مؤتمر القرن الإفريقي والعالم العربي
12-04-2011 12:39 PM

مؤتمر القرن الإفريقي والعالم العربي

أ.د.الطيب زين العابدين

حظيتُ بدعوة كريمة من الدكتور عزمي بشارة، المفكر الفلسطيني والمحلل السياسي النابه والمدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، لحضور مؤتمر عن القرن الإفريقي والعالم العربي وتقديم ورقة تحت عنوان «أثر المفاهيم السلفية والحركات المتشددة على الاستقرار والتنمية في القرن الإفريقي». واستجبت للدعوة دون تردد، رغم التزامات بحثية أخرى تضغط علىّ في وقت الخرطوم «الممحوق»، وذلك لأني من المعجبين بتحليلات عزمي بشارة السياسية التي تتسم بالإستقلالية والعمق، ولأن الموضوع الذي كلفت به يجبرني على زيادة معرفتي با?حركات الإسلامية في دول الجوار الإفريقي. انعقد المؤتمر في الفترة من 27 إلى 29 من نوفمبر الماضي بالعاصمة القطرية التي تجري فيها حركة تشييد عمرانية مستمرة على سواحلها وفي أهم شوارعها حتى لا تكاد تعرف ما عهدته فيها قبل سنتين أو ثلاث. يبدو أن المركز العربي للأبحاث الذي بدأ مسيرته في العام الماضي قد فُصّل على مقاس عزمي بشارة، حتى يكون قريباً من صانعي القرار القطري فيستفاد منه في التحليلات السياسية ووضع الخيارات المحتملة. ويقول المطبق التعريفي بالمركز إنه يعالج قضايا المجتمعات والدول العربية بأدوات العلوم الاجتما?ية والاقتصادية والتاريخية بمنهجية تكاملية، وبما أن المرجعية الأكاديمية التي تؤثر على عملية صنع القرار السياسي تقع تحت سيطرة الغرب ومفاهيمه وأجندته، وأن مراكز البحوث العربية ذات المستوى الرصين قليلة نادرة فهناك حاجة عربية ملحة إلى مراجعة طرائق البحث والمقاربات الغربية ونقدها، وابتكار مفهوم للبحث من زاوية نظر عربية وبأجندات عربية بغية توفير المعلومات والتحليلات الضرورية عن المنطقة العربية يقوم بها باحثون أكفاء. وهذا ما يحتاج إلى قيام مؤسسة عربية مستقلة للأبحاث تتمتع بالصدقية والمهنية وتعنى بدراسة السياسات وا?تخطيط الاستراتيجي، أي ما يطلق عليه باللغة الانجليزية: «Think Tank».
ولماذا اختار المركز عنوان المؤتمر الحالي: «العرب والقرن الإفريقي - جدلية الجوار والإنتماء»؟ ليس الأمر غريباً فهناك جذور تاريخية عميقة من العلاقات السياسية والاقتصادية والدينية بين الجزيرة العربية والقرن الإفريقي ، ويحتل القرن الإفريقي اليوم مكانة استراتيجية هامة تتنافس عليها بشدة القوى الإقليمية والدولية، ويشكل القرن بعداً أمنياً واقتصادياً هاماً بالنسبة للسعودية واليمن والسودان ودول الخليج ومصر، ومع ذلك لا يجد القرن الافريقي الاهتمام الذي يستحقه من الحكومات والنخب الأكاديمية والإعلامية في العالم العربي. و?د يستيقظ العرب ذات صباح ليجدوا أن إسرائيل التي قفل باب المندب في وجه سفنها إلى إيلات عام 73 بتعاون يمني مصري قد تمدد نفوذها من ارتريا شمالاً وحتى ساحل كينيا في الجنوب لأن من سياستها المعتمدة أن لا يصبح البحر الأحمر بحيرة عربية تهدد أمنها من الجنوب! وستلجأ إسرائيل في ظل الثورات الشعبية العربية من حولها إلى عوامل مساعدة تتقوى بها في وجه الحكومات الديمقراطية الجديدة التي لن تكون سهلة الانقياد كما كانت الأنظمة الدكتاتورية البائدة. وقد عرضت إسرائيل أن تزود جيوش كل من جنوب السودان وكينيا وأثيوبيا وتنزانيا بمساعد?ت عسكرية تشمل طائرات بدون طيار وسفن سريعة ومرشدين عسكريين ومركبات مدرعة ووسائل تعقب إليكترونية وذلك لمساعدتها في حربها ضد تنظيم القاعدة والتنظيمات الإسلامية الأخرى، وقد يتطور ذلك إلى ما يشبه التحالف العسكري ضد بعض الدول العربية. وأحسب أن فكرة المؤتمر كانت جيدة لأنها تنبه أصحاب القرار في العالم العربي من سياسيين ورجال أعمال وأكاديميين وإعلاميين إلى أهمية القرن الإفريقي بالنسبة للعالم العربي والذي ينبغي وضع خطة للتعامل الإيجابي معه.
اتفق الباحثون على تعريف القرن الإفريقي بأنه يشمل كلا من: ارتريا، جيبوتي، الصومال، أثيوبيا، السودان، كينيا. وكانت محاور البحث في المؤتمر على النحو التالي: المحور التاريخي «3 أوراق»، السياسي الاقتصادي «9 أوراق في 3 جلسات»، الأمني الاستراتيجي «4 أوراق»، الفكري الثقافي والاجتماعي «6 أوراق في جلستين»، تعاطي الإعلام العربي مع قضايا القرن الإفريقي «4 مداخلات». كان التمثيل السوداني كبيراً ومتميزا « 12 مشاركا من جملة 26 باحثاً» على رأسهم يوسف فضل وعبد الله علي ابراهيم والنور حمد ومضوي الترابي. اتفق معظم الباحثين عل? أهمية تنمية العلاقة بين الدول العربية ودول القرن الإفريقي التي تعاني من الاضطرابات الأمنية والنزاعات العرقية والهشاشة والفقر، وأن مسئولية تقوية العلاقات وتنميتها في مختلف المجالات ينبغي أن تقع على الدول العربية خاصة مصر والسعودية واليمن والسودان لأنها دول مجاورة للقرن الإفريقي وستكون الأكثر تضرراً من عدم الاستقرار والانفلات الأمني في المنطقة.
وقد تضمنت ورقتي توصية محددة في مجال التعاون بين الدول العربية ودول القرن الإفريقي، وهي أن تقوم الدول العربية بالتشاور مع دول القرن الإفريقي بوضع خطة تعاون وعمل مشترك في المجالات السياسية والتنموية والثقافية. يتضمن المجال السياسي القضايا التالية: حل معضلة قيام الدولة الصومالية على حدودها المعترف بها دولياً بمشاركة كل القوى السياسية والعسكرية في الساحة الصومالية؛ تسوية خلافات الحدود بين دول القرن الإفريقي وليس بالضروري أن تكون تسوية نهائية بل يكفي أن تمنع وقوع الحرب بين الدول بسبب النزاع على منطقة ما وأن تكو? الحدود مرنة تسمح بالحراك السكاني والحيواني عبر الحدود؛ حل النزاعات بين الدول في المنطقتين على أساس التحكيم والتسوية السلمية؛ التوافق المشترك قدر الإمكان في المحافل الدولية حول القضايا التي تهم الطرفين. وفي المجال التنموي: تأسيس البنية التحتية المناسبة في دول القرن الإفريقي بدعم عربي والتي من شأنها جذب الاستثمار العربي للمنطقة؛ التعاون في مجال الزراعة وتربية الحيوان والصناعات الصغيرة بحيث يحدث تكامل واكتفاء بين المنطقتين؛ إنشاء سوق تكاملية مشتركة تسمح بتبادل السلع والخدمات على أساس الأفضلية لدول السوق؛ تقو?ة وسائل الاتصال والنقل البحرية والجوية بين الدول العربية والإفريقية؛ تقديم المساعدات والقروض الميسرة من الدول المقتدرة للدول الفقيرة؛ إعطاء أفضلية للعمالة الإفريقية في سوق العمل العربي؛ إنشاء بنك إدخار عربي في دول القرن الإفريقي لمنح قروض صغيرة بدون فوائد للأسر الفقيرة. وفي المجال الثقافي: إنشاء مراكز ثقافية وبحثية يتم فيها التعاون بين دول المنطقتين؛ تبادل الزيارات بين الأساتذة والطلاب والفرق الرياضية والفنية؛ عقد اتفاقيات توأمة ومذكرات تفاهم بين الجامعات والكليات ومراكز البحوث؛ تسهيل انتقال الصحف والمطبوع?ت والأفلام بين الدول؛ عقد المؤتمرات والندوات المشتركة حول القضايا التي تهم الطرفين؛ تشجيع تدريس اللغة العربية في دول القرن الإفريقي والسواحيلية في العالم العربي؛ نشر مفاهيم الوسطية الإسلامية والاعتدال بين شباب المنطقتين.
تبدو المبادرة طموحة بمعايير الوضع الراهن ولكن التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية والتكنولوجية التي تجري من حولنا تدعو لتعاون قوي ولتفكير مستقبلي بعيد المدى حتى نكون على قدر التحديات والمخاطر التي تنتظرنا في مستقبل غير بعيد. .

الصحافة


تعليقات 2 | إهداء 1 | زيارات 3242

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#250922 [muwatin]
4.12/5 (12 صوت)

12-04-2011 07:55 PM
. واستجبت للدعوة دون تردد،

لا أحسن تتردد ! كلكم انتهازيون و متكبكبون!!!!


#250810 [فاروق بشير]
4.09/5 (9 صوت)

12-04-2011 03:30 PM
الاتفاق لا يفسد للعداء قضية

أ.د.الطيب زين العابدين
قد لا تعلم ان النور حمد ومضوي الترابي اشقاء. لكن اين حسن مكي؟

اتى فى توصيتك:
(وأن تكون الحدود مرنة تسمح بالحراك السكاني والحيواني عبر الحدود)

بالامس03-12-2011 راينا الصادق المهدي يكشف عن سعيه لعمل منطقة خالية من النزاع السياسي.
هي منطقة خالية من النزاع تسمح بحوار الاطراف واتفاقهم حول نوع محدد من قضايا, لكن لا تمنع من ان يضمر كل من الاطراف الشر للطرف الاخر فى باقي المجالات السياسية.
ومثل لذلك بقضية البترول و حركة الرعاة..
واعتقد يمكن الربط بين توصيتك واشارة السيد الصادق لقضية شعوب التماس.
وانت اهل العلم والبحث: شعوب التماس 13 مليون فهلا سعيتم مع السيد الامام واخرين لفك الاختناق عليهم بمشاركة المؤتمر الوطني. والود هنا والاتفاق لا يفسد للعداء قضية


الطيب زين العابدين
الطيب زين العابدين

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة