المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الخليل شهيداً!! .. قرابين نجاح المشروع الأمريكي في السودان
الخليل شهيداً!! .. قرابين نجاح المشروع الأمريكي في السودان
12-27-2011 05:00 PM


الخليل شهيداً!! .. قرابين نجاح المشروع الأمريكي في السودان ..

د. أحمد عثمان
[email protected]

طالعتنا أجهزة الإعلام بخبر نجاح نظام الإنقاذ في تصفية زعيم حركة العدل والمساواة المقاتلة من أجل العدالة والمساواة لكل أهل السودان ولأهل الهامش إنطلاقاً من دارفور، منذرةً الكل بما هو أعمق من الحزن على الشهيد واستشعار خطر فقده على المعادلة السياسية والعسكرية على فداحته، ومنوهةً إلى سيناريو مابعد إنفصال جنوب البلاد الذي تعمل من أجل إنفاذه الإدارة الأمريكية بالسودان.
فالخليل الشهيد، إتفقنا أم إختلفنا معه على المستوى الفردي، يبقى قائداً لحركة سياسية وعسكرية فاعلة، ليس من العدل حبسها في إطار معطيات وظروف تأسيسها ، ومصادرة حقها في التطور والنضج، وإسهامها الفاعل في إضعاف نظام المؤتمر الوطني وكشف عوراته، ليسهل تنميطها وجعلها فرعاً للمؤتمر الشعبي، في تجاهل تام لتطور طرحها السياسي من الإقليمية ليشمل كامل التراب السوداني، ومن الإطار الديني المحدود لسعة فضاء دولة المواطنة، ومن الإقصاء ونبذ الآخر أو محاولة إبتلاعه، إلى الإنفتاح على كل أشكال التحالفات رغم ماتعرضت له من خيانات بعض القوى السياسية.

وبالرغم من أن الحركة كتنظيم سياسي ليست هي شخص زعيمها كما يتوهم بعض أعدائها، إلا أن تصفية زعيمها لابد أن تترك أثراً لايمكن إهماله أو التقليل منه. ولعل ذلك بالذات كان السبب الأول الذي جعل الخليل يذهب إلى عالم الشهادة المكرس لظلم من إغتاله، كقربان لإنجاح المشروع الأمريكي في السودان وتثبيت سلطة المؤتمر الوطني المستسلمة بالكامل أمام عنفوان وصخب هذا المشروع. وحتى لا نتحدث بالألغاز، يتحتم علينا أولاً أن نبسط المشروع الأمريكي المنوه عنه، لنرى كيف كان هذا المشروع في صلب تصفية زعيم حركة العدل والمساواة. وللقيام بذلك لابد من العودة لإتفاقية نيفاشا المقدسة بإعتبارها صفقة رعتها الولايات المتحدة الأمريكية وهندست بناءها على أساس دولة واحدة ونظامين في فترة إنتقالية يستفتى الجنوبيين بعدها على البقاء ضمن هذه الصيغة إلى الأبد أو الإنفصال .

ولسنا ممن يظنون في الإدارة الأمريكية السذاجة أو من يتعاملون معها على أساس أنها تبني سياستها الإقليمية إستناداً لقاعدة \"رزق اليوم باليوم\"، لأننا نعلم أن تلك الإدارة تضع خططاً إستراتيجية لنشاطاتها بشكل مؤسسي وتوائمها وفقاً للتطورات على الأرض كلما كان ذلك مطلوباً ، وتستخدم البدائل الموضوعة لإنفاذ تلك الخطط الإستراتيجية.

والقراءة المتأنية لصفقة نيفاشا، تؤكد أن الإدارة الأمريكية كانت تعلم منذ اليوم الأول أن مواطني جنوب السودان لن يختاروا الإستمرار في الصيغة الإنتقالية ويباركوا بقاء الدولة الدينية في الشمال آخذة في إعتبارها قصر نظر المؤتمر الوطني من جهة وضعف قدرته على التحليل الإستراتيجي من جهة أخرى، هذا إن لم تكن هي من شجع الإنفصال حسب إتهامات البعض لها. عليه كان لزاماً على هذه الإدارة أن تضع مشروعاً إستراتيجياً للتعامل مع هذا الواقع الذي ستفرزه إتفاقية نيفاشا، دون أوهام للحفاظ على مصالحها في الإقليم.

وبالنظر لمصالحها في الإقليم، نجد أنها لا تنفصل عن مصالحها في المنطقة ككل والمرتبطة بحروب الطاقة التي ستكرس الإمبراطورية المنتصرة آنياً وبعد إنتهاء حقبة النفط. إذ أصبح من المعلوم أن الطاقة المستقبلية البديلة للبترول في المدى المنظور هي الغاز الطبيعي و الغاز الحيوي \"البيوغاز\".
وإذا كان الجنوب يمتلك غازاً طبيعياً بالإضافة إلى ثروات أخرى تجعله في قلب معادلة المستقبل، فشمال السودان بمساحاته الزراعية الشاسعة غير المستغلة، مرشح ليكون أكبر منتج للغاز الحيوي \"البيوغاز\" في العالم مستقبلاً.

ولهذا كان لزاماً على الولايات المتحدة الأمريكية أن تضع إستراتيجيتها في الإقليم بناءاً على المحافظة على إستقرار السلطتين في الدولة الوليدة والقديمة معاً. وذلك لأن إستقرار السلطة في الدولة الوليدة يستلزم إستقراراً في دولة الشمال وتعاوناً بين الدولتين، كما أن إستقرار السلطة في دولة الشمال بشروط أمريكية أمر لا زم لإستكمال السيطرة على مراكز إنتاج طاقة المستقبل، تماماً مثل ضرورة إسقاط النظام الممانع في سوريا.
فالولايات المتحدة الأمريكية ترمي لتحويل تركيا إلى مركز للطاقة وتحديداً الغاز الطبيعي، بجر الغاز المصري والإسرائيلي واللبناني (غاز شرق المتوسط) ولاحقاً الإيراني والتركمانستاني بعد إسقاط النظام الإيراني عبر سوريا إلى تركيا مع تزويدها بمنشأة ضخمة لمعالجة الغاز المسال القطري ، حتى تتم السيطرة على الغاز الممون لأوربا ومعظم بلدان العالم، وإخراج روسيا من المعادلة الإقتصادية والسياسية الأوربية حتى قبل نضوب معين غازها الطبيعي الذي لن يجد سوقاً.
وإذا أضفنا لذلك إطلاق يد تركيا في الغاز القبرصي بما يسمح لها بالإنتصار في معركتها مع اليونان ويضع حجر الأساس لتفكيك منطقة اليورو، نفهم لماذا يستميت أردوغان لإسقاط النظام السوري وفي المقابل تستميت روسيا والصين في الدفاع عنه. فسيطرة الولايات المتحدة على الغاز في الشرق الأوسط، يعني أيضاً حصاراً للإمبراطورية الصينية الجائعة للطاقة.

في هذا السياق نقرأ تصريحات مبعوث الرئيس الأمريكي للسودان الذي أكد أن إدارته ليست مع إسقاط نظام المؤتمر الوطني بل هي مع تهذيبه، وكذلك تصريحات الإدارة الأمريكية المعادية لتحالف القوى الثورية المعروف بتحالف كاودا الذي نادى بإسقاط النظام عبر العمل المسلح والشهيد الخليل أحد أضلاعه المهمة. أيضاً نفهم الجهد الأمريكي غير المسبوق المباشر وغير المباشر للوصول إلى تسوية سياسية للقضايا العالقة بين دولتي الشمال والجنوب وإنفاذ إتفاقية سلام دارفور الموقعة بالدوحة.
وفي السياق نفسه نقرأ التحول في موقف الحكومة السودانية من النظام السوري وتصويتها في الجامعة العربية مع فرض حظر وعقوبات و تعليق عضوية النظام السوري القمعي الحليف لنظام المؤتمر الوطني، بالرغم من علم هذه الحكومة التام أن هذا هو البرنامج والمشروع الأمريكي الذي جلبته القوى المنخرطة في المشروع الأمريكي بالجامعة العربية، وأن الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم قضايا ومطالب المواطن السوري المحقة المتعلقة بالسياسة الداخلية للنظام، إما لتغيير النظام أو لإجباره على تغيير سياسته الخارجية والإنخراط في المشروع الأمريكي بالتوقف عن الحلم في إحياء أنبوب نفط بانياس وتمرير الغاز الإيراني للبحر المتوسط، وقطع العلاقات مع محور إيران والمقاومة. فأمريكا لا يهمها أن يطحن النظام السوري مواطنيه طحناً، في حال تغييره لموقفه في المعادلة الإقليمية وتمرير المخطط الأمريكي للسيطرة على طاقة المستقبل. وبنفس الصورة، تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تطويع نظام المؤتمر الوطني للإنسجام مع هذا المخطط الجهنمي.
فالوقوف مع بقاء نظام المؤتمر الوطني له ثمن. والمؤتمر الوطني مستعد لدفع هذا الثمن. والثمن هو إستقرار دولة جنوب السودان الوليدة، والإنخراط في مشروع السيطرة على طاقة المستقبل الأمريكي، مع التنسيق لتحجيم المبادرة الصينية بدولتي الجنوب والشمال وخنق إستثماراتها توطئة لطردها مستقبلاً.

والصين بالطبع ساعدت النظام السوداني في قبول الإملاءات الأمريكية حين رفضت أن تعالج أزمته المالية المستحكمة بعد الإنفصال برغم زيارة الرئيس البشير لها، وواصلت ضغطها عليه بشكل منعه من إبتزاز دولة الجنوب الفتية لمعالجة أزمته وذلك حفاظاً على مصالحها الآنية دون النظر لأهمية الدور الإستراتيجي المستقبلي لدولة الشمال. لم يكن للمؤتمر الوطني سوى أحد سبيلين: إما الإنخراط في المشروع الأمريكي بالكامل عبر بوابة الدول العربية عرابة هذا المشروع بالمنطقة والإستمرار في السلطة، أو الرجوع إلى شعبه ومصالحته والإستقواء به في مواجهة الإمبريالية والإستعداد لمغادرة السلطة عبر إنتخابات حرة نزيهة في مستقبل قريب.
وبما أن المؤتمر الوطني لا يضع ضمن حساباته التخلي عن السلطة مطلقاً، فإن خياره كان وحيداً وهو قبول الإملاءات الأمريكية المباشرة وغير المباشرة.

يلاحظ أن الولايات المتحدة أصلاً قد وضعت نظام المؤتمر الوطني حيث أرادته، وحشرته حشراً في زاوية مساحة المناورة فيها محدودة بدءاً من إتفاقية نيفاشا مروراً بتوظيف أمر توقيف البشير وإنتهاءً بتوظيف النزاعات العسكرية المحلية. وقبول النظام بتنفيذ المشروع الأمريكي لا يظهر في موقفه من حكومة دمشق بإيعاز إقليمي فقط، بل في الرضا عنه عبر تكليف أحد أقطابه المشتبه به لدى محكمة الجنايات الدولية بإرتكاب جرائم حرب في دارفور ليرأس بعثة المراقبين العرب المكلفة بالبحث عن أدلة لإدانة نظام الأسد بدلاً من الإعتماد على مايرد بأجهزة الإعلام.
كذلك يتضح في رضا الإدارة الأمريكية عنه بالسماح لبعض القوى الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية بضخ أموال والإستثمار بالسودان الشمالي، علماً بأن الهدف في النهاية هو الإستثمار في مجال الغاز الحيوي \"البيوغاز\" وسوف يبدأ ذلك عبر شراء مصانع السكر لا لإنتاج السكر فقط بل لإنتاج الغاز الحيوي.

بالإضافة إلى ماتقدم، تعمل الولايات المتحدة الأمريكية جاهدة من أجل إستقرار النظامين في الجنوب والشمال، وذلك عبر الضغط على الحكومتين لإيقاف دعم التمرد في كل منهما . ومساعدة كل واحدة منهما في التخلص من خصم عنيد يعمل على تقويض سلطة كل منهما عبر عمل عسكري مباشر.

فالناظر لنجاح تصفية قائد التمرد في جنوب السودان، لا تفوته بصمة الولايات المتحدة الأمريكية أبداً في العملية. فنشاط الرصد والمتابعة وتوفير المعلومة الإستخبارية بمافيها الجواز الكيني المزور الذي كان يستخدمه أطور، تعكس تعاوناً إستخباراتياً وأمنياً رفيع المستوى.
كذلك رصد ومتابعة الشهيد الخليل ودقة الضربة الجوية التي إستهدفته، يعكس عملاً إستخبارياً وأمنياً رفيعاً وتعاون على مستوى أمني وتكنولوجي، لا أظن أنه متوفر لنظام المؤتمر الوطني وإلا كان قد أنجز هذه المهمة منذ زمن طويل. فالشهيد الخليل راح ضحية موافقة المؤتمر الوطني على شروط إدارة أوباما وكذلك قائد التمرد أطور، وعلى تحالف كاودا قراءة هذه المعادلة بعيون مفتوحة. وذلك لأن ضغطه على حكومة الجنوب وتعويله على دعمها له، سوف يتعارض قريباً مع مصلحة مواطني جنوب السودان الذين ليس لديهم مصلحة في إستمرار التوتر مع جارتهم الشمالية التي سوف تصل إلى تسوية إلى القضايا العالقة مع دولتهم تحت ضغط المصالح الصينية والهراوة الأمريكية الكبيرة. كذلك سوف تتعارض رغبة حكومة الجنوب في دعم هذا التحالف – إن وجدت، مع المشروع الأمريكي الرافض لإسقاط النظام. وهذا يعني أن أمام هذا التحالف ثلاث خيارات: أن يقوم بإسقاط النظام بعمل عسكري خاطف، أو أن يتأقلم مع حرب طويلة الأمد بدون دعم من دولة الجنوب، أو أن يصل إلى تسوية سلمية مع النظام.

بالطبع الولايات المتحدة الأمريكية تدفع في إتجاه الحل الثالث (التسوية السياسية)، والتي تأتي في سياق إعادة هيكلة سلطة المؤتمر الوطني عبر تقاعد البشير وتعيين مجلس رئاسي، وإعادة توحيد الحركة الإسلامية تحت قيادة الشيخ/ حسن الترابي لمواكبة مرحلة الربيع العربي، ليقوم بتحقيق إختراق وسط القوى المعارضة وصياغة دستور جديد مع إشراك القوى المعارضة في السلطة وإبقاء نصيب الأسد للمؤتمر الوطني بعد التوحيد ( أي أن المؤتمر الشعبي هو بيضة القبان في المعادلة السياسية القادمة). وهذا يستلزم إسقاط الخيار المسلح وتفكيك تحالف كاودا حتى تلتحق حركات دارفور بالسلطة عبر إتفاقية الدوحة، ويلتحق قطاع الشمال بالسلطة عبر بوابة التسوية السياسية القادمة بين الدولتين بتسوية القضايا العالقة.

يلاحظ أن الشيخ/ الترابي ليس رهن الإشارة الأمريكية، وأن لديه مشروعه الخاص الذي قد لا يتوافق مع هذا المشروع. ولسنا في حاجة للقول بأن نذر هذه التسوية بدأت بدعوة الأمم المتحدة للدولتين بسحب قواتهما من منطقة أبيي لتبريد الصراع حول المنطقة وتركه في عهدة المنظمات الدولية لحين إجتراح حل يرضي جميع الأطراف في ظل جو هادئ ومغاير وغير عدائي، كما من الممكن إستشفافها من تصريحات القائد باقان أموم حول قبول حكومة المؤتمر الوطني لتسوية رسوم عبور البترول تحت ضغط صيني ، وهو ماسيتم قريباً برغم إنكار سلطة الخرطوم. فالكعكة المطروحة على هذه السلطة كبيرة، تتمثل في مردود الإنخراط في المشروع الأمريكي على النخبة الحاكمة، والبقاء في السلطة مع رفع العقوبات والحصار الإقتصادي ورفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وشطب الدين الخارجي عوضاً عن إعادة جدولته.

في تقديرنا المتواضع أن الشهيد الخليل قد قدم قرباناً لنجاح المشروع الأمريكي الإمبريالي في السودان، ولكن إستشهاده لا يعني ضياع القضية التي قاتل من أجلها والتي ستظل باقية وعصية على الحل رغم أنف المشروع الأمريكي في السودان. ألا رحم الله الشهيد خليل إبراهيم وتقبله قبولاً حسناً وألهم رفاقه وآله وذويه الصبر والسلوان ، وقوموا لنضالكم يرحمكم الله!


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1582

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#263721 [صريح]
0.00/5 (0 صوت)

12-27-2011 05:46 PM
مع خالص الشكر للدكتور كاتب المقال

ما ترغب فيه الادارة الامريكية في السودان هو تشذيب العناصر المثيرة للقلق من كل الاطراف السودانية سواء كانت في الحكومة أو المعارضة أو الحركات المسلحة لأن تكلفة هذا البرنامج هي الاقل من بين السيناريوهات الاخرى الممكنة.لذا لا يرى الامريكان حرجا في تحمل بعض المتناقضات في سبيل تحقيق الهدف باقل التكاليف المكنة.و يجب أن لا ننسى مراقبة المريكان للدور الصيني و الفرنسي
و في الوقت المناسب سوف يتخلون عن الكثير ممن يتعاونون معهم اليوم


د. أحمد عثمان
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة