المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
ما لا يريد أن يقوله الرئيسُ البشير الخطاب الافتراضي الثاني
ما لا يريد أن يقوله الرئيسُ البشير الخطاب الافتراضي الثاني
12-25-2011 09:17 PM


ما لا يريد أن يقوله الرئيسُ البشير
الخطاب الافتراضي الثاني

الريح عبد القادر محمد عثمان

[email protected]

[يقف الرئيس هادئاً، مغمض العينين لأنه ينظر في داخله]
أعوذ بالله السميع البصير
ذكرتُ في خطابيَ الأول أنه ينبغي، بعد انفصال الجنوب، أن نغرس غرساً من أجل الجيل القادم في شطري السودان. بذرةُ تلك الغرسة وماؤها وملحها كما يلي: أولاً، ألا نطلب من بترول الجنوب شيئاً مقابل المرور والعبور؛ ثانياً، ألا نطرد جنوبياً يريد الإقامة بين ظهرانينا؛ ثالثاً: ألا نؤجج الفتنة في الجنوب، ولا ندعم أي حركة انفصالية فيه. وقلتُ إننا نقف هذا الموقف أصالةً عن أنفسنا، أيّاً كان موقف الطرف الآخر، سوءاً عاملنا بالمثل أو لم يعاملنا... وقلتُ إن موقفنا ذلك استثمارٌ في المستقبل، استثمارٌ من أجل السودانَيْن..وإنه بذرة (وتيراب) إما لوحدة قادمة وإما لجوار أقوى من الوحدة نفسها...بإذن الله السميع البصير...ولله السميع البصير في خلقه شؤون..
[تُسمع هتافات: أعوذ بالله السميع البصير، أعوذ بالله السميع البصير]

(قلنا بلاش هتافات، يا جماعة....الهتافات دي بقت بتفوَّر دمي...دا دعاء، أي زول يقوله بينه وبين نفسه، أي سوداني بحتاج للدعاء دا بالذات، وإنْ ربنا مدّ في العمر حيبطل العجب إن شاء الله)

لم تعد الهتافات تطربني كما كانت، فقد أدركتُ أنها نفس الهتافات التي سمعها غيري من قادة السودان...وكأني بالذين يهتفون، في جميع العهود، هم نفس الأشخاص..نفس الحناجر ونفس العقائر...هم أنفسهم الذين هتفوا وزغردوا للصادق المهدي وقبله للنميري وقبله للأزهري وللمحجوب ولعبود...بل حتى للحاكم العام التركي وللحاكم العام الإنكليزي، لغردون باشا ومن بعده لكتشنر...وربما هتفوا أيضاً لإسماعيل باشا وللدفتردار...إنهم يهتفون لمن يحمل عصا الحكم ويحمل البندقية...اسمعوها مني: من هتف لحاكم فقد نافق...وإذا طرب الحاكم للهاتفين من حوله فقد تكبّر..ومن تكبّر تجبّر..ولقد بتُّ، بحمد الله السميع البصير وتوفيقه، أمقت الهَـتّافة، ومعهم المدلسين من أهل الصحافة، والمزيِّنين والمادحين، واستعيذ بالله منهم، فهم صنّاع الطغاة...فقد صنعوا فرعونَ من قبلي. اللهم إني أعوذ بك من أنْ أَقْـدُمَ الهتّافةَ والمداحين (وجوقة المغنين والمطبلين والراقصين، والمحسّنين المزينين، من المستشارين والصحافيين) إلى النار...اللهم إني أبرأ إليك منهم وأتوب إليك منهم...
وتسألونني لماذا أصبحت كذلك؟ أصبحت كذلك منذ أن حدث لي ما حدث لي..ولِما حدث لي شأنٌ آخر وخطاب آخر...قريباً بإذن الله السميع البصير

المهم إن بصري قد أصبح اليوم حديداً...أرى به ما لم أكن أراه...

جئت عام 89 لأحل مشكلة السودان، لكن سرعان ما أصبحت أنا مشكلة السودان. للقيام بالانقلاب، الذي أسميناه ثورة، كذبتُ على قيادة الجيش واستخرجت شهادة مرضية مزورة. وقد ذكرتُ ذلك في مقابلة تلفزيونية. في بلدان الغرب (الكافرة) لن يقبلوا برئيس ثبت كذبه وتزويره، فكيف قبلتم أنتم بي؟ أو لا تعلمون أن الكذب في الإسلام من علامات المنافق \"وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم\"؟ كيف ظننتم أن شرع الله سوف يقوم على النفاق، وأن دولة الحق سوف تقوم على باطل، وأنّ من كذب عليكم في البداية سيصدقكم القولَ والعهدَ في النهاية؟

وللأسف لا توجد مؤسسة علمية في هذا البلد تحسب وتقيم كم يخسر السودان يومياً من بقائي في الحكم، ولا كم تبلغ تكلفة المحكمة الجنائية، وتكلفة عدم مشاركاتي الدولية، ولا كم تبلغ تكلفة الزيارات التي قمت بها من باب الرياء والتحدي خصماً على قوت الشعب السوداني ولم أدفعها من جيبي؟ وبنفس المنطق: ما هي تكلفة استعدائنا للعالم، وعنترياتنا و(هاشمياتنا) التي لا وزن لها في الحقيقة لا دبلوماسياً ولا سياسياً، بل تأتي بمردود عكسي؟ كم من تصريحات أطلقناها بقصد الرياء وحشد تصفيق البسطاء الذين نستغل جهلهم وإعجابهم بـ \"الألعاب النارية اللفظية\"؟


إن في هذا البلد من الجهل أكثر مما فيه من الجوع والمرض. لا أقصد فحسب جهل العامة من الأميين؛ فأقسى أنواع الجهل ذلك الذي يعانيه المتعلمون. ولا أقصد فحسب الذين يعرفون القراءة والكتابة؛ فإن أخطر أنواع الجهل جهل الخريجين وحملة الشهادات ممن يجهلون ويجهلون أنهم يجهلون. أي أن هؤلاء يجهلون مرتين. ويعنيني هنا ذلك الجهل الذي يعجز معه صاحبه عن تقييم صائب لنظام حكم انفرد بالحكم لأكثر من عقدين وفرَّط في أكبر إقليم بالبلد ولم يحقق لا تنمية ولا أمناً. أكثر خريجينا لا يعرفون معايير تقييم نظام الحكم. هناك من المتعلمين من إنْ تسأله عن البشير يقل لك \"راجل طيب\"!! يا سيدي نحن نريد رئيساً يحقق السلام والتنمية والاستقرار، وهذه لم تتحقق خلال 23 عاماً، فما دخل ذلك بالطيبة؟ ومنهم من يقول لك \"البشير أسد\". إنْ كان كذلك فالغابة أجدر به، وليس كرسي الحكم. كم من متحدث متعلم يعدد \"إنجازات\" الإنقاذ في بناء الطرق والجسور والعمارات وهو يجهل أن كل ما أنجزته الإنقاذ في 23 عاماً يمكن وينبغي إنجازه في عام واحد فقط.

وهناك متعلمون لا يدركون أن انفصال جنوب السودان هو أكبر فشل سوداني على الإطلاق، ناهيك عن كونه أكبر خسارة عربية إسلامية بعد خسارة الأندلس. كان الأندلس مدخلاً لأوروبا وانتشار الإسلام. فأغلق ذلك المدخل بسبب التشرذم والميل إلى الدعة والمجون. إما الجنوب فهو مدخل العرب والإسلام إلى أفريقيا، وقد انغلق الآن بإرادة إسرائيلية وتنفيذ سوداني.

في نهاية هذا الخطاب الثاني، أود أن أطلعكم على سبب توبتي عن (الرقيص).
لقد قرأت في موقع سوداني مشهور هذه القصيدة واعتبرتُ بها:

أيُّها الراقصُ، بَينَ الغِيدِ، في أرضِ البُكاةْ
هل ذاك شــــرعُ اللهِ؟
أم حكـــــمٌ وجــــاهْ؟
أيها الراقصُ في أرضِ الجياعْ
بين الرعاعْ
والبسطاءْ
أيها النشوانِ في عرسٍ وعيدْ
والناس يغلبها البكاء
في كل عيدْ
أيها الراقصُ
فوقَ (أكوامِ الترابْ)
أتُراكَ ترقصُ رقصةَ النشوانِ
في يوم الحسابْ؟

وأرجو أن يكون التائب عن الرقص كمن لم يرقص ولا رقصة واحدة فوق جماجم الموتى...بيد أن التوبة عن الرقص لن تكتمل إلا بتوبة أكبر.

وحتى لقاء آخر في خطاب آخر إنشاء الله، أستعيذُ وأعيذكم بالله السميع البصير


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 876

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الريح عبد القادر محمد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة