( جنا تعرفو ولا ما تعرفو حقو تختا )
02-21-2016 11:45 AM


(جناً تعرفو ولا ما تعرفو حقو تختا)
من أمثالنا الشعبية السودانية التي أراها سالبة وانهزامية، المثل الذي يقول (جناً تعرفو ولا جناً ما بتعرفو)، ومنها أيضاً (أكبر منك بيوم أعرف منك بسنة، اسأل مجرب ولا تسأل طبيب، اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب..الخ)، وهي كما ترون أمثلة محبطة ومثبطة للهمم، تناهض التغيير وتدعو للتآلف والتعايش مع الحال الماثل والوضع المعيش رغم سوئه ورفضهم له، وفي معنى هذا المثل تقول الطرفة إن أحد إخوتنا الجنوبيين (قبل الانفصال طبعاً)، كان يمالئ الإنقاذ ويؤيدها بحكم العادة والتعود، حاول مرة بعض أقطاب المعارضة استقطابه إلى جانبهم، ولكنهم عبثاً حاولوا نزعه من صف موالاة الإنقاذ وضمه إلى جانبهم، لم يتركوا سيئة ولا خسيسة أو دسيسة إنقاذية إلا أحصوها له، ورغم ذلك ظل مستمسكاً بإنقاذيته، لجأوا لحيلة أخيرة علها تنجح معه فعرضوا عليه مبلغ مائة ألف جنيه (بالقديم طبعاً)، حيث لا قبل للمعارضة المفلسة بالملايين.. على طريقة أكلوا توركم وأدوا زولكم.. قبض صاحبنا مبلغ (الكرية) وأدخله في جيبه ثم (تبنه) بكلتا يديه، بعد أن اطمأن إلى أنه قد أحكم قبضته على المبلغ، أشاح بوجهه بعيداً وقال (إنقاذ دا ااااي ما كويس وبجي كرانج خالس خالس لاكين بس نحنا إتعودنا عليهو)، وللمعلومية كرانج بلغة الدينكا تعني تعيس وبائس، وكأني بهذا الأخ الجنوبي الفاضل أراد أن يقول (جناً تعرفو ولا جناً ما بتعرفو)...
الشاهد هنا أن البعض منا باتوا يلوكون مؤدى هذا المثل المحبط والمثبط حتى عندما يستبد بهم الغضب من عمايل وفعايل الإنقاذ ويمطرونها بسياط الشتم ويرمونها بوابل من عبارات السب، ولكنهم رغم كل ذلك يظل حالهم معها كحال صاحبنا الجنوبي (لا بريدك ولا بحمل بلاك)، بمعنى أنها بالنسبة لهم بمثابة الجن الذي عرفوه وألفوه وفضلوه على ما عداه من (مجانين).. وقد بدا لي من يرددون هذه العبارات العاجزة وكأنما يصفون الشعب السوداني بالعجز والاستكانة والمسكنة، ذلك لاستشهادهم بذلك المثل السالب الذي يغيب العلم ويلغي تفسيراته ويبرر للعجز عند مواجهة الصعاب، ويعمد للإبقاء على السيء خوفاً من أن يكون البديل أسوأ، وهذا مما يناقض المبادئ الديمقراطية ويتقاطع مع مفهوم الحرية ويصادم العدالة، علاوة على أنه يدعو للتخذيل والاستسلام والتسليم بالأمر الواقع ويكرس للتقاعس، وألا يتطلع الإنسان لأبعد من موقع قدميه، وألا ينظر لأبعد من أرنبة أنفه، ويظل حبيساً بين ماضيه الآفل وحاضره المعيش فقط، بلا نظرة للأمام وللغد والمستقبل.. وأخيراً بقي أن أذكر أن المبدع سعد الدين إبراهيم هو من (نجر) في إحدى تجلياته المثل المضاد (جناً تعرفو ولا ما تعرفو حقو تختا)، الذي جعلناه عنواناً لكلمتنا هذه.. وكفانا الله شر الجن والجنون والمجانين.

[email protected]



تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2887

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1418047 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

02-21-2016 08:19 PM
لبعض الكتاب موهبة مميزة و "يد خضراء" في اختيار العناوين الموفقة ذات الرنين المميز لكتبهم ومقالاتهم وقصصهم. و قد قيل ان ابرز مثالين لهذا ربما الكاتبين الفائزين بجائزة نوبل للادب أرنست هيمنجوى (العجوز والبحر؛ وداعا ايها السلاح؛ لمن تدق الاجراس… الخ) وغابريل قارسيا ماركيز (مائة عام من العزلة؛ الحب في زمن الكوليرا؛ الجنرال لا يجد من يراسله… الخ).
من غير ان يفهم ان هذه محاولة ولو من بعيد بوضع كاتب المقال أعلاه في صف هؤلاء العملاقين، (وبغض النظر عن محتوي مقالاته واتفاق المرء أو أختلافه معه بشأن كنهها ورسالتها) ألا انني لاحظت أن لحيدر المكاشفي ملكة في أختيار عنواين مقالاته تكاد تبز ملكات كل أقرانه في هذه الشأن. ويكفي قوقلة أسمه + سودارس ليبين للمرء أن لهذا الحيدر موهبة هيمونجوية أو قارثياماركيزية في أختيار وصياغة العناوين … تستحق اللفت اليها والأشادة بها.

[سوداني]

#1417945 [زول]
0.00/5 (0 صوت)

02-21-2016 02:20 PM
خلاص عايزنك بكرة تنظم لينا مظاهرة ضد الانقاذ وتدعو علانية لاسقاطها حينها سيتخلى الشعب السوداني عن فكرة المثل ويبحث عن الجن الاخر الذي لا يعرفه وتكون بذلك قد قرنت القول بالفعل ودافعت عن فكرة مقالك الذي وصفت به الشعب بالسلبية والانهزامية وانت تعرف في قرارة نفسك انه شعب مقهور السلبية ليست من صفاته لكنه لجأ اليها مرغما بفضل من جعلوا انصاف المتعلمين يسخرون من هذا الشعب العظيم الذي ترك لهم البلد وهاجر من استطاع وبقي صامدا من بقي لكنه ينظر صامتا الى ما يفعلونه بالبلد ويعرف انها لو دامت لغيرهم لما آلت اليهم

[زول]

حيدر المكاشفى
حيدر المكاشفى

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة