المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
توحيد العالم وتفتيت السودان
توحيد العالم وتفتيت السودان
11-16-2011 01:24 PM

توحيد العالم وتفتيت السودان

عبدالعزيز النور
oudingdung@hotmail.com

في الوقت الذي فيه ادركت شعوب وحكومات العالم إن الوحدات السياسية الصغرى المعروفة بالدول ، لا يمكن أن تفي بالغرض المطلوب ولعب الدور اللازم لتوفير إحتياجات ومتطلبات تلك الشعوب من ناحية وتوفير الحماية الضرورية لها ولمصالحها داخل وخارج الكيانات السياسية المعنية من ناحية أخرى ، لذا لجأت تلك العوالم لخلق أجسام أكثر فعالية تمكنها من تحقيق أهدافها ، فكانت الولايات المتحدة الأمريكية منذ 1788م ، الإتحاد السوفييتي 1922م ، ثم حلف شمال الأطلسي 1949م الذي يلعب الآن دور الألفة خارج إطار الدول المكونة له لينكل بالقدافي الذي كان يدعو لتوحيد القارة الإفريقية ولوكان صادقا و نجح في ذلك لما كان قد حدث ما حدث له ، ثم الإتحاد الأروبي 1993م الذي يسعى لإيجاد توازن إقتصادي عالمي على الأقل حتى لا تنفرد أمريكا بالعالم وتفعل به كما تريد بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي 1989م ، هذا علاوة على المنظمات والهيئات العالمية التي يسعى العالم من خلالها إنجاز ما لايمكن القيام به بشكل مباشر من خلال الكيانات السياسية المعروفة ، وفي ظل هذا الحراك العنيف لم يجد الذين نصبوا أنفسهم قيادة الدولة في السودان ومنذ العام 1956م ، إلا أن يثبتوا للعالم أن الوطن السودان الذي هو بحجم قارة لا يمكن أن يكون جزء من الحراك العالمي في كل الأحوال بل ولا يمكن أن يستقر كما تركه الإنجليز وإنما يتجه إلى الوراء بسرعة الإنفلات لتستقر فيه الحياة كما كانت في مهد الإنسان الأول ، وما إنفصال جنوب السودان إلا الخطوة الأولى في ذلك .
الواضح أن الحكومة والنخب السودانية إستطاعت من خلال تبادل الأدوار بينها فصل جنوب السودان إلا أنها تصر لتفتيت ما تبقى من السودان بغض النظر عن الوسيلة التي يمكن إتباعها في ذلك ما لم تمس هذه سلامة المكون الإجتماعي لوسط السودان ، وإلا فما هو التفسير الحقيقي لصمت الأحزاب والقوى الأخرى في مركز السودان الجغرافي وهي على دراية تامة بما يقوم به المؤتمر الوطني في قطع أوصال وروابط المجتمع كمدخل أولي لتفتيت السودان وتأسيس دولة المشروع الحضاري الحمدوية التي ظل المؤتمرجية يبشرون بها وبقوة عقب فصلهم جنوب السودان بينما هم يعملون بجد لفصل المكونات التي قد تعيق فكرة المشروع من خلال التحريض للتعصب القبلي وغرس اسباب الصراعات التي من شأنها أن تزيد الهوة ما بين الكيانات المتصارعة وخلق الفتن وسط المجتمعات السودانية المستقرة وإستهداف أبناء الهامش السوداني من خلال مصادرة الممتلكات والتصفية الممنهجة لمنتسبي الأقاليم التي أشعلت الحكومة الحرب فيها في جنوب كرفان و دارفوروالنيل الأزرق ، وإشاعة العنصرية والجهوية بين أبنائه ، وهذا ما يتجلى في النعرة الغريبة التي كانت قد تصاعدت بين البجا والشكرية في أحقية تبعية منطقة القضارف عقب إستهداف الحكومة وقتل إثنين من أبناء البجا بالقضارف الأمر الذي يمكن توقع حدوثه حتى في الخرطوم وخصوصا أن العاصمة المثلثة ظلت محاطة بما يطلق عليه قادة الؤتمر الوطني \" الحزام الأسود \" كنتيجة طبيعية لسياسة الإسكان \" العشوائي – التخطيط – التعويض \" التي إتبعتها الدولة منذ الإستقلال و الرامية لإبعاد غير المرغوب فيهم من مركز العاصمة القومية ويترجم ذلك بوضوح في دلالات الأسماء التي تتخذها بعض أحياء العاصمة التي ظلت واقعا كـ \" جبرونا ، طردونا ، زقلونا ، رأس الشيطان............الخ \" ـ كردة فعل طبيعية تعكس مدى إدراكهم بنوايا السلطات تجاههم ـ الأمر الذي لو حدث ربما تكون تداعياته الأسوأ في التاريخ البشري الحديث ، بعد عواقب حادثة طارق بن زياد وصلاح الدين الأيوبي ، وسيكون كارثيا في إنعكاساته على مختلف أنحاء البلاد وساعتها سنقول هنا كانت دولة ، لأن واقع السودان الآن يختلف بكثير عن الصومال قبل 1994م ، وكذلك العراق قبل 2003م وحتى عن ليبيا واليمن الحاليين ، بعد أن ملأت حكومة الإنقاذ وتلك التي قبلها البيوت بالسلاح ونشرت الأخيرة الكراهية بشكل أوسع ولا تزال تتمسك بتوطينها بين كل فردين من مواطني الدولة ، ولا أحــــــــــــــــــــــــد يقول لا .
الغريب في هذه المسألة ، هو تطابق رؤية المؤتمر الوطني في تفتيت السودان نسبيا مع تلك الغربية تجاه أفريقيا ، فبينما تعمل الحكومات السودانية على تفكيك السودان ، إذ أنه معلوم ألآن أن بعض المناطق في السودان يجلس طلابها لإمتحانات المرحلة الأساسية بمناهج غير سودانية بعضها شرق أفريقية إنجليزية \" كينية - أوغندية – أثيوبية أو تقرنجة \" وبعضها غرب أفريقية فرنسية \" تشادية \" ، و يجلس آخرون في الداخل بمنهج يختلف عنهم ، الشئ الذي قد يؤسس لواقع متفاوت وليس متنوع داخل المجتمع السوداني مما يسهل في المستقبل عملية إنهيار مشروع الدولة السودانية الأمر الذي تدعمه الحكومة السودانية وحلفاءها الشرقيين لتأسيس دولتها الإفتراضية ، تعمل الأخرى \" القوى الغربية \" على ضعف الرابط الإفريقي من خلال تبني مواقف متباينة تجاه الإتحاد الإفريقي ويتضح ذلك جليا في تجزئته لبعض مكوناته ، فلا تزال فرنسا تتمسك فقط بإتحاد إفريقيا المركزية \" السيماك \" ، وقوى أوروبية أخرى تدعم إتحاد \" الدول الست \" الجنوب إفريقي والسعي الجاد لخلق ما يعرف بالإتحاد المتوسطي وضم فيه الأجزاء الشمالية للقارة ، لتعلن أمريكا هي الأخرى تبنيها الكامل لدعم إتحاد شرق إفريقيا وبخطوات عملية حيث إرسال قواتها لمطاردة جيش الرب الأوغندي ليس في رباعه الدائري وحسب بل وحتى في سودان البشير لتأتي المفارقة مابين المؤتمر الوطني وحلفاءه من جهة والقوى الغربية من جهة أخرى في مسرح العبث \" إفريقيا \" - الذي يمثل فيه المؤتمر الوطني وأتباعه وسلفه دور البطل والخائن والضحية لامحالة في نفس الوقت - والذي سيصير حتما وبلا أدنى شك يوما ما حرا مستقلا موحدا طالما على أرضه شرفاء يناضلون لأجل كرامته ويفتخرون بالولاء له .


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 598

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالعزيز النور
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة