المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
السودان ... المرضعة والحاضنة الاصطناعية
السودان ... المرضعة والحاضنة الاصطناعية
08-05-2010 11:16 AM

السودان ... المرضعة والحاضنة الاصطناعية

تيسير حسن إدريس
[email protected]

للأديب والزعيم السنغالي ليوبولد سنغور مقولة يغيب عن ذاكرتي حرفيا نصها ولكن مضمونها يقول: (كان بمقدور السودان والسودانيين أن يكونوا خير الأفارقة ولكنهم اختاروا أن يكونوا أسوء العرب). لاشك أن هذا الحكيم الإفريقي الفذ كان يقرأ الواقع بعمق ويهتك ستر المستقبل ويتنبأ بتعقيدات واقع السودان اليوم بعبقرية مثيرة للإعجاب والاحترام خاصة والرجل صاحب تجربة ثرة في التعامل مع النفس البشرية المستعلية بعرقها ولونها وذلك من خلال قضاءه لفترة طويلة من العمر في ربوع فرنسا البلد المستعمر لوطنه والتي هتف مرددا حين عودته النهائية منها لحضن الوطن الدافئ (الأمان .. الأمان يا آبائي الأمان إلي يا خادمي بماء نقي لأغسل رجليه من وحل الحضارة). كذلك لا يغيب عن ذاكرتي موقف الرئيس الإرتري أسياس افورقي والذي قدمت له الدعوة لحضور أول اجتماع قمة لجامعة الدول العربية بعد استقلال بلاده عن إثيوبيا في محاولة من بعض القادة العرب لإحراجه بالمن عليه بما قدموه من دعم للثورة الإريترية إبان حرب التحرير ودفعه لتقديم طلب انضمام لجامعة العربية ولكن الرجل اثبت بأنه سياسي فطن وثائر ذو نظرة ثاقبة حينما رفض ابتزازهم وعرضهم بل وقدم لهم محاضرة رصينة تفند أسباب رفضه الذي سببه بضعف المنظمة وقلة حيلتها مما يجعل أمر الالتحاق بها غير مغري خاصة وهو يعلم أن شعبه ورغم الدماء العربية التي مازجته ظل متمسكا بهويته وانتمائه الإفريقي ومن شأن هذا الانضمام أن يخلق له مشكلات وتعقيدات داخلية هو في غنى عنها خصوصا وأن قسما مقدرا من الشعب الاريتري يدين بالمسيحية.

كنت ولا زلت من الذين يؤمنون بأن ارتباط السودان الحديث (ما بعد الاستقلال) ونمو دولته في ظل الحاضنة الاصطناعية العربية واعتماد الوجدان الوطني في غذاءه على الرضاعة من الثدي العربي فكريا وثقافيا كان أحد أهم الأسباب التي أدت لتعميق هوة الخلاف ونسف جسور الثقة التي تربط بين مكونات المجتمع السوداني الهجين مما أدى لتأخر اندماجه في بوتقة وطنية تذيب وتزيل تشوهات الفوارق العرقية وتنتج هوية سودانية أصيلة راضية مرضية تلتف حولها جميع المكونات الأثينية.

فالمتأمل اليوم لموقف أغلبية الاخوة الجنوبيين الرافض للوحدة والداعم للانفصال وإصرارهم على إعلان الطلاق البائن عن الشمال يجد لهم العذر . فالارتماء غير المبرر في تلك الحاضنة الاصطناعية وتغذية الوجدان السوداني الشمالي من حليب الاستعلاء العربي الأجوف وإرضاعه لقيم ومبادئ لا تنسجم والتركيبة النفسية والسيكولوجية للمجتمعات الهجين أضر كثيرا بعملية تجسير الهوة بين المكون ذو الأصل العربي والمكونات الزنجية مما دفع الأخوة الجنوبيين وجعلهم يهربون إلي الأمام بموروثهم العقدي و ألقيمي خوفا على هويتهم من أن يصيبها ما أصاب إنسان الشمال من طمس للهوية وتشوهات نفسية عانى منها رغم عدم اعترافه الصريح بتلك المعاناة التي لازمته وأزمته وتعمقت في دواخله متخذة أشكالا عدة تتجلى في تصرفاته وممارساته الحياتية عموما والاجتماعية منها على وجه الخصوص!! وابسط تجليات هذه الأزمة نستشعرها ونصتطدم بها في تعاملنا مع إنسان المحيط العربي الذي يشكك علنا أو ضمنا في مسألة انتمائنا له رغم تمسكنا المستميت بهذا الانتماء الذي تغذينا من ثديه الأعجف وأصبح أمر الفطام عنه مستعصيا عند البعض مما حول حالة الفصام النفسي إلي متلازمة مرضية واضحة الأعراض دفعت عدد مقدرا منا للإصابة بلوثة البحث عن النقاء العرقي فمارسوا من أجل ذلك صنوف من الكذب على النفس حتى صار نادرة من النوادر يتناقلها أعراب الدول الأخرى في استهزاء مر وهم يرون تهافت تلك الجماعات لربط مصيرها بهم بل وإصرارها على إلحاق نسبها بآل البيت والصحابة الكرام ، هذا الفعل شائع بين كثير من أهل الشمال الذين لا يتورعون في الادعاء بأن جدهم العباس عم النبي (ص) أو جعفر الطيار وغيرهم من رغم همز ولمز العربان واستخفافهم بذلك.

وأنا والله لا أرى أي مبرر لهذا السلوك الغريب خصوصا ونحن أمة عزيزة بإرثها الإنساني الضارب في عمق التاريخ منذ أكثر من سبعة ألاف عام ونعتبر من الذين أسهموا في بناء الحضارة الإنسانية و تشهد على ذلك آثار ممالك السودان القديمة في مروي والمغرة وعلوة التي علمت البشرية طرق صهر النحاس واستعمال أواني الفخار وشق نظم الصرف الصحي الذي ثبت أن الملكة (الكنداكة أماني) هي أول من أرسى قواعده في فترة حكمها المجيد. فلماذا هذا التذلل والاستجداء للارتباط بمنظومة دول فارقت المحجة البيضاء يوم عادت لتحتكم لقيم ومفاهيم بالية أكل عليها الدهر وشرب لا تسمن ولا تغني من جوع وهي نفسها مأزومة وتمارس الهرولة خانعة خلف العالم المتحضر الذي سبقها بمراحل قصية عله يمد لها يد العون وينتشلها من وهدتها وواقع تخلفها المزمن.

إن في عقلنا الجمعي خلط عجيب بين ما هو عربي وما هو إسلامي يجعل الفرد منا ينتابه أحساس قوي ببعده عن الإسلام كعقيدة كلما ما بعد أصله عن العرب الشيء الذي يجعلنا دائما ما نعيش مرارة المحاولة البائسة الباحثة عن الالتصاق بدول تلك المنطقة المسماة عربية رغم نفورهم عنا وعدم اعترافهم بعروبتنا (المشحوتة) وليس هناك من داع لإقامة الدليل عما أقول فكل من عاش أو زار أحدى تلك الدول يعلم ذلك علم اليقين ويشعر به مهما حاول دس الرأس ودفنه في الرمال.

وقصة هذا الربط اللا منطقي بين الإسلام والعروبة تذكرني بحادثة في منتهى الغرابة و الطرافة حدثت لي حين انتقلت إلي العمل بدولة إثيوبيا في أوائل تسعينيات القرن الماضي ، لقد صادف يوم وصولي وقفة عيد الفطر المبارك وعندما خرجت في الغد للذهاب لصلاة العيد أصبت بدهشة تركتني مذهولا ارجع النظر كرتين في شوارع أديس أبابا الجميلة متسائلا مع نفسي أن كنت حقا ما أزال في إثيوبيا أم أنني قد انتقلت أثناء نومي (بقدرة قادر) لأحدى دول الخليج العربي ومدعاة هذا السؤال وتلك الدهشة أنني رأيت من أمر القوم عجبا ، جميع الإخوة الإثيوبيين المسلمين وجلهم من قبيلة (الارومو) أكبر القبائل الأفريقية على الإطلاق رايتهم يعتمرون الشماخ والقطرة الخليجية وهم في طريقهم لأداء صلاة العيد التي كانت تقام آنذاك في إستاد أديس أبابا لعدم وجود مسجد جامع يسع جميع المصلين لكثرتهم (نسبة مسلمي إثيوبيا 60% من إجمالي الشعب) فلقد رسخ في وجدانهم أن الزى الخليجي هو الزى الإسلامي الذي يجب الالتزام به في مثل تلك المناسبات الإسلامية الجليلة ووقر في قلوب القوم أن اعتمارهم للشماخ و القطرة يقربهم من الله زلفا !! وهذا لا يختلف كثيرا عن خلطنا نحن (السودانيون) بين ما هو عربي وما هو إسلامي.

إن أفدح خطأ وقع فيه رواد استقلال السودان من الزعماء والساسة هو الهرولة غير المبررة لوضع الدولة الوليدة في الحاضنة الاصطناعية العربية وربط حبل وجداننا السري بها لنتنفس هواءها ونتغذى على حليبها الخالي من الدسم الوطني رغم استنكار كثير من الدول المؤسسة للجامعة العربية لذلك وعدم رضاها والثابت إن دول عربية عديدة من بينها العراق ولبنان واليمن قد كانت رافضة لفكرة انضمام السودان للجامعة العربية باعتباره بلدا إفريقيا صرفا لا وجود لنقاء الدم العربي فيه ورغم خطل هذا الادعاء الاستعلائي الأخرق لكنني أقول ليتهم أصروا عليه وليت زعماء الأمة السودانية حينذاك أخذتهم العزة بالنفس وكانت ردة فعلهم إنسانية طبيعية فانصرفوا عن الأمر برمته لدواعي الغيرة الوطنية عملا بالقول السوداني الشائع (والبيابانا ناباه ويحرم علينا إتباعه). لكانوا رحمهم الله قد وفروا علينا كم هائلا من الأحزان والمآسي التي عايشناها وما زلنا نعيشها نتيجة لقرارهم الذي سنظل نحصد ثماره علقما وشوكا لعهود طويلة ، وما الاستفتاء القادم على وحدة ومصير الوطن بعد شهور قليلة إلا أحد تجليات حصاد الهشيم والشاهد الأعظم عليه.

إن أول خطوات العلاج لخروجنا من هذه الأزمة والغربة النفسية وتعافينا وشفائنا منها يتمثل في استعادة الثقة بالنفس و بالإرث الضخم والعظيم الذي خلفه لنا السلف مع الإيمان المطلق والعميق بأننا أبناء ملوك هذا النيل وحراسه ومن ثم التوقف نهائيا عن ترديد المقولات والادعاءات عن شجرة النسب الطاهر والتي إن صحت لن تقدم أو تأخر في الأمر شيئا لأنها بعيدة كل البعد عن جوهر وصلب العقيدة الإسلامية الحقة حيث (الناس سواسية كأسنان المشط ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى) و (قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) سورة النساء. فالناس كلهم من نفس واحدة.
هذا كلام الله وسنته في الكون ولو كان الأصل وصلة القربى من النبي (ص) وآل بيته تشفع لشفعة لعمه أبو لهب دع عنك أعراب هذا الزمان الذين خالطوا الأجناس والملل من ترك وشركس وأرمن واوزبيك وهنود وأفغان وكرد ودرز وغيرهم من كل ناحية وصوب.

تيسير حسن إدريس – 5/08/2010م


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1017

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#13172 [SUDANESE]
0.00/5 (0 صوت)

08-05-2010 12:23 PM
بارك الله فيك
لقد وضعت اصبعك على الجرح ، وهذا هو بالضبط ما نعاني منه في السودان ...
هو الجهل بالذات وركضنا خلف اعراب اجلاف يتمتعون بخواء معرفي وثقافي كبير ، منغمسون حتى اخمص اقدامهم في التفاهة والتفاهات ...
علينا كسودانيين ان نعلم من نحن ؟؟ وان نضع ذواتنا في مكانها اللائق والصحيح حتى نصل الى التقدم والرفعة والاذدهار .


تيسير حسن إدريس
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة