلة علي الديمقراطية، لأن التجربة أكدت أن الفئات والأحزاب التي تعبر عن مصالح الفئات الرأسمالية الطفيلية التابعة وفي مقدمتها حركة الاسلام السياسي سرعان ما تضيق بالديمقراطية وحرية التعبير والنشر والعمل النقابي، والتجمع السلمي..الخ، وتفرض انظمة ديكتاتورية مدنية أو عسكرية دفاعا عن تلك المصالح ومصالح الدول الامبريالية في المنطقة.
وأن قضية الحقوق والحريات لايمكن اختزالها في عدم منع الحجاب والبكيني واستنساخ النموذج التركي ، ولكن يجب استكمال الحقوق والحريات الديمقراطية، ومنجزات الدولة العلمانية الديمقراطية التي انتزعتها الشعوب في نضالها ضد انظمة القهر والطغيان، بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، والتي تتمثل في توفير الاحتياجات الأساسية للشعوب مثل الحق في التنمية المتوازنة، وفي التعليم والصحة والخدمات الأساسية( كهرباء، مياه شرب نقية...الخ)، وتحقيق العدالة الاجتماعية بأفقها الاشتراكي والمساواة الفعلية بين المرأة والرجل، وضمان حق الأقليات القومية في ممارسة حقوقها الثقافية واللغوية والدينية، وعدم مصادرتها باسم الدين.
لقد أنجزت ثورات تونس ومصر وليبيا الخطوة الأولي من مهامها وهي الاطاحة بالنظم الشمولية الفاسدة. وامام شعوب المنطقة، التي اصبحت مرجلا يغلي وبركانا يثور، مشوار طويل من أجل استكمال ذلك الانتصار بقيام أنظمة حكم ديمقراطية راسخة توفر العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية. وهذا يتطلب اوسع جبهة ضد حركات الاسلام السياسي التي اكدت التجربة أنها تشكل خطرا حقيقيا علي الديمقراطية، ومطيّة لتحقيق اهداف امريكا وحلفائها الاقليميين والداخليين للسيطرة علي موارد المنطقة، واعادة الانظمة الظلامية الديكتاتورية والفاسدة للحكم مرة اخري باسم الدين.


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 802

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#235074 [ADIL NUGUD]
0.00/5 (0 صوت)

11-02-2011 02:31 PM
فوز الاسلاميين مقصود منه ان تحكم عليهم الشعوب بعد الوصول للسلطة ومفارقة مرحلة التنظير ومجابهة الواقع الذي سيفشلون في مواجهته حتى لاتساق الشعوب بواسطة الدعاية الدينية اي ان الاسلام هو الحل لا يكفي وحده لادارة وطن
والشعوب العربية دائما تاتي متاخرة ومن بعد ذلك تدخل تلك الدول في المنظومة العالمية التي يرتب لها العالم الغربي الان ليبقى الايمان بالديمقراطية وحقوق الانسان اعلا من القيم التي تدور في اذهان الكثيريين وتتمدد ديانة جديه قاعدتها هذا الفهم


#234924 [صبري فخري]
0.00/5 (0 صوت)

11-02-2011 11:49 AM
( وهي بطبيعة فكرها ومنهجها الذي يقوم علي ايديولوجية دينية استعلائية، لايمكن أن تكون ديمقراطية، لأن فاقد الشئ لايعطيه،)
تشخيص سليم 100%
الحركات الاسلامية تحتاج لاعادة تربية .. في دراسة لحسان حتحوت صديق لحسن البنا في كتابة النقد الذاتي الصادر في يناير 1989 كتب فيه ( انه اذا قدر للحركات السلامية ان تحكم فانها ستكون دكتاتورية اسلامية وسيان عندي الدكتاتورية الاسلامية والدكتاورية العلمانية ) وخلص الى ذلك بعد دراسة اشتملت على استبيان عن قناعات افراد التنظيم بتنفيذ الاوامر التي توكل عليهم .. كان رد اغلبيتهم ان لا مساحة للحوار مع قياداتهم وعليهم التنفيذ وان خالف ذلك قناعاتهم ..
اما اردوغان ليس له خيار ولا يتحرك بقناعات اسلامية رااسخة فهو تحت مراقبة العسكر والحكم عليه لا يكون الا بعد انفراده بالسلطة .. الناس ديل دايرين تربية من جديد


تاج السر عثمان
تاج السر عثمان

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة