المقالات
السياسة
السودان .. الظلمات والنور
السودان .. الظلمات والنور
02-21-2016 11:25 AM


الشبيبة في أوروبا وأمريكا واليابان تراهم هانئين .. يتسلقون الجبال .. ويتزحلجون على الجليد .. ويلعبون الاسكواش .. يغنون ويمرحون وقد حقَّ لهم ذلك .. فقد سبقهم جيل أنار الطريق .. تجاوزوا الحروب الأهلية والجهوية والعنصرية والفتن الطائفية ويتوفر لهم اليوم علماء في المعامل ومفكرون في مراكز البحوث ووطنيون يقودون دفة السياسة ونظام سياسي مستقر ترعاه مؤسسات ديمقراطية عريقة .. لذا تراهم في المقدمة في العلم والسينما والمسرح والأدب .. تراهم في المقدمة في الاوسكار والالمبياد والمونديال . كان وراء ذلك تاريخ طويل بناه فلاسفة ومفكرين وعلماء قال لا .. قالوا لا في وجه من قالوا نعم .. قالوا لا للإقطاع .. لا للكنيسة .. لا لصكوك الغفران .. قالوا لا للذل والعبودية الاستغلال .. لا للدكتاتورية والجهل .. قالوا نعم للتفكير والتغيير والحرية .. نعم للإنسان والإبداع والابتكار .. إذن حقَّ لهم ولشبيبتهم أن يهنئوا ويلعبوا ويمرحوا .. أما نحن فهل يحق لنا ذلك؟ كيف صارت اوروبا إلى ما انتهت عليه وكيف أصبحنا نحن خارج دائرة التاريخ؟

هذه المدن الجميلة الفخمة والشوارع الواسعة النظيفة والقاعات والمسارح ، هذه السهول الخضراء والبحيرات والينابيع التى نشاهدها في أوروبا لم تأت من فراغ .. هذه الأرض ارتوت بالعرق والدماء وأرواح الشهداء وكان خلفها عظماء من الفلاسفة والمفكرين والعلماء .. إذ عاشت اوروبا ألف عام من الظلام .. فمنذ القرن الرابع الميلادي بعد سقوط الامبراطور الرومانية وحتى بواكير عصر النهضة في القرن الرابع عشر كان أوروبا تعيش عصراً من الجمود الفكري والتخلف الثقافي والاجتماعي .. ثم استيقظت أوروبا فكان عصر النهضة وايراسموس وجيوردانو برونو وليوناردو دافنشي .. تلاه عصر الاصلاح الديني ومارتن لوثر وكالفن .. ثم جاء عصر الأنوار والحداثة. مشوار طويل استبدل عصور الظلام والكهنوت بعصر العلم والأنوار فكانت الاكتشافات العلمية والجغرافية وكانت الثورة الصناعية والتقنية وكان التحول الحضاري الذي غيَّر وجه الدنيا .

كان فلاسفة الحداثة ينادون بحرية الاعتقاد والتفكير والتعبير والممارسة ويدعون إلى التمييز بين الدين والسياسة .. لأن الدين سماوي مقدس والسياسة وضعية في عالم انساني غير متجانس .. كان ينادون بالديمقراطية كأفضل نظام يحافظ على الوحدة والتماسك الاجتماعي وقبول الآخر والعدالة في الفرص .. كانوا يدعون إلى المساواة وتجاوز التمييز بين الناس على أساس الدين والطائفة .. كانوا يدعون إلى فهم مستنير للدين والدنيا .. وكان هذا الكلام يعتبر كفراً وزندقة يؤدي بصاحبه إلى المقاصل والمحارق .. إمتدت أفكار التنوير والثورة من ديكارت وكالفن في القرن السادس عشر .. وسبينوزا ومالبرانش في القرن السابع عشر .. ثم فولتير وجان جاك روسو وكانط في القرن الثامن عشر لتتكامل المسيرة مروراً بهيجل وفيورباخ ونيتشة حتى دريدا وميشيل فوكو وبول ريكور . هم وكثيرون غيرهم كانوا الشرارة التي قادت أعظم ثورات التاريخ .. فتدرجت أوروبا من الظلام والجمود إلى عصر العلم والفن والأدب فكان مايكل انجلو ودافنشي وشكسبير .. كان جوتنبرج وجاليليو وكوبرنيكوس ونيوتن فكانت أوروبا والغرب الذي نعرفه اليوم ..

لماذا نقبع في مؤخرة الأمم؟ لماذا نعيش خارج التاريخ؟

نعم هذا هو سؤال العصر .. هذه هي القضية وذلك هو التحدي العظيم .. هو سؤال الحاضر والماضي والمستقبل .. سؤال الأجيال
سؤال التنوير .. سؤال التثوير.. سؤال التغيير .. سؤال البناء والتعمير .. هو سؤال وطن وتاريخ ... سؤال فكر ومعرفة وثقافة .. سؤال جامعات ومعاهد ومراكز بحوث ودراسات استراتيجية .. سؤال كبير يحتاج لجهود كل الناس .. الشعب والنظام والمفكرين والمثقفين والفنانين والأدباء والرياضيين ..

عندما كانت اوروبا تعيش في عصور الظلام وتغط في نوم عميق كان العالم العربي والاسلامي في أوج عظمته ومجده بعد الرسالة المحمدية في القرن السابع الميلادي .. عندما كانت أوروبا تعيش في الجهل والتخلف والحروب الطائفية كان العالم العربي والاسلامي يترجم الفلسفات الاغريقية فكان الفارابي وابن سينا وابن رشد وابن النفيس وابن الهيثم والرازي وابن خلدون وابن حيان التوحيدي .. ثم دار الزمان دورته وخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات ..! فمنذ القرن الثاني عشر تقريباً ونحن نعيش في عصر دامس الظلام.
دخلنا في عصر الظلام منذ أن انهزم الفلاسفة والعلماء أمام الفقهاء .. منذ أن خسر ابن رشد أمام الغزالي في معركة التهافت وضاع الدين وضاعت الدنيا .. منذ أن ساد النقل على العقل والنص على التفكير فصار العالم يتقدم إلى الأمام ونحن نسير إلى الوراء. آلاف الكتب تم تأليفها من أجل هذا الأمر .. منذ الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي .. إلى طه حسين وعلى السيد وقاسم أمين .. إلى محمد عابد الجابري وأركون ومنصور خالد وهاشم صالح وحيدر ابراهيم ..
ما الحل؟
ليس هناك حلول جاهزة .. أو وصفة طبية مستعجلة تعالج مشاكل عمرها عشرات السنين أو مئات السنين.. لكن ما يمكن أن نقوله هو استشعار المسؤولية واﻹنفعال بالقضية والاستهداء بالحديث النبوي كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته .. ومعرفة أن هناك قضية وطنية عاجلة .. الحلول تبدأ بإخلاص ومخلصين ووطنية .. بالسعي الجاد .. بالبحث الصادق .. بالهدف .. بالمقاصد العليا .. باصحاب فكر تخطيطي ومنهجية واستراتيجيات اجتماعية وثقافية .. بخطط طويلة المدي وقصيرة المدى .. بتوعية مجتمعية .. بالتربية الوطنية.. بالمناهج .. بالتعليم .. بطرق التدريس.. باﻹعلام الواعي .. بقراءة التاريخ .. بالانفتاح على العالم وتبادل المصالح .. بعلاقات دولية جيدة .. بالاهتمام بالدراسات الإنسانية ..بمراجعة الموروث الثقافي .. بالتخلص من الاسطورة .. بالتفكير العلمي العصري وتفعيل الطاقات الدينية بالفهم السليم لمقاصد اﻷديان .. بالتفسير الايحابي للقرآن والسنة .. بالتأويل الصحيح لجوهر ومقاصد اﻵيات والحديث والفقه حتى لا يكون الدين قيد ومعوق.. بالنظر إلى عيوبنا وأسباب تخلفنا وضعفنا وهواننا على الناس .. بنظافة ما بداخل دارنا ومعالجة أمراضنا .. فما هزمنا وما دخل علينا اﻷعداء إلا من مكامن عيوبنا .. بالتخلص من الطغاة والمجرمين .. من الدكتاتورية والفساد .. لنبني مجتمع الحرية واﻷحرار .. مجتمع الكفاية والعدل .. مجتمع المساواة والفرص المتكافئة .. بتربية أجيال تعرف معنى اﻷرض والوطن والوطنية .. تعرف معني القيم واﻹنسانية .. عندها لن يهزمنا أحد .. لن يتجرأ على تسميتنا أحد.. ولن نحتاج لننتقم من أحد .. أو نسترد كرامتنا من أحد .. وفوق هذا وذاك بالقدوة الرشيدة الملهمة ..

يقول أحد الباحثين إن الأفكار العظيمة لا تحتاج لأجنحة للطيران فحسب .. بل تحتاج لمدارج للهبوط .. ومدارج الهبوط هي الواقع والمجتمع والإنسان.. إذ لابد من تهيئة الأرضية والبيئة والناس .. التربة قبل النبتة .. والموقع قبل الخطوة .. والنظرة قبل الفكرة .. حتى لا ينتهى التغيير أو الثورة في فراغ كما حدث في دول الربيع العربي حتى لا تضيع الجهود بلا مردود .. وهنا أتذكر مقولة للأستاذ محمود محمد طه في عهد نميري حيث قال إن مايو ماضية لا شك في ذلك فعلينا أن ننظر ماذا نحن فاعلون بعد مايو حتى لا تتكرر دائرة العسكر والديمقراطية قصيرة الظل .

لنتذكر كيف تحولت الصين من أرض الجريمة والمخدرات إلى قوى اقتصادية وعسكرية عظمى .. لنتذكر اليابان ، البلد التي لا تملك الآرض ولا الثروات كيف تحولت إلى مارد اقتصادي عملاق .. لنتذكر ماليزيا كيف تحولت من بلد متخلف إلى أحد النمور الصناعية في العالم ...
ولنتذكر أن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة.

[email protected]



تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2024

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1418829 [مدحت عروة]
0.00/5 (0 صوت)

02-23-2016 08:43 AM
مقال رائع واصاب كبد الحقيقة!!

[مدحت عروة]

صلاح أحمد البشير
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة