المقالات
السياسة
الهويـة السودانيـة 2
الهويـة السودانيـة 2
11-13-2015 05:59 PM


السودان: اسم أجدادنا واسمنا الحالي
في الحلقة السابقة ذكرنا أن اسم السودان أطْلِق على بلادنا الحالية منذ أكثر من خمسة ألف سنة، وأنه بعد دخول المماليك مملكة مقرة في القرن الرابع عشر الميلادي تخصص اسم السودان في الذهن المصري على مناطق السودان الحالية دون غيرها من مناطق افريقيا جنوب الصحراء. فاسم السودان هو الاسم الذي أطلقه علينا قدماء المصريين واليونانيون والرومان والعرب، فماذا أطلق أجدادنا على أنفسهم؟
في الوقت الذي كان فيه المصريون يطلقون على أجدادنا اسم السود أو السودان(نِحسي) منذ نهاية الألف الرابع أو بداية الألف الثالث قبل الميلاد ظهر أيضاً اسم كوش في الآثار المصرية كعلم على السودان أو النِحسي منذ القرن الثاني والعشرين أو القرن العشرين قبل الميلاد وحتى القرن الحادي عشر الميلادي.(انظر لكاتب المقال الحلقة الثانية من موضوعات عن كوش في موقعي سودانيزأون لاين والراكوبة في 29 / 6 / 2015)
ويبدو أن اسم كوش كان اسماً محلياً لأن المصريين ذكروه أول الأمر كأحد مناطق السودان المجاورة مثل ارثت وستو ويام ومزا، إذ يبدو معقولاً أن يكون المصريون سجلوا تلك المناطق وفقاً لأسمائها المحلية. ثم أصبح اسم كوش ينتشر بعد أن بدأت مملكة كوش توحد كثيراً من مناطق السودان تحت قيادتها حتى أصبح اسم كوش في عصر الأسرة الثامنة عشر (القرن 16 - 14 ق م) كما ذكرسليم حسن (تاريخ السودان المقارن ص 66، 81) علماً على مناطق النيل والصحراء الشرقية، كما أطلقوه أحياناً بصورة عامة على سكان بلاد بنت.
ولذلك فمن المقبول جداً أن يكون اسم كوش إسماً محلياً أطلقه السودانيون على أنفسهم، ثم أخذه المصريون وغيرهم. ومن المعروف أن اسم كوش ظهر في الآثار المصرية للدلالة على سكان السودان قبل عصر نبي الله موسى عليه السلام، أي قبل أن توحى التوراة عليه بأكثر من خمسة قرون. فاسم كوش الذي ذكر في التوراة والتراث العبري مأخوذاً من كوش السودان.
ومما يؤيد أن اسم كوش كان إسماً محلياً فإنه لم يندثر بنهاية مملكة كوش الأولى في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، بل ظل حياً بين السكان حتي قيام مملكة كوش الثانية في القرن الثامن قبل الميلاد، فاتخذه أول ملوكها كاشتا أو كاشتو (أي الكوشي) إسماً له. وقد ظل اسم كوش عائشاً حتى بعد قيام مملكة سنار، فقد استخدمه الرحالة اليهودي روبيني عندما زار سنار في عصر أول ملوكها عمارة دنقس.
ويبدو أنه كانت هنالك بعض الأسماء المحلية العامة الأخرى في غرب ووسط السودان إلى جانب اسم كوش مثل اسم النوبة في العصر المروي وما بعده، واسم العنج في غرب وشرق ووسط السودان في العصر المسيحي. فاسم النوبة عرفه اليونانيون كاسم محلي في غرب السودان في القرن الثالث قبل الميلاد، ثم عُرِف في شمال السودان عندما دخلت فبيلة النوباديين تلك المنطقة في القرن الثالث الميلادي. ووجد العرب النوباديين في شمال السودان فأطلقوا عليهم في المراحل المبكرة اسم النوبة. ولذلك فاسمي النوبة والعنج أسماء محلية سادت وظلت عائشة حتى عصر مملكة الفونج. ورغم إن المصادر العربية ذكرت أسماء عدد كبير من القبائل قبل القرن الخامس عشر الميلادي إلا أنه لم تظهر سيادة لأيٍّ من تلك الأسماء القبلية إلى جانب النوبة والعنج.
كما يبدو معقولاً أيضاً ارتباط اسم السودان - الذي انتشر في مصر منذ القرن الرابع عشر الميلادي- على قطرنا الحالي وبدأ ينتشر بين سكان السودان مع دخول الاسلام وانتشار اللغة والثقافة العربية. وبدأ اسم السودان كعلم عام على السكان يحل محل اسمي النوبة والعنج، فانحسراسم النوبة ليعيش فقط في كردفان والجزء الشمالي من السودان وانتهى استخدام اسم العنج وظل حياً فقط في قليل من الآثار وقي ذاكرة السكان في شمال وغرب ووسط السودان.
والسؤال المهم هنا هو ما دليل سيادة اسم السودان كعلم عام للسكان منذ القرن السادس عشر، أي منذ قيام الممالك الاسلامية في السودان؟
لعل ما ورد في بعض التراث الشعبي المدون في المخطوطات العربية المحلية منذ قيام مملكة سنار في مطلع القرن السادس عشر يلقي بعض الضوء على ذلك. فقد تناولت بعض تلك المخطوطات المفهوم الذي كان سائداً في ذلك الوقت لأصول السكان ومواطنهم. ونتوقف هنا مع نماذج من بعض تلك المخطوطات بين القرنين السابع عشر و والتاسع عشر الميلاديين لنرى توزيعها الجغرافي لبعض السكان مثل أسرة الفونج وقبائل جهينة وفزارة وبني سُلَيم والحداربة. وهذه المخطوطات توجد مترجمة إلى اللغة الانجليزية في الجزء الثاني من كتاب ماكمايكل A History of the Arabs in the Sudan وكذلك في الترجمة العربية لهذا الكتاب والتي قام بها الاستاذ سيد على محمد ديدان ونشرها مركزعبد الكريم ميرغني عام 2012.
جاء في المخطوطة المعروفة بمخطوطة النور عنقرة والتي يرجع أصلها للقرن السادس عشر الميلادي عن أسرة الفونج "أنهم دخلوا السودان". ويقول ود عووضة في مخطوطته التي ترجع إلى القرن السابع عشر أن "قبيلة فزارة استقرت باسودان" وأن الحداربة استقروا "على ساحل البحر المالح بالسودان" وفي مخطوطة ود دوليب الأكبر في القرن السابع عشر أن عرب بنوسليم "لهم فروع في السودان" وفي مخطوطة ابن الفكي في القرن التاسع عشر أن قبيلة جهينة "استقرت في السودان"
ومن الواضح أن السودان المذكور في هذه المخطوطات لم يقصد به الاسم العام الذي يرجع إلى افريقيا جنوب الصحراء، بل قصد به سوداننا الحالي حيث استقرالحداربة في شرقة وجهينة في غربه. وقد اتضح إطلاق اسم السودان في تلك الأوقات على قطرنا الحالي بصورة جلية في مخطوطة ود دوليب الأصغر عام 1738م والتي جاء فيها: "أصل السودان أهل الوطن النوبة والأحباش والزنج، أول الشعوب التي دخلت عليهم البربر ... وقبائل العرب."
تحدث ود دوليب الأصغر عام 1738م عن الوطن الذي ضم المجموعات السكانية التي تناولها وهي: النوبة والأحباش والزنج والبربر والعرب. ولسنا هنا بصدد الحديث عن من هم النوبة والأحباش والزنج والبربر والعرب، وقد تناولنا ذلك في مقالين نشرا في مواقع سودانيزأونلاين وسودانايل والراكوبة في شهر يونيو عام 2014. كما تمت مناقشة ذلك بشيء من التفصيل في الجزء الرابع من كتابنا السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية (في مرحلة الطباعة الآن)
وما نود التوقف معه هنا هو أن هؤلاء السكان بأقسامهم الخمسة قد أطلق عليهم ود دوليب اسم السودان ووصفهم بأهل الوطن. ولو نظرنا إلى أماكن أولئك المواطنين لوجدناها في حدود السودان الحالية. ورغم أنه لم يوضح صراحة اسم ذلك الوطن ولكن يفهم ضمنياً أن الوطن هو بلد هولاء القوم الذين اسمهم السودان، فوطنهم هو بلاد السودان. وكأنّ ود دوليب قد حدد الوطن وهو السودان، ومواطنيه وهم السودانيون. ويلاحظ أن المخطوطات التي تناولناها أعلاه قد نصت صراحة إلى موطن تلك الفبائل الذي هو السودان.
فالسودان في مفهوم أجدادنا بعد انتشار الاسلام والثقافة العربية هو بلدنا بحدوده الحالية، ولنا أن نفتخر بهذا الاسم الذي استأثرنا به من باقي إخواننا سكان افريقيا جنوب الصحراء. وقد أوشكت مالي التي كان يطلق عليها السودان الفرنسي أن تستأثر بهذا الاسم إذ كانت تود أن تطلقه على دولتها الوليدة بعد الاستقلال إلا أننا سبقناها على ذلك. فاختارت اسم اسم مالي وهو اسم المملكة القديمة في المنطقة. ومثال ذلك اختيار سكان ساحل الذهب اسم غانة لدولتهم بعد الاستقلال بالرغم من أن مملكة غانة القديمة كانت في حدود دولتي السنغال ومورتانيا الحالية بعيدا جداً عن حدود ساحل العاج
ونواصل.


ahmed.elyas@gmail.com


تعليقات 0 | إهداء 2 | زيارات 2386

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أحمد الياس حسين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة