مذكرة اعتذار للمعارضة
12-21-2011 02:08 PM

رأي

مذكرة اعتذار للمعارضة

د.علي السيد

الحكومة الصادقة لا تخشى المعارضة ، قوية او ضعيفة، ولا تتمنى زوالها ولا تحتقر تاريخها ، بل يجب عليها احترامها، لان من قدرة المعارضة ونقدها تستفيد الحكومة من معالجة ما تعنيه المعارضة ، أو تشير إليه ، إن لم يكن نقداً . المعارضة وهي تطرح نفسها كبديل للحكومة القادمة أو هي حقيقة وفقا لأسس الديمقراطية ،هي حكومة ظل يجب الاعتراف بها وهذا يعني عدم استفزازها أو احتقارها من قبل الحكومة بصفتها حكومة ، وهذا ينطبق على أي حزب مشارك في الحكومة إن كانت الحكومة مشكلة من عدة أحزاب .
الكل يعلم ان الحكومة القائمة الآن هي حكومة المؤتمر الوطني وانه تفضل ببعض المقاعد في السلطة التنفيذية لبعض الأحزاب لأسباب يعلمها المؤتمر الوطني ، ولم يطلب من أي حزب ان يتصدى لأمر لا يعنيه فهو كفيل بالحديث عن المعارضة ولا يحتاج لأي حزب ان يتبرع من عنده بشتمها نيابة عنه او تزلفا له، فأهل المؤتمر الوطني ينحدرون من خلفية عقائدية وحزبهم هذا يقوده سياسيون مقتدرون ومؤهلون وعلى درجة عالية من الدهاء والمكر ، فهو اقدر من غيره في إدارة دفة الحكم ، ويعرف الطريقة التي يجلب بها العناصر التي يستطيع استعمالها من الأحز?ب ، ولكن بالطريقة التي يراها هو ، وليس ممن شاركوه الحكم ،فبرنامج الحكومة المعد سلفا والواجب الإتباع ليس فيه مجال للحالمين بمشاركته السلطة مشاركة فعلية ، فعلى هؤلاء أن يتعظوا كيف فعل هؤلاء بشيخهم (الترابي) عندما خالفهم أو خالفوه، وكيف ضاقت السلطة بأهل الدار الحقيقيين وان يتأملوا في مدى احترام الحكومة لدستورها ومواثيقها واتفاقاتها التي وقعتها مع الأحزاب والتنظيمات السياسية في السابق والقائم الآن ، إن محاولة إرضاء المؤتمر الوطني بشتم المعارضة نيابة عنه لايعني سوى الخداع المؤسف للذات والاندفاع إلى أحضان ا?مؤتمر الوطني والذوبان فيه والاستظلال بسيوفه .
المؤتمر الوطني وضع لهذه الحكومة برنامجاً نظرياً محكم الصياغة، ليس هذا فحسب ، بل عمد منذ اليوم الأول ،على تطبيقه بجدية بقوة وفعالية ، وأقول بالصدق لم تسبقها حكومة في ذلك من قبل ،وكان ذلك بالرد السريع من قبل مساعد رئيس الجمهورية الحقيقي د/نافع علي نافع على وزير التجارة الذي رأى أن يطمئن نفسه وجماهيره الرافضة للمشاركة بأنهم اتوا السلطة على أسنة الرماح ، وبرنامج متفق عليه ، فكان نتيجة ذلك الرد السريع الحاسم ، وفي أول يوم لتطبيق البرنامج، لم يتردد د/نافع لحظة من الرد ،بالرغم من أن مساعد آخر لرئ?س الجمهورية يجاوره المقعد ، ولكنه لم يتعرض لرد د/نافع القاسي ، لأنه يعلم ويعرف ما داخل الأمر وما خارجه ، ويعلم أن وزير حزبه تجاوز حدوده ، وان سجالا من هذا النوع اذ استمر فان هذه المشاركة لن تصل لغايتها( أي الوفاق الوطني )، الذي يعنيه حزبه من تلك المشاركة ، لهذا كان اختياره موفقا وليس كما قالت بعض الأقلام بأنه غير مؤهل لذلك فالمؤهل هو الذي يعرف متى يتكلم وكيف يتكلم لانه يعرف ما يرمي إليه .
من الواضح ان المؤتمر الوطني خطط بوعي من يومه الأول وفق برنامج يعمل على تعديله وتطوره من وقت لآخر، للحيلولة دون إسقاط حكومته بواسطة المعارضة ، فلذلك فهو لا يخشاها في الوقت الحاضر ،بل يسعى لا رضائها واستصحابها تحت شعارات الوحدة الوطنية ضرورة توحيد الجبهة الداخلية لمجابهة الضغط الدولي ، والحيلولة دون تفتيت ما تبقى من وطن ، او(صوملته)، فأهل المؤتمر الوطني لا يودون الخوض مع المعارضة في أي نزاع إذ ما زال لديهم أمل في مشاركتهم الحكم تحت شعار الحكومة ذات القاعدة العريضة ، ومن ثم لا يرغب فيمن شاركوه الحك? إساءة المعارضة أو استفزازها او اتهامها بانها ذات تاريخ مخزي ، أو إنها بدون جماهير الى آخر ما قاله وزير التجارة الذي جاء (يبيع الماء في حارة السقايين ).
ان وجود حكومة ومعارضة هي الوسيلة الوحيدة لإمكانية تداول السلطة سلميا ، وبهذا يتحقق هدف الديمقراطية ، والذي يرفض المعارضة ويصفها بالضعف وعدم الجماهير ويبصق على تاريخها بعد ان فارقها بيوم( وكأنه دخل الجنة) ، بهذا يبصق على تاريخه وتاريخ المعارضة التي كان صوتها وحاديها يوما يشتم المؤتمر الوطني والأنظمة الشمولية وينادي بالديمقراطية وإطلاق الحريات والحق في المعارضة .
دعوني أتساءل كيف نقنع الجماهير بأننا في الحزب الاتحادي الديمقراطي دعاة ديمقراطية ،ونحن نعلن بين عشية وضحاها رفضنا للمعارضة ، مما يعني رفضا للديمقراطية ، ونرفضها عن طريق من كنا نقدمه في المنتديات السياسية داعيا للديمقراطية والحرية ، صحيحا هكذا تسقط الاقنعة فمن أول يوم أصبح فيه وزيرنا هذا جزء من الحكومة ارتدى أقنعة الحكم الاستبدادي الذي يرفض المعارضة ويزدرئها ، في الوقت الذي يجب ان يكون همه و همنا الأول ان نعُلم الجميع بأننا طلاب ديمقراطية وإننا نطلبها للجماهير أفرادا وجماعات وأحزابا وحقهم في المعار?ة ، لا ان نطالب بها الا عندما تكون في موقع قهر وإذلال ،نريد ان نزيحه عنا ومتى زاح انقلبنا على أعقابنا ، ان الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يقوم على الديمقراطية مبدأ وفكرا قولا وفعلا ، أن يكون همه إقناع الجماهير كلها ، بان الديمقراطية قضية لكل واحد منا ، ليس قضية قوى المعارضة تتخذها كطريق للوصول للحكم ، وعندما تصل الحكم تتنكر لها ،فهذه هي الانتهازية السياسية بعينها ، سواء اتخذها فرد في حزب او الحزب في مجموعة .
إننا نبدي اعتذارنا للمعارضة مما بدر من وزير التجارة الذي ينتمي لحزبنا ، بأننا لم نقرر في أي جهاز من أجهزة الحزب أي احتقار للمعارضة او التقليل من شأنها ولا تاريخها ، ونكن لها كل تقدير واحترام ، ولا نقلل من شأنها ، وهذا ما أوضحه مقرر الهيئة القيادية في تصريح صحفي ، بان ما قاله وزير التجارة هو رأيه الشخصي ، ولايخفى على المعارضة ان ذلك القول الذي قال به وزير التجارة له دوافعه ومراميه، وندعوها ان ترتب أمورها بالطريقة التي تراها ،وان تمارس حقها القانوني في النقد والتوجيه والتعبير والإشارة والإشادة ان لزم الأم? ، وتتحسب ان لا تتخذ من المواقف ما يدعو الحكومة للحد من الحريات، وإنما تحافظ على بصيصها هذا ، فالمعارضة تعلم قبل الحكومة ان الحريات المتاحة هشة ، وقابلة للمصادرة بمعنى أن الناس يمكن ان يفيقوا صباح يوم من الأيام ويجدون ان السلطة قد صادرت جل حقوق التعبير والنشر وكل مؤسسات المعارضة واعتقلت الجميع تحت دعوى تهديد الأمن القومي وان هناك تخطيطاً لغزو البلاد وان قوى المعارضة تتعامل مع جهات أجنبية، ومن ثم يتم الانقلاب على المعارضة فعلا لا قولا كما قال وزير التجارة فنعود ثانية للمربع الأول الذي قادره وزير التجارة ?تلك المشاركة المذلة.
المعارضة هي صمام الأمان واداة الحيوية في أي تنظيم سياسي، ويشبه البعض الاتجاهات السياسية لدى المواطنين بمرجل يغلي فوق النار ،اذ لم يجد منقذا طبيعيا معدا لإخراج مابه من بخار مضغوط ، فلا مفر من انفجاره بطريقة مدمرة غير مأمونة العواقب ،كما هو حاصل الآن في الربيع العربي، إن الحكمة الأساسية من وراء تعدد الأحزاب وربط هذا التعدد بالديمقراطية ، ترجع الى قيام بعض هذه الأحزاب بدور المعارضة بالنسبة للبعض الآخر الذي يتولى الحكم ،ورغم ان المعارضة قد وجدت قبل نشأة الأحزاب التي لم يكد يتجاوز عمرها قرنا من الزمان ، فإنه? أصبحت تربط من الناحية العملية بوجود الأحزاب بحيث تكون صورية في حالة غيابها .
ان تعدد الأحزاب مع وجود المعارضة يسمح بوقف تسلط الحكومة ،ومقاومة تجاوزاتها وطغيانها واعتدائها على حريات الأفراد، ذلك ان للسلطة نشوة تشبه نشوة الخمر، وتحتاج الى منبهات للإفاقة من سكرها، والسلطة المطلقة عادة ما تؤدي الى مفاسد مفرطة ،وتحتاج الى موانع خارجية قوية لوقفها عند حدودها ، بعد ان ضعفت الموانع الداخلية المتمثلة في تقوى القلوب وخشية الله ،ولأحزاب المعارضة قوة تستطيع ان تقف بها في مواجهة انحراف السلطة التنفيذية، ويتحقق بها المراد الحقيقي من مبدأ الفصل بين السلطات ،وان ( السلطة توقف السلطة ) فالمعارضة ا?منظمة وحدها هي التي تستطيع في الحقيقة ان تجابه الحكومة وتمنعها من تجاوزاتها.
لقد بات من المسلم به ان الديمقراطية الصحيحة تقتضي قيام سلطة حاكمة ومعارضة قوية فعالة ، وهذه المعارضة لايمكن ان تتحقق عن طريق الأفراد المتفرقين الذين تتبدد أصواتهم المعترضة سدىً نتيجة لتفرقها، وبالتالي ضعفها في مواجهة سلطان الدولة القوي المدعم بالقوى المادية والإعلامية الكبيرة .
المعارضة هي مهمة الأحزاب غير الحائزة السلطة في الدولة ،ذلك ان هذه الأحزاب بما تجمعه من جماهير المواطنين ،وما تحوزه من قوى مادية وآيديولوجية وإعلامية موحدة ، تكون هي القادرة على أداء مهمة المعارضة على النحو المطلوب في الديمقراطية ، فالأحزاب المعارضة هي التي تقوم بتسليط أضواء الرقابة والنقد على إعمال السلطة الحاكمة، على نحو يدفعها إلى تصويب مسلكها وإبعادها عن مسالك الانحراف والإهمال بقدر الامكان ،وهي تحقق بذلك أيضا مهمة تنوير وتوعية الشعب بحقيقة سلوك السلطة ،بحيث يقيم حكمه على الحكومة على أساس من الحقيقة ?ا على مجرد الدعايات التي تنشرها السلطة عن نفسها .
إن الأحزاب المعارضة بما تتبناه من اتجاهات سياسية معينة وبما يتوافر لديها من كوادر سياسية قادرة على تولي السلطة ،هي التي تهيئ للشعب البديل السلمي المتاح لتولي السلطة في حالة فقدان الشعب للثقة في الأحزاب المتولية للسلطة ، وهكذا يمكن للشعب أن يغير الجهاز الحاكم بمنح تأييده للأحزاب المعارضة من خلال الانتخابات ، ويتحقق بذلك الانتقال السلمي للسلطة دون حاجة للأعمال الانقلابية أو الثورية التي تهدم الاستقرار وتهدد أركان الديمقراطية . لهذا ولغيره ولان جماهيرنا لا تحتقر المعارضة وتعتبر نفسها جزء منها نتقدم باعتذاز م?شور لما بدر من حديث وزير التجارة بشأن تحقيره المعارضة ،كما إننا لا نود أن يختتم حزبنا حياته السياسية الحافلة بالديمقراطية والحرية وجلاء المستعمر والحائز تأييد الشعب المطلق في اول انتخابات برلمانية بصدقة من المؤتمر الوطني .

الصحافة


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1565

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#260505 [abusahl]
0.00/5 (0 صوت)

12-21-2011 09:56 PM
يلا شدوا حيلكم يا شرفاء الاتحاديين وابحثوا لكم عن زعامات بديلة عن القدسية المزيفة .. ومن باعك بيعه.. فقد وضح جليا بان الهم الوطنى مفقود لديهم.. فقط البحث عن سبل استمرارية التمكين والمصالح الضيقة كما اهل الانقاذ.. بدليل ابنائهم ودراستهم فى مدارس اجنبية والجامعات بين مصر وبريطانيا وعلى طول الرجوع بهم الى داخل القصر كانك يا حواء الاتحاديين قد عقرت وليس هناك سواهم.. بربك اى استفزاز واستخفاف بالعقول اكثر من هذا ..؟ ولك الله يا وطن...


#260303 [مجودي]
0.00/5 (0 صوت)

12-21-2011 03:53 PM


والله إنت راجل عندك دم

المشكلة مش إنبراشة عثمان السريعة

المشكلة في راجل واعي زيو كان مجننا ايام الديمقراطية

بالحلاقيم الكبيرة ..

حسرة والله عثمان والعجب في المستنقع دا ..

تاني الشعب هل ممكن يصدق منو إدا كان

زي الحلاقيم دي سقطت بالسهولة دي ..؟

علشان كدا نقول يجب أن نجرب طرف سياسي مختلف تماما عن

اللغوايس اللي بقينا لا نطمئن لأي واحد منها .

عشمنا بقى في رجال كاودا كبير


#260294 [علي عيسى دبلوب ]
0.00/5 (0 صوت)

12-21-2011 03:36 PM
هؤلاء الأبالسه لا يحترمون الشعب ولا يحترمون أنفسهم فقط يحترمون السلطة ونهي ثروات البلد


#260267 [abuahmed]
0.00/5 (0 صوت)

12-21-2011 02:59 PM
دعهم فى غفلتهم يعمهون.. وما دروا بان قوة الحكومة من قوة المعارضة.. والعكس صحيح كما نرى اليوم من حكومة متهالكة اعيت من يداويها طوال خمسة اشهر فخرجت بهذا المسخ الشائه وبالمقابل توازيها معارضة من احزاب متشظية واخرى كرتونية ارتضت دخول القصر وليس لها من عضوية سوى من يمثلون انفسهم يذواتهم الفانية.. ولا حول ولا قوة الا بالله


#260262 [مهموم بالســـــــــــــــــــــودان]
0.00/5 (0 صوت)

12-21-2011 02:51 PM
حرام عليك ياعلى السيد تقول المؤتمر الوطنى خطط بوعى من اول يوم .. اذا كان فهمك للوعى
هو مانعيشه الان من بؤس وجوع وحروب ودمار فى كل بقاع السودان اذا كان هو الوعى
الذى تقصده فياحسرة على السودان ورجال السودان الذين من امثالك


د.علي السيد
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة