المقالات
المنوعات
(ساسا) = (عسل + عود) العين تأكل قبل البطن أحياناً
(ساسا) = (عسل + عود) العين تأكل قبل البطن أحياناً
02-18-2016 04:04 PM


(يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، صدق الله العظيم.
طفحت على سطح مواقع التواصل الاجتماعي الأيام الماضية ظاهرة خطيرة وغريبة ودخيلة على مجتمعنا العربي والإسلامي متمثلة بالبطر والاجحاد على نعم الله الكثيرة الظاهرة منها والباطنة، وإلا كيف تفسر إصرار صاحب وليمة أسطورية يمنع ضيوفه من استخدام الصابون لغسل الأيدي بعد الفراغ من التهام ما لذ وطاب والاستعاضة بالعسل المصفى ودهن العود الفاخر ونثر الهيل على الأرض كنوع من كرم الضيافة والوفادة وليتحدث بنعمة ربه بمفهومه الخاطئ والقاصر للآية الشريفة (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)..
على إثر ظهور الفيديو غرد الكثيرون وتندروا من الجهل وحذروا من سوء المآل مستشهدين بالآيات والأحاديث: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.. ووصفوا هذا التصرف بأسلوب جديد من التبذير والحماقة وأصابهم الذهول والاستغراب.. و عبّروا عن استيائهم من هذا السلوك لوجود الكثير من المحتاجين والأولى تقديم المساعدة لهم بدلاً من التفاخر والإسراف المنهي عنه والإتيان بما لم تسبق إليه الأوائل.. كم هو مؤلم أن ترى أناساً لا يألمون لألم اخوانهم المشرّدين والجوعى وكأنهم في مأمن من العقوبة والعذاب، لأن لكرم عندما يُبالغ فيه يسمّى إسرافاً بل يصبح قُبحاً ويُخشى على صاحبه من زوال النعمة.
قبل أيام قلائل وكعادتي من وقت لآخر ولمجرد التغيير مررت على مطعم شعبي سوداني شهير وأيقنت تماماً وبما لا يدع مجالاً للشك أن العين تأكل قبل البطن أحياناً.. شاهدت موقفين منفصلين لشخصين أحدهما كان جالساً أمامي وطلب أكثر من ثلاثة أصناف (شي بلدي وشي محمر وشي شوربة وشي سلطة وشي بارد..... إلخ) ما يكفي لخمسة أو يزيد وليته أكل خمسه.. وعندما همّ النادل لتنظيف الطاولة وأخذ ما تبقى أو (كل الأكل) المطلوب متراكماً بعضها فوق بعض دون فرز ولا ترتيب، ناديته وسألته عن مصير (البواقي) هل صندوق القمامة أم إعادة التأهيل.. أجاب أن هنالك أشخاص يأتون لأخذها.. دخلت المغسلة وعدت لأجد شخصاً آخر يستعد لذات المشهد.. أوصانا حبيبنا ونبينا الاجتماع على الطعام، وعدم الأكل متفرقين، لقوله صلى الله عليه وسلم: (اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه) وينتج عن ذلك أن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة، وطعام الأربعة يكفي الخمسة والستة.. كما رواه ابن ماجة وهو حديثٌ صحيح.
في زمن السودان الجميل وإلى وقت قريب الأكل الجماعي في أشهر المطاعم الشعبية بالعاصمة والضواحي مثل البربري المتخصص في الأسماك الشهية والإخلاص في الضلع وكل الإيدامات والبحر الأحمر وسلوي في الفول كان معظم الطباخين (الشيف) من خريجي المرطبات والسناطورات والفنادق الكبيرة متشبعين بالخبرة وليست الدراسة، كانوا يقدرون الكمية المناسبة للفرد والجماعة والمراقبة عن بُعد والاستفسار عن الوصلة كما كانت في مناسباتنا.. تطلب وأنت جالس مرتاح في طاولتك، ما عليك سوى صفقة خفيفة للتنبيه قبل أن يحل الصفوف الطويلة والدفع المقدم.
ثلاثة من زملائي المصريين في الجريدة الذين اعتادوا ارتياد ذات المطعم الشهير طلبوا (كمونية) بعد أن ذاقوا (البيتي) منها أقسموا وتعاهدوا على عدم العودة ثانية.. المطاعم السودانية ذات الطعم والنكهة تفقد العشوائية للتغير اليومي في الشكل والمذاق.. مرة عدس محروق.. ومرة فلافل بشطة ومرة غير مستو ومرة ملح زايد ومرة ناقص ومرة بدون، فن الطهي يجب أن يكون بمقادير معينة ومحددة حسب الوعاء والأعداد المتوقعة ومدة التحضير والإعداد ودرجة الحرارة واللبس الموحد والديكور ولبس القفازات البلاستيكية وكراسي (الخيزران) والبلاستيك والكثير من الرتوش.. مثلاً (البيك) والفروع المنتشرة في جدة ومكة المكرمة وأخيراً في القصيم لم تتغير النكهة منذ سنين عددا، لأن الخلطة السرية واحدة لم تتبدل مع الفصول وعامل التعرية.. وكذلك الوجبات التي تقدم في الكثير من خطوط الطيران هي.. هي.. لا يعقل أن يوضع بودرة تايد أو أومو أو أي منتج آخر داخل علبة ساسا (الملح) وليس (محاسن) وتستخدم لغسل الأيادي بدلاً من الملابس!!
لا نريد أن نغسل أيادينا بالعسل والعود.. ولا الملح.. بعد أن جعلنا الله أمة وسطا في كل شيء.. نريد أن نرجع لقديمنا عندما كنا نمسي أي صابون حمام (أبو ريحة) ولم تكن التسمية من فراغ.
معذرة تلو الأخرى للحبيبين أبو حسام ووردي اللذين يطالبانني دوماً بالاختصار وعدم الإطالة وخير الكلام ما قلّ ودلّ، وأقول لهما المقال الطويل الممل أفيد وأفضل من القصير المخل.


[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2339

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محيي الدين حسن محيي الدين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة