المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.الشفيع خضر سعيد
مناهج مختلفة للإقتراب من قضايا الوطن (3) قراءة في المشهد السياسي..اا
مناهج مختلفة للإقتراب من قضايا الوطن (3) قراءة في المشهد السياسي..اا
08-05-2010 04:42 PM

مناهج مختلفة للإقتراب من قضايا الوطن (3)

قراءة في المشهد السياسي:

د. الشفيع خضر سعيد

__________________

أي تحالف واسع مستند إلى ميثاق حد أدنى، يصعب استقراره وترجمة نواياه وتوجهاته إلى نشاط ملموس وفعًال دون برنامج عمل تسهم فيه كل الأطراف في صياغته والالتزام بتنفيذه، ثم مراجعته وتطويره عند كل منعطف.




د. الشفيع خضر سعيد



بمقال اليوم، نختتم التمهيد الذي اقترحناه لمناقشة القضايا السياسية – الفكرية المرتبطة بالمناهج المختلفة والمتعددة للإقتراب من قضايا الوطن. وإبتداءا من المقال القادم سنتناول الزوايا المختلفة لتلك القضايا السياسية الفكرية في ارتباطها بتلك المناهج التي تخاطب قضية بناء الدولة السودانية والأزمة العامة المرتبطة بهذه القضية، والمتجلية بأشكال مختلفة ومتنوعة منذ فجر الاستقلال. ولقد ذكرت في مقال سابق أن ما فجر هذا الموضوع هو إشارة وردت في رسالة من أحد الاصدقاء تقول بعجز القوى السياسية والاجتماعية السودانية القاطنة في الشمال والوسط عن الحفاظ على وحدة البلاد، وعجزها في إحداث أي تغيير في البلاد لصالح التقدم. وقد جاءت تلك الإشارة تعليقا على دعوتنا، في مقال سابق، لكي تتنادى كل القوى السودانية، في المعارضة وفي الحكم، لعقد مؤتمر مائدة مستديرة لبحث إمكانية الحفاظ على وحدة البلاد، وذلك تحت شعار: “إما وحدة على أسس جديدة…أو دولتين على حد الإخاء”.

في المقالتين السابقتين ابتدرت التمهيد برصد أهم المحطات الرئيسية في تاريخ مشوار الحراك السياسي للمفاوضات بين الانقاذ والمعارضة، وأعقبت ذلك بتلخيص لبعض الملاحظات والنقاط التحليلية حول هذا الحراك. وفي مقال اليوم نقدم عرضا مختصرا للخرطة الزمنية الخاصة بالحراك السياسي الجماهيري خلال فترة ما قبل التوقيع على الاتفاقات، ونخنم العرض بسرد، مختصر أيضا، لبعض الملاحظات حول ذلك الحراك.

الحراك الجماهيري 1989 – 2005

- التوقيع على ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي في 21 اكتوبر 1989، وإلتفاف الجماهير حوله وعقد آمالها عليه، لا في الخلاص من الشمولية فحسب وإنما في إخراجها من اكثر من ثلاثين عاماً من الإحباط وتحقيق تطلعاتها إلى وطن تترجم فيه الديمقراطية والحرية السياسية إلى حياة تزدهر مادياً وروحياً بإطراد. ولاشك أن التجمع الوطني الديمقراطي لعب دورا كبيرا في هذا الصدد.

- مذكرة القادة النقابيين للرئيس البشير عقب الانقلاب في 30 يونيو 1989 من أجل استعادة الحريات النقابية وشرعية النقابات. ثم إضراب الأطباء الشهير في نوفمبر1989، والذي أثار رد فعل عنيف من جانب السلطة حيث حكمت بالاعدام على قادة النقابة، وكذلك استشهاد الدكتور علي فضل. وكذلك الإضرابات المتتالية للعاملين بالسكك الحديدية خلال 1990/1991، وانتظام الحركة الاحتجاجية الواسعة والإضرابات، في كل السودان، من قبل العاملين والمزارعين من أجل حقوقهم المشروعة ومن أجل إرجاع المشردين وضد الخصخصة العشوائية.

- حركة 28 رمضان العسكرية المناهضة للنظام.

- مظاهرات الطلاب ضد الشمولية وضد سلبيات ثورة التعليم العالي ومن أجل ديمقراطية التعليم. وقد وصلت احتجاجات الطلاب ذروتها في سبتمبر 1995 وسبتمبر 1996، ثم تواصلت في ظل استشراء العنف الطلابي في الجامعات.

- رفض طلاب الخدمة الالزامية الذهاب لمناطق العمليات الحربية في الجنوب.

- مذكرة القوى السياسية والنقابية للبشير في سبتمبر 1996، مطالبة بالحريات.

- إنتظام واتساع حركة المفصولين سياسيا وتعسفيا من المدنيين والعسكريين.

- أنخراط المرأة السودانية في حركة المقاومة.

- الدور المقدر للصحافة والصحفيين في مقاومة الشمولية وتداعياتها، وفي كشف الفساد ونهب المال العام.

- إحتجاجات الكتاب والمفكرين والأدباء والصحفيين على نشاطات جماعات التكفير والهوس الديني.

- النشاط المسلح المعارض في جنوب الوطن وفي جبال النوبة وفي شرق السودان ثم في دار فور.



بعض الملاحظات من واقع المحطات المختلفة للحراك الجماهيري.

- لعل الملاحظة الأولى هنا هي الضعف الواضح في نشاط الأحزاب والحركة الجماهيرية بشكل عام. صحيح أن جزءا من أسباب هذا الضعف تعود إلى سياسات القمع العنيف التي ظلت تمارسها الإنقاذ منذ أول يوم لها في السلطة. لكن، قطعا هنالك أسباب ذاتية تكمن في داخل هذه الأحزاب. وفي تقديري فإن هذه الأسباب الذاتية تتعلق بالازمات المصاحبة للبنية الداخلية لهذه القوى، خاصة في مستوياتها القيادية، كما تتعلق بضعف إلهام الخطاب السياسي وبتخلف مناهج العمل في الظروف الجديدة المتغيرة. وفي هذا السياق، أعتقد من الضروري الإشارة إلى أن من أبرز السلبيات التي صاحبت بدايات عمل التجمع الوطني الديمقراطي، أن كل أطرافه، أحزابا ونقابات، انطلقت عقب 30 يونيو من تقديرات ذاتية مريحة فحواها أن السلطة الجديدة لا تملك مقومات البقاء، وأن الجماهير جاهزة للانتفاض، وأن المسألة مسألة وقت..! ومن ثم أسقط التجمع واجب إقناع وكسب الجماهير في ظروف سياسية جديدة اتسمت بتساؤل هذه الجماهير عن ما هو البديل، وهل ننتفض لنعود مرة أخرى إلى المربع الأول، مربع الأزمة؟. صحيح أنه في أي تحالف واسع مستند إلى ميثاق حد أدنى، يصعب استقرار هذا التحالف وترجمة نواياه وتوجهاته إلى نشاط ملموس وفعًال دون برنامج عمل تسهم كل أطراف التحالف في صياغته والالتزام بتنفيذه، ثم مراجعته وتطويره عند كل منعطف. وفى الحقيقة فإن السؤال الذي ظل يتكرر عن ضعف الأداء التنفيذي لتحالف الأحزاب في التجمع الوطني الديمقراطي، نبحث عن إجابته في غياب برنامج عمل مرن ومتحرك ومتجاوب مع متغيرات الوضع السياسي ومتطلبات حركة الجماهير وحالات الصعود والهبوط في نشاط المعارضة. وعلى الرغم من الاتفاق على الهيكلة القيادية للتجمع بعد مؤتمر أسمرا 1995، إلاً أن الأمر بدا وكأن كل اجتماع للهيئات القائدة منعزل عن الاجتماع السابق أو اللاحق له. لذلك ظلت هناك قرارات تلو قرارات دون ترجمتها إلى أفعال ملموسة. وكذلك، ولفترات طويلة، كان التجمع يفتقد التفاعل المؤسسي السريع مع الأحداث، كما ساد عدم التناغم في الخطى بين إيقاع الأحداث وإيقاع أداء التجمع وردة فعله المناسبة، مع استمرار الممارسات التي تجد مكاناً أرحب خارج الإطار المؤسسي للتجمع بدعوى بطء حركة أجهزة التجمع، علما بأن تسريع خطوات التجمع تعتمد على رغبة وإرادة وأداء فصائله المكونة. وبعض الفصائل اتخذ من هذا الواقع ذريعة للعزف خارج زمن إيقاع التجمع بينما الحقيقة أن موقفه وتقديراته السياسية أصبحت غير منسجمة مع موقف وتقديرات التجمع، فسعى لتمرير خطه الذي يتناقض مع الخط السياسي المتفق عليه، مما ترتب عليه حدوث درجة من الصدام كما حدث عقب اتفاق جيبوتي بين النظام وحزب الأمة (نوفمبر 2000)، وكذلك عقب التوقيع على اتفاق القاهرة (2005). ولعل هذا من الأسباب الرئيسية لسريان حالة الجمود والركود في التجمع، وتفشى حالة الإحباط وسط الجماهير وهى ترى توقعاتها العالية الممتلئة بالأمل عقب قرارات أسمرا التاريخية، تتكسر على صخرة عدم الفاعلية التنفيذية لأداء أكبر تحالف سياسي في تاريخ البلاد، ضم القوى السياسية والنقابية في الشمال وفي الجنوب وفي الشرق وفي دارفور، وقيادات من القوات المسلحة والشخصيات الوطنية…! عموما، قضية فحص وتمحيص العوامل الذاتية لضغف الأحزاب وتنظيمات الحراك الجماهيري، سنتعرض لها في حديث لاحق.

- لكن، وعلى الرغم من مظاهر الضعف هذه، عجزت الإنقاذ عن حسم المعارضة والحكم بإرتياح. في مقال سابق ذكرنا أن هذا الوضع أدى إلى حالة من التوازن، توازن الضعف والإرهاق الذي تمكن من الصراع السياسي في البلاد. ونتيجة لهذا التوازن برزت آلية الحل التفاوضي وصعدت إلى القمة، متزامنة مع الثقل الدولي الذي دفع بكل آلياته في السودان، من أجل وقف الحرب في الجنوب منطلقا من فهم محوري أساسه أن المشكلة في السودان جوهرها الصراع بين الجنوب والشمال، ووقف القتال في دارفور مركزا على القضايا الإنسانية والأمنية والإنتهاكات. وفي ذات السياق، تطرقنا من قبل إلى عدم صحة القول بأن الدخول في التفاوض ومانتج عنه من إتفاقيات، هما فقط ثمرة الفعل العسكري في ميادين القتال بين الحركة الشعبية والحكومة، أو نتيجة لجهود المجتمع الدولي وحدها، بل هما ثمرة الجهد الجماعي والإرادة الجماعية لكافة الأطراف: ميادين القتال، الفعل السياسي للتجمع والمعارضة الشعبية، مقاومة الشعب السوداني للحرب، دور الشخصيات الوطنية، ثقل المجتمع الدولي ومساهمات أصدقاء السودان دوليا وإقليميا.

- وهكذا، ونتيجة لهذا الوضع، وعدة عوامل أخرى سنتاولها لاحقا، فإن المفاصل الرئيسية للأزمة في السودان: الديمقراطية (بما في ذلك قضية السلطة والحكم) والسلام والتنمية والوحدة، تأتي كناتج ثانوي لمسألة تصفية الحرب الأهلية، وذلك على عكس المرات السابقة في اكتوبر 1964 و ابريل 1985. وفي ذات السياق، فإن إتجاه حركة الصراع السياسي ينطلق هذه المرة بقوة من الأطراف إلى المركز، وليس العكس كما كان سابقا، وإن كان هذا لا ينفي إمكانية الحراك من المركز. وعقب التوقيع على اتفاقية السلام الشامل، وعلى اتفاقية القاهرة، ظل الناس في انتظار تغيير مماثل لما افرزته ثورة اكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985، اللتان جاءتا بواقع جديد مباشر وملموس تخلق وتشكل منذ الوهلة الأولى. لكنهم، أي الناس، هذه المرة لا يرون في الأفق تخلقا أو تشكلا مماثلا أفرزته أي من إتفاقيات نيفاشا أو أبوجا أو القاهرة. وعن حق، إلى حد بعيد، في نظر الناس سيظل النظام هو نفس النظام، والمعاناة هي نفس المعاناة، بل والبعض يجزم أن المفاوضات قد انتهت فقط بإقتسام كراسي السلطة، ناهيك عن الشعور بأن الإتفاقيات ربما وفرت الأمان لمنتهكي حقوق الإنسان ولشرائح الطفيلية الجديدة وأثرياء الحرب وسماسرة المجاعة وناهبي المال العام….!

وهكذا، نختتم ما رأيناه تمهيدا ضروريا، أو مدخلا لا بد منه، لبدء مناقشتنا للقضايا السياسية – الفكرية المرتبطة بالمناهج المختلفة والمتعددة للإقتراب من قضايا الوطن. وكما ذكرت في صدر هذا المقال، سنبدأ من المقال القادم بتناول الزوايا المختلفة لتلك القضايا السياسية الفكرية في ارتباطها بتلك المناهج التي تخاطب قضية بناء الدولة السودانية والأزمة العامة المرتبطة بهذه القضية.

الميدان


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1262

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة