المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
د. خليل .. خروج ضؤء الفجر من عتمة الليل!ا
د. خليل .. خروج ضؤء الفجر من عتمة الليل!ا
12-29-2011 08:27 AM

الدكتور خليل ابراهيم:
خروج ضؤء الفجر من عتمة الليل!

فضيلي جمّاع
[email protected]

الثورة واحدة وإن تعددت حيالها السبل والمسالك. ولعل القاسم المشترك في ديالكتيك الثورة أنها أطروحة ضد الاستبداد والظلم؛ وهي بالتالي سعي نحو خلق فردوس ينعم به عامة الناس. لذا فالثورات جميعها انقلاب جماهيري عريض، مسرحه كل الساحات وأبطاله في المقدمة هم الفقراء والمحرومون. لذا كانت الأديان دون تمييز تحريراً للناس من المهانة والذل وكان جل أتباع الأنبياء هم الفقراء والمحرومون. وأي انحراف بالدين عن كونه إشاعة لحرية الإنسان وعدالة قضاياه وإسعاده إنما هو دجل يخرج الأديان من لاهوت الثورة إلى دائرة الظلم.
لقد اشتعلت على مدى قرن ونيف من عصرنا الحالي أكثر من ثورة ، في أكثر من قارة وكانت جميعها ضد الطغيان والاستبداد. بل كان قادتها أجمعين ينادون بالعدل والمساواة- وهي عبارة يتم تعديل صياغتها حسب اختلاف اللسان وفقه اللغة بين قوم وقوم. كانوا جميعا معنيين بالبحث – كما أسلفنا - عن فردوس للمحرومين! ولعل الفارق الجوهري بين الثائر الأصيل وغيره من الكذبة وأدعياء الثورة أن أول ما يبدأ به الثائر الحقيقي هو الإنقلاب على ذاته وتحريرها من سطوة العادي وهيمنة الجاهز والتقليد. وتلك مرحلة من أصعب مراحل الحوار مع الذات، يخرج بعدها الثائر من قوقعة الفعل العادي إلى سماوات الخلق والإبتكار، أي مرحلة التحول من أسر العادي إلى صناعة غير المألوف. وبهذا القفز يطوي الثائر المراحل ، ناثرا غبار الدهشة على من لا يرون لحظة خروج ضوء الفجر من ظلمة الليل ، وانهمار المطر إثر زمجرة الرعود.
مضى الدكتور خليل ابراهيم إلى الدار التي لا ترقى إليها الأباطيل، تاركاً ضجة لم يسبقه إليها قريبا إلا الثائر الأممي الدكتور جون قرنق دي مابيور. كلاهما هجر بريق المهنة والركون إلى المألوف. كان قرنق يحلم بسودان جديد يتساوى فيه كل مواطني المليون ميل مربع -آنذاك- بغض النظر عن العرق أواللون أوالدين. ويكون فيه امتياز المرء بقدرما يسعى ويقدم للوطن وأبناء الوطن من تضحية وعمل. كرس قرنق كل ساعة من عمره لحلمه ، حتى لاحت بشائره قبل أن تحل كارثة موته المشئوم..ليمضي هو وتبقى الفكرة. وبصورة أخرى مشابهة رغم اختلاف تضاريسها من حيث التكوين الفكري، كانت مسيرة الطبيب الثائر خليل ابراهيم.
لم أزل أذكر مؤتمر المهمشين في مدينة هنتينجين بألمانيا في العام 2003 م – إن لم تخني الذاكرة. هرعنا إلى هناك (كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان ، وحركة العدل والمساواة ومؤتمر البجا من أكثر الحركات المعارضة تمثيلاً.) ثلاثة أيام من العمل الدؤوب – جلسة إثر جلسة. قراءة أوراق واجتماعات جانبية ، ثم تعارف واقتراب وتعارف على استحياء أحيانا. ولكننا التقينا – كلنا ودون تمييز- في اليوم الثالث والختامي للمؤتمر. نجح المؤتمرون في الإتفاق على قضايا جوهرية لم نختلف في أنها فرضت ظلها على شعب السودان كله: جنوبه وشماله شرقه ووسطه وغربه- ألا وهي أننا لن نحظي - جميعاً بدولة ترسي أسس العدل الإجتماعي وتساوي بين الناس- ما لم نقتلع الظلم من جذوره. في تلك اللحظات العامرة بالتفاؤل والأمل التقيت الدكتور خليل ابراهيم. دردشنا في جماعة وتحدثنا هو وكاتب هذه السطور على انفراد. تبادلنا الهواتف.. وافترقنا كل منا يحلم ويعمل للحلم.. لكن خليل ابراهيم – الطبيب الذي كسر قوقعة المألوف ، وخرج من سجن الأيدلوجيا الأطرش إلى رحاب أهله المعدمين والفقراء- كان أكثرنا إيمانا بالحلم.. فقد اختار أن يمشي وسط أبناء الأغلبية الصامتة والمهمشة ، رافعا بندقيته ، متقدما جحافلهم التي بدأت سيرها - حقيقة لا كذبا- من الأطراف نحو المركز- منادية بحق فطري وطبيعي وإنساني. قصير هو العمر الذي عاشه خليل ابراهيم ، إذا ما قيس بملحمته البطولية التي أنجزها..هذا الطبيب الذي تمرد على نفسه حبيسة التطرف الأيديولوجي الأعمى ، فتغير اتجاه سيره مائة وثمانين درجة: كان دبابا ، يؤمن بقتل أبرياء يطالبون بحقهم المشروع في أحراش الجنوب .. لكنه انتفض في لحظة غسيل روحي نادرة ، فوهب نفسه لحفاة ومعدمين في قرى جبل مرة والطينة وود بندة.
الدكتور خليل ابراهيم .. يا أيها الثائر، جئت للحياة نظيفا وذهبت منها نظيفا كما جئت ، فطوبى لأمثالك ممن وهبوا أرواحهم سخية وماتوا وهم في حلبة الوغى بين المعدمين والفقراء. نم قريرا .. واعلم أن قنديل الثورة لن ينطفيء وأن صرخة الفقراء والمهمشين في كل أصقاع بلادنا هي الرعب الذي سكن أوصال قاتليك.
قال تعالى في سورة هود –الآية 111- :(وإنّ كلاً لمّا ليوفّينهم ربُّك أعمالَهم ، إنّه بما يعملون خبير.) صدق الله العظيم.


تعليقات 5 | إهداء 1 | زيارات 3183

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#265091 [صلاح الحويج]
0.00/5 (0 صوت)

12-30-2011 10:35 AM
لله درك استاذي الشاعر الكبير فضيلي فضوء الفجر سيصبح نورا يعم البلاد ودماء الشهداء لن تذهب هدرا ودولة المواطنة التي ننشدها سنبنيها بالعرق والدم والكفاح ولن نستسلم للزبانية الخاص ات ات ات فصبرا جميلا ايها المهمشون في اصقاع بلادي


#265007 [abusafarouq]
0.00/5 (0 صوت)

12-30-2011 07:22 AM
أعطيت الرجل حقه بالفعل مات فى سبيل المهمشين وفى الميدان لم يغتال فى فندق ونعم الرجل أمثاله قليلو الهدف أغتيال الفكر كما تم إغتيال فكر جون قرنق . إن شاؤا أم أبو العدل قادم لامحالة الارض لله يرثها من يشاء من عباده والطغاة لايؤخذون إلا على عنفوان قوتهم وجبروتهم حتى يكون عظة ومثلا للأخرين:. ولنا العبر فى الاقوام الفانية قبلنا لانستعجل سوف نرى إن بقينا شكرا لك يا أستاذنا القدير فضيلى جماع ..


#264751 [ابودانية]
0.00/5 (0 صوت)

12-29-2011 03:56 PM
ماثقل الحزن وما اوجع الفجيعة ..وما امر دموع الرجال ..وامر من ذلك كله ان تري اهل السودان يقتتلون حتي لايعرف المقتول فيم قتل والقاتل لماذا قتل ..االمرجو من النخبة اكبر واجل من ان تحمل البنادق التي لاتعرف سوي القتل لانها مسدودة الافق وان تعالي دويها ..ولا ارتكاب المقاتلات وان علا ازيزها ..مهمة النخب انارة الطريق لخلق واقع مشرق وغد واعد لا الاحتكام الي السنان ..وتغييب الفكر والجنان ...اللهم اهد اهل السودان لامر رشد ..


#264721 [sami ali]
0.00/5 (0 صوت)

12-29-2011 03:04 PM
قصير هو العمر الذي عاشه خليل ابراهيم ، إذا ما قيس بملحمته البطولية التي أنجزها..هذا الطبيب الذي تمرد على نفسه حبيسة التطرف الأيديولوجي الأعمى ، فتغير اتجاه سيره مائة وثمانين درجة: كان دبابا ، يؤمن بقتل أبرياء يطالبون بحقهم المشروع في أحراش الجنوب .. لكنه انتفض في لحظة غسيل روحي نادرة ، فوهب نفسه لحفاة ومعدمين في قرى جبل مرة والطينة وود بندة.
سلمت يداك يا لسان المهمشين واديبهم . وطوبى لخليل وشهدا الثورة السودانية المنتصرة بلا شك...



#264671 [Abu Reem]
0.00/5 (0 صوت)

12-29-2011 01:24 PM
نحن نشكر الأستاذ الأديب الأريب فضيلي جماع على هذه المشاعر الجياشة وان سكب مداد يراعه في تأبين رحيل الدكتور خليل الذي غادر هذه الفانية واستشهد ووهو واقفا وشامخا كشموخ النخل . ونحن لا نستغرب سلاسة ورقة الادب المنثور من الاخ جماع فهو شاعر واديب لا يشق له غبار . ولكن المحزن والمبكي هى المفارقة في ان ينعي رجل بقامة الشاعر فضيلي جماع صديقة ورفيق دربه في الايمان بالقضية ، بينما يهلل ويكبر الهتيفة والارزقية لموت انسان مسلم . .. اين الاسلام من هذا الهراء وهذا السعار السلطوي والشرة في أكل اموال الناس بالباطل . أين الاسلام في منع المعزين من أداء واجب العزاء لأناس مكلومين في مصاب جلل ليس لحركة العدل والمساواة السودانية بل لكل الشعب السوداني.. انه زمن الغفلة والأرزقية والروبيضة والهتيفة .. سيذهب الزبد جفاء ويمكث في الارض ما ينفع الناس .. أخي فضيلي جماع لا تحزن ... فان الله مع المهمشين وعامة الناس .. وقد صدق قولك ان المساكين هم اتباع الانبياء وهل وجدت نبياً اتباعه من اصحاب السلطة والجاه ... كلا.. نحن نقول الوحش يقتل ثائرا والأرض ينبت ألف ثائر . ابوريم


فضيلي جمّاع
فضيلي جمّاع

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة