المقالات
المنوعات
مشاف تحت القصف
مشاف تحت القصف
02-16-2016 10:22 AM


في سوريا، لا تستطيع أن تغمض عينيك قبل الإغماءة الأخيرة، ولا تستطيع أن تتنفس ملء رئتيك دون أن تملأ خياشيمك رائحة الفناء. يمكنك فقط أن تعد شهقاتك في انتظار موت لن يتأخر كثيرا. فالطائرات التي تغرد في سماوات ليست لها تضرب فوق أرضك كل متحرك، وترسم صلبانا فوق كل الهياكل حتى وإن امتلأت بغصات الجرحى وآهات المكلومين.
فإن أتتك جارية حسناء لتغير شراشف مرقدك أو رباط معصمك، لا تنظر إليها نظرة اشتهاء، لأنك لا تعلم بين أي قصفين ستموت. العجز ليس مبررا للبقاء في بلاد لا تحتمل أنفاسك، ولا تعرف من فنون الحياة حرفة إلا القتل والقتل المضاد، ولا توزع على أبنائها إلا الشراشف والأكفان. لا تتهم أحدا قبل الرحيل. فقط، مدد أصابعك في كل الجهات، ونم نومتك الأخيرة بين أي حجرين في انتظار النسور أو النشور.
لن تؤخر اتفاقية ميونخ شهقتك الأخيرة لأن أحدا من المجاهدين في سبيل الحمق لم يوقع عليها، ولا تصدق فيليب هاموند إن اتهم أو تصدق القيصر إن أنكر. استفت جرحك وإن أفتاك الغزاة وأفتوك. فكلهم شركاء في هدم معابدك ومشافيك وأضرحتك، وكلهم متفقون على فنائك، وإن تذرعوا بملاحقة إرهاب هم صانعوه في بلاد لم تعرف يوما إلا السلم والتعايش.
من أين يأتي القصف، لا تكترث. لأنه لن يتسنى لك قراءة بلد المنشأ فوق علب الموت التي تتساقط فوق رأسك من كل مكان. شهيد أنت لا تعرف قاتلك، وهارب لا تعرف من يطاردك. لكنك على يقين أن الموت الذي تأخر عنك وخطف فلذات حلمك من تحت إبطيك لن يتأخر كثيرا، وأن الرايات التي ترفرف فوق سطح المشفى لن تحميك من زخات طائرات التحالف. الكل يحشد اليوم نحوك، وكأن شامك تنقصها الحشود. والكل يقصف وينكر ويتهم، ويقصف وينكر ويتهم. وبين كل قصف وإنكار واتهام، تنتظر الموت.
يوم ثرت، ثارت العمامات السوداء عليك، وارتفعت الرايات السود انتصارا لك. فتلبدت سماوات حلمك بالغمام. وتحولت ثورتك البيضاء إلى إشارة اقتحام. ومن يومها، لم تعد تميز مصدر الطلقات ولا ملامح القاتل، حتى جاءك الروس من وراء السماحات ليزرعوا فدادين طموحك بالمتفجرات ويفخخوا الحلم الأمريكي البغيض عند قدميك.
لم تكن تريد إلا الحرية، فجاءك الموت من كل مكان. وحين رفضت أن تبسط يديك لتشارك في ولائم القتل، جاءتك الرصاصة من الخلف. لكنك تحاملت على جرحك النازف حتى أويت إلى سرير لن يمنعك من الموت. فكل الطائرات الملونة في سمائك الكابية ترمي براميلها المتفجرة فوق مشافيك، لتقصف وتنكر وتتهم.
عبد الرازق أحمد الشاعر
‏Shaer129@@me.com



تعليقات 1 | إهداء 2 | زيارات 2076

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1416053 [سوداني بس]
0.00/5 (0 صوت)

02-17-2016 11:21 AM
كان الله في عون سوريا الجميلة فقد تكالب عليها ( العُربان والذُؤبان وثالثهما الشيطان ) ولكن الشام قد بورِك (( اللهم بارك لنا في شامنا )) - المعركة ليست بالسهلة فهي إقليمية ودولية وعرقية ودينية ومذهبية ! وشيطانية أيضاً ! . هذه الحرب لها ما بعدها بالتأكيد لأنها مِفصَلية ونتائجها ستترك تأثير علي المدي القريب والبعيد لكثرة الأجندات , حتي أنك لا تعرف أين الصواب وأين الصواب ؟ وأين الحق وأين الباطل ؟ , ولا نملك إلا أن نسأل الله عزّ وجل رحماك بأهل سوريا .

[سوداني بس]

عبد الرازق أحمد الشاعر
عبد الرازق أحمد الشاعر

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة