السلام قبل الدستور
12-26-2011 01:26 PM

المشهد السياسي
السلام قبل الدستور

د. الشفيع خضر سعيد

في يونيو من هذا العام «2011»، كتبت مقالا يستنكر الدعوة لصياغة الدستور الدائم في ظل استمرار الحرب الأهلية في البلاد. والفكرة الرئيسة لذاك المقال تضمنت عددا من النقاط، منها:
أولاً: جذور الحرب الأهلية التي ظلت مشتعلة في البلاد، قبل وبعد انفصال الجنوب، تتعلق بقضايا الاعتراف بالتنوع والتعدد، اقتسام السلطة والثروة، والهوية. وبدون التوصل إلى حلول وتوافق حول هذه القضايا، لا يمكن التوافق على دستور دائم للبلاد، لذلك، فإن الخطوة الاولى نحو وضع الدستور الدائم للبلاد هي وقف الحرب وإعلاء شأن التفاوض السلمي للتوصل إلى حلول مجمع عليها تضمن في صلب الدستور الدائم.
ثانياً: وضع الدستور الدائم للسودان، ليس بالعملية الفنية البحتة، أو مجرد صياغات قانونية يمكن الاستعانة فيها بالخبراء الدوليين في الفقه الدستوري، أو الاكتفاء بدراسة دساتير البلدان الشبيهة، بل هي عملية سياسية من الدرجة الأولى مرتبطة بمهام تأسيس دولة سودان ما بعد الاستقلال.
ثالثاً: عملية وضع الدستور الدائم للسودان، لا تبدأ من الصفر، أو من صحيفة بيضاء خالية من أية تجربة سابقة، بل تنطلق من دراسة فشل التجارب السابقة، بما فيها فشل تجربة الإنقاذ نفسها في وضع الدستور الدائم في سنواتها الأولى. وأعتقد أن ذلك الفشل، وقبله فشل النظام المايوي الذي ذهب هو ودستوره الدائم إلى المزبلة، وكذلك حقيقة أن مفهوم الدستور الانتقالي أو المؤقت هوالذي ظل ثابتاً منذ فجر الاستقلال حتى اليوم، أعتقد أنهما، ذاك الفشل وتلك الحقيقة، يجب أن يكونا كافيين للتأكيد على الارتباط الوثيق بين وضع الدستور الدائم والتو?فق على مشروع وطني لبناء الدولة، وكذلك التأكيد على إزالة أية أوهام بإمكانية بناء الدولة ووضع دستور دائم لها على أساس نظرة آيديولوجية أحادية لهذا الفصيل أو ذاك، مهما أصبغ على نفسه من صفات الالتزام الوطني أو إدعى أنه الأقرب إلى القدسية أو الاكثر إخلاصاً للدعوة الإلهية.
في مقال اليوم، نتناول ذات الفكرة ولكن من زاوية أخرى. والمحفز هو ذلك النشاط الحيوي الذي ينتظم حالياً في البلاد بمبادرة من عدة جهات توحدت جهودها في اللجنة التحضيرية لورشة «رؤى حول صناعة الدستور في السودان»، بهدف الوصول إلى إجماع وطني حول الدستور الدائم للبلاد. ونحن على قناعة تامة، بأن دافع هذا الحراك هو الإخلاص لقضية الوطن، لذا فهو يجد منا كل الإشادة والاحترام، والرغبة أن يكلل بالنجاح. لكنا، ننظر إلى المسألة بمنظار آخر، يتعلق بترتيب أولويات الجهد المبذول. نحن ننطلق من نظرة إلى الواقع الذي تعيشه بلادنا اليوم،?فتكشف عن مأساوية الحرب الأهلية المشتعلة في جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان ودارفور، وعن مخاطر اتساع رقعة الحرب بعد تحالف حركات دارفور غير الموقعة على اتفاق الدوحة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان/ الشمال في الجبهة الثورية المسلحة، وعن التململ الواضح في الشرق، وعن المنحى الجديد لحركة المتضررين من السدود بعد اعتصامات المناصير، وعن قضية أراضي مشروع الجزيرة المقدمة إلى المحاكم السودانية والأجنبية، وعن قضية أبيي المتفجرة التي مازالت عالقة مع العالقات الأخرى بين دولتي السودان وجنوب السودان...الخ. نحن ننطلق من هذه?النظرة إلى الواقع، لنقول: صحيح أن معركة الدستور هي معركة مفصلية بالنسبة للصراع السياسي في البلد، لكن الأولوية هي العمل على وقف الحرب الدائرة الآن في البلاد، ومعالجة آثارها كلها، ثم الاتفاق على مشروع وطني مجمع عليه، يخاطب جذور الأزمة ومسببات الحرب الأهلية، مشروع، بالتأكيد، سيشكل اللبنة الأولى والركيزة الأساسية في صياغة الدستور الدائم للبلاد. ونقول ثانياً، بضرورة مساهمة قطاعات الشعب كلها في صياغة هذا المشروع، مما يتطلب مناخاً حراً لا يمكن أن يتوفر إلا في ظل تحول ديمقراطي حقيقي. ونقول ثالثاً، إن الآلية الملائ?ة لتجسيد كل هذه العملية وجعلها فعلا ملموسا هي آلية المؤتمر القومي الدستوري. ونقول أخيراً، إن هذه النخب التي تنادت للاتفاق حول رؤى صياغة الدستور الدائم، في مقدورها الاتفاق على مشروع لوقف الحرب ولتغيير الواقع السياسي الراهن، والدفع به في سلم الأولويات، مما سيكسب حركتها زخماً جماهيرياً حقيقياً.
إن الحراك، السياسي والاجتماعي، في أي بلد يتمدد على مستويين: المستوى الرسمي والمستوى
الشعبي. وفي المسافة الفاصلة بين المستويين تتحرك الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، لردم الهوة وتحقيق التناغم المفقود. ومساحة هذه المسافة الفاصلة تتناسب طرديا مع درجة التأزم في البلاد، بمعنى كلما كانت هذه المسافة شاسعة كانت الأزمة أكثر حدةً وعمقاً. وبالنسبة للسودان، فإن المسافة بين المستويين بلغت حداً من التباعد جعل التأزم يصيب كل شيء، المستويين وحتى المسافة بينهما. ونستطيع تلمس صعوبة تحرك الأحزاب ومؤسسات المجتمع الأخرى لتقليص تلك المسافة الشاسعة، للأسباب الواضحة كالشمس، والمتكررة حد الغثيان، والمتمثل? في الحكومة المتعسفة، ضربها للنقابات والاتحادات وأماكن التجمعات، بل وضربها لنظام حياة متكامل. ورغم ذلك، تتحرك الأحزاب والمؤسسات المدنية للالتقاء بالجماهير والبحث عن حلول، فتواجه بالعراقيل والاعتقالات والطرد والحل. وبهذه الطريقة دخل الصراع السياسي في البلاد دائرة أكثر تعقيداً: الحكومة تتصرف والشرر المتطاير من عينيها يحجب عنها الرؤية، والشعب يصل إلى حقيقة «أقلع حقك بيدك»، وعدد الحركات المتمردة على ظلم المركز في تزايد، والمهضومة حقوقهم يعتصمون في العراء، مفترشين الأرض وملتحفين السماء، والعنف، أو بوادره، تختلف?درجته من منطقة لأخرى، بحسب الموقع الجغرافي من المركز والثقل القبلي وعوامل أخرى كثيرة. هذا التناحر المطرد في علاقة الشعب والحكومة يقابله صراع بين الحكومة من جهة، والاحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني من الجهة الأخرى، حول كيفية إدارة شؤون البلاد. وهو صراع تنظر له الجماهير بصبر نافد، فقد مضى أنضر العمر ولم يفارقها الرهق. وكما في المعادلات الرياضية، يمكنك استخدام «س» و «ص» للرمز إلى طرفي الصراع، اللذين يدعيان الدفاع عن أحقيتهما في حكم الشعب. لكنهما، وبحكم طبيعتهما، قطعاً يختلفان عن «س» و«ص» في المعادلات الر?اضية. ففي الصراع الاجتماعي، «س» تحمل في طياتها كتلا متمايزة، وكذلك «ص» أيضاً. وعادة ما يترجم هذا التمايز بمراكز الثقل والقرار في الحكومة وفي الأحزاب السياسية الأكثر نفوذاً جماهيرياً. وأثناء هذا الصراع، يحدث أن يخرج أحد الأطراف من اللعبة، أو يتم تبادل الأدوار، أو يخرج آخر ويذهب حيث الشعب مصادماً! وكل هذه العمليات، مهما كانت قوة درجة السرية التي اكتنفتها، فهي مكشوفة تماماً.
وبحكم القيود التي تفرضها الإنقاذ على الحراك السياسي في البلد، فإن الناشطين في مسألة صناعة الدستور يتحركون في إطار مضمارهم السياسي، وعلى المستوى الرسمي، بحيوية أكثر من حيوية حراكهم على المستوى الشعبي. وهذا الحراك المتجه أكثر إلى أعلى، إذا لم يصمد تجاه لعبة التوازنات المفروضة من العامل الخارجي وبيوت الخبرة الدولية، ستواجهه الكثير من المزالق، بما في ذلك خطر الخروج بحلول معلبة، لا تغير من الواقع.
ملاحظة أخرى، إنه كلما تم حصر حلول الأزمة في إطار المضمار السياسي للنخب وحدها، ظهرت المساومات وإزداد الابتعاد عن القضايا الرئيسة التي تهم الشعب. قد يقول قائل، بأن النخب السياسية تصدت منفردة لقضايا ما بعد الاستقلال. فنجيب عليه، بأن الانفراد لم يكن مطلقاً وبعيداً كلياً عن القواعد، ثم أنه مبرر ومقبول في سياقه التاريخي، والأهم من ذلك كله، لم يحقق النجاحات المطلوبة. وبدلا من أن تتطور تلك التجربة وتتسلسل بشكل منطقي يسمح بالنمو والتقدم، ها نحن اليوم نتراجع تراجعاً مخيفاً لتلك الأزمنة البعيدة، لنبدأ من حيث ما ?بتدأت لا من حيث ما انتهت: ألف باء تجميع الناس من أجل قضية بناء الدولة المستقلة، وهذه المرة في ظروف أكثر تعقيداً من قبل. ومن ناحية أخرى، فإن تلك النخب التي تصدت لقضايا ما بعد الاستقلال، قطعا لم تبتدر حراكها وتبني منظماتها المختلفة على لوح شمع خام Tabula Rasa، وإنما دائماً كان هنالك الموجود من وعي وحراك سابقين لذلك الابتدار. خذ مثلا، تجربة تأسيس الحزب الشيوعي السوداني، عندما التقت مبادرة المثقفين الثوريين مع مبادرة حركة الطبقة العاملة في منتصف الأربعينيات. فالحلقات الأولى المؤسسة للحزب عندما توجهت نحو الطبقة?العاملة طارحة شعاراتها لتغير الواقع معتبرة هذه الطبقة مضمارها الرئيسي، وجيش التغيير الأساسي، تلك الحلقات من المثقفين الثوريين، لم تجد الطبقة العاملة «لوحة الشمع» التي تنتظر القادم الأول ليكتب أو يطبع عليها، بل وجدتها منتظمة في تجمعات حركية تتصدى لقضايا العمال والوطن، منطلقة من وعيها الناتج من تلك الحركية الجنينية. والتقطت حركة الطبقة العاملة شعارات تلك الحلقات المؤسسة، وتناغمت خطواتها مع وقع خطى منظريها. وهذا التناغم في الخطى تكرر في أكثر من حدث، مثلاً التجاوب الجماهيري الواسع والمتحمس لخطاب الأستاذ فاروق ?بو عيسى عن جبهة الهيئات، وهو يعلن الإضراب السياسي العام من أمام دار القضاء في ثورة اكتوبر 1964م، تجاوب نقابات عمال السودان مع حادثة اغتيال الزعيم الأفريقي باتريس لوممبا، بإعلانهم مقاطعة التعامل مع حركة السفن والطائرات للدول المتهمة بالمشاركة في مؤامرة الاغتيال، خروج جموع الشعب السوداني الهادرة الرافضة لاستقالة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بعد نكسة 1967م، ثم استقباله في الخرطوم استقبال المنتصر رغم الهزيمة، بل ومحاصرتهم لمؤتمر القمة العربية آنذاك ليخرج باللاءات الثلاثة الشهيرة، الاستقبال الأسطوري للزعيم الر?حل جون قرنق وبمشاركة فعلية من أبناء الشمال أبهرت العالم، وقطعاً أخافته أيضاً، رغم الجهد الجبار الذي ظلت تبذله آلة الإنقاذ الإعلامية في تشويه صورته وإبرازه سفاح حرب وقاتلاً لأبناء الشمال.
وما يمكن قوله بطريقة واضحة، هو أن تصدي النخب لقضية الدستور إذا لم يضع في الحسبان وقف الحرب باعتباره مقدمة أولية لا بد منها، وإذا لم يلتفت إلى إشراك أوسع قاعدة جماهيرية ممكنة، فالناتج سيكون تكريساً للوضع القائم، وضع الكارثة العنقودية. وإن ما يحدث الآن من حراك على خطوط متوازية رغم نبل مقاصده وإخلاص محركيه، يحتاج منا جميعاً إلى إعادة النظر في ترتيب الأولويات وحشد كل الجهود من أجل وقف الحرب أولاً وثانياً وثالثاً.

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 1486

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة