12-28-2011 08:19 AM


إليكم


مكتبة عامة في قلب عاصمة ..!!

الطاهر ساتي
[email protected]

** يقع مقر المحلية في قلب عاصمة الولاية، وليته ما وقع في هذا القلب ..مباني المقر محض أطلال جدارانها لم تنعم بالطلاء منذ افتتاح أول مصنع بوهيات في العالم الثالث، والشوارع التي تمر بجوار المقر بحاجة الي لوحات تشير للسائق بأنها شوارع يجب أن يسلكها وليست بحفر عليه تجنبها..والمدهش أن بجدران هذه الأطلال المسماة - مجازا - بمباني المحلية تحذير حكومي ينبه المارة بخط كوفي أنيق ( ممنوع التبول هنا)، ولأن الأنعام لا تعرف القراءة ظلت الأغنام والحمير تستظل بظلال جداران تلك الأطلال وتخالف ذاك التحذير طوال ساعات النهاروبعض ساعات المساء، ولذلك اقترحت لصديقي باكاش بأن يقترح لسادة المحلية بفتح فصول محو الأمية لتلك الأغنام والحمير لتتعلم بحيث لاتخالف عقولها محتوى ذاك التحذير..تمثال لعثمان دقنة يقف في الركن الجنوبي الغربي لهذه الأطلال، تمثال منكوب جدا ولو كان فيه مثقال ذرة من الروح لهرب من ذاك الركن المظلم الذي جدرانه تجذب كل أكياس المدينة وأوارقها التالفة..هكذا كان قلب عاصمة البحر الأحمرعندما كان بدوي الخير وأبوعلي المجذوب وحاتم الوسيلة ولاة بتلك الولاية..!!
** مررت يوم السبت الفائت بذاك المكان .. لم أجد التمثال ولا الركام المسمى آنذاك - مجازا - بمقر المحلية، فسألت شقيقي عن التمثال فرد بسخرية أهلي : ( إحتمال فرضوا عليه رسوم وقفة وقام شرد )، فضحكت وإستاذنته للدخول إلى حيث تشير إحدى اللوحات..اتجاه اللوحة كان يشير سابقا الى حيث تلك الركام المسمى بمباني المحليه، ولكنه اليوم يشير إلى ( المكتبة الولائية العامة)..دخلتها متوجسا، بحيث لم اكن متحسبا لشراء الكتب، خاصة أن أسعار الكتب في بلادي أغلى من أسعار الأسلحة والمخدرات..وكنا ولازلنا وسنظل نطالبك ياوزير المالية بإعفاء مدخلات صناعة الوعي والمعرفة من أثقال الجمارك والضرائب والرسوم والأتاوات، ليصبح إقتناء كتاب أيسر وأفضل من إقتناء بندقية كلاشنكوف..نعم، فالخرطوم التي كانت تقرأ - ما تؤلفها القاهرة وتطبعها بيروت - لم تقرأ غير أعداد القتلى والجرحى بمسارح العمليات ثم أعداد الضحايا واليتامى بدار المايقوما ومصحة كوبر ..!!
** المهم..دخلت تلك المكتبة العامة، مساحتها واسعة وحولها خضرة وشجيرات في أولى مراحل النمو..بعد ساعة وثلثها من التجوال في ردهات طابقها الأرضي والتأمل في عناوين الإصدارات، شعرت بالرهق ونويت المغادرة مع الأمل بأن أعود إليها مرة أخرى لإقتناء ما تيسر خصما من بند إحدى الضروريات، ويا لبؤس الزمان والمكان حين يصبح فيهما شراء الكتاب ترفا لايقدم عليه إلا هواة الكماليات ومن يصفونه ب( زول ما مسؤول).. قبل مغادرة المكتبة محملا بكل الحزن، دثرني حب الإستطلاع وجنون الصحافة ، فسألت أحدهم - من مصر الشقيقة - عن سعر كتب اخترتها بتوجس، فأجابني بسعر لم أصدق رقمه إلا حين أعاده كرره للمرة الثانية، وأزال دهشتي قائلا ( ما تستغربش، أحنا عاملين تخفيض 50%، علشان الولاية أدتنا المحل ده ببلاش لغاية شهر فبراير)..واتخذت كلمة( بلاش) مدخلا لكشف أسرار هذا المكان الغريب، اذ لم يصدق العقل بأن قاموس جهة حكومية في السودان لاتزال تحتفظ بمفردة (المجان) وتستخدمها في تعاملها مع الناس ..!!
** نعم والله..هي مكتبة للعامة، بمعرضها اليوم (4500 عنوانا)، لإصدارات تطبعها وتوزعها دور نشر بالقاهرة والاردن ولبنان والكويت والسودان أيضا..حكومة الولاية تدعم تلك الإصدارات بحيث يكون العرض مجانا باحدى مبانيها مقابل أن تُخفض هذه المجانية سعر الكتاب بنسبة (50%)..هذا أمر عجيب، بل دعم الكتب لايقف عند حد التنازل عن قيمة إيجار قاعة العرض فقط، بل يمتد الى حيث مد تلك القاعة والأخريات بالكهرباء والمياه مجانا أيضا..ولهذا الكتاب الذي سعره بمكتبات الخرطوم - وكل السودان - عشرين جنيها، يرقد هناك بنصف ذاك السعر..شكرت البائع وحكومة الولاية واقتنيت كتبي بسعادة وصعدت نحو الطابق الاول، وإذ بقاعة بذات مساحة قاعة الطابق الأرضي هناك.. وجدت عند مدخلها ما يلي ( قاعة إطلاع، ممنوع الإزعاج، دع الكتاب على الطاولة بعد قراءته)، وغيرها من الإرشادات التي ترغمك بأن تكتم أنفاسك قبل دفع الباب برفق..القاعة تفيض بالناس،ومع ذلك لاتسمع همسا..طلاب يلخصون درسا ويتهامسون مع بعضهم، وعلى الطاولة الأخرى طالبة نصف وجهها بين صفحتي كتاب ولا تشعر بما حولها ولو كانت حربا، و..و.. بين كل طاولة وطاولة، طاولة أخرى مزينة بالأزاهير..الأناقة هي التي تميز المكان، وكذلك الإضاءة و أرتال الكتب تغطي جدران القاعة من كل جوانبها، ثم .. الهدوء .. !!
** سألت أحدهم عن سعة القاعة، وليتني ما سألت ..تلقيت أنظار الإستياء من بعضهم وأنظار الدهشة من البعض الآخر، ثم جاء الموظف ليهمس(محتاج لي أي خدمة؟)..فاستحيت وأعتذرت ثم اعترفت ( معليش ياحبيب، أنا مواطن وعندي مرض اسمو حب الإستطلاع وعايز لي زول اتكلم معاهو حول المكتبة دي، صدقني أنا ما مجنون بس شليق شوية)،فضحك شقيقي وصديقه رغم أنف تحذير(ممنوع الإزعاج)..وخرج بي الموظف الى حيث مكتب العاملين، وسألتهم ثم سألتهم حتى ارتويت..(عملنا يبدأ عند التاسعة صباحا ويتواصل حتى المغرب.. قاعة الإطلاع لكل الناس، بعضهم يأتي بكتابه والبعض الآخر يأتي ليقرأ كتبنا، وكل هذا بلا مقابل..نستقبل حوالي 150 مواطن في اليوم، ولكن يتضاعف العدد في العطلات..معظم الرواد طلاب بجامعة البحر الأحمر، نجحنا في توفير بعض المراجع والكتب العلمية والثقافية..وبالطابق الأرضي مقاهي أنترنت، بلا مقابل أيضا..لسنا بعاملين في هذه المكتبة، بل متعاونين نظير حوافز تدفعها حكومة الولاية..بعضنا تخرج في الجامعات والبعض الآخر لايزال يدرس، ولكن لدينا أوقات فراغ ومن الأفضل أن نخدم أهلنا بتشغيل هذه المكتبة و خدمة روادها)، هكذا تبادل الشباب الحديث، فشكرتهم بلسان حال قائلا : ( شكرا لكم، ولحكومة تعترف بالوعي والمعرفة وتنشرهما في رعيتها)، وخرجت منتشيا..ولكن - فجأة كدة - تذكرت تلك الموؤدة في قلب عاصمة البلد، والتى كانت تسمي ب ( مكتبة القبة الخضراء ) ..!!
..............
نقلا عن السوداني


تعليقات 4 | إهداء 1 | زيارات 2693

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#264371 [قوقلاطي]
0.00/5 (0 صوت)

12-28-2011 08:58 PM
المكتبة ما دام فيها مصر اعملو حسابكم واصحو وختو بالكم من الناس ديل ما اظنهم بقدمو التسهيلات دي بالمجان وما يقركم كلام المبني مجاني من الحكومة اكيد الاستخبارات المصرية داخلة في الموضوع برشوة ولا تهديد
خصوصا شرق السودان بقي فيه شغل استخبارارت عجيب جدا من ارتيريا والحبشة وايران واسرائل ومصر والسعودية وبعض دول الخليج
بطلو طيبة وسزاجة كتب شنو اللسة انتو بتتكلو عنها وتقرو فيها العلم بقي تكنلوجيا وذواكر واحاجات ارقي من الورق
البتكلم عن الكتب بقي زي الزول البتكلم في رقع الجلد واللواح الخشب واوراق الشجر بعد اكتشاف الورق
اصحو يا عالم واطلعو من الظلام الانتو عايشين فيه دا


#264079 [orass]
0.00/5 (0 صوت)

12-28-2011 11:40 AM
ما حيطول بيك المقام هناك .. طالما مافي اختلاسات ولغف وكدا ... أول مرة بتتفسح وتضحك كمان....
ناس الخرطوم اليومين ديل مرتاحين منك ..ولسان حالهم يقول : أعوذ بالله طرينا الشر لبعده.


#263986 [Shah]
0.00/5 (0 صوت)

12-28-2011 10:13 AM
عود على بدء:
ولكن خذ عربة أجرة و أذهب لديم عرب و أكتب لنا.



#263971 [متابع]
0.00/5 (0 صوت)

12-28-2011 09:54 AM

الأستاذ الطاهر ساتي.....

ياخ والله أحييت فينا الأمل..... أنا كنت قايل البلد دي .... ما فيها أمل....

وأنت بهذا المقال.... السياحي الذهني.... لنا.... والسياحي فعلاً....لك.... تخرج من اللوم

الوارد في قول الشاعر....

.....ولكن عين السخط تبدي المساويا

.... بس أوع .... تجي بكرة.... تقول إنو دي.... كانت حلمة ساي.... أو كذبة يناير!

ياخ بالله بلغ تحياتي..... كمواطن عادي بسيط..... للسيد ايلا.... وطاقمه

فعلاً..... زي ما قال الخليل.....

الشرق لاح نوره وازدان

تحياتي لك.... ولايلا... وللبحر الأحمر.... ولكل جميل (شخص أو غيره) في بلادي...

يا سلاااااااااااااااااااااااااااام ....ياخ..... بارقة أمل



الطاهر ساتي
الطاهر ساتي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة