إِعْلامٌ .. أَمْ برُوبَاغَانْدَا
08-05-2010 03:55 PM

إِعْلامٌ .. أَمْ برُوبَاغَانْدَا -1

كمال الجزولي
[email protected]


(1)
رغم انتمائه المعروف لقسم من الحركة الإسلاميَّة السودانيَّة، لم يُعرف عن د. الطيِّب زين العابدين، الكاتب وأستاذ العلوم السِّياسيَّة بجامعة الخرطوم، سواء اتفقت أو اختلفت معه، أنه يصدر، في ما يكتب، عن دوافع شخصيَّة، أو غير موضوعيَّة، أو تشوبها شائبة ميل أو هوى، في ما يتصل برصده للأحداث التاريخيَّة، أو شهادته عليها. ولعلَّ هذا هو ما أكسبه احترام الكثير من المثقفين والناشطين السياسيين والمدنيين في بلادنا. لذا فقد دهشت، أيَّما دهشة، عندما نسبت إليه بعض الصُّحف قولاً عجباً مفاده أن انقلاب الجَّبهة الإسلاميَّة في الثلاثين من يونيو عام 1989م وقع استباقاً لمحاولات انقلابيَّة أخرى، من بينها محاولة للشِّيوعيين أوشكت أن تبلغ ساعة الصِّفر، \"فإذا لم تتغدَّ بهم الجَّبهة، ربَّما كانوا تعشُّوا بها\" (التيَّار، 20/7/10).
محاولة التبرير لانقلاب الجبهة، بمثل هذا الكلام الخائب الذي لا يشبه الطيِّب، لا تحتاج إلى فانوس ديوجينس لإضاءتها! لكن، ولأن (التيَّار) تعلم جيِّداً صعوبة إقناع أيٍّ مِمَّن عايشوا وقائع الفترة ما بين 1985 ـ 1989م بأن الشيوعيين كانوا يخططون لانقلاب، فإنها لا بُدَّ قد قصدت التوجُّه بحكايتها البائرة هذه إلى الأجيال الجديدة، ومعظمهم لم يكونوا قد وُلدوا وقتها، فلربَّما استطاعت أن تصطنع للجبهة، بالفعل، حقَّ الحديث عن (اضطرارها) لاستباق خصومها التقليديين بانقلابها هي، في ما لو استطاعت أن تثبت، أو أن تزرع، على الأقل، بذرة الشَّكِّ في الأذهان، حول أن أولئك الخصوم كانوا يخططون، أيضاً، لانقلاب!
مهما يكن من شئ، وبما أن هذه هي المرَّة الأولى التي يتهم فيها أحدهم الشِّيوعيين بالتخطيط للانقلاب خلال تلك الفترة، دَعْ أن يكون هذا (الأحدهم) هو د. الطيِّب بالذات، فقد اتصلت به أستفسره حول الأمر، فوجدته، كما توقعت، خالي الذهن، تماماً، عمَّا نشر على لسانه، لكنه أفادني بأنه أدلى إلى صحفيَّة من (التيَّار) بحديث فحواه أن أصحاب فكرة انقلاب الجبهة طرحوا على هيئة شوراها، وكان الطيِّب عضواً فيها، عدداً من المبرِّرات، بغرض حملهم على قبول المشروع، ومن بين تلك المبرِّرات أن الشيوعيين كانوا، وقتها، يسابقون للاستيلاء على السُّلطة بالانقلاب، ويُخشى أن يسبقوا (من محادثة هاتفيَّة معه صباح 25/7/10). وهكذا، شتان ما بين ادِّعاء (علم) الطيِّب (المباشر)، حسب زعم (التيَّار)، وبين حقيقة (علمه السَّماعي)، حسب ما أوضح بنفسه، خصوصاً إذا وضعنا في الاعتبار غيوم الشَّكِّ التي تحتوش مصدر ذلك (العلم السَّماعي)، وهم أهل مشروع انقلاب الجَّبهة أنفسهم، الذين كانت غاية مرادهم تسويغ الفكرة وتسويقها لهيئة الشُّورى، فلا يهمُّهم إن جرى ذلك بالحق، أم بالباطل!
(الإعلام) غير (البروباغاندا). فعلى حين يُفترض أن يهدف الأوَّل إلى تمليك الناس (الحقائق) كي يؤسِّسوا عليها آراءهم، ويصوغوا مواقفهم، تسعى الثانية إلى بثِّ (الدِّعاية) في أوساطهم، حتى لو كانت (زائفة)، كي يتمكن مَن يقف وراءها مِن السَّيطرة على هذه الآراء والمواقف، ومن ثمَّ توجيهها حسب مشيئته! وفي هذا الإطار لا نخال (التيَّار) قد اختارت، بمحض المصادفة، أن تنشر (بروباغانداها) هذه بتاريخ 20 يوليو، وهو اليوم الثاني من الأيَّام الثلاثة للحركة التصحيحيَّة التي قادها البطل الشهيد هاشم العطا عام 1971م. كما وأن ثمَّة مغزى خاص، أيضاً، ولا بُد، لتلازم نشر هذه المادَّة مع نشر عمود الأستاذ عثمان ميرغني الذي خصَّصه لذكرى تلك الأيَّام الثلاثة، واصفاً إياها، أجمعها، بـ (الدَّمويَّة)، في حين يعلم حتى راعي الضأن في الخلاء أن الدَّم لم يُرق إلا في اليوم الثالث منها، وهو دم شهداء (بيت الضِّيافة) الذين لم تتكشَّف، بعدُ، طلاسم الملابسات التي اغتيلوا من خلالها، ولو كان النميري رغِبَ، لتكشَّفت، لولا أنه فضَّل أن يدَعْها على حال طلسميَّتها الغامضة، بعد أن تأكد له، من مختلف التقارير، كتقرير لجنة القاضي علوب، مثلاً، أن من شأن (الحقائق) أن تفضح زيف (البروباغاندا) التي ولغ نظامه في ترويجها، تحقيقاً لغاية واحدة، فحسب، وبأيِّ ثمن .. إدانة الشِّيوعيين!
(التيَّار)، إذن، ليست بريئة في (بثها) لـ (بروباغاندا) عكوف الشِّيوعيين على تدبير انقلاب على الديموقراطيَّة أواسط 1989م، كمبرِّر ضِمني لانقلاب الجَّبهة في الثلاثين من يونيو من ذلك العام! وليست بريئة وهي تنسب هذه المعلومة (المفبركة) إلى مصدر محترم، هو د. الطيِّب زين العابدين، بعد (تحوير) إفادته من (سماعيَّة) إلى (مباشرة) عن طريق (دغمسة) الصِّياغة! وليست بريئة وهي تنشر (دعايتها) المكثفة هذه وسط أجواء من الإشارات المستندة إلى ذاكرة قبْليَّة زائفة، اشتغلت أجهزة (البروباغاندا) المايويَّة، ثم المايويَّة/الإسلامويَّة، على شحذها وشحنها، ردحاً طويلاً من الزَّمن، في قوالب ترميزيَّة جاهزة، من سنخ واقعة (بيت الضيافة)، كي توحي، سلباً، وخصوصاً للأجيال الجديدة، بأن (دمويَّة) الشيوعيين أمر مفروغ منه! فالأستاذ عثمان يتحدَّث، مثلاً، عن فجيعة الشَّعب الذي يقول إنه رأى، بأمِّ عينيه، اغتيال الضباط العُزَّل في وضح النَّهار يوم الثاني والعشرين من يوليو 1971م، لكنه تغافل، بالمقابل، عن فجيعة الشَّعب الذي رأى، أيضاً، بأمِّ عينيه، يوم الثاني من يوليو 1976م، اغتيال الضباط العُزَّل، كالشهيد الشَّلالي، والمدنيين الأبرياء، كوليم أندريه، وقصف الجنود، وهم نيام، في عنابرهم بالدَّانات. العنف الدَّموي متطابق في كلٍّ من يوليو 1971 ويوليو 1976م، وقد وقع من خلال ظروف وملابسات متشابهة، لكن الأستاذ عثمان يركز على إبراز أحد حدثي ذلك العنف، ويتعمَّد التغافل عن الآخر! وما ذلك إلا لسبب بسيط، هو أن ذراعي حزبه (الحركة الإسلاميَّة) كانتا مغموستين، حتى الإبطين، في الحدث الآخر! وتلك بعض أساليب (البروباغاندا) المخاتلة، والتي لا يمكن مجابهتها بغير الإصرار والدأب على إبراز الحقائق المجرَّدة، على غرار ما ننوي فعله هنا بشأن الموقف الحقيقي للحزب من قضيَّة (الديموقراطيَّة)، لأجل إضاءة موقفه الحقيقي من قضيَّة (الشموليَّة) التي يمثل (الانقلاب) أحد تمظهراتها التقليديَّة.

(2)
تصوُّر هذا الأمر كما لو كان في بساطة (الكلمة وغطائها) لعملٌ أخرقٌ بحق! فمقاربة الطابع التركيبي المعقد، في فكر الحزب الشِّيوعي السوداني، لمسار الصِّراع بين مفهومي (الديموقراطيَّة) و(الشُّموليَّة)، إنما تقتضي الفحص الدقيق لخطابه، ومنظومة مفاهيمه، وشبكة مصطلحاته ومفرداته، عبر مختلف مراحل بروزها وتطورها في نسيج علاقاته الفكريَّة والسِّياسيَّة، المتقاطعة والمتساوقة، جدليَّاً، وعلى كلِّ المستويات الدَّاخلية والخارجيَّة، أي عبر تطوُّر خبرته التاريخيَّة نفسها، سواء في التنظير أو العمل. وهو مطلب صعب، بلا شك، وقد لا تستنفده المساحة المتاحة هنا. ولكننا سنحاول إضاءة أهمِّ جوانبه بقدر الإمكان، محيلين من يرغب في استزادة إلى كتابنا (الشِّيوعيُّون السودانيُّون والدِّيموقراطيَّة، دار عزَّة للنشر، الخرطوم 2003م).
موضوعة (الديموقراطيَّة)، في جذرها القائم في (الحُرِّيَّات والحقوق)، ظلت تمثل، دائماً، أحد أهم المطلوبات الاستراتيجية المطروحة في أفق المشروع الاشتراكي للحزب، منذ تأسيس حلقاته الأولى في منتصف أربعينات القرن المنصرم. على أنه يلزمنا، أيضاً، الإقرار بأن هذه الموضوعة ليس نادراً ما كانت تلتبس، بدرجات متفاوتة، خلال الفترة حتى أواخر سبعينات القرن المنصرم، بمفاهيم ومصطلحات (الديموقراطيَّة الاشتراكيَّة، الشَّعبية، الثوريَّة، الجديدة) .. الخ، وذلك تحت الأثر الضاغط للنموذج الاشتراكي الذي كان ماثلاً، بل سائداً، آنذاك، وبالأخص التجربتين السُّوفيتيَّة والصِّينيَّة، على حركة اليسار خصوصاً، وحركة التحرُّر الوطني العالميَّة عموماً؛ وهي المفاهيم والمصطلحات التي تصعَّدت من أنماط الهيكلة الستالينيَّة للحزب والدَّولة والمجتمع، تحت عنوان (المركزيَّة الدِّيموقراطيَّة)، في الاتحاد السُّوفيتي، أوَّلاً، ثمَّ في أنظمة (الدِّيموقراطيَّات الشَّعبيَّة) في بلدان شرق أوربا، وأنحاء متفرقة من العالم، في عقابيل الحرب الثانية، مستهدية بأدبيَّات القدح المقذع الذي لطالما أفردته الماركسيَّة اللينينيَّة، خصوصاً في نسختها الروسيَّة، لـ (الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة).
مع ذلك فإن من فساد النظر عدم ملاحظة أن مؤشر الأصالة الفكريَّة لدى الحزب ظلَّ يسجِّل، منذ ذلك الوقت الباكر، وتائر عالية من النزوع إلى (الديموقراطيَّة الليبراليَّة) بمضمونها القائم في توفير أوسع الحقوق والحُرِّيَّات الجماهيريَّة، قانوناً وممارسة، إلى درجة تصويب النقد الجَّرئ، صراحة، للتجربة السُّوفيتيَّة في هذه الناحية، قبل انهيارها المدوِّي بنحو من نيف وأربعين سنة. وإنه لمن الصعب فضُّ هذا التناقض المظهري، في فكر الحزب ، بين قوة أثر (الدِّيموقراطيَّة الشَّعبيَّة)، وبين أصالة النزوع إلى (الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة)، بدون وضع اليد على مسألتين في غاية الأهمية: تتمثل أولاهما في مركزي (الجَّذب) و(الطرد) الأساسيَّين، الكامنين في كلٍّ من مفهوم (الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة) التي تستصحب موضوعة الحُرِّيَّات والحقوق السِّياسيَّة، وتهدر موضوعة العدالة الاقتصاديَّة، من ناحية، ومفهوم (الدِّيموقراطيَّة الشَّعبيَّة) التي تفعل العكس تماماً من ناحية أخرى. أما ثانيتهما فتتمثل فى الشَّكوى المستمرَّة من ضعف الأساس الاجتماعي الذي تستند إليه الديموقراطيَّة النيابيَّة في الممارسة السودانيَّة، \".. حيث الوزن الكبير للقطاع التقليدي في الحياة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، ومن ثمَّ وجود قوى اجتماعيَّة داخل الديموقراطيَّة البرلمانيَّة ذات مصلحة مضادَّة لتوسيع قاعدة الديموقراطيَّة، وتجديد الحياة في القطاع التقليدي\" (الماركسية وقضايا الثورة السودانية \"تقرير المؤتمر الرابع للحزب الشيوعى السودانى 1967م\" ، دار الوسيلة ـ بدون تاريخ ، ص 134 ـ ومحمد أ. نقد؛ ورقة مبادئ موجِّهة لتجديد البرنامج، ديسمبر 1997م، صحيفة \"الرأى العام\"، 9/12/2000م).
ولا غرو، فالطبقات والنخب المتميِّزة تعيد إنتاج شكوكها وعداواتها التاريخيَّة بإزاء الحقوق الدِّيموقراطيَّة للجَّماهير، والتي ما تنفكُّ تقترن لديها بتهديد امتيازاتها، أو بتغيير الأساس الاقتصادي السِّياسي للمجتمع الذي يوفر لها تلك الامتيازات. ولعلَّ هذا وحده يكفى للكشف عن فداحة الضلالات الأيديولوجيَّة الكامنة في تصوُّر هذه الحقوق والحُرِّيَّات كمنح سُلطانيَّة توهب للجَّماهير من جانب الطبقات والنخب الحاكمة، أياً كانت!

(3)
بدا التنازع واضحاً، في فكر الحزب، منذ مطالع الاستقلال، بين هذين المفهومين المتعارضين، في ما بينهما، من جهة، وداخل كل منهما، من جهة أخرى، سواء من خلال المؤتمرين الثالث والرابع (فبراير 1956م وأكتوبر 1967م)، أو من خلال دورات انعقاد اللجنة المركزيَّة، وما يصدر عنها من وثائق ذات طابع برامجي (دورة مارس 1953م مثلاً). فعيون الحزب لم تكن كليلة، يوماً، عن النقد الماركسي التقليدي للدِّيموقراطيَّة البرجوازيَّة، حيث تمارس (الثروة) سلطتها تحت ستار الجُّمهوريَّة الدِّيموقراطيَّة، بصورة غير مباشرة، ولكن أكثر ضماناً، بحيث تتمظهر، فى السَّطح، كسلطة كلِّ الشَّعب، أو غالبيته، بينما هي، في حقيقتها، سلطة الأقليَّة البرجوازيَّة التي تمارس استبدادها المطلق على بقيَّة الطبقات (ف. إنجلز؛ أصل العائلة، الملكية الخاصة، والدولة، ص 127). مع ذلك بقيت عيون الحزب مفتوحة، أيضاً، على الاتجاه النظري العام في تقييم هذه الدِّيموقراطيَّة البرجوازيَّة من زاوية الماركسيَّة اللينينيَّة، كأداة لا تلغى الاضطهاد الطبقي، لكنها تساعد على كشفه؛ لا تخلص الكادحين من الاستغلال، لكنها تعينهم على منازلته. وقد كتب ماركس عن تأسيس الجُّمهوريَّة في فرنسا، عام 1848م، أنها تساعد على بسط سيادة الطبقة البرجوازيَّة، غير أنها تهيئ، في الوقت ذاته، مناخاً سياسيَّاً ملائماً يمكن المستغلين \"بالفتح\" من منازلة مستغليهم (ضمن: أ. إ. دينيسوف؛ نظريَّة الدَّولة والقانون \"محرر\"، ط 1، بالرُّوسيَّة، دار جامعة موسكو 1967م، ص 129).
لم يكن من الصَّعب ملاحظة أن النظريَّة الأساسية للحزب بدأت تسجل ميلها، باكراً، نحو التمحور حول قيام حكومة وطنيَّة ديموقراطيَّة تنجح في إنجاز مهامها، فتفتح الطريق لتحويل مجتمعنا بالتدريج نحو الاشتراكيَّة (برنامج المؤتمر الثالث \"سبيل السودان .. 1956م ـ ونقد؛ مبادئ موجهة ..). ومن ثمَّ أبدى الحزب حماساً خاصَّاً لجعل قيام هذه الحكومة ممكناً، بالنضال وفق الأشراط العامَّة للدِّيموقراطيَّة البرلمانيَّة، برغم كلاسيكيَّات الهجاء الماركسي لها، وبالذات في طبعته اللينينيَّة، القائمة على تعميم خبرة الثورة الروسيَّة، حيث \".. الأمر الرئيس قد سبق وتحقق فى جذب طليعة الطبقة العاملة، وكسبها إلى جانب السُّلطة السُّوفيتيَّة ضد البرلمانيَّة، وإلى جانب دكتاتوريَّة البروليتاريا ضدَّ الديموقراطيَّة البرجوازيَّة\" (ف. إ. لينين؛ مرض اليساريَّة الطفولي في الشِّيوعيَّة، المؤلفات الكاملة بالرُّوسيَّة، المجلد 41، ص 77)؛ وحيث \".. أن دكتاتوريَّة البروليتاريا هى وحدها القادرة على تحرير الإنسان من اضطهاد رأس المال، وكذب وزيف ونفاق الدِّيموقراطيَّة البرجوازيَّة .. المقتصرة على الأغنياء\" (ف. إ. لينين؛ حول الدِّيموقراطيَّة والدكتاتوريَّة، المؤلفات الكاملة بالرُّوسيَّة، المجلد 37، ص 390)؛ وحيث أن مِن \"الحماقة\" و\"السَّخف\"، بحسب لينين أيضاً، الاعتقاد بإمكانية \".. الانتقال للاشتراكيَّة عن طريق الدِّيموقراطيَّة بوجه عام\" (ف. إ. لينين؛ الاقتصاد والسِّياسة في عصر دكتاتوريَّة البروليتاريا، المؤلفات الكاملة بالروسيَّة ، المجلد 29، ص 281).
ولعلَّ مفارقة ذات مغزى عميق تتجلى هنا فى عودة تلك \"الحماقة\" وذلك \"السَّخف\"، بعد عقود قلائل من وفاة لينين، ليشكلا أحد أهمِّ عناصر التطوُّر التاريخي في الفكر الماركسي! فلقد دافع الشَّهيد عبد الخالق محجوب، في أواخر الخمسينات، دفاعاً مجيداً عن الديموقراطيَّة البرلمانيَّة في مواجهة انقلاب أرستقراطيَّة الجَّيش، بقيادة الفريق إبراهيم عبود، قائلاً: \"إننى أؤمن بكلِّ حقوق الشَّعب الدِّيموقراطيَّة، وأرى أن نظام حكم الفرد، في بلد كالسودان، متعدد القوميات، ولمَّا تتلاحم أجزاؤه بعد، يهدِّد وحدة البلاد بخطر ماحق، وخاصة في مشكلة الجنوب التى تتطلب الدِّيموقراطيَّة حلاً، لا القوَّة والتعسُّف والقرارات الإدارية الفرديَّة، تتطلب التراضي، والتطوُّر الحُرَّ للقوميَّات .. فى ظلِّ وطن واحد مشترك بين الكل، اشتراكاً على قدم المساواة\" (عبد الخالق محجوب؛ دفاع أمام المحاكم العسكريَّة، ط 1، دار عزة للنشر، الخرطوم 2001م، ص 67). ودحض الشَّهيد كلَّ الحُجج التي سيقت في ذمِّ الدِّيموقراطيَّة البرلمانيَّة، بالأخص تلك التي تقرنها بـ \"الفساد\"، حيث شدَّد على أن الدِّيموقراطيَّة \"هي الضمان لمكافحة الفساد، فما من قوَّة تستطيع مراقبة الفساد واجتثاثه غير رقابة الشَّعب، ولا رقابة للشَّعب إلا إذا تمتع بحرِّيَّاته كاملة، وأصبحت له سلطة تغيير الحاكمين\" (نفسه ، ص 68 ـ 70).

(4)
بصرف النظر عن صحَّة أو خطأ التعويل على خطة كهذه، فليس ثمَّة مسوِّغ عقلي واحد لاتهام (نوايا) الحزب فى شأنها بأنها محكومة بتكتيكات (العصا النائمة والعصا القائمة)، حسب البروباغاندا التسطيحيَّة البائسة لخصوم الحزب الأيديولوجيين والسِّياسيين الذين لا يرضون بأقلِّ من أن يعلن، على رءوس الأشهاد، أن قبوله بالطريق الدِّيموقراطي يعني التخلى، ضربة لازب، عن المشروع الاشتراكى! هذه البروباغاندا سرعان ما تتهاوى، مثل كاتدرائيَّة تتقوَّض، بمجرد تعريضها لحُجج التاريخ، وحيثيَّاته، وحقائقه الباردة؛ ونماذج ذلك عصيَّة على الحصر، خصوصاً خلال الفترة 1946م ـ 1964م. فقد وضح، تماماً، خلال تلك السَّنوات التأسيسيَّة من عمر الحزب، أن قبوله بممارسة العمل السِّياسي، وفق المبادئ العامَّة للدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة، يعنى، بالأساس، اعتزامه الانخراط فى النشاط السِّياسى كجزء لا يتجزأ من الحركة الديموقراطيَّة العامَّة في البلاد ، وذلك بالإقرار التام، قبل أيِّ شئ آخر، بقيم التعدُّديَّة، وباستخدام أسلحة الإقناع فى خوض المعركة السِّلميَّة على وعي الجماهير، وبالاحتكام إلى آليات الدِّيموقراطيَّة، وحدها، كالتعبئة، والاضراب، والتظاهر السِّلمي، والانتخابات العامَّة، وتداول السُّلطة، فضلاً عن إشاعة الدِّيموقراطيَّة داخل بنيته التنظيميَّة، من ناحية، وفي علاقته بسائر أقسام الحركة الجَّماهيريَّة من ناحية أخرى.
لقد شكل ذلك (الاعتزام) نقطة الانطلاق الباكرة فى النشاط السِّياسي للشيوعيين، بصرف النظر عما أصابوا أو لم يصيبوا فى هذا الشأن. وتأسس منطلقهم هذا، منذ البداية، على منطق القناعات الفكريَّة والسِّياسيَّة التى كانت قد تبلورت، أصلاً، قبل ذلك بوقت طويل، بين الحلقات الأولى لطلائعهم، حتى قبل التكوين الرَّسمى لحزبهم عام 1946م، حيث نظروا للدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة، لا كمحض قضيَّة شكليَّة، وإنما باعتبار كافٍ لمضمونها الحقيقى القائم فى قضيَّة الحُرِّيَّات العامَّة والحقوق الأساسيَّة، والتى تمثل، فى ظروف ضعف وضمور بنية الطبقة العاملة الصناعيَّة، فى بلد كالسودان، بتعدُّد تكويناته الإثنيَّة، والسِّياسيَّة، والاجتماعيَّة، والثقافيَّة، وعدم التناسق فى تطور قطاعاته الاقتصاديَّة، الشرط المركزى لتحقق هذه الديموقراطيَّة الليبراليَّة كمصدٍّ أساسي فى وجه مشروع العنف البرجوازي، المدعوم بآليات التدخل الاستعماري، وذلك بما توفره من مناخات النموِّ المتسارع للقوى الشَّعبيَّة الرافضة لهذا المشروع، وإمكانات مقاومتها السِّلميَّة الفعَّالة له، باعتبارها البيئة السِّياسيَّة الأصلح لحضانة وتطوير المشروع الاشتراكى، من خلال أوسع حراك لجماهير الكادحين فى المدن والأرياف (العمال ـ صغار المزارعين ـ العمال الزراعيين ـ البرجوازيَّة الصغيرة التقليديَّة المكوَّنة من صغار المنتجين والحرفيين وأصحاب المحلات الصغيرة ـ المثقفين الديموقراطيين) .. الخ.
ومن ثمَّ اتخذ الشِّيوعيون، فى ذلك الوقت الباكر، موقفاً نقديَّاً مستقيماً ونادراً من التجربة الاشتراكيَّة، آنذاك، في طبعتها السُّوفيتيَّة الستالينيَّة، معتبرين الموقف من (الحُرِّيَّات)، إلى جانب الموقف من (الدِّين)، بمثابة (كعب آخيل) الحقيقى في تلك التجربة، مما احتاج إلى قرابة نصف قرن لتأكيده! لقد أشار إلى ذلك، على سبيل المثال، حسن الطاهر زروق، عام 1944م، فى تصريحه لجريدة (السودان الجديد)، ردَّاً على سؤالها له، بمناسبة انتهاء الحرب الثانية، حول مدى التأثير المتوقع للتجربة السُّوفيتيَّة على تجربة الشيوعيين السودانيين، حيث استبعد، وقتها، أيَّ احتمال لتطابق التجربتين، قائلاً بوضوح: \".. قد نستفيد من التجربة، ونتفادى سلبياتها، مثل غياب ضمانات حُرِّيَّة وسلامة الفرد، وعدم تقدير دور الدِّين فى حياة الشعوب\" (جريدة السودان الجديد، 1/9/1944م ـ ضمن: محمد نورى الأمين؛ رسالة دكتوراه).

(5)
كان من الممكن أن يصبح التشكك في مؤسَّسيَّة هذا الموقف النقدي، واعتباره خاصَّاً فقط بحسن الطاهر وحده، أمراً معقولاً إلى حدٍّ بعيد، لولا أن الأداء العام للحزب والاتجاه الغالب فيه، عبر مختلف محطات تطوره، والصراعات الفكريَّة التى شهدها على مدى أكثر من خمسين عاماً من عمره، لتدلُّ، بكلِّ المعايير، على خلاف ذلك، أي على الاحتفاء الحزبي المؤسَّسي بالمنجزات التاريخيَّة للشُّعوب فى جبهة الحُرِّيَّات والحقوق الليبراليَّة السِّياسيَّة، كرصيد قابل للاستصحاب فى سياق المشروع الاشتراكي، علاوة على عدم الاقتناع الواضح بأن التجربة الاشتراكيَّة نجحت فى تقديم أىِّ نموذج ملهم للدِّيموقراطيَّة السِّياسيَّة. فبالإضافة إلى تعبيرات الشَّهيد عبد الخالق السَّاطعة، بهذا الاتجاه، ثمَّة نماذج قويَّة، بلا عدٍّ ولا حدٍّ، على ذلك، منها، على سبيل المثال، ما نصَّ عليه برنامج الحزب المجاز فى مؤتمره الرابع عام 1967م، من أن \".. الدِّيموقراطيَّة الاشتراكيَّة، مرتكزة على ما حققته الشعوب من حُرِّيَّة للفرد والجَّماعة فى التعبير وحُرِّيَّة الفكر، ستكمل هذا البناء، بتحرير الإنسان من سيطرة رأس المال، واقترابه من مراكز النفوذ\" (ص 8). وسوف يعود عبد الخالق، عام 1971م، ليؤكد على رسوخ هذا النظر الناقد، ضمناً، لنموذجي الديموقراطيَّة الاشتراكيَّة في الاتحاد السُّوفيتي، والشَّعبيَّة في الصين وبلدان شرق أوروبا، قائلاً، في آخر إسهاماته الفكريَّة قبل إعدامه بوقت قصير، مسترشداً بقانون (نفي النفي) الدياليكتيكي: إن \"تغيير المجتمع إلى مرحلة أعلى لا يعني نفياً كاملاً لما أحرزته الشعوب من حقوق قانونيَّة إبان الثورة الديموقراطيَّة البرجوازيَّة .. (بل يعنى) تحويلها من إعلان إلى ممارسة فعليَّة .. إنجاز مهام الثورة الوطنيَّة الديموقراطيَّة للانتقال للاشتراكيَّة لا يتمُّ إلا عبر الدِّيموقراطيَّة في الحقوق السِّياسيَّة للجَّماهير، (أى) الدِّيموقراطيَّة في النظام السِّياسي، (أي) تغيير المجتمع بالدِّيموقراطيَّة الشَّاملة\" (ع. الخالق، وثيقة حول البرنامج، 1971م).
وعلى سبيل الاستطراد الحميد، نضيف، هنا، أن الشَّهيد عبد الخالق كتب (وصيته) الفكريَّة التاريخيَّة هذه ورأسه، شخصيَّاً، تحت ظلِّ السَّيف، في معمعة الصِّراع ضد سلطة مايو التى لا يزال ثمة من يصر على أنها كانت سلطة الشيوعيين (!)
أما السكرتير العام الحالى للحزب، محمد ابراهيم نقد، فقد عاد، بدوره، ليقدم تلخيصاً بليغاً لمآلات التنازع بين (مركز جذب) الحقوق والحُرِّيَّات السِّياسيَّة في الديموقراطية الليبراليَّة من جهة، و(مركز جذب) المحتوى الاجتماعى للدِّيموقراطيَّة الاشتراكيَّة، الشعبية، الثوريَّة، الجديدة .. الخ ، من جهة أخرى، وذلك من بين وقائع المخض الشديد في فكر الحزب، ما بين أصالته واستقلاليَّته التى وفرت لديه دائماً عناصر التهيُّؤ للانحياز إلى الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة، وبين الأثر الضاغط لتجاوزات (اليمين) السِّياسى، وخرقه المتكرِّر لهذه الدِّيموقراطيَّة، إلى جانب الحضور القوي، في الواقع التاريخي المحدَّد، لنجاحات النموذج الاشتراكي (السُّوفيتي والصِّيني بالأساس)، وانعكاسات ذلك في المنطقتين العربيَّة والأفريقيَّة، مِمَّا رتب لظاهرة الالتباس والتناقض المظهري، في هذا الفكر، وعرَّضه، في بعض فترات تاريخه، للتورُّط فى مواقف التبرير لمصادرة الحقوق والحُرِّيَّات ضمن ذلك النموذج. ولئن كان الحزب قد خلص، في نهاية المطاف، برغم كل هذا الالتباس والتناقض، إلى موقف راسخ فى الانحياز للحُرِّيَّات والحقوق السِّياسيَّة، فقد وصف نقد هذا الانحياز، بأنه \".. متميز، ومفارق للتصوُّر الذى كان سائداً فى الأدبيَّات الماركسيَّة، ومن بينها أدبيَّات حزبنا، والذى يبرِّر مصادرة الدِّيموقراطيَّة في النموذج السُّوفيتي للاشتراكيَّة، ونمط الحزب الواحد، وبعض نماذج الأنظمة الوطنيَّة العربيَّة والأفريقيَّة\" (م. أ. نقد، ورقة \"مبادئ موجهة ..\").

(6)
ولأن التركيبة الذهنيَّة والوجدانيَّة لذلك الجيل المؤسِّس تشكلت، أصلاً، من بين وقائع الصراع الذى خاضته الحركة الوطنيَّة فى سبيل الاستقلال والحريَّة، فقد قرَّ فى فكر الحزب، منذ بواكير نشأته، أن الكفاح من أجل التحرُّر من الاستعمار هو بمثابة المحور الأساسي للحركة السِّياسيَّة الاستقلاليَّة، فى تلك المرحلة، وهى قضيَّة لا تنفصل، بأيَّة حال، عن النضال لنشر الوعي بقيم الحُرِّيَّات والحقوق الدِّيموقراطيَّة. وقد لاحظ الشَّهيد عبد الخالق، فى تحليله لأحداث تلك الحقبة، أن المشكلة الأساسيَّة التي واجهت السودان، عند خروجه من الحرب الثانية، تركزت \".. حول إبعاده عن توجيه حياته وفق نظام ديموقراطي\" (عبد الخالق محجوب؛ لمحات من تاريخ الحزب الشِّيوعي السوداني، ط 3، دار الوسيلة للنشر، الخرطوم 1987م، ص 35). ذلك أن الاستعماريين لجأوا إلى البطش عندما أحسُّوا بخطورة تطوُّر الحركة الجَّماهيريَّة. وعلى سبيل المثال فقد \".. سنوا القوانين الرَّجعيَّة، وحلوا منظمة أنصار السَّلام، وجعلوا من مصادرة حرِّيَّة الأفراد والجَّماعات والصُّحف قاعدة لهم، وبدأوا، خلال عام 1951م، يعدُّون العُدَّة لحلِّ اتحاد نقابات العمال\" (نفسه ، ص 70). وفي وثيقة دفاعه السِّياسي المار ذكرها أشار الشَّهيد إلى \".. أن حُرِّيَّة المواطن في الدَّعوة لما يرى لاقت تعنتاً كثيراً من جانب المستعمرين .. ولهذا اندمجتُ في الحركة الشَّعبيَّة المطالِبة بتوفير الحُرِّيَّات الدِّيموقراطيَّة\" (ع. الخالق؛ دفاع ..، ص 45). ولعلنا نجد فى ذلك تفسيراً واضحاً لتحالف الشيوعيين الباكر، آنذاك، مع حزب الأمة، في ما عرف وقتها بـ (الجَّبهة الاستقلاليَّة)، حيث كان الحزبان قد اتفقا على المطالبة بكفالة الحُرِّيَّات العامَّة ضمن أهمِّ الركائز التى نهض عليها تحالفهما.
وبتاريخ 31/12/1955م عاد حسن الطاهر زروق، نائب دوائر الخريجين عن الجَّبهة المعادية للاستعمار، وقتها، لتفصيل تلك المطالب الدِّيموقراطيَّة، من خلال مساهمته فى مناقشة مشروع الدُّستور المؤقت، مقترحاً النصَّ على قيام الجَّمعيَّة التأسيسيَّة لتمكين ممثلي الشَّعب من المشاركة في وضع الدُّستور الدائم للبلاد، وأن يحترم ذلك الدُّستور إرادة الشَّعب ومصالحه، وأن يجعل جهاز الدَّولة ديموقراطيَّاً، وخاضعاً للرَّقابة والمحاسبة الشَّعبيتين، وأن يضمن المشاركة الشَّعبيَّة الواسعة في الحكم، وأن يوفر الحُرِّيَّات العامَّة، كحُرِّيَّة العقيدة، وحُرِّيَّة اعتناق الآراء السِّياسيَّة، والعمل من أجلها، بالإضافة إلى المطالبة بإزالة التعارض القائم بين ذلك المشروع وبين بعض القوانين والسِّياسات السَّائدة وقتها، وذلك بتعديلها حتى تتسق معه، خصوصاً ما تعلق منها بالحُرِّيَّات العامَّة كقضايا الأجر المتساوي للعمل المتساوي في الشمال والجنوب، والأجر المتساوي للعمل المتساوي للرجل وللمرأة، وقانون الصَّحافة، وبعض مواد قانون العقوبات (محمد سليمان؛ اليسار السوداني في عشر سنوات، الخرطوم 1969م، ص 173 ـ 176).
وإذن ، فإن المنطق الذى شكل وعي ذلك الجيل الأوَّل من الشيوعيين السودانيين باتجاه تأسيس الحزب، تمحور، أصلاً، حول ضرورة \"بروز قوَّة اجتماعيَّة .. تضع منهجاً يلبِّى رغبات الشَّعب .. فى الدِّيموقراطيَّة السِّياسيَّة والاجتماعيَّة\" (ع. الخالق؛ لمحات ..، ص 38).

(7)
إلى ذلك جاء الشَّرط التاريخي نفسه الذى أفضى، فى صيف 1946م، لولادة التنظيم في بداياته الأولى (الحركة السودانيَّة للتحرُّر الوطنى ـ حستو)، مقترناً مع ذات الشَّرط التاريخي الذى أنتج، فى ذات الآن، حركة شعبيَّة واسعة، متنوِّعة، ومنفعلة، بحكم طبيعتها، ومنطق تكوينها، وقانونها الباطني الخاص، بطموحات الحُرِّيَّات العامَّة، والحقوق الأساسيَّة، كنقابات العمَّال، واتحادات المزارعين، والنقابات المهنيَّة، وتنظيمات الشَّباب، والنساء، والطلاب، وحركة أنصار السلم وغيرها. لقد \".. كان ميلاد هذا الحزب نتيجة للحركة الواسعة التى انبثقت من صفوف الشَّعب يهدف لحُرِّيَّة التنظيم، وحقِّ كلِّ مواطن في إبداء رأيه .. (وقد) امتاز حزب الجَّبهة المعادية للاستعمار، منذ إعلانه، بوقوفه بثبات من أجل استقلال البلاد، ومن أجل الدِّيموقراطيَّة، وتحسين حياة الكادحين\" (ع. الخالق؛ دفاع .. ، ص 51 ـ 52). وأسهم الشِّيوعيون السودانيون، بصورة نشطة، ومباشرة، ومتشابكة مع وقائع تأسيس حزبهم، في استنهاض وتطوير تلك الحركة \".. التى انبثقت من صفوف الشَّعب\"، وتبوَّأوا هم مراكز القيادة والتوجيه فيها، بل صار بعضهم رموزاً تاريخيَّة لها، فشكلت، بأساليبها، وأدواتها الدِّيموقراطيَّة، كالإضراب، والمظاهرة، والموكب، والمنشور، والمذكرة، والملصق، والجريدة، والندوة، والليلة السِّياسيَّة، والكتابة على الجدران، وغيرها من صور الرمز المقروء والمسموع والمرئى، إلى جانب الأشكال المختلفة لتنظيم التضامن الجَّماهيرى، حقول تدريبهم النضالى الأساسيَّة، وطبعت، بالتالى، وبصرف النظر عن أيِّ مصادر تأثير أخرى، فكرهم، ووجدانهم، ومزاجهم العام، بطابعها الدِّيموقراطي الشَّامل، من خلال مظاهرات الطلبة عام 1946م، ومعارك الجَّمعيَّة التشريعيَّة بأم درمان وعطبرة، صيف 1948م، ومعركة تأسيس نقابة عمَّال السكة حديد وغيرها، حتى أن مخابرات الإدارة البريطانيَّة فى السودان وصفت، على سبيل المثال، في بعض تقاريرها السِّريَّة عام 1949م، أوَّل تنظيم ديموقراطي للشَّباب السوداني، بأنه حركة شيوعيَّة ذات (أخطار!)، من أهدافها الكفاح لإحباط المشاريع الاستعماريَّة، وتحرير السودان، وتأسيس نظام ديموقراطي (ضمن: محمد سعيد القدال؛ معالم فى تاريخ الحزب الشِّيوعي السوداني، ص 65).
ولقد أصاب هذا التقرير المخابراتي الاستعماري، تماماً، فى تحديد أهداف التنظيم الوليد، وإن كان قد أخطأ، أو قل تعمَّد أن يخطئ، فى توصيف هويِّته!
(نواصل)



إِعْلامٌ .. أَمْ برُوبَاغَانْدَا (2) ....

كمال الجزولي




(8)
رأينا، في مقام الرَّد على ما أوردت صحيفة (التيَّار)، وسائر البروباغاندا الكاسدة التي تستهدف الترويج، وسط الشباب، لفكرة أن الحزب الشِّيوعي السوداني حزب شمولي، يتربَّص، أصلاًً، بالدِّيموقراطيَّة، وكان، عام 1989م، يعِدُّ لانقلاب، مِمَّا (اضطرَّ!) الجَّبهة لأن تقطع عليه الطريق بانقلابها هي، أن المنهج الأنجع في لجم مثل هذه التخرُّصات هو مجابهتها بمحض الوقائع التاريخيَّة الباردة التي لا تحتمل المغالطة أو المكابرة! وخلصنا، الأسبوع الفائت، إلى سَوْق بعض الدلائل، في هذا الإطار، أهمُّها أن قضيَّة الديموقراطيَّة قد اقترنت، أصلاً، في فكر الحزب، منذ تأسيسه، بقضيَّة (الاستقلال السِّياسي) نفسه، حتى لقد اعتبر عبد الخالق أن المشكلة الأساسيَّة التي واجهت السودان، عند خروجه من الحرب الثانية، هي مسعى الاستعمار لإبعاده عن توجيه حياته وفق نظام ديموقراطي.
في هذا السِّياق لا بُدَّ أن نتوقف، بوجه خاص، عند النقد الذي وُجِّه لرفض الحزب لاتفاقيَّة الحكم الذاتي المبرمة في 12/2/1953م، إثر المفاوضات التي جرت بين دولتي الحكم الثنائي وبين أحزاب الأمَّة والوطني الاتحادي والجمهوري الاشتراكي، واستثني منها الشيوعيون والجنوبيون، فضلاً عن النقد الذاتي الذي مارسه الحزب نفسه بشأن ذلك الرفض، وانتهى به إلى تعديل موقفه خلال نفس الأسبوع، حيث عاد وأعلن عن قبوله بالاتفاقيَّة (دورة اللجنة المركزيَّة، مارس 1953م)، انصياعاً للمزاج الجَّماهيري العارم الذي استقبلها بالترحيب الحار. لقد أعلن عبد الخالق، بنقاء ثوري نادر، أن الحزب أخطأ، في موقفه من تلك الاتفاقيَّة، عندما وجَّه اهتمامه فقط \".. إلى مزالقها التي قد يستغلها المستعمرون، وإلى كونها مناورة للمستعمرين ليخلقوا وضعاً شرعيَّاً في البلاد لاستمرار نفوذهم، ولم ينظر إليها باعتبارها نتاجاً من نتاجات الكفاح الشَّعبي الذي كان في الإمكان أن يثمر أوفر منها لو تقيَّدت أحزاب الطبقة الوسطى بحلفها في الجَّبهة الوطنيَّة المتحدة لتحرير السودان. ولكن هذا لا يمنع من أن المستعمرين، تحت ضغط الحركة الجَّماهيريَّة، اضطرُّوا للتراجُع، وأن الاتفاقيَّة تراجُعٌ، من جانبهم، يمكن استغلاله لصالح الشَّعب\" (عبد الخالق؛ لمحات ..، ص 81).
وإذن، وبما أن الحزب ظلَّ يقرن بين الاستقلال وبناء النظام الديموقراطي، فإن موقفه الابتدائي الرَّافض للاتفاقيَّة، أوَّل أمرها، انبنى، في حقيقته، لا على أيِّ شئ سوى (الشَّكِّ) الذي انتابه، وقتها، في نوايا الاستعمار تجاه مطالب الشَّعب بالجَّلاء الناجز، وحقِّ تقرير المصير، وبناء سودان حُرٍّ ديموقراطي. فالاتفاقيَّة، حسب نقد الحزب لها، أوان ذاك، قد أرجأت، بالفعل، هذه المطالب، ريثما تنتهي سنوات الحكم الذاتي الثلاث؛ وأمَّنت موقعاًً، في لجنة الانتخابات، لأمريكا الساعية للحلول محلِّ الاستعمار البريطاني الآفل؛ كما أمَّنت، في لجنة الحاكم العام، موقعاًً لباكستان التابعة للتاج البريطاني، ومن ثمَّ لحلف الشرق الأوسط الاستعماري. وإلى ذلك شرَّعت دوائر انتخابيَّة تأتي بنوَّاب غير منتخبين، مباشرة، من الشعب، بالمخالفة لشروط الانتخابات الديموقراطيَّة في الفقه الدُّستوري؛ وتركت التقرير بشأن القيادة العليا للجَّيش، بعد انسحاب قوَّات دولتي الحكم الثنائي، للجنة الدَّوليَّة التي ستشرف على إجراءات تقرير المصير، مِمَّا يعني، برأي الحزب، توسيع هيمنة النفوذ الأجنبي على الجَّيش، وبالتالي إجهاض إمكانيَّة تحقيق استقلال وطني نظيف؛ وإلى ذلك كله ضربت قيوداً إضافيَّة على الحُرِّيَّات؛ ووفرت للحاكم البريطاني من السُّلطات، كسلطة إعلان حالة الطوارئ، ما يمكنه من تدعيم النفوذ الاستعماري، وممارسة الضَّغط على البرلمان (قاسم أمين؛ اتفاقيَّة السودان في الميزان، بدون تاريخ، ص 20).
(هاجس) الخوف، إذن، على قضيَّة بناء الدَّولة الوطنيَّة الدِّيموقراطيَّة المستقلة من مزالق المؤامرات الاستعماريَّة، وبصرف النظر عمَّا إنْ كان ذلك الهاجس حقيقيَّاً أم متوهَّماً، هو الذي شكل خلفيَّة رفض الحزب، ابتداءً، لاتفاقيَّة الحكم الذاتي، وليست فكرة (الخيانة) للاستقلال، كما تشيع بروباغاندا الخصوم البائسة!
وإن جاز لنا أن نتساءل، من باب الاستطراد المنطقي، فما هي مصلحة الحزب في (خيانة) قضيَّة ظل يبشر بها، منذ أول نشأته، ويناضل في سبيلها، ويستنهض باتجاهها طاقات الجماهير، ويبنى على طريقها شتى الكيانات السِّياسيَّة، والنقابيَّة، والفئويَّة، و(يداوس) لأجلها، على شُحِّ إمكاناته الماديَّة، آلة الإدارة الاستعماريَّة، وأجهزة مخابراتها وقمعها، بقضِّها وقضيضها، فيسقط من بين صفوفه، في ساحات معاركها المشهودة، وعلى رأسها معركة الجمعيَّة التشريعيَّة في الخرطوم وعطبرة وغيرها، أنبل أبنائه، كالشهيد قرشي الطيِّب؟!
يحتاج نقدة الحزب، يقيناً، وهو، من قبل ومن بعد، ليس فوق النقد، إلى تدقيق الحُجج وتجويد المنطق!

(9)
ومالنا نذهب بعيداً! فعلى الرُّغم من تراجع الحزب عن رفضه للاتفاقيَّة، عاد الزَّمن ليتكفل بإثبات أن مخاوفه تلك لم تكن بلا أساس، حيث أقدمت الإدارة الاستعماريَّة، بالفعل، خلال النصف الثانى من عام 1953م، وبين يدي البدء في تطبيق الاتفاقيَّة، على سنِّ ما أسمته بـ (قانون قمع النشاط الهدَّام!)، مستهدفة تأسيس \".. دولة بوليسيَّة تجرِّد الاستقلال من معناه، وتجعله جثة لا روح فيها\" (ع. الخالق؛ دفاع ..، ص 53 ـ 54). وكان الحاكم العام قد سبق وأصدر في 25/11/1950م، أمراً قضى بعدم مشروعيَّة أيَّة جمعيَّة في السودان، أيَّاً كان اسمها، تدعو أو تروِّج أو تمارس نظريَّات أو مبادئ الشِّيوعيَّة العالميَّة، أو الجِّهاز المعروف باسم الكومنفورم؛ مستنداً إلى نصِّ المادَّة/3 من (قانون الجمعيَّات غير المشروعة لسنة 1924م)، والتي تقرأ: \"إذا رأى الحاكم العام أن أيَّة جمعيَّة تتدخَّل، أو يكون غرضها التدخُّل، في إرساء القانون والنظام، أو تشكل خطراً على السلم العام، فإنه يجوز للحاكم العام أن يعلن تلك الجمعيَّة غير مشروعة بإعلان يُنشر في غازيتة حكومة السودان\"؛ كما عاد، في مايو 1952م، وأصدر أمراً آخر بعدم مشروعيَّة الاتصال بأيَّة حركة شيوعيَّة في أيِّ بلد؛ ثمَّ ما لبث، كما سلفت الإشارة، أن استخدم سلطاته الواسعة التي منحته إيَّاها الاتفاقيَّة، وأصدر، في العام التالي، (قانون قمع النشاط الهدَّام!)، بموجب الأمر المؤقت رقم/22 لسنة 1953م. ولم يتبقَّ، لكي يكتسب ذلك الأمر قوَّة القانون النافذ، سوى أن يتأيَّد في البرلمان، وفق المادتين/57، 58 من دستور الحكم الذاتي.
لكن، ولأن الحزب الوطني الاتحادي كان يسيطر على أغلبيَّة مقاعد مجلس النوَّاب؛ ولأنه كان قد أدرج قضيَّة (قانون قمع النشاط الهدَّام!) ضمن حملته الانتخابيَّة، وظلَّ، طوال الفترة التي سبقت تقلده الحكم في يناير 1954م، يعد الناخبين بإلغائه، فقد كان عسيراً عليه تماماً، من الناحية السِّياسيَّة، أن ينقلب، ما بين ليلة وضحاها، يؤيِّد ذلك المشروع! هكذا لم يكن أمام الحكومة سوى أن تنضمَّ إلى المعارضة بالتصويت ضدَّ المشروع، في جلسة 30/3/1954م، مِمَّا مكن من صدور قرار المجلس برفض منح ذلك الأمر المؤقت التأييد الدستوري الذي يحتاجه. وإلى ذلك يورد فيصل عبد الرَّحمن علي طه، في أحدث مؤلفاته، طرفاً من مداولات القوى السِّياسيَّة حول القانون في تلك الجلسة، حيث وصفه مبارك زرُّوق، زعيم الأغلبيَّة، بأنه مطاط، ويفسح المجال لكبت حُرِّيَّات المواطنين، وأنه قد شُرِّع قبل مجئ حكومة الأزهري التي وعدت الشَّعب بإلغائه.
لكن، مِمَّا يجدر وضع خطِّ تشديد تحته، هنا، هو إضافته عبارة ذات مغزى خاص، رغم أنها ربَّما لم تشدَّ الانتباه بما يكفي يومها، وذلك بقوله: إن الحكومة لترجو \"ألا تضطرَّها الظروف لسنِّ مثل هذه القوانين مستقبلاً\"!
من جانبه أشار حسن الطاهر زرُّوق، نائب الجَّبهة المعادية للاستعمار، إلى أن المذكرة التفسيريَّة للقانون تقول إن الشِّيوعيَّة قد انتشرت، وتجب محاربتها؛ ومضى موضِّحاً أنه، إذا كانت الشِّيوعيَّة قد انتشرت فإن انتشارها لم يكن بطريقة إجراميَّة، لأن الشِّيوعيين لم يحملوا حراباً ولا سيوفاً لكي يرغموا الناس على اتباع آراء معيَّنة؛ وأن الشائع الآن هو أن كلَّ حُرٍّ قام لتحرير بلاده يوصف بأنه شيوعي، فإذا كانت هذه هي الشِّيوعيَّة فنحن شيوعيون بإصرار\" (فيصل عبد الرحمن علي طه؛ السودان على مشارف الاستقلال الثاني \"1954 ـ 1956م\"، عبد الكريم ميرغني الثقافي 2010م، ص 229).
ولئن كان ذلك هو ما جرى تحت قبَّة مجلس النوَّاب، فقد كان للنشاط الشَّعبي في الشارع، بقيادة حزب الجَّبهة المعادية للاستعمار \".. الفضل الأول في إلغاء ذلك القانون، مِمَّا سمح للجَّماهير بالانطلاق خلال فترة الانتقال، وإجراء تحوُّلات في الجَّوِّ السِّياسي لصالح الاستقلال\" (ع. الخالق؛ دفاع ..، ص 53 ـ 54). وتشير وثائق الاستخبارات البريطانيَّة خلال تلك الفترة إلى أن قرار البرلمان برفض مشروع ذلك القانون أعقبه أن \".. ساد فرح غامر .. وقرَّر الشِّيوعيون دعم الحكومة دعماً كاملاً\" (الوثائق البريطانيَّة عن السودان (1940 ـ 1956م)، تحرير محمود صالح، مجلد/9 ـ 1954م، ج/1، عبد الكريم ميرغني الثقافي 2002م، ص 108).

(10)
لا شكَّ، كما سبق وألمحنا، أن فترة الثلاثة الأشهر ليست كافية، في السودان بالذات، لمحو الوعود السِّياسيَّة من الأذهان! لذا فقد كان من الصعب على حكومة الأزهري أن تنكص، في مارس 1954م، عن وعدها للجماهير، طوال حملتها الانتخابيَّة، وحتى تقلدها الحكم في يناير 1954م، بإلغاء (قانون قمع النشاط الهدَّام!)، باعتباره قانوناً استعماريَّاً! لذا فقد كان من المحتم عليها أن تفي، ولو مؤقتاً، بوعدها، فتصوِّت مع المعارضة، في جلسة مشهودة، على إلغاء ذلك القانون! غير أن عبارة مبارك زرُّوق في تلك الجَّلسة، عن \"رجاء\" الحكومة \"ألا تضطرَّها الظروف لسنِّ مثل هذه القوانين مستقبلاً!\"، كانت بمثابة الوعيد، أو، قل، على الأقل، بمثابة الباب الخلفي الموارب الذي يمكن للحكومة أن تتنصل عبره، في مقبل أيَّامها، عن أيِّ التزام سابق .. وقد كان!
هكذا، وبإزاء تزايد نفوذ الشَّيوعيين وسط النقابات والاتحادات المهنيَّة، أقدمت حكومة الأزهري، للأسف، في سبتمبر 1954م، على إعداد مشروع قانون (وطني!)، هذه المرَّة، لقمع النشاط (الهدَّام!)، تمهيداً لإجازته في البرلمان، لدى انعقاده في نوفمبر، بحُجَّة أن بعض المواطنين (استغلوا) فرص (حُرِّيَّة التعبير) المتاحة لهم استغلالاً (سيئاً) رُبَّما (يخلُّ) بالنظام، حيث (تغلغل) النشاط الشِّيوعي في بعض المرافق، كاتحاد مزارعي مشروع الجزيرة، وبدأ (يتسرَّب) لمختلف المؤسَّسات (الأيَّام، 2/9/54 ـ الرأي العام 7/10/54 ـ الأيَّام، 19/10/54 ـ ضمن: فيصل ع. ع. طه؛ السودان ..، ص 231). لكن تلك الخطوة قوبلت بمعارضة الكثير من الأحزاب والهيئات والشَّخصيَّات العامَّة التي أصدرت وثيقة وقع عليها حزب الأمَّة، والحزب الجُّمهوري، والجَّبهة المعادية للاستعمار، واتحاد نقابات عمال السودان، واتحاد مزارعي مشروع الجَّزيرة، والجَّماعة الإسلاميَّة، وجماعة الفكر السوداني، كما وقع عليها من الشَّخصيَّات العامَّة محمد احمد محجوب والشريف حسين الهندي، وجاء في بعض فقراتها \"أن إصدار قانون جديد تحت ستار محاربة الشِّيوعيَّة وحدها، أو أيِّ ستار آخر، سيكون قيدا على حُرِّيَّات المواطنين، وسيحول دون قيام الجَّوِّ الحُرِّ المحايد، وسيكون سلاحاً للضغط على السودانيين للتنازل عن استقلالهم وسيادتهم القوميَّة\" (محمد سليمان؛ اليسار السوداني في عشرة أعوام، ص 77 ـ ضمن: المصدر، ص 231، 232).
لم تقتصر العقبات التي حالت دون تمرير ذلك القانون على المعارضة الرَّسميَّة له، فقط، في البرلمان، وإنما شملت، كذلك، المعارضة له من جانب عناصر بارزة داخل الحزب الوطني الاتحادي الحاكم نفسه، وبعضها داخل مجلس الوزراء. وفي الأثناء كان يحي الفضلي، وزير الشئون الاجتماعيَّة الذي تتبع له مصلحة العمل، يقود، من منصَّة الحزب الوطني الاتحادي، (عملاً دءوباً!)، لإقصاء الشِّيوعيين من قيادات النقابات. وقد التمس، في ذلك، \"وبلا حرج\"، (نصيحة!) آدمز، المفوَّض التجاري البريطاني، خلال الأسبوع الأوَّل من ديسمبر 1954م، قائلاً إن \"العمليَّة مكلفة، وليست لدى الحزب الوطني الاتحادي موارد ماليَّة إضافيَّة\"! لكن (نصيحة!) آدمز كانت أنه لا مجال لتوقع قيام الحكومة البريطانيَّة بتوفير موارد ماليَّة (Minutes by Adams, 8 December 1954 ــ ضمن المصدر، ص 232 ــ 233). ويجدر التنويه بأن يحي الفضلي واصل، خلال تلك الفترة، منفرداً، أو بصحبة آخرين، كالشيخ علي عبد الرحمن، وزير العدل، طلب (النصائح!) من البريطانيين، إمَّا لإصدار تشريع معادٍ للشِّيوعيين، أو لمحاربة الشِّيوعيين في النقابات! ولمن أراد استزادة مراجعة الفصل العاشر من مؤلف د. فيصل ع. ع. طه المشار إليه.
الشَّاهد أن تلك الوقائع التاريخيَّة كشفت، منذ وقت باكر، عن أن الحزب الوطني الاتحادي ليس إجماعيَّاً، أصلاً، لا فكريَّاً، ولا سياسيَّاً، في موقفه من أهمِّ قضايا الصِّراع الاجتماعي، ومن بينها الموقف من الحزب الشِّيوعي؛ وأن هذه التشققات والفروق في المواقف الأيديولوجيَّة والسِّياسيَّة هي انعكاس، بالضرورة، للتركيبة الطبقيَّة شديدة التباين والتعقيد، داخل هذا الحزب؛ فلئن تبدَّت نزعة عدائيَّة، هنا أو هناك، من بعض أقسامه، تجاه الشِّيوعيين، أحياناً، فينبغي البحث عن أسباب ذلك في صميم الفروقات المائزة لهذه الأقسام، ومصادرها الفكريَّة والسِّياسيَّة، وليس في كون الشِّيوعيين قد صدُّوا (اليساريين الاتحاديين)، في بعض المنعطفات التاريخيَّة، عن أيِّ تقارب معهم، على خلفيَّة موقف الشِّيوعيين الذي أنفت الإشارة إليه من اتفاقيَّة الحكم الذاتي، أو تحالفهم مع حزب الأمَّة في الجَّبهة الاستقلاليَّة، أو ما إلى ذلك، مِمَّا قد يعتقد البعض خطأ أنه \".. باعد بين قيادات الاتحاديين واليسار، بل جعل منها معادية، فتحمَّست، ممثلة في السيِّد إسماعيل الأزهري، لحلِّ الحزب الشِّيوعي في نهاية السِّتينات من القرن الماضي\" (راجع: حيدر إبراهيم علي؛ مقدِّمة \"كتابات سودانيَّة\"، ع/49، أكتوبر 2009م).

(11)
دورة مارس 1953م المار ذكرها شهدت بروز اتجاهٍ يساري متشدِّد داخل اللجنة المركزيَّة يعتبر الانتخابات البرلمانيَّة، المُزمَع إجراؤها فى ذلك العام، محض لعبة برجوازيَّة، ويعترض، من ثمَّ، على المشاركة فيها. مع ذلك فإن الحزب قرَّر خوضها كعمل جماهيري يتيح فرصة طرح برنامج الحزب على نطاق واسع، ووسيلة لتوسيع نشاط الحركة الوطنيَّة المناهضة للاستعمار، وتعميق الدِّيموقراطيَّة (ع. الخالق، لمحات ..، ص 82 ـ 83). بل لقد عدَّ الحزب تلك المشاركة بمثابة أداة لتشديد يقظة الجَّماهير بإزاء المزالق التى كان ما يزال يرى أنها تحفُّ باتفاقيَّة الحكم الذاتى (نفسه، ص 83).
وتشهد وقائع السَّنوات الثلاث ما بين اتفاقيَّة الحكم الذاتى، أواخر فبراير عام 1953م، وبين استقلال السودان رسميَّاً، فى الأوَّل من يناير عام 1956م، على انخراط الشِّيوعيين فى نضال لا يفتر، جنباً إلى جنب حلفائهم فى الحركة الجَّماهيريَّة الواسعة، لأجل ترسيخ الحقوق والحُرِّيَّات الدِّيموقراطيَّة. من ذلك، على سبيل المثال، المذكرة التى تقدَّمت بها الجَّبهة المعادية للاستعمار إلى اسماعيل الأزهري، رئيس الوزراء، حول قضيَّة الحُرِّيَّات، والإضراب الذى قاده اتحاد نقابات عمَّال السودان فى سبيل الحُرِّيَّات، ونشاط الهيئة الشَّعبيَّة الدَّائمة للدِّفاع عن الحُرِّيَّات، ومذكرة رؤساء تحرير الصُّحف إلى الأزهري حول الحُرِّيَّات، والمشاريع التى تقدَّم بها حسن الطاهر زروق من داخل البرلمان الأول لتعديل وإلغاء القوانين المقيِّدة للحُرِّيَّات، وما إلى ذلك.
ليس من عجب، إذن، ولا من فراغ، أنْ جاء برنامج الحزب (سبيل السودان نحو تعزيز الاستقلال والديموقراطية والسلم) الذى أجازه مؤتمره الثالث غداة الاستقلال (فبراير 1956م)، ليبرز تصوُّره للتحالف المطلوب لمرحلة الثورة الوطنيَّة الدِّيموقراطيَّة بأسرها، من خلال تحليله لطبيعة الأهداف نفسها المطروحة في أفق المرحلة، والقوى الاستراتيجيَّة المنوط بها إنجازها. فبرغم الأثر الضاغط لمفهوم (الدِّيموقراطيَّة الشَّعبيَّة) على تلك الوثيقة، إلا أنها صاغت تلك الأهداف في: دعم الاستقلال السِّياسي بالاستقلال الاقتصادي، إشراك الجماهير في توجيه شئون البلاد، رفع المستوى المعيشي للكادحين، إحداث الثورة الثقافيَّة، والتخلص من مخلفات الاستعمار. كما أكدت الوثيقة على أنه لا بُدَّ، لإنجاز تلك الأهداف، من الوحدة الشَّعبيَّة التى تتمثل فى ما أسمته بـ (الاتحاد الوطني الديموقراطي)، بين الجَّماهير العاملة والمزارعين، من جهة، وبين كلِّ الطبقات الثوريَّة الأخرى من برجوازيَّة وطنيَّة وبرجوازيَّة صغيرة فى المدن. ورأت أنه من الممكن، بدراسة الوضع العالمي، وظروف البلاد في ذلك الوقت، إحراز التقدُّم المنشود، بالاعتماد على نضال الجَّماهير بالوسائل والطرق السِّلميَّة، حتى لا تتعرض بلادنا لهزَّات، باعتبار أن توفر الحُرِّيَّات الدِّيموقراطيَّة، على حدِّ تعبير الوثيقة، هو الطريق للتقدُّم، وللنمو السِّلمى للثورة الدِّيموقراطيَّة (أنظر: برنامج المؤتمر الثالث 1956م ـ وأنظر أيضاً: ع. الخالق محجوب؛ إصلاح الخطأ فى العمل بين الجماهير، ص 18 ـ 19).
وعن ذلك (الاتحاد الوطنى) الذى نادى الشِّيوعيون بقيامه ليشمل كلَّ المناضلين ضد الاستعمار قال عبد الخالق لاحقاً: \".. لو قدِّر لهذا العمل الجليل أن يتمَّ بنجاح، لكانت بلادنا تقفز اليوم قفزات هائلة فى طريق التطوُّر المستقل، وبناء اقتصاد معزَّز. وسيحكم التاريخ حكماً قاسياً على كلِّ من ساهم فى تفويت الفرصة على شعب السودان لتوحيد صفه الوطني، فقد دفعت البلاد ثمن الانقسام .. غالياً، إضعافاً للاستقلال، واقتصاداً خرباً، وطريقاً وعراً، شائكاً، سارت فيه بلادنا. إن حزب الجَّبهة المعادية للاستعمار يحقُّ له أن يقول إنه كان حزب الوحدة الوطنيَّة، يوحِّد ولا يُفرِّق، ويجمع ولا يشتت .. وقد كان .. مستعدَّاً للاشتراك فى ذلك الاتحاد الوطني حتى لو أصابه الغرم. وما مسلكنا في الانتخاب للبرلمان ببعيد عن الأذهان، ففى سبيل إنجاح الكثير من المرشَّحين الوطنيين، بذلنا الجهد لا نرجو .. جزاءً ولا شكورا ، وهذا لعمري هو النظام الحزبي النظيف ذو المبادئ السَّامية\" (ع. الخالق؛ دفاع ..، ص 52 ـ 53).

(12)
ألقى المؤتمر الثالث وبرنامجه بحزمة كثيفة من الضوء على حقيقة موقف الشِّيوعيين من قضيَّة الدِّيموقراطيَّة، فى جوهرها القائم فى الحُرِّيَّات العامَّة والحقوق الأساسيَّة للجَّماهير. فلقد مضى الحزب يتبنى الجُّمهوريَّة البرلمانيَّة إطاراً للحكم، وأسلوباً لإدارة الحياة السِّياسيَّة، ويعارض اللجوء للقوانين الاستثنائيَّة، وفرض حالة الطوارئ، أون ذاك، من جانب حكومة عبد الله خليل، ويطالب بالحكم الذاتي الإقليمي للمديريَّات الجنوبيَّة، كمقترح ديموقراطي باكر لحلِّ الأزمة الوطنيَّة الخطيرة التى كانت قد انفجرت، لتوِّها، بين يدي الاستقلال، وعشيَّة انعقاد المؤتمر الثالث. وسوف يعود عبد الخالق للتشديد على صحَّة استنتاجات ذلك المؤتمر وبرنامجه حول المسألة الدِّيموقراطيَّة من زاوية أن استمرار الحركة الجَّماهيريَّة، ونموَّها، واتساعها، وصلابة تنظيماتها، وتنوعها، هو الضَّمانة الأساسيَّة للتطوُّر المستقل للبلاد (ع. الخالق؛ لمحات ..، ص 112). وقد عبَّر حسن الطاهر زروق، في تأييده لمطالبة النائب إبراهيم المفتى من داخل البرلمان (ديسمبر 1956م) برفع حالة الطوارئ، تعبيراً ناصعاً عن عمق اقتران قضيَّة الاستقلال السِّياسي بقضيَّة الحُرِّيَّات الدِّيموقراطيَّة فى فكر الشِّيوعيين السودانيين، وفى برنامج المؤتمر الثالث، وذلك بتأكيده على أن \".. الاستقلال بدون حُرِّيَّات هيكل متداع بغير روح أو إرادة. ولسنا على استعداد للتفريط في أى مظهر من مظاهر هذا الاستقلال الذي جاء بتضحيات غالية. فعندما تختفي حُرِّيَّات الشَّعب من حياته، يصبح ذلك الاستقلال جسماً بلا روح، وتتغوَّل الحكومات على المحكومين، وتسلط عليهم أوضاعاً ضدَّ حُرِّيَّاتهم\" (محمد سليمان؛ اليسار ..، ص 257).
وسوف يعود الأستاذ نقد، فى نهاية 1997م، لينظر فى الخصائص الوطنيَّة الدِّيموقراطيَّة العامَّة لبرنامج 1956م، بقوله عنه، فى ورقته المار ذكرها، إنه قد اتسم \"بطابع الجَّبهة .. الواسعة التى توحِّد كلَّ القوى المعادية للاستعمار، بوصفها .. المؤهَّلة للتصدِّي، وإنجاز مهام ما بعد الاستقلال\"؛ وإنه \"طرح .. مبدأ جديراً بالتأمُّل .. والتجديد، هو: تمثيل عادل للقوى الموجودة فى الجَّمعيَّة التأسيسيَّة داخل الحكومة، ومنع سيطرة قسم خاص .. على جهاز الدَّولة، أو ديكتاتوريَّة حزب من الأحزاب\"؛ وأن \"الفكرة .. خلف هذه الفقرة تتسع لتستوعب ثلاثة مضامين: الأوَّل ألا ينفرد الشماليون بالحكم دون الجنوبيين والأقليَّات القوميَّة، والثانى ألا ينفرد حزب مفرد بالسُّلطة، والثالث ألا يسيطر الجَّيش على السُّلطة\". ويرى نقد أن هذه الفقرة من ذلك البرنامج القديم \".. تعزِّز الأساس النظري لمبدأ تداول السُّلطة ديموقراطيَّاً\"؛ ويستخلص من ذلك درساً بليغاً فى ضرورة مراجعة المصطلحات التى استهلكها التداول والتطوُّر، بقوله: \".. ولعله أجدى لظروف السودان وسوابقه .. التعامل مع مصطلح تداول السُّلطة ديموقراطيَّاً، بديلاً للدَّارج والسَّائد عالميَّاً عن تداول السُّلطة سلميَّاً؛ فديموقراطيَّاً تعنى .. ناخبين، ونوَّاب، وبقية آليات .. الديموقراطيَّة. أما مصطلح سلمياً فقد خبرناه في الاتجاهين: حيث سلم المرحوم عبد الله خليل، رئيس الوزراء، السُّلطة لقادة الجَّيش، وصعد قادة الجَّيش إلى السُّلطة بديلاً لديكتاتوريَّة نميري، إستجابة لضغط قاعدة الجَّيش تجاوباً مع الانتفاضة، و(شكلوا) المجلس العسكري الانتقالي الذى كبح جماح الانتفاضة ، وأصبح الوصي .. على تداول السُّلطة سلميَّاً\". ثم يخلص إلى تقويم إجمالي مفاده أن \"أطروحة الحكومة الوطنيَّة الدِّيموقراطيَّة، وما تحمله دلالات تكوينها من مرونة وواقعيَّة، مضافة إليها أطروحة .. الانتقال المتدرِّج للاشتراكيَّة، حصَّنت البرنامج من الزَّلل، والانزلاق إلى النصِّيَّة المطلقة، ممثلة فى النصِّ المتواتر في .. كلاسيكيَّات الماركسيَّة، وأدبيَّات الحركة الشِّيوعيَّة: نصِّ تحطيم جهاز الدَّولة القديم، وبناء جهاز .. جديد؛ (فقد) استعاض عنه البرنامج بشعار سليم، وهدف واقعي، ممكن التحقيق في ظروف السودان: إصلاحات ديموقراطيَّة في جهاز الدَّولة\". ولا يغادر نقد هذا الجانب دون أن يسجِّل ملاحظة ذات أهميَّة استثنائيَّة، وهي أن البرنامج \".. لم يستخدم .. مصطلح ديكتاتوريَّة البروليتاريا\"! وإذا كانت ثمَّة \"ظلال قد تشِي بالغائب الحاضر\" في بعض الفقرات المتناثرة من الوثيقة، مثل: الجَّماهير الكادحة وعلى رأسها الطبقة العاملة، الطبقة العاملة وحزبها، تحالف العمَّال والمزارعين، فإن ذلك لا ينتقص البتة من كون الحقيقة الرَّاسخة هي أن البرنامج قد \"أفلت .. من التأويل السَّلفي .. في الأدبيَّات الشِّيوعيَّة حينها عن أن دولة الدِّيموقراطيَّة الشَّعبيَّة في الصِّين وشرق أوروبا تؤدي وظيفة ديكتاتوريَّة البروليتاريا في ظروف تاريخيَّة خاصَّة\". ثم يستطرد مؤكداً على أن هذا المصطلح \".. لم يرد في وثائق اللجنة المركزيَّة بين المؤتمرين (1956م ـ 1967م)، ولم يرد في تقرير المؤتمر الرَّابع (الماركسيَّة وقضايا الثورة السودانيَّة)، ولا في الدُّستور الذي أجازه المؤتمر الرَّابع، وما من مبرِّر نظري، أو مسوِّغ سياسي، يجيز أن يرد .. في برنامج حزبنا في المستقبل \" (ورقة \"مبادئ موجهة ..\").
(نواصل)


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1480

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




كمال الجزولي
كمال الجزولي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة