عربة..ولكنها حياة..اا
01-04-2012 09:31 AM

إليكم

الطاهر ساتي
[email protected]

عربة ... ولكنها حياة ...!!

** ما يميز موسى عن الآخرين ليس عربته الصغيرة والمسماة - شعبيا - بالدباب، ولا بضاعته ذات الألوان الزاهية والتي قوامها الهدايا وألعاب الأطفال..ولكن لموسى هذا ابتسامة مميزة لاتفارق وجهه الصبوح..وكأنه يريد بتلك الإبتسامة أن يقول للناس والحياة ( إني اتحدى الإعاقة)..على مقعد عربته الصغيرة واضعا أمامه منضدة مثبتة على العربة وعليها تلك الهدايا والألعاب..أي عربته هي ( متجره السيار).. يستقبل الأسر وأطفالها بابتسامة ويودعهم ببشاشة.. وما بين الاستقبال و الوداع فاصل من الأنس اللطيف مع الأطفال وأولياء أمورهم إلا أن يغادرونه وعلامات الرضا والسعادة تتبع خطاهم..فنجان القهوة الذي تناولته على بعد أمتار من عربة موسى ساهم في رصد هذا المشهد الأنيق، وعندما دعوته ( يا حبيبنا تعزمني شاي ولا أعزمك قهوة؟)، رد ضاحكا : ( ياخ كتر خيرك والله، انا البعزمك )، ثم أردف صائحا ( يا قدورة عليك الله واحد شاي للأخ ده ، وما تحاسبوا)..وصار هذا الشاي مدخلا نحو (الأفق المضئ )..!!
** موسى يؤانس مغتربا عاد صباح اليوم الي وطنه بعد غياب عقد من الزمان، أو هكذا عرفت نفسي لموسى منعا للتوجس و رغبة في التلقائية، فالصحافة دائما تباعد بيننا وبين تلقائية الناس، ولذلك نخفيها عنهم بقدر المستطاع ..فلنسمع حديث موسى : أنا معاق منذ الطفولة، ربما لم يطعموني ضد شلل الأطفال، وربما هناك أسباب أخرى، فالأمر قضاء وقدر، و لم تسمح الظروف لأبي وأمي لعلاجي ومعرفة سبب إعاقتي، وإعاقتني حرمتني عن الحياة التي أحبها، فأنا أحب أن أكون دائما مع الناس، مشاركا أهلي وجيراني ومعارفي أفراحهم وأحزانهم، ولكن إعاقتي حالت دون ذلك .. وعندما كنت أسمع أخبار أهلي وأصدقائي ومناسباتهم كان يصيبني الحزن، وخروجي من المنزل لتلك المناسبات كان يرهق أبي وأمي كثيرا، إذ لم يكن باستطاعتها تحمل قيمة إيجار الركشة والأمجاد ..ولذلك ظلت غرفتي رفيقتي الوحيدة - وكذلك جهاز موبايل - طوال سنوات صباي..وأخيرا أكرمني الله بهذه العربة التي أعادت لي الحياة التي كنت إفتقدها طوال سنوات عمري الفائتة..!!
** و..يتوقف موسى قليلا، ليبيع بالونا وبعض الأشياء لأسرة زائرة لهذا المكان، ويواصل بعد أن ينبهني الى تناول الشاي قبل أن يبرد : إتجول بهذه العربة نهارا في كل أحياء المدينة مشاركا أهلي وأصدقائي في مناسباتهم ..وكذلك هي متجري المتجول،بحيث أحمل عليها بضاعاتي وأبحث عن الرزق الحلال في الكورنيش والأندية والسوق..( والله لو ما العربية دي أنا لامن أموت ما كنت بعرف البلد دي شكلها كيف؟)، كتبتها كما نطق..ثم يواصل ردا على سؤال عن الحال الإقتصادي : الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، لم أعد بحاجة الي أحد..وأساهم مع أبي في دفع فواتير الكهرباء والمياه ومصاريف تعليم أختي الصغيرة..ويضحك حين أساله عن دخله في فترة مهرجان السياحة وليلة رأس السنة، ويخرج أوراق مالية من جيبه ويقبلها ثم يبتسم قائلا ( الحمد لله، الخير راقد والرزق كتير، الله يقدرني على الشكر، وأعفيني ما بوريك دخلي كم، لكن عشان خاطر الملح والملاح البينا ده - يشير الي كوب الشاي - قبل شهرين عملت رأس المال حقي وبقيت ما بجيب بضاعة بالدين، ولو الأمور مشت كدة الشاف السنة الجاية الحاج والحاجة في عرفات ما كضب)، قالها هكذا، فشكرته على الشاي والأنس اللطيف..!!
** كما أعادت تلك العربة لموسى حياته التي يحبها، هناك ثلاثمائة عربة أخرى أعادت الحياة لثلاثمائة معاق بالبحر الأحمر..تلتقيهم في الشواطئ وسوح المدينة وشوارعها وأسواقها..حراكهم يفرح القلب ويسر العين.. يمارسون حياتهم - بيعا وشراء وسياحة وتجوالا - على طبيعتها، وبكل يسر ولاتطاردهم شرطة المحلية ولا رسومها..وعربة موسى التي رصدتها لم تكن إلا بداية الطريق الذي أوصلني الى لجنة المعاقين التي شكلت بقرار ولائي حكيم .. يرأسها مواطن من عامة الناس اسمه آدم الحمري، لايمت الي هياكل الدولة الوظيفية بأية صلة، ولا ناقة له في حزب حاكم ولا جمل في حزب معارض..الحمري - وآ خرين - يعيدون لذوي الحاجة حياتهم التي كانت مقعدة ومعقدة.. وخلال عام ونيف صاروا من أهل البذل والعطاء، والفضل لله ثم لتلك العربات الرشيقة والمريحة..!!
** هم لايمتلكون تلك العربات فحسب .. بل ملتزمة كل مركبات الولاية العامة بتخصيص مقعدين لهم مجانا.. وكذلك ملتزمة كل مكاتب البصات السفرية بمدن ولايتهم بتخصيص مقعد للمعاق مجانا أيضا..ولهم أيضا في استاد بورتسودان وملاعب الأندية أمكنة تم إعدادها بحيث تسعهم وتسع عرباتهم تلك..عدد المعاقين بالبحر الأحمر (2501)..منهم من إمتلك تلك العربة، وهم البلاغ عددهم (300 )..ومنهم من يتأهب للإستلام في مقبل الأيام، فالسماء لاتزال تمطر خيرا ورحمة، بفضل الله ثم بجهد مشترك ما بين حكومة البحر الأحمر ومجتمع البحر الأحمر..وهكذا يشمل التغيير - نحو الأفضل - أوجه الحياة في البحر الأحمر..وسواسية الناس والحكومة هناك في تحسين ولايتهم وتنمية إنسانها و(شراء عربة المعاق)..وللأسف، كان مهرجان السياحة فقط هو الوجه المطل على مرآة الإعلام، بيد أن هناك ما خفي على تلك المرآة.. وما وجه موسى ورفاقه - بكل حيويتهم وكامل ابتساماتهم و سمو معنوياتهم - إلا نموذج من نماذج الحياة الجديدة التي تشرق هناك ب ( الأمل )..شكرا لكل من وهب ويهب المعاق بعض الأمل..وعذرا موسى لقد جئتك صحفيا ولست بمغترب كما ذكرت..فالوطن الذي نحلم به هو المغترب، ونأمل أن يعود - كما كان - جميلا ..!!
................
نقلا عن السوداني


تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 3652

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#269051 [ابوبكر]
0.00/5 (0 صوت)

01-05-2012 12:47 PM
يا لجمال القناعة والرضى


#269038 [bakri]
0.00/5 (0 صوت)

01-05-2012 12:27 PM
شكرآ الاخ الطاهر ساتي.
في ثقافتنا ان بكا الرجال عيب ولكن والله العظيم لم ابكي واشعر بالراحه والامل بالغد الا بعد ان قراءة مقالك هذا ........اكرر شكري لك ولقلمك الذي يتنفس صدقآ


#268856 [زيكو]
0.00/5 (0 صوت)

01-05-2012 06:27 AM
اهو ده السودان البلد اليسع الجميع


#268616 [Iالقبطان]
0.00/5 (0 صوت)

01-04-2012 07:37 PM
يااخي انت رجل مبدع ... لك التحيه


#268269 [tag]
0.00/5 (0 صوت)

01-04-2012 12:11 PM
طبعا الجماعة فى الخرطوم حايزعلو زعل شديد لانهم يعتبرون هذا احترام غير عادى للشعب السودانى وانه لايستاهل كل هذا التقدير وهذه تعتبر جنينه ما عندها سيد (بلنسبه للمحليات قاتلها الله) وفريسه سهلة الاصطياد. هذا مثل بسيط للذى قال (نحنه بنخاف من الله ما بنخاف من الشعب) فلا هو خاف الله ولا هو خدم الشعب (كلكلب ان تحمل عليه يلهث وان تتركه يلهث) صدق الله العظيم. الى الامام ولاية البحر الاحمر.


#268199 [مغترب مقهوووور]
0.00/5 (0 صوت)

01-04-2012 10:37 AM
صبحك الله بالصحة والعافيو وكل عام وانتم بخير وشكرا علي الاخبار الجميلة التي نسيناها وشكرا لوالي البحر الاحمر الذي زرع التفاؤل بغد مشرق وان الامكانيات تتوفر اذا توفر العزم وتتكسر بالنهب والسرقة وكثير من الشماعات وانه افضل مما كان لحد بعيد
اتمني ان يقرأ والي الخرطوم هذه المساحة ويلغي اتاواته علي الغلابة


#268197 [elwaleedmansou]
0.00/5 (0 صوت)

01-04-2012 10:34 AM
شكرا الطاهر ساتي..قنعنا من خيرا في البلد دي، لكن نسال الله ان يقدم الناس الفيهم الخيرويقطع دابر اللصوص والمنفعجيه والانتهازيه وهم كثير


#268185 [الشفيع الخاتم]
0.00/5 (0 صوت)

01-04-2012 10:23 AM
الاخ الطاهر ساتي
مشكور جدا علي عكس نشاط الولاية اي البحر الاحمر بهذة الصورة لتكون اكثر تشجيع لبقية الولايات نموزجا في الاهتمام بالانسان والله بالجد مشهد مبدع في تصوير الاشياء وشريحة المعاقين دورها مهم في المجتمع فاهتمام الولاية ورجال البر والاحسان بهم جعلهم يعيشون مع الناس افراحهم واتراحهم مما جعل حتي دخلهم يزيد وانشاء الله من حديثهم بعد ان من الله عليهم بالمال سيشاركون في انعاش اقتصاد بيوتهم ومدينتهم
التحية للاخ الوالي الطاهر ايلا ونتمني من رجال الاعمال بالخرطوم وعلي راسهم سعود البرير ان يجعلو احدي امانت اصحاب العمل مهتمة بشريحة المعاقين ويوفر لهم التمويل ونسال الله ان يثبت الاجر


الطاهر ساتي
الطاهر ساتي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة